Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
كِتَابُ الحَجّ
=
قَالَ: وكانت سبعة عَلَى صيغة واحدة مكتوب عليها: لا، نعم،
منهم، من غيرهم، ملصق، العقل، فضل العقل. وكانت بيد قيم
الأصنام، وهو السادن، وكانوا إذا أرادوا خروجًا، أو تزويجًا،
أو حاجة أتى المُريد بمائة درهم فدفعها إلى السادن، فيسأل الصنم أن
يوضح لهم ما يعمل عليه مِنْ مَقام أو خروج، فيضرب له بذينك
السهمين الذين عليهما: نعم، ولا، فإِن خرج نعم ذَهب لحاجته، وإِنْ
خرج لا كفَّ عنها، وإِنْ شكُّوا في نسب رجل أتوا به دار الأصنام،
فضرب عليها بتلك الثلاثة التي هي: منهم، من غيرهم، ملصق. فما
خرج فحكمه عَلَى السهم، فإِنْ خرج: منهم. كان من أوسطهم نسبًا،
وإن خرج: من غيرهم. كان حليفًا، وإن خرج: مُلصق. لَمْ يكن له
نسب، ولا حلف.
وكانوا، إذا جنى أحدهم جناية فاختلفوا عَلَى من العقل، ضربوا
عليه. فإن خرج العقل عَلَى مَنْ ضرب عليه، عَقَل وبرىء الآخرون.
وكانوا إذا عَقلوا العقل، وفضل الشيء منهُ واختلفوا فيه، فأتوا السادن
فضرب، فعلى مَنْ وَجب أداه، فهذا هو الاستقسام.
وفي ((الجامع)): أتى المُريد لحاجته بمائة درهم يدفعها إلى السادن
إلى آخر ما سَلف.
قَالَ: فأما ما تفعله العرب من رمي السِّهام عَلَى الشيء الذي يتشاح
عليه، فليس من هذا، وهو مُباح.
قَالَ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ﴾
[آل عمران: ٤٤] لأنهم تشاحوا عليها، فألقوا عَلَى ذَلِكَ سهامًا، فخرج
سهم زكريا، فهذا وأمثاله مُباح، والمحظور ما كانوا يرون من فعل
الصَّنم.

٣٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الثاني: في الحديث من الفقه، أنَّهُ يجب عَلَى العالم، والرجل
الفاضل اجتناب مواضع الباطل، وأن لا يشهد مجالس الزور، ويُنزه
نفسه عن ذَلِكَ.
الثَّالث: فيه أيضًا من الفقه: الإبانة عن كراهة النبي ◌َّ دخوله بيتًا
فيه صورة، وذلك أَنَّ الآلهة التي كانت في البيت. يومئذٍ إنَّما كانت تماثيل
وصورًا، وقد تظاهرت الأخبار عنه وَلهم أنه كان يَكره دخول بيت [فيه](١)
صورة، مع أنَّه يُكره دخول البيت الذي فيه ذَلِكَ، ولا يُحرم، وسيأتي
ذَلِكَ في كتاب اللباس، والزينة مبسوطًا في باب. من كره القعود عَلَى
الصورة (٢)، وفي باب: لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة (٣)، إن شاء
الله تعالى.
الرَّابع: فيه التكبير في نواحي البيت، كما ترجم له.
فائدة :
سيأتي في الفتح أنَّه كان حول الكعبة ثلاثمائة صنم وستون، وسببه
أنهم كانوا يعظمون كل يوم صنمًا، ويخصون أعظمها بيومين(٤).
(١) زيادة ليست في الأصل ولا يستقيم المعنى بدونها.
(٢) أنظر ما سيأتي برقم (٥٩٥٧ - ٥٩٥٨).
(٣) أنظر ما سيأتي برقم (٥٩٦٠).
(٤) برقم (٤٢٨٧) كتاب: المغازي، باب: أين ركز النبي ◌ّر الراية يوم الفتح.

٣٦٣
- كِتَابُ الحَجِّ
٥٥- بَاب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الرَّمَلِ
١٦٠٢- حَذَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ -هُوَ ابن زَئِدٍ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ مُبٍَّ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ وَأَضْحَابُهُ،
فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ◌َلِّ أَنْ
يَزْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَزْمُلُوا
الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّ الإِنْقَاءُ عَلَيْهِمْ. [٤٢٥٦، ١٦٤٩، ٤٢٥٧ - مسلم: ١٢٦٦ - فتح: ٤٦٩/٣]
ذكر فيه حديث ابن عباس: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ
المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ وهنتهم حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ
﴿﴿ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ
أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.
وهو حديث صحيح أخرجه مسلم أيضًا بزيادة: فقال المشركون:
هؤلاء الذين زعمتم أنَّ الحُمَّى وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا
وكذا(١)، وفي لفظ لهما: إنَّما سعى(٢).
ورمل بالبيت، ليُري المشركين قوته.
وللبخاري في عمرة القضاء: والمشركون من قبل قعيقعان(٣).
ولمسلم: وكانوا يحسدونه(٤). وفي لفظ: وكان أهل مكة قومًا حسدًا (٥).
(١) ((مسلم)) (١٢٦٦/ ٢٤٠) في الحج، باب: استحباب الرمل في الطواف والعمرة.
(٢) سيأتي برقم (١٦٤٩) باب: ما جاء في السعي بين الصفا والمروة. ورواه مسلم
برقم (١٢٦٦/ ٢٤١)
(٣) سيأتي برقم (٤٢٥٦) كتاب: المغازي.
(٤) (صحيح مسلم)) (١٢٦٤/ ٢٣٧).
(٥) أنظر: المصدر السابق.

