Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كِتَابُ الحَجِّ
=
وفي ((الموطأ)): وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوهما يحتمل أن
يريد أنهم لم يطوفوا غير طواف واحد للقدوم وآخر للإفاضة، إن كانوا
قرنوا قبل دخول مكة، وإن كانوا أردفوا بمكة فلم يطوفوا غير طواف
واحد وهو طواف الإفاضة، ويحتمل أن يريد أنهم سعوا إليهما سعيا
واحدًا، والسعي يسمى طوافًا، ويحتمل أن يريد طوافهم على صفة
واحدة لم يزد القارن فيه على طواف المفرد (١).
وذلك أن القارن لم يفرد العمرة بطواف وسعي، بل طاف لهما