Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
- كِتَابُ الحَجّ
وفيه من حديث عائشة طاف النبي ◌َّهر في حجة الوداع حول الكعبة
عَلَى بعيره، ليستلم الناس كراهية أن يصرف عنه الناس(١).
فرع :
ينبغي للراكب أن يبعد بحيث لا يؤذى، فإن أمن قرب كما فعل وَله.
فائدة :
في الحديث رد عَلَى من كره تسمية حجة رسول الله وَ ل ◌ِ حجة
الوداع، والمنكر غالط(٢)، واستدل به من يرى بطهارة بول وروث
ما يؤكل لحمه. خلافًا للشافعي وأبي حنيفة(٣).
قَالَ المهلب: وفيه أنه لا يجب أن يطوف أحد في وقت صلاة
الجماعة إلا من وراء الناس، ولا يطوف بين المصلين وبين البيت
فيشغل الإمام والناس ويؤذيهم كما في حديث أم سلمة. وأن ترك أذى
المسلم أفضل من صلاة الجماعة، كما قَالَ: ((من أكل هذِه الشجرة
فلا يقربن مساجدنا»(٤)(٥).
(١) مسلم (١٢٧٤).
(٢) أنظر ((المجموع)) ٢٦٨/٨.
(٣) أنظر (شرح معاني الآثار)) ١٠٨/١، ((المبسوط)) ٤٧/٦، ((بدائع الصنائع)) ١/ ٦١،
((إحكام الأحكام)) ٤٨/٣، ((نيل الأوطار)) ٣٨٣/٣.
(٤) سلف برقم (٨٥٣) كتاب: الأذان، باب: ما جاء في الثوم النيئ والبصل
والكراث، ورواه مسلم (٥٦٣) كتاب: المساجد، نهى من أكل ثومًا أو بصلًا.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في التاسع بعد العشرين، كتبه مؤلفه.

٣٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٥٩- باب مَنْ لَمْ يَسْتَلِمْ إِلَّ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ
١٦٠٨- وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ: أَخْبَرَنَا ابْن ◌ُرَنْجِ، أَخْبَرَنِ عَمْرُو بْنُ دِینَارٍ، عَنْ
أَبِي الشَّغْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يَتَّقِي شَيْئًا مِنَ البَيْتِ؟ وَكَانَ مُعَاوِيَةٌ يَسْتَلِمُ الأَزْكَانَ،
فَقَالَ لَهُ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: إِنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الزُّكْتَانِ. فَقَالَ: لَيْسَ
شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا، وَكَانَ ابن الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ. [فتح:
٤٧٣/٣]
١٦٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالم بنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ
أَبِيهِ رضي الله عنهما قَالَ: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ وَّهُ يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ إِلَّ الرِّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ.
[انظر: ١٦٦- مسلم: ١١٨٧ - فتح: ٣ /٤٧٣]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ (١) : أَنَا ابن جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ
أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يَتَّقِي شَيْئًا مِنَ البَيْتِ؟ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ
الأَرْكَانَ كلها، فَقَالَ لَهُ ابن عَبَّاسِ: إِنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ. فَقَالَ:
لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا، وَكَانَ ابن الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما
يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ.
ثم ذكر حديث سالم عن أبيه قال: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ وَّهِ يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ
إِّ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ
الشرح :
هذا التعليق أسنده الإمام أحمد من وجه آخر فقال: حَدَّثَنَا
عبد الرازق، ثَنَا معمر والثوري ح. وحَدَّثَنَا روح، ثَنَا الثوري، عن ابن
(١) وقع في الأصل في المتن: زكرياء، وبالهامش تعليق: كذا، صوابه محمد بن بكر،
وكذا هو في أصلنا وهو البرساني.