٣٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وللإسماعيلي: يقدم عليكم قوم عُراة، فأطلع الله نبيه عَلَى ما قالوا،
فأمرهم أَنْ يرملوا وأَنْ يمشوا. ولابن ماجه: قَالَ رَ﴿ لأصحابه حين
أرادوا دخول مكة في عمرته بعد الحُديبية: ((إن قومكم غدًّا سيرونكم،
فليروكم جلدًا»، فلمَّا دخلوا المسجد استلموا الركن، ورملوا وهو
(١)
معهم(١).
وللطبراني عن عطاء، عن ابن عباس قَالَ: من شاء فليرمل، ومنْ
شاء فلا رمل، إنما أمر رسول الله وَ ﴿ بالرمل؛ ليري المشركين قوته(٢).
وللطبري في ((تهذيبه)): لمَّا اعتمر رسول الله و لي بلغه أن أهل مكة
يقولون: إن بأصحابه هزلًا. فقال لهم حين قَدِموا: ((شدوا مآزركم
وأعضادكم، وأرملوا حَتَّى يرى قومكم أن بكم قوة)».
قَالَ: ثم حج رسول الله وَّهِ فلم يرملْ، قالوا: وإِنَّما رَمل في عمرة
القضية. في إسناده: حجاج بن أرطاة، ولأبي داود أنه ◌َ له وأصحابه
أعتمروا من جعرانة -يعني في عمرة القضاء- فرملوا بالبيت، وجعلوا
أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوه عَلَى عواتقهم اليسرى(٣)، وفي لفظ:
كانوا إذا بلغوا الركن اليماني، وتغيبوا من قريش مَشوا، ثم اطلعوا
عليهم يرملون، تقول قُريش: كأنهم الغزلان.
قَالَ ابن عباس: كانت سُنَّة (٤).
(١) ((سنن ابن ماجه)) (٢٩٥٣) كتاب: المناسك، باب: الرَّمَلِ حول البيت.
(٢) ((المعجم الأوسط)) ١٩١/٥ - ١٩٢ (٥٠٤٨).
(٣) (سنن أبي داود)) (١٨٨٤) كتاب: المناسك، باب: الاضطباع في الطواف. من
حديث ابن عباس، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٦٤٦).
(٤) (سنن أبي داود)) (١٨٨٩) باب: في الرمل.

٣٦٥
-- كِتَابُ الحَجّ
وفي لفظ: أنه لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه(١)، صححه
الحاكم عَلَى شرط الشيخين(٢)، مِنْ حديث أبي سعيد، وله عَلَى
شرطهما أيضًا من حديث أبي سعيد، وابن عباس: رمل رسول الله
وَّل في حجته، وفي عمره كلها، وأبو بكر، وعمر، والْخُلفاء.
إذا تقرر ذَلِكَ:
فالرمل هو: الإسراع، وحقيقتهُ إسراع المشي مع تقارب الخطئ.
قَالَ صاحب ((الأفعال)): رمل رملًا: أسرع في الرمل(٣)، وقال
صاحب ((العين)): الرمل ضرب من المشي(٤)، وقال ابن سيده: يرمل
رملًا، ورملانًا: إذا مشى دون العدو(٥)، وقال القزاز: هو العدو
الشديد، وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة(٦)، وقال الجوهري: هو
الهرولة(٧). وقال في ((المغيث)): هو الخبب(٨). وقيل: هو أن يهز
منكبيه، ولا يسرع العدو.
وقَالَ ابن العربي في ((مسالكه)): هو مأخوذ من التحريك، وهو أن
يُحرك الماشي منكبيه؛ لشدة الحركة في مشيه.
والشوط جري مرة إلى الغاية، والجمع أشواط(٩)، قاله صاحب
(١) (سنن أبي داود)) (٢٠٠١) باب: الإفاضة في الحج.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) برقم (١٧٤٦).
(٢) ((المستدرك)) ١/ ٤٧٥ کتاب المناسك.
(٤) ((العين) ٨/ ٢٦٧.
(٣) ((الأفعال)) ص ٩٩.
(٥)
((المحكم)) ٢٢٧/١١.
((جمهرة اللغة)) ٨٠١/٢.
(٦)
(٧) ((الصحاح)) ١٧١٣/٤.
(٨) ((المغيث)) لأبي موسى المديني ٨٠٥/١.
(٩) ((العين) ٦/ ٢٧٥.

٣٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
((العين)) مأخوذ من قولهم: جرى الفرس شوطًا، إذا بلغ مجراه ثم عَاد،
فكل مَنْ أتى موضعًا ثم انصرف عنهُ فهو شوط. وقال الطبري: يُقال:
شاط يشوط شوطًا إذا عدا غلوة بعيدة.
و(وهنتهم) بتخفيف الهاء المفتوحة أي: أضعفتهم، وحكى التياني
وهن بالكسر. وقال صاحب ((العين)): الوهن لغة في الوهن.
وقوله: (إلا الإبقاء). هو بكسر الهمزة، ثم باء موحدة ممدود أي:
للرفق بهم. قَالَ القرطبي: رويناه بالرفع عَلَى أنَّه فاعل يمنعهم، ويجوز
النصب عَلَى أن يكون مفعولًا من أجله، قَالَ: ويكون في (منعهم)
ضمير عائد عَلَى رسول الله وَِّ، وهو فاعله(١) وقالوه استهزاءً بهم.
ويثرب: المدينة شرفها الله تعالی.
قوله: وأَنْ يمشوا ما بين الركنين. يُريد اليماني، والحجر الأسود.
وقوله: وفد هو بالفاء.
قَالَ صاحب ((المطالع)): عند ابن السكن بالقاف وللكافة بالفاء وهو
الصواب، واختلف في الرمل هل هو سنة من سنن الحج، أم لا؛ لأنه
كان لعلة ذهبت وزالت فمن شاء فعله أختيارًا.
فروي عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن عمر الأول، وهو قول
الأربعة والثوري وإسحاق (٢)، وقال آخرون: ليس بسنة فمن شاء فعل
ومن شاء تركه.
(١) ((المفهم)) ٣٧٦/٣.
(٢) انظر ((المبسوط)) ٤٦/٤، (بدائع الصنائع)) ١٣١/٢، ((الهداية)) ١٥٢/١، ((التفريع))
٣٣٧/١، (المعونة)) ٣٦٩/١، ((الاستذكار» ١٢٦/١٢، ((الأم)) ١٤٩/٢، ((البيان)»
٢٩٢/٤، (روضة الطالبين)) ٨٦/٣، ((العزيز)) ٤٠٢/٣، ((مسائل الإمام أحمد
برواية إسحاق بن منصور)) ٥٢٩/١، ((المستوعب)) ٢٠٩/٤، ((المغني)) ٢١٧/٥.

٣٦٧
كِتَّابُ الحَجّ
=
روي ذَلِكَ عن ابن عباس وجماعة من التابعين: طاوس وعطاء(١)
والحسن والقاسم وسالم، والأول هو ما عليه الجمهور فإن تركه كره.
نص عليه الشافعي، ثم الجمهور عَلَى أنه يستوعب البيت بالرمل(٢).
وفي قول: لا يرمل بين الركنين اليمانيين بل بين الشاميين؛ لأن فيه
كانوا ينكشفون للكفار فيرون جلدهم، إذ سبب الرمل، والاضطباع إظهار
القوة للكفار لما قالوا: وهنتهم حمى يثرب كما سلف.
لكنه في عمرة القضاء سنة سبع، وحديث جابر الطويل في مسلم (٣)،
وكذا حديث ابن عمر فيه: كانا في حجة الوداع سنة عشر، فكان العمل
بهما أولى؛ لتأخرهما، وابن عباس لم يكن عام القضية، بخلاف جابر
فإنه شاهد، والحكمة فيه مع زوال المعنى الذي شرع لأجله قد قالها
الفاروق وهو الأتباع كما سيأتي، وأيضًا الفاعل له يستحضر مسببه،
وهو ظهور أمر الكفار خصوصًا في ذَلِكَ المكان الشريف، فيتذكر
نعمة الله عَلَى إعزاز الإسلام وأهله.
فرع :
لا فرق في استحباب الرمل بين الراكب والمحمول وغيرهما عَلَى
الأظهر، فيرمل به الحامل ويحرك هو الدابة (٤). وعند المالكية أن
طواف الإفاضة ونحوه، وطواف المحرم من التنعيم، وشبهه في
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢٦٥/٣ (١٤١٦٠، ١٤١٦٢) كتاب: الحج، باب: من رخص
في ترك الرمل.
(٢) أنظر ((روضة الطالبين)) ٨٦/٣.
(٣) (صحيح مسلم)) (١٤٧/١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي.
(٤) أنظر ((الأم)) ١٤٩/٢، ((البيان)) ٢٩٣/٤، (المجموع)) ٥٩/٨.