٣٨٣
- كِتَابُ الحَجّ
خثيم، عن أبي الطفيل قَالَ: كنت مع ابن عباس ومعاوية، فكان معاوية
لا يمر بركن إلا استلمه، فقال له عبد الله، الحديث(١)، وحَدَّثَنَا روحٍ، ثَنَا
سعيد وعبد الوهاب، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي الطفيل(٢). وحَدَّثَنَا
مروان بن شجاع، حَدَّثَني خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس
فذكره(٣). وأخرجه مسلم من حديث عمرو بن الحارث، عن قتادة،
دون قصة معاوية، بلفظ: لم أر رسول الله ◌َ* يستلم غير الركنين
اليمانيين(٤). وفي ((سؤالات عبد الله بن أحمد)): ثَنَا أبي، ثَنَا يحيى بن
سعيد، عن شعبة، حَدَّثَني قتادة، عن أبي الطفيل قَالَ: حج معاوية
وابن عباس، فجعل ابن عباس يستلم الأركان كلها، فقال معاوية:
إنما استلم رسول الله وَل هذين الركنين الأيمنين، فقال ابن عباس:
ليس من أركانه شيء مهجور. وقال حنبل: سمعتُ أبا عبد الله يقول:
شعبة قلب حديث معاوية وابن عباس، قلب الفعل والكلام قَالَ:
وقال شعبة: الناس يخالفوني في هذا الحديث، ولكني سمعته من
قتادة هكذا.
وأما أثر ابن الزبير فأخرجه ابن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن ابن
إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه أنه رأى ابن الزبير استلم الأركان
كلها، وقال: إنه ليس شيء منه مهجور (٥).
ورواه الشافعي في ((مسنده)): أخبرنا سعيد، أنا موسى الربذي، عن
(١) ((المسند)) ٣٧٢/١.
(٢) ((مسند أحمد)» ٣٧٢/١.
(٣) ((مسند أحمد)) ١/ ٢١٧.
(٤) ((صحيح مسلم)) (١٢٦٩) باب: استحباب استلام الركنين اليمانيين .....
(٥) ((المصنف)) ٣٤٨/٣ (١٤٩٩١) كتاب: المناسك، باب: فيما يستلم من الأركان.

٣٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
محمد بن كعب، أن ابن عباس كان يمسح عَلَى الركنين: اليماني
والحجر، وكان ابن الزبير يمسح الأركان كلها ويقول: لا ينبغي لبيت
الله أن يكون شيء منه مهجورًا، وكان ابن عباس يقول: لقد كان لكم
في رسول الله وَالقر أسوة حسنة(١).
وأما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم أيضًا (٢). ولابن أبي شيبة من
حديث ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن يعلى بن أمية، ورآه عمر يستلم
الأركان كلها: يا يعلى ما تفعل؟ قَالَ: أستلمها كلها؛ لأنه ليس شيء
من البيت يهجر. فقال عمر: أما رأيت رسول الله ولم يستلم منها
إلا الحجر؟ قَالَ يعلى: بلى. قَالَ: فما لك به أسوة؟ قَالَ: بلى، ثم
روى عن مجاهد قَالَ: الركنان اللذان يليان الحجر لا يستلمان(٣).
وعن عطاء قَالَ: أدركت مشيختنا: ابن عباس وجابر وأبا هريرة
وعبيد بن عمير، لا يستلمون غيرهما من الأركان، يعني: الأسود
واليماني، وممن كان يستلم الأركان كلها بإسناد جيد: سويد بن
غفلة، وجابر بن زيد، وعروة بن الزبير(٤)، زاد ابن المنذر: وجابر بن
عبد الله والحسن والحسين وأنس. قَالَ: وقال أكثر أهل العلم: لا يسن
استلامها، يعني: الركنين الشاميين.
(١) (مسند الشافعي)) ٣٤٤/١ (٨٨٨) كتاب: الحج، باب: فيما يلزم الحاج بعد دخول
مکة.
(٢) (صحيح مسلم)) (١٢٦٧) كتاب: الحج، باب: استحباب استلام الركنين
الیمانیین.
(٣) ((المصنف)) ٣٤٨/٣ (١٤٩٨٧، ١٤٩٩١) كتاب: الحج، باب: فيما يستلم من
الأركان.
(٤) ((المصنف)) ٣٤٨/٣- ٣٤٩ (١٤٩٨٥ - ١٤٩٨٦، ١٤٩٩٢ - ١٤٩٩٣).