٣٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
مشروعية الرمل ثلاثة أقوال فيها، ثالثها المشهور مشروع دونه(١). وفي
الرمل بالمريض والصبي قولان(٢). وعند الحنفية أنه إذا طاف للركن
رمل إن لم يسع ولم يرمل في طواف سالف فيه(٣).
فرع:
لو ترك الرمل في الطوفات الثلاثة لم يقضه في الأربع الأخيرة؛ لأن
هيئتها السكينة فلا تتغير، ولو تذكر عن قرب ففي الإعادة قولان عن
مالك، والمشهور عندهم أنه لا دم عليه (٤). وعند أحمد: من نسي
الرمل لا إعادة عليه(٥).
فرع :
يختص الرمل بطواف يعقبه سعي(٦)، وفي قول: يختص بطواف
القدوم، وبه قَالَ أحمد(٧).
(١) انظر ((الاستذكار)) ١٨٦/١٢، ((الأخيرة)) ٢٤٥/٣، ٢٤٦.
(٢) انظر ((الأم)) ١٤٩/٢، ((المجموع)) ٥٨/٨.
(٣) انظر ((الأصل)) ٣٩٣/٢، ((بدائع الصنائع)) ١٤٧/٢، ((الهداية)) ١٥٢/١.
(٤) انظر ((الاستذكار)) ١٣٨/١٢، ((الذخيرة» ٢٤٥/٣.
(٥) انظر ((مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج)) ٥٢٩/١، ((المستوعب)) ٢٠٩/٤،
((المغني)) ٢٢٢/٥، ((المبدع» ٢١٦/٣.
(٦) قال الكاساني: ((وهو قول عامة الصحابة)) ((بدائع الصنائع)) ١٣١/٢.
وقال النووي في ((المجموع)»: وقد اضطربت طريق الأصحاب فيه، ولخصها
الرافعي متفقة فقال: لا خلاف أن الرمل لا يُسن في كل طواف؛ بل إنما يسن في
طواف واحد، وفي ذلك الطواف قولان مشهوران أصحهما عند الأكثرین أنه يُسن
في طواف يستعقب السعي والثاني: يُسن في طواف القدوم مطلقًا، فعلى القولين
لا رمل في طواف الوداع بلا خلاف، «المجموع» ٥٨/٨.
(٧) قال ابن قدامة في ((المغني)): ((ولا يُسن الرمل والضطباع في طواف سوى ما ذكرناه
-طواف القدوم أو طواف العمرة- لأن النبي صلله وأصحابه إنما رملوا واضطبعوا =

٣٦٩
كِتَابُ الحَجّ
=
فائدة: المختار أنه لا يكره تسمية الطواف شوطًا كما نطق به ابن
عباس، كما سلف، ولأن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع ولم تثبت،
وأمَّا الشافعي والأصحاب فقالوا بالكراهة، وسببها كما قَالَ القاضي:
أن الشوط هو الهلاك. قَالَ الشافعي في ((الأم)): لا يقال: شوط
ولا دور، وكره مجاهد ذَلِكَ، قَالَ: وأنا أكره ما كره مجاهد. وعن
مجاهد: لا تقولوا شوطًا ولا شوطين، ولكن قولوا: دورًا أو دورين(١).
فائدة أخرى:
قَالَ المهلب: فيه من الفقه أن إظهار القوة للعدو في الأجسام والعدة
والسلاح. ومفارقة الهدوء والوقار في ذَلِكَ من السنة، كما أمر الشارع
بالرمل في الثلاثة الأول. قَالَ: ومثله إباحته اللعب للحبشة في
المسجد بالحراب لهذا المعنى، والمسجد ليس بموضع لعب بل هو
موضع وقار وخشوع لله؛ لما كان من باب القوة والعدة والرهبة عَلَى
المنافقين وأهل الكتاب المجاورين لهم أباحه في المسجد؛ لأنه أمر
من أمر جماعة المسلمين، والمسجد لجماعتهم.
فرع:
المرأة لا ترمل بالإجماع؛ لأنه يقدح في الستر وليست من أهل
الجلد، ولا هرولة أيضًا في السعي (٢)، ورواه الشافعي عن ابن عمر
وعائشة وعطاء.
= في ذلك)). ((المغني)) ٢٢١/٥، وانظر ((كشاف القناع)) ٢/ ٤٨٠.
(١) ((الأم) ٢ / ١٥٠.
(٢) ((الاستذكار)) ١٣٩/١٢، ((الإجماع)) لابن المنذر (٥٢) ((المجموع)) ٨/ ٦٢.

٣٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٥٦- باب اسْتِلَامِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ
حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ وَيَرْمُلُ ثَلَاثًا
١٦٠٣ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ، أَخْبَرَنِي ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ،
عَنْ سَالمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﴿ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا أَسْتَلَمَ الرُّكْنَ
الأَسْوَدَ أُوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ. [١٦٠٤، ١٦١٦، ١٦١٧، ١٦٤٤-
مسلم: ١٢٦١ - فتح: ٤٧٠/٣]
ذكر فيه حديث سالم عن أبيه: قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ حِينَ يَقْدَمُ
مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَظْوَافٍ مِنَ
السَّبْعِ.
وقد أخرجه مسلم أيضًا(١).
ولا شك أن سنة الداخل إلى المسجد الحرام أن يبدأ بالحجر
الأسود فيقبله إن قدر، فإن عجز أشار، ثم يمضي عَلَى يمينه إلى أن
يأتي إليه، فهُذِه واحدة، ثم ثانية، ثم ثالثة كذلك بالرمل، والأربعة
الأخيرة لا رمل فيها، ثم الخب وهو الرمل إنما يشرع في طواف يعقبه
سعي كما سلف، ولا يتصور في طواف الوداع؛ لأن شرطه أن يكون
طاف للإفاضة، فإن طاف للقدوم وعزمه السعي بعده رمل وإلا فلا،
بل يرمل في طواف الإفاضة. وثم قول آخر أنه يرمل في طواف القدوم
وإن لم يرد السعي بعده، وقد سلف.
وقد أسلفنا أنه وَّير لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه. وقال عطاء:
لا رمل فیه.
(١) (صحيح مسلم)) (١٢٦١) كتاب: الحج، باب: استحباب الرمل.

٣٧١
- ڪِتَابُ الحَجّ
فرع :
لو خالف وجعل البيت عَلَى يمينه لم يصح عندنا، وبه قَالَ مالك
وأبو ثور؛ لأنه خالف الأتباع(١).
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يعيد الطواف ما كان بمكة فإذا بلغ الكوفة
وأبعد كان عليه دم ويجزئه، واحتجوا بأن الله تعالى لم يفرق بين طواف
منكوس أو غيره، فوجب أن يجزئه(٢).
فائدة :
الخب: ضرب من العدو، يقال: خبت الدابة تخب خبًا إذا أسرعت
المشي وراوحت بين قدميها، وكذا الخيل، أما إذا رفعت يديها معًا
ووضعتهما معًا فذلك التقريب لا الخب، وقيل: خب الفرس إذا نقل
أيامنه وأياسره جميعًا(٣).
فائدة ثانية :
الاستلام افتعال من السلام وهو: التحية كما قَالَ الأزهري،
أو من السِّلام - بكسر السين- وهي: الحجارة، كما قَالَ ابن قتيبة،
تقول: أستلمت الحجر إذا لمسته. كما تقول: أكتحلت من الكحل،
وحكى في ((الجامع)) أنه استفعل من اللأمة وهي الدرع والسلاح؛
لأنه إذا لمس الحجر تحصن من العذاب كما يتحصن باللأمة من
الأعداء.
(١) انظر ((التفريع)) ٣٣٧/١، ((عيون المجالس)) ٨١٢/٢، ((الاستذكار)) ١٢٥/١٢،
(البيان)) ٢٨٣/٤، ((روضة الطالبين)) ٧٩/٣، ((مغني المحتاج)) ٤٨٦/١.
(٢) أنظر ((المبسوط)) ٤٤/٤، ((الفتاوى التاتار خانية)) ٥١٤/٢.
(٣) انظر: ((الصحاح)) ١١٧/١، و((لسان العرب)) ١٠٨٥/٢.

٣٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال ابن سيده(١): استلم الحجر واستلأمه -بالهمز- أي: قبله
أو اعتنقه، وليس أصله الهمز وبخط الدمياطي: الاستلام افتعال من
السِّلام وهي الحجارة، وبضم السين: ظاهر عروق الكف.
(١) ((المحكم)) ٣٣٨/٨.

٣٧٣
كِتَابُ الحَجِّ
٥٧- باب الرَّمَلِ فِي الحَجِّ وَالْعُمْرَةِ
١٦٠٤- حَدَّثَنِي ◌ُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ
ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَعَى النَّبِيُّ ◌ََّ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطِ، وَمَشَىْ أَرْبَعَةً فِي الحَجِّ
وَالْعُمْرَةِ.
تَابَعَهُ اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ فَزْقَدٍ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله
عنهما، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ. [انظر: ١٦٠٣ - مسلم: ١٢٦١ - فتح: ٤٧٠/٣]
١٦٠٥- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبي مَزْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِ زَيْدُ بْنُ
أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الَخَطَّابِ ﴿ قَالَ لِلْزُّكْنِ: أَمَا والله إِّ لأَغْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا
تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ أَسْتَلَمَكَ مَا أَسْتَلَمْتُكَ. فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ قَالَ:
فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللهَ، ثُمَّ قَالَ: شَيْءٌ صَنَعَهُ
النَّبِيُّ وَجِِّ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ. [انظر: ١٥٩٧ - مسلم: ١٢٧٠ - فتح: ٣ / ٤٧١]
١٦٠٦- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ
رضي الله عنهما قَالَ: مَا تَرَكْتُ أَسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْتَيْنِ فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ مُنْذُ رَأَيْتُ
النَّبِيَّ نَّهِ يَسْتَلِمُهُمَا.
قُلْتُ لِنَافِعِ: أَكَانَ ابن عُمَرَ يَمْشِي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ؟ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَمْشِي لِيَكُونَ
أَيْسَرَ لإِسْتِلَامِهِ. [١٦١١ - مسلم: ١٢٦٨ - فتح: ٤٧١/٣]
ذکر فیه ثلاثة أحاديث:
أحدها :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثَنَا سُرَيْجُ بْنُ الُّعْمَانِ، ثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن
عُمَرَ قَالَ: سَعَى النَّبِّ وَهِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطِ، وَمَشَىْ أَرْبَعَةً فِي الحَجّ وَالْعُمْرَةِ.
تَابَعَهُ اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َلُ.