٣٨٥
ـ كِتَابُ الحَجّ
وقال الشافعي: إذا استلم الحجر واليماني استحب له أن يقبله بعد
استلامهما، وقد سلف ما فيه(١).
وفي البيهقي مضعفًا من حديث جابر أن النبي ◌َّ استلم الحجر
وقبله، واستلم الركن اليماني وقبل يده. ومن حديث ابن عباس: كان
** إذا استلم الركن اليماني قبله ووضع خده عليه. وقال: لا يثبت
مثله. تفرد به عبد الله بن مسلم بن هرمز، وهو ضعيف(٢).
وقال الشافعي في ((مسنده)): أنا سعيد، عن ابن جريج: قلتُ لعطاء:
هل رأيت أحدًا من الصحابة إذا استلموا قبلوا أيديهم؟ فقَالَ: نعم رأيت
جابر بن عبد الله وابن عمر وأبا سعيد وأبا هريرة إذا استلموا قبلوا
أيديهم، قلتُ: وابن عباس؟ قَالَ: نعم، قلت: هل تدع أنت إذا
استلمت لأن تُقبل يدك؟ قال: فلم أستلمه إذًا(٣)؟!
وأجاب الشافعي عن قول معاوية فقال: لم يدع أحد استلامهما
هجرًا للبيت، ولكنا نستلم ما استلمه رسول الله وَلقوله، ونمسك عما
أمسك عنه، وجمهور الصحابة عَلَى أنهما لا يستلمان ولا يُقبلان،
وأما اليماني الذي لا حجر فيه، فيستلم ولا يُقبل (٤).
(١) فيه نظر؛ فقد قال الشافعي في ((الأم)): ((وأحب أن يقبل الحجر الأسود وإن استلمه
بيده قبل يده وأحب أن يستلم الركن اليماني بيده ويقبلها ولا يقبله لأني لم أعلم
أحدا روى عن النبي ◌َّر أنه قبل إلا الحجر الأسود وإن قبله فلا بأس به)). ((الأم))
١٤٥/٢.
(٢) ((السنن الكبرى)) ٧٦/٥ كتاب: الحج، باب: استلام الركن اليماني بيده.
(٣) (مسند الشافعي)) ١/ ٣٤٣ (٨٨٦) كتاب: الحج، باب: فيما يلزم الحاج بعد دخول
مکة إلى فراغه من مناسكه.
(٤) ((الأم)) ٢/ ١٤٧.

٣٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وروى الدارقطني من حديث ابن عباس أنه لو كان يُقبل اليماني
ويضع خذَّه عليه(١). ورواه الحاكم أيضًا في ((مستدركه)) بلفظ: أنه قبَّله
ووضع خده عليه، ثم قَالَ: هذا حديث صحيح الإسناد(٢). ورواه
البخاري في ((تاريخه)) بلفظ: أنه كان إذا استلم الركن اليماني قبله (٣).
وأما البيهقي فضعفه كما سلف، ثم قَالَ: والأخبار عن رسول الله وَل
إلى ابن عباس في تقبيل الحجر الأسود والسجود عليه، إلا أن يكون
أراد بالركن اليماني الحجر الأسود، فإنه أيضًا يسمى بذلك فيكون
موافقًا لغيره (٤).
وفي ((البدائع)) من كتب الحنفية: لا خلاف أن تقبيل الركن اليماني
ليس بسنة(٥)، وقال في ((الأصل)): إن استلمه فحسن، وإن تركه لا يضره،
هذا عند أبي حنفية، وقال محمد: يستلمه ولا يتركه (٦)، وفي ((المحيط)):
يستلمه ولا يقبله، وعن محمد: يستلمه ويقبله، وعنه: يُقبل يده ولا يستلم
الركنين الباقيين عند أئمة الحنفية؛ لأن الأولين عَلَى القواعد.
وقال الخرقي: الصحيح عن أحمد أنه لا يقبل الركن اليماني. قَالَ
ابن قدامة: وهو قول أكثر أهل العلم(٧).
وزعم ابن المنير أن اختصاص الركن مرجح بالسنة، ومستند التعميم
الرأي والقياس، وهو قول معاوية السالف، وهذا يُقال بموجبه وليس
(١) ((سنن الدارقطني)) ٢/ ٢٩٠ كتاب: الحج، باب: المواقيت.
(٢) ((المستدرك)) ٤٥٦/١ كتاب: الحج.
(٣) ((التاريخ الكبير)) ٢٩٠/١ ترجمة (٩٣٠).
(٤) ((السنن الكبرى)) ٧٦/٥.
(٥) ((بدائع الصنائع)) ١٤٧/٢.
(٦) ((الأصل)) ٤٠٥/٢.
(٧) أنظر: ((المغني)) ٢٢٦/٥، وذكر قول الخرقي.

٣٨٧
- كِتَابُ الحَجِّ
ترك الاستلام هجرانًا، وكيف يهجرها وهو يطوف، فالحجة مع ابن عمر
وغيره(١).
وفي كتاب الحميدي من حديث النخعي عن عائشة مرفوعًا: ((ما
مررت بالركن اليماني قط إلا وجدت جبريل قائمًا عنده)) ومن حديث
الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله بزيادة: ((فيقول:
يا محمد، أدن فاستلم)) وفي حديث أبي هريرة: ((وكَّل الله به سبعين
ألف ملك)) وفي حديث ابن عمر مرفوعًا: ((مسحهما كفارة للخطايا)).
رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد عَلَى ما بينته من حال عطاء بن
السائب(٢)، وكذا قَالَ الطحاوي: إنما لم يستلم إلا اليمانيين؛ لأنهما
مبنيان عَلَى منتهى البيت مما يليهما بخلاف الآخرين؛ لأن الحجر
وراءهما وهو من البيت، وقام الإجماع عَلَى الأولين (٣)، ومنهم
الأربعة وإسحاق، وقد نزع ابن عمر بذلك، حيث قالت له عائشة كما
سلف في باب فضل مكة.
وروي عن أنس وجابر ومعاوية وابن الزبير وعروة: أنهم كانوا
يستلمون الأركان كلها كما سلف والحجة عند الاختلاف في السنة
وكذلك قال ابن عباس لمعاوية حين قال له معاوية: ليس شيءٌ من
البيت مهجورًا قال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة
حسنة وقال ابن التين: إنما كان ابن الزبير يستلمهن كلهن(٤)؛ لأنه
(١) ((المتواري)) ص١٤٠ - ١٤١.
(٢) ((المستدرك)) ٤٨٩/١ كتاب: المناسك.
(٣) (شرح معاني الآثار)) ١٨٤/٢.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣٤٨/٣ - ٣٤٩ (١٤٩٩٠ - ١٤٩٩٣)، والطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) ١٨٣/٢- ١٨٤.

٣٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
استوفى القواعد، والذي في ((الموطأ)» أنه عروة بن الزبير(١).
وقال الداودي: جعلهما عوضًا من الركنين الذين بقيا في الحجر،
قَالَ: وظن معاوية أنهما هما ركنا البيت الذي وضع عليه من أول.
(١) ((الموطأ)) ص ٢٤٠ كتاب: المناسك، باب: الاستلام في الطواف بالبيت.

٣٨٩
كِتَابُ الحَجِّ
-
٦٠- باب تَقْبِيلِ الحَجَرِ
١٦١٠- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ، أَخْبَرَنَا زَيْدُ
بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﴾ قَبَّلَ الَحَجَرَ وَقَالَ: لَوْلَا أَّ رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَلَ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ. [انظر: ١٥٩٧ - مسلم: ١٢٧٠ - فتح: ٤٧٥/٣]
١٦١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِّ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابن عُمَرَ
رضي الله عنهما عَنِ أَسْتِلَامِ الَحَجَرِ. فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَهِ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. قَالَ:
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ؟ أَزَأَيْتَ إِنْ غُلِيْتُ؟ قَالَ: أَجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِالْيَمَنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ
اللهِ وَهِ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. [انظر: ١٦٠٦- مسلم: ١٢٦٨ - فتح: ٤٧٥/٣]
ذكر فيه حديث زيد بن أسلم عن أَبِهِ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ
قَبَّلَ الحَجَرَ وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ نَِّّ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ.
وحديث حماد عن الزبير بن عربي سَأَلَ رَجُلٌ ابن عُمَرَ عَنِ اسْتِلَامِ
الحَجَرِ. فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنَّ
زُحِمْتُ؟ أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ؟ قَالَ: أَجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِالْيَمَنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ
اللهِ وَلِّ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ
الشرح :
الحديث الأول أخرجه مسلم من طريق ابن عمر أيضًا (١)، والثاني
من أفراد البخاري، وروى الزبير هذا الحديث فقط، وفي بعض
نسخه: قَالَ الفربري وجدت في كتاب أبي جعفر: قَالَ أبو عبد الله:
الزبير بن عربي بصري، والزبير بن عدي كوفي وعند الترمذي من غير
رواية الكروخي: الزبير هذا هو ابن عربي روى عنه حماد بن زيد،
(١) (صحيح مسلم)) (١٢٧٠) باب: استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف.

٣٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
والزبير بن عدي كوفي يكنى أبا سلمة قلت: يروي عن أنس وذكر
البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما أن أبا سلمة كنية الزبير بن عربي،
والزبير بن عدي كنيته أبو عدي(١)، ولمَّا. ذكر أبو داود هذا الحديث
من رواية، حماد ثَنَا الزبير بن عربي. الحديث وفيه: اجعل أرأيت مع
ذَلِكَ الكوكب(٢). وقال الجياني: وقع في نسخة الأصيلي عن
أبي أحمد: الزبير بن عدي -بدال مهملة- وهو وهم، وصوابه: عربي
-بباء موحدة- وكذا رواه سائر الرواة عن الفربري(٣).
وفقه الباب سلف.
(١) ((التاريخ الكبير)) ٤١٠/٣ (١٣٦١، ١٣٦٣)، ((الجرح والتعديل)) ٥٧٩/٣ - ٥٨٠
(٢٦٣٢ - ٢٦٣٣)، وانظر: ((تهذيب الكمال)) ٣١٥/٩، ٣١٨ (١٩٦٩ - ١٩٧٠).
(٢) ((مسند أبي داود الطيالسي)) ٣٩٠/٣ (١٩٧٦).
(٣) ((تقييد المهمل)) ٦٠٨/٢.