٣٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
محمد شيخ البخاري هو ابن يحيى الذهلي كما قاله الحاكم، وقيل:
ابن رافع، حكاه الجياني، ونسبه ابن السكن: ابن سلام(١). ويقال:
محمد بن عبد الله بن نمير، حكاه أبو نعيم في ((مستخرجه))، فهذِه
أربعة أقوال فيه. وقال المزي: محمد بن رافع عن سريح(٢). روى عنه
البخاري وروى عن محمد - غير منسوب- عن سريج (٣) ولم يذكر ابن
سلام ولا الذهلي فیمن روی عن سریج.
وهُذِه المتابعة أخرجها النسائي من حديث شعيب بن الليث بن
سعد، عن أبيه، عن كثير بن فرقد، عن نافع، عن ابن عمر: كان
يخب في طوافه حين يقدم في حج أو عمرة ثلاثًا ويمشي أربعًا.
وقال: كان رسول الله وَّله يفعل ذَلِكَ(٤). ورواه البيهقي من حديث
يحيى بن بكير: ثَنَا الليث، ثَنَا كثير بن فرقد (٥).
الحديث الثاني :
حديث زيد بن أسلم عن أبيه أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَالَ لِلرُّكْنِ: أَمَا
والله إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلًا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيِّ ◌َ
اُسْتَلَمَكَ مَا أَسْتَلَمْتُكَ. فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ
المُشْرِكِينَ، وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ ◌َِّفَلَا نُحِبُّ أَنْ
نَتْرُكَهُ.
(١) ((تقييد المهمل)) ١٠٣٦/٣ - ١٠٣٧.
(٢) (تهذيب الكمال)) ٢٥/ ١٩٢ (٥٢٠٩).
(٣) (تهذيب الكمال)) ٢٢٠/١٠ (٢١٩٠).
(٤) (سنن النسائي)) ٢٣٠/٥ كتاب: مناسك الحج، باب: الرمل في الحج والعمرة.
(٥) ((السنن الكبرى)) ٨١/٥ كتاب: الحج، باب: الرمل في الطواف في الحج
والعمرة.

٣٧٥
- ڪِتَابُ الحَجِّ
وهو من أفراده، وكذلك قول عمر.
الثالث: حديث ابن عمر: مَا تَرَكْتُ أَسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ فِي شِدَّةٍ
وَلَا رَخَاءٍ مُنْذُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ نَّهَ يَسْتَلِمُهُمَا.
قُلْتُ لِنَافِعِ: أَكَانَ ابن عُمَرَ يَمْشِي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ؟ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَمْشِي
لِيَكُونَ أَيْسَرَ لإِسْتِلَامِهِ.
واعترض الإسماعيلي فقال: هذا الحديث ليس من هذا الباب في
شيء. قلتُ: لا فإن مشيه بين الركنين يؤذن أنه يرمل فيما عداه، وقد
أسلفنا اختلاف العلماء في مشروعية الرمل الآن، ونقلنا أن المشهور
عن المالكية أنه لا دم بتركه، وهو المشهور عن ابن عباس، وبه قَالَ
عطاء وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور،
وبوجوبه قَالَ الحسن والثوري. قَالَ ابن القاسم: ورجع عنه مالك(١).
وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن القاسم أن عليه
الدم في قليل ذَلِكَ وكثيره. واحتج بقول ابن عباس: من ترك من نسكه
شيئًا فعليه دم، وفيه نظر؛ لأن المشهور عن ابن عباس أن من شاء
رمل، ومن شاء لم يرمل، ومذهبه أنه لا شيء عليه في تركه.
وقال الطبري: قد ثبت أن الشارع رمل، ولا مُشرك يومئذٍ بمكة
يراءى الرمل، فكان معلومًا أنه من مناسك الحج، غير أنا لا نرى
عَلَى من تركه عامدًا ولا ساهيًا قضاءً ولا فدية، لأن من تركه فليس
بتارك لعمل، وإنما هو تارك منه لهيئة وصفة كالتلبية التي فيها الحج،
ورفع الصوت، فإن خفض صوته بها كان غير مضيع لها ولا تاركها،
وإنما ضيع صفة من صفاتها، ولا شيء عليه.
(١) سبق تخريج المسألة.