٣٩١
كِتَابُ الحَجِّ
=
٦١- باب مَنْ أَشَارَ إِلَى الرُّكْنِ إِذَا أَتَّى عَلَيْهِ
١٦١٢- حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ،
عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ◌ََّ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيٍ، كُلَّمَا أَتَّى
عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ. [انظر: ١٦٠٧ - مسلم: ١٢٧٢ - فتح: ٤٧٦/٣]
ذكر فيه حديث ابن عباس: طَافَ النَّبِيُّ وَّهِ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرِ، كُلَّمَا
أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ.
وقد سلف بفقهه.

٣٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٦٢- باب التَّكْبِيرِ عِنْدَ الرُّكْنِ
١٦١٣- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ وَّهَ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرِ،
كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبََّ. تَابَعَهُ إِنْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ
الَخَذَّاءِ. [انظر: ١٦٠٧- مسلم: ١٢٧٢ - فتح: ٤٧٦/٣]
ذكر فيه حديث مسدد: ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: طَافَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى
الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ. تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ
الحَذَّاءِ.
هذا الحديث من أفراده، ويُستحب أن يقول أول طوافه وهو حالة
استلام الحجر: باسم الله والله أكبر. ويُستحب أيضًا في كل طوفة.
نعم، في الأولى آكد.
وقال ابن بطال: التكبير عند الركن دون استلام لا يُفعل أختيارًا،
وإنما يفعل؛ لعذر مرض أو زحام الناس عند الحجر(١). وسلف حكم
الطواف راكبًا.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤/ ٢٩٣.

٣٩٣
كِتَابُ الحَجّ
٦٣- باب مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ إِذَا قَدِمَ مَكَّةً،
قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ
خَرَجَ إِلَى الصَّفَا
١٦١٤، ١٦١٥ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، عَنِ ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنٍ عَمْرٌو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمنِ، ذَكَرْتُ لِعُزْوَةَ، قَالَ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ
قَدِمَ النَّبِيُّ وَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله
عنهما مِثْلَهُ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِيِ الزُّبَيْرِ ﴾ فَأَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ، ثُمَّ رَأَيْتُ
اُهَاجِرِينَ وَالأَنَّصَارَ يَفْعَلُونَهُ، وَقَدْ أَخْبَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ
وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الزَّكْنَ حَلُّوا.
الحديث ١٦١٤ - [١٦٤١ - مسلم: ١٢٣٥ - فتح: ٣ /٤٧٧]
الحديث ١٦١٥- [١٦٤٢، ١٧٩٦ - مسلم: ١٢٣٥ - فتح: ٤٧٧/٣]
١٦١٦- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسٌ، حَذَّثَنَا مُوسَى بْنُ
عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَوَ كَانَ إِذا
طَافَ فِي الحَجِّ أَوِ العُمْرَة أَوَّلَ ما يَقْدَمْ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَىْ أَرْبَعَةٌ، ثُمَّ سَجَدَ
سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطوُفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالَمَزْوَةِ. [انظر: ١٦٠٣ - مسلم: ١٦٢١ - فتح: ٣ / ٤٧٧]
١٦١٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الأوَّلَ
يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَيَمْشِي أَزْبَعَةً، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ الَمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا
وَالْمَزْوَةِ. [انظر: ١٦٠٣ - مسلم: ١٢٦١ - فتح: ٤٧٧/٣]
ذكر فيه حديث محمد بن عبد الرحمن: ذَكّرْتُ لِعُرْوَةَ، قَالَ:
فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ يدأه بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ وَّهِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ،
ثُمَّ طَافَ .. الحديث.