٣٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فرع :
قام الإجماع عَلَى أنه لا رمل عَلَى من أحرم بالحج من مكة من غير
أهلها؛ لأنهم رملوا حين دخولهم مكة حين طافوا للقدوم(١)، واختلفوا
في أهل مكة هل عليهم رمل؟
فكان ابن عمر لا يراه عليهم، وبه قَالَ أحمد(٢)، واستحبه مالك
والشافعي للمكي(٣)، وعلة الأول أنه من سنة القادم، وليس المكي
بقادم، وعلة من استحبه للمكي في طواف الإفاضة؛ لأنه طواف ینوب
عن طواف القدوم والإفاضة، فاستحب له؛ ليأتي بسنة هي في أحد
الطوافين، فتتم له السنة في ذَلِكَ، كما أنه يسعى فيه، وغيره
لا يسعى، إلا في طواف القدوم، كذا وقع في ابن بطال(٤)، ولم
نسلم له.
(١) أنظر ((الاستذكار)) ١٤٠/١٢، ((الإقناع)) لابن القطان ٨٢٧/٢.
(٢) أنظر ((المستوعب)) ٢٢٣/٤، ((المغني)) ٢٢١/٥، ((المبدع)» ٢١٨/٣.
(٣) أنظر ((النوادر والزيادات)) ٣٧٦/٢، (الاستذكار)) ١٤٠/١٢، ((روضة الطالبين) ٣/
٨٦، ((العزيز)» ٤٠٣/٣.
(٤) (شرح ابن بطال)) ٢٨٨/٤ - ٢٨٩.

=
كِتَابُ الحَجّ
٣٧٧
٥٨- باب اسْتِلَامِ الرُّكْنِ بِالْمِحْجَنِ
١٦٠٧- حَذَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، وَيَجْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن وَهُبٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله
عنهما قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَىْ بَعِيٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ. تَابَعَهُ
الدَّرَاوَزِيُّ، عَنِ ابن أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ. [١٦١٢، ١٦١٣، ١٦٣٢، ٥٢٩٣- مسلم: ١٢٧٢-
فتح: ٤٧٢/٣]
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، وَيَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَا: ثَنَا ابن وَهْبٍ:
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن
عَبَّاسٍ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ وَّهِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ
بِمِحْجَنٍ. تَابَعَهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنِ ابن أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ.
هذا الحديث رواه مسلم عن أبي الطاهر وحرملة عن ابن وهب
به(١)، وخالف ابن وهب الليثَ وأسامةً، وزمعة، فرووه عن الزهري.
قَالَ: بلغني عن ابن عباس. والمتابعة أخرجها الإسماعيلي عن
الحسن، ثنا محمد بن عباد المكي، ثَنَا عبد العزيز بن محمد، عن ابن
أخي الزهري، عن عمه، عن عبيد الله، عن ابن عباس أن النبي وَلِّل
طاف بالبيت؛ يستلم الركن بمحجن معه.
وأخرجه مسلم من حديث أبي الطفيل(٢) وجابر(٣) وعائشة(٤)،
(١) (صحيح مسلم)) (١٢٧٢) كتاب: الحج، باب: جواز الطواف على بعير وغيره
واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب.
(٢) (صحيح مسلم)) (١٢٧٥) كتاب: الحج، باب: جواز الطواف على بعير وغيره
واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب.
(٣) (صحيح مسلم)) (١٢٧٣).
(٤) (صحيح مسلم)) (١٢٧٤).
:

٣٧٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وأبو داود من حديث صفية بنت شيبة(١).
وأخرجه الحاكم من حديث قدامة بن عبد الله وقال: صحيح عَلَى
شرط البخاري(٢).
وأما حكم الباب فإذا عجز عن تقبيل الحجر استلمه بيده أو بعصا
كما ذكر في الحديث، ثم قبل ما استلم به كما في صحيح مسلم من
حديث أبي الطفيل السالف.
قَالَ القاضي عياض: وانفرد مالك عن الجمهور فقال: لا يقبل
يده(٣). وأصح الأوجه عندنا أن التقبيل بعد الاستلام، وثانيها: قبله،
وكأنه ينقل القبلة إليه، وثالثها: يتخير، فإن عجز عن الاستلام أشار
بيده(٤)؛ لما سيأتي من حديث ابن عباس، وكذا بما في يده، ولا يشير
إلى القبلة بالفم؛ لأنه لم يُنْقَل ويراعي ذَلِكَ في كل طوفة، فإن لم يفعل
فلا شيء عليه.
والمحجن: عصا محنية الرأس أي: معوجة، وكل معطوف معوج
كذلك، وهو شبيه الصولجان(٥).
وقوله: يستلم. يعني: يصيب السلم، والسلام الحجر، وإنما يستلم
یستفعل منه.
(١) ((سنن أبي داود)) (١٨٧٨) كتاب: المناسك، باب: الطواف الواجب.
وحسنه الألباني في ((صحيح أبي داود)) برقم (١٦٤١).
(٢) ((المستدرك)) ٤٦٦/١.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٣٤٤/٤ وانظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٧٤/٢، ((المعونة)) ١/
٣٦٧، ((الذخيرة» ٢٣٦/٣.
(٤) انظر ((الأم)) ١٤٦/٢، ((البيان)) ٢٨٤/٤، ((روضة الطالبين)) ٨٥/٣.
(٥) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) ٣٤٧/١، و((لسان العرب)) ٧٩١/٢.

٣٧٩
كِتَابُ الحَجِّ
=
قَالَ ابن بطال: واستلامه بالمحجن يحتمل أن يكون لشكوى به (١).
وقد أخرجه أبو داود، وفي مسلم من حديث عائشة مُعَلِلًا كراهة أن
يصرف عنه الناس فيؤذيهم بالمزاحمة (٢)، ويحتمل أيضًا غيره مما
ستعلمه.
قلتُ: والظاهر أنه للعجز عن التقبيل. قَالَ المهلب: واستلامه به يدل
عَلَى أن استلام الركن ليس بفرض، وإنما هو سنة، ألا ترى قول عمر:
لولا أني رأيت رسول الله وَله قبَّلك ما قبلتك. وأما طوافه راكبًا؛ لبيان
الجواز وللاستفتاء، وقد ترجم البخاري كما سيأتي قريبًا: الطواف
راكبًا، وذكر حديث ابن عباس وزينب بنت أم سلمة (٣)، ولأبي داود:
أنه قدم مكة وهو مشتك فطاف عَلَى راحلته(٤)، وفي إسناده يزيد بن
أبي زياد(٥). وقال عبدان: الوجه في طوافه راكبًا أنه كان في طواف
الإفاضة. وعن طاوس: أنه ◌َلل أمر أصحابه أن يهجروا بالإفاضة،
وأفاض في نسائه ليلًا فطاف عَلَى راحلته(٦).
وقال أصحابنا: والأفضل أن يطوف ماشيًا ولا يركب إلا لعذر
بمرض أو نحوه، أو کان ممن يحتاج إلى ظهوره، ليستفتى ويقتدى،
فإن كان لعذر جاز بلا كراهة، لكنه خلاف الأولى. وقال إمام
(١) (شرح ابن بطال)) ٢٨٩/٤.
(٢) سبق تخريجهما.
(٣) يأتيا برقم (١٦٣٢ - ١٦٣٣).
(٤) ((سنن أبي داود)) (١٨٨١) كتاب: المناسك، باب: الطواف الواجب.
(٥) لذا ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٢٧) قائلا : یزید بن أبي زياد مولا هم،
لا يحتج به.
(٦) رواه البيهقي ١٠١/٥ كتاب: الحج، باب: الطواف راكبًا.

٣٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الحرمين: في النفس من إدخال البهيمة التي لا يؤمن تلويثها المسجد
شيء، فإن أمكن الاستيثاق فذاك، وإلا فإدخالها المسجد مكروه(١).
وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبًا من غير عذر،
ومنهم: الماوردي، والبندنيجي، وأبو الطيب، والعبدري، والمشهور
الأول(٢). والمرأة والرجل في ذَلِكَ سواء، والمحمول عَلَى الأكتاف
کالراکب، وبه قال أحمد وداود وابن المنذر(٣). وطوافه زحفًا عندنا
مكروه(٤). وقال أبو حنيفة ومالك والليث: إن طاف راكبًا لعذر أجزأه
ولا شيء عليه، وإن كان لغير عذر فعليه دم، وإن كان بمكة أعاد
الطواف، واعتذر عن ركوب النبي وَليه بما سلف(٥).
وفي مسلم من حديث جابر: طاف النبي ◌َّ بالبيت في حجة الوداع
عَلَى راحلته يستلم الركن بمحجنه؛ لأن يراه الناس، وليشرف وليسألوه،
فإن الناس غشوه(٦).
وفيه من حديث ابن عباس: كثر عليه الناس، يقولون: هذا محمد،
حتى خرج العواتق من الخدور وكان القيّه لا يعرف، فلما كثر عليه
رکب(٧).
(١) انظر: ((المجموع)) ٣٧/٨.
(٢) انظر ((الأم)) ١٤٨/٢، ((البيان)) ٢٨١/٤، ((روضة الطالبين)) ٨٤/٣.
(٣) أنظر ((المستوعب)) ٢١٣/٤، ((المغني)) ٢٥٠/٥، ((المبدع)» ٢١٨/٣.
(٤) أنظر ((المجموع)) ٣٨/٨، (نهاية المحتاج)) ٢٨٣/٣ ((طرح التثريب)) ١٠٠/٥.
(٥) انظر ((المبسوط)) ٤٤/٤، ((الفتاوى التاتارخانية)) ٥١٤/٢، ((الاستذكار)» ١٢/
١٨٦، ((الذخيرة)) ٢٤٦/٣.
(٦) (صحيح مسلم)) (١٢٧٣).
(٧) مسلم (١٢٦٤).