٣٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وحديث ابن عمر: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّيهِ كَانَ إذا طَافَ فِي الحَجِّ أَوِ
العُمْرَة أَوَّلَ ما يَقْدَمْ سَعَى ثَلَاثَةَ أَظْوَافٍ، وَمَشَىْ أَرْبَعَةٌ، ثُمَّ سَجَدَ
سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطوُفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ.
وحديثه أيضًا: كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ
أشواط، وَيَمْشِي أَرْبَعَةً، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بَظْنَ المَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
الشرح :
أما الحديث الأول: فقوله: (ذكرته لعروة)، فالبخاري اختصره من
حديث طويل، وأخرجه مسلم من حديث عمرو، عن محمد بن
عبد الرحمن، أن رجلًا من أهل العراق قَالَ له: سل عروة عن رجل
مهل بالحج، فإذا طاف بالبيت أيحل أم لا؟ فإن قَالَ: لا يحل، فقل
له: إن رجلًا یقول ذَلِكَ. ثم ساقه بطوله(١).
وأما حديث ابن عمر فقد سلف بعضه (٢)، وهو في مسلم أيضًا(٣).
إذا تقرر ذَلِك فالكلام علیه من أوجه:
أحدها :
أول الحديث قول عائشة إلى قوله: (ثم حج أبو بكر وعمر مثله)،
وقوله: (ثم حَججت مع أبي الزبير) إلى آخره. لعروة بن الزبير ومذهبه
الإفراد؛ لأنه قَالَ عن عائشة: إنها لم تكن عمرة، ففيه حجة (علي)(٤)
عليها، فيما ذكرت أنه وَ ﴿ فسخ، إلا أن يؤول أنه أمر به أو يكون
(١) (صحيح مسلم)) (١٢٣٥) باب: ما يلزم من طاف بالبيت ...
(٢) برقم (١٦١٦).
(٣) (صحيح مسلم)) (١٢٦١) باب: استحباب الرمل في الطواف والعمرة ..
(٤) كذا صورتها في الأصل ولعلها زائدة.

٣٩٥
- كِتَابُ الحَجِّ
وهمًا من المحدث عنها.
وقوله: (ثم حججت مع أبي الزبير) كذا لأبي الحسن، ولأبي ذر:
مع ابن الزبير. والصواب الأول، والضمير عائد إلى عروة، أي: أنه حج
مع والده الزبير، فافهمه.
ثانيها :
غرض البخاري في هذا الباب: أن يبين أن سنة من قدم مكة حاجًا
أو معتمرًا، أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، فإن كان معتمرًا
حل وحلق، وإن كان حاجًّا ثبت عَلَى إحرامه، حَتَّى يخرج إلى منى يوم
التروية لعمل حجه، وكذلك قَالَ العلماء: إذا دخل مكة فلا يبدأ بشيء
قبل الطواف للاتباع، أو لأنه تحية المسجد الحرام(١).
واستثنى الشافعي من هذا، المرأة الجميلة والشريفة التي لا تبرز
للرجال، فيُستحب لها تأخيره ودخول المسجد ليلًا؛ لأنه أستر لها
وأسلم من الفتنة(٢).
فرع:
الابتداء بالطواف مستحب لكل داخل وإن لم يكن محرمًا، إلا إذا
خاف فوت مكتوبة أو سنة راتبة أو مؤكدة أو جماعة مكتوبة، وإن
وسع الوقت أو كان عليه فائتة، فإنه يقدم ذَلِكَ كله عَلَى الطواف، ثم
يطوف.
(١) (تبيين الحقائق)) ١٥/٢، ((حاشية رد المحتار)) ٤٩٢/٢، ٤٩٣، ((المدونة)) ١/
٣١٣، ((الفروع" ٤٩٥/٣، ٤٩٦، ((المبدع» ٢١٣/٣، «كشاف القناع)» ٤٧٧/٢.
(٢) ((الأم)) ١٤٥/٢، أنظر ((البيان)) ٢٧٣/٤، ((المجموع)) ١٤/٨، ١٥.

٣٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الثالث :
فيه مطلوبية الوضوء للطواف، واختلفوا هل هو واجب أو شرط؟
فعند أبي حنيفة أنه ليس بشرط، فلو طاف عَلَى غير وضوء صح
طوافه، فإن كان ذَلِكَ للقدوم فعليه صدقة، وإن كان طواف الزيارة
فعليه شاة(١).
الرابع :
قوله: (ثم لم تكن عمرة).
كذا هو في البخاري بعين مهملة من الاعتمار قالوا: وهذا هو
الصحيح، ووقع في جميع روايات مسلم: (غيره) بالغين المعجمة ثم
ياء وهو تصحيف كما قاله القاضي (٢)، وكأن السائل إنما سأله عن
فسخ الحج إلى العمرة عَلَى مذهب من يراه، واحتج بأمر النبي ◌َّ
لهم في حجة الوداع. فأعلمه عروة أنه لم يفعل ذَلِكَ بنفسه ولا من
جاء بعده. قَالَ: ويدل عَلَى صحة ذَلِكَ قوله في الحديث نفسه: وآخر
من فعل ذَلِكَ ابن عمر ولم ينقضها بعمرة.
وأما النووي فقال: (غيره) صحيحة وليست تصحيفًا؛ لأن قوله:
غيره يتناول العمرة وغيرها، والتقدير: ثم حج أبو بكر. فكان أول
ما بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره أي: لم يغير الحج، ولم
ينقله، ولم يفسخه إلى غيره، لا عمرة ولا قران(٣).
قَالَ القرطبي: وأفادهم ذَلِكَ أن طوافهم الأول لم يكن للعمرة بل
للقدوم(4).
(٤)
(١) ((مختصر الطحاوي)) ص٦٤، ((المبسوط)) ٣٨/٤، ٣٩، ((بدائع الصنائع)) ١٢٩/٢.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٣١٤/٤.
(٣) (صحيح مسلم بشرح النووي)) ٢٢١/٨. (٤) ((المفهم)) ٣٦٢/٣.

٣٩٧
كِتَابُ الحَجِّ
وقال ابن بطال: قوله: ثم لم تكن عمرة يعني: أنه رَّ﴾ طاف بالبيت،
ثم لم يحل من حجه بعمرة من أجل الهدي، وكذلك أبو بكر وعمر آفردا
الحج، وقال ابن المنذر: سنَّ الشارع للقادمين المحرمين بالحج تعجيل
الطواف، والسعي بين الصفا والمروة عند دخولهم، وفعل هو ذَلِكَ عَلَى
ما روته عائشة وأمر من حل من أصحابه أن يحرموا إذا انطلقوا إلى منى،
فإذا أحرم من هو منطلق إلى منى، فغير جائز أن يكون طائفًا وهو منطلق
إلى منى. فدل هذا الحديث عَلَى أن من أحرم من مكة من أهلها أو غيرهم
أن يؤخروا طوافهم وسعيهم إلى يوم النحر، بخلاف فعل القادمين؛
لتفريق السنة بين الفريقين، وأيضًا فإن هذا هو طواف القدوم، وليس
من إنشاء الحج من مكة، واردًا بحجه عليها، فسقط بذلك عنهم تعجيله.
وكان ابن عباس يقول: يا أهل مكة، إنما طوافكم بالبيت وبين
الصفا والمروة يوم النحر، وأما أهل الأمصار فإذا قدموا، وكان
يقول: لا أرى لأهل مكة أن يحرموا بالحج حَتَّى يخرجوا، ولا أن
يطوفوا بين الصفا والمروة حَتَّى يرجعوا، هذا قول ابن عمر وجابر.
وقالوا: من أنشأ الحج من مكة فحكمه حكم أهل مكة.
قَالَ ابن المنذر: هذا قول مالك وأهل المدينة وطاوس، وبه قَالَ
أحمد وإسحاق، واختلف قول مالك فيمن طاف وسعى قبل خروجه،
فكان يقول: يعيد إذا رجع ولا يجزئه طوافه الأول ولا سعيه، وقال
أيضًا: إن رجع إلى بلاده قبل أن يعيد فعليه دم(١)، ورخصت طائفة
في ذَلِكَ، ورأت المكي ومن دخل مكة إن طافا وسعيا قبل خروجهما،
أن ذَلِكَ جائز، هذا قول عطاء والشافعي، غير أن عطاء كان يرى
(١) ((المدونة)) ٣٠٢/١.

٣٩٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
تأخيره أفضل، وقد فعل ذَلِكَ ابن الزبير، أهلَّ لما أهلَّ هلال ذي الحجة،
ثم طاف وسعى وخرج، وأجازه القاسم بن محمد، وقال عطاء: منزلة
من جاور بمنزله أهل مكة إن أحرم أول العشر، طاف حين يحرم،
وإن أخَّرَ إلى يوم التروية أَخَخَّر الطواف إلى يوم النحر.
واختلفوا فيمن قَدم مكة فلم يطف حَتَّى أتى منى، فقالت طائفة:
عليه دم، هذا قول أبي ثور، واحتج بقول ابن عباس: من ترك من
نسكه شيئًا فليهرق لذلك دمًا. وحكى أبو ثور عن مالك أنه يجزئه
طواف الزيارة لطواف الدخول والزيارة والصدر(١)، وحكى غيره عن
مالك أنه إن كان مراهقًا فلا شيء عليه، فإن دخل غير مراهق فلم
يطف حَتَّى مضى إلى عرفات، فإنه يهريق دمًا؛ لأنه فرط في الطواف
حين قدم حَتَّى أتى إلى عرفات(٢)، وقال أبو حنيفة والشافعي
وأشهب: لا شيء عليه إن ترك طواف القدوم (٣).
قَالَ ابن المنذر: أجمع أهل العلم عَلَى أن من ترك طواف القدوم
وطاف للزيارة، ثم رجع إلى بلده، أن حجه تام، ولم يوجبوا عليه
الرجوع كما أوجبوه عليه في طواف الإفاضة، فدل إجماعهم عَلَى
ذَلِكَ أن طواف القدوم ليس بفرض، وفي وجهٍ بعيد عندنا: أنه يلزمه
بتركه دم، فإن أخره ففي فواته وجهان حكاهما إمام الحرمين؛ لأنه
يشبه تحية المسجد، وكان ابن عمر، وسعيد بن جبير ومجاهد
والقاسم بن محمد لا يرون بأسًا إذا طاف الرجل أول النهار أن يؤخر
(١) ((المدونة)) ٣١٧/١.
(٢) ((المدونة)) ٢٩٨/١.
(٣) ((المبسوط)) ٣٤/٤، ((البناية)) ٨١/٤، ((البيان)) ٢٧٣/٢، ((المجموع)) ١٥/٨، ١٦.

٣٩٩
= ڪِتَابُ الحَجِّ
السعي حَتَّى يبرد (١)، وكذا قَالَ أحمد (٢) وإسحاق: إذا كانت به علة،
وقال الثوري: لا بأس إذا طاف أن يدخل الكعبة، فإذا خرج سعى.
خامسها :
قوله: (وأخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها)، يُريد بأختها:
عائشة، وأمه: أسماء رضي الله عنهما.
وقوله: (فلما مسحوا الركن حلوا)، يريد: بعد أن سعوا بين الصفا
والمروة؛ لأن العمرة إنما هي الطواف والسعي، ولا يحل من قدم مكة
بأقل من هذا، فخشي البخاري أن يتوهم متوهم أن قوله: لما مسحوا
الركن حلوا أن العمرة إنما هي الطواف بالبيت فقط، فإن المعتمر
يحل به دون السعي، وهو مذهب ابن عباس، وروي عنه أنه قَالَ:
العمرة الطواف، وقال به إسحاق بن راهويه، ويمكن أن يحتج من
قَالَ هُذا بقراءة ابن مسعود: (وأتموا الحج والعمرة إلى البيت). أي:
أن العمرة لا يجاوز بها البيت، فأراد البخاري بيان فساد هذا التأويل
بما أردف في آخر الباب من حديث ابن عمر: أنه ◌ّ كان إذا قدم
مكة للحج أو العمرة طاف بالبيت وسعى. وعلى هذا جماعة فقهاء
الأمصار(٣).
وقال ابن التين: يُريد بالركن ركن المروة، وأما ركن البيت فلا يحل
بمسحه حتى يسعى، ولا بأس بما ذكره، ثم قَالَ: إن كان يريد أنها
أخبرته عن حجة الوداع فغلط؛ لأن عائشة لم تدخل بعمرة، وكان
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢٤١/٣ (١٣٩٢٢) كتاب: الحج، باب: في التفريق بين
الطواف والسعي.
(٢) أنظر ((المغني)) ٢٤٠/٥.
(٣) انتهى من ((شرح ابن بطال)) ٢٩٥/٤ - ٢٩٧.

٤٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الزبير وأسماء ممن فسخ الحج في عمرة ذَلِكَ العام، وإن كان غيَّرها بعد
رسول الله صلي﴿ فلعلة، وهذا قليل.
سادسها :
في حديث ابن عمر: أنه بعد أن سجد سجدتين سعى بين الصفا
والمروة.
وثبت في (صحيح مسلم)) من حديث جابر الطويل: أنه وُّ لما فرغ
من ركعتي الطواف رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا والسعي
بينهما سبعًا، ذهابه من الصفا إلى المروة مرة، وعوده منها إلى الصفا
أخرى، وهكذا سبعًا يبدأ بالصفا ويختم بالمروة(١)، وقيل إن الذهاب
والإياب مرة واحدة، قَالَه ابن بنت الشافعي، وأبو بكر الصيرفي من
أصحابنا.
وقوله: وكان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة، هذا
هو المشهور من فعله ◌َّير وعليه جماعة الفقهاء.
وروي عن ابن عمر التخيير في ذَلِكَ وقال: إن مشيتهُ فقد رأيت النبي
وَل* يمشي، وروي عنه: طفت مع رسول الله وَّر فلم أره يسعى ورأيتهم
سعوا، ولا أراهم سعوا إلا لسعيه(٢). ويحتمل أن يكون ذَلِكَ في موطن.
فرع :
موضع السعي بينهما معروف، وقد عملت الخلفاء ذَلِكَ حَتَّى صار
إجماعًا، وصفة السعي أن يكون سعيًا بين سعيين وهو الخبب.
(١) (صحيح مسلم)) (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي ◌َّ-
(٢) رواه ابن عبد البر في ((تمهيده)) ١٠٣/٢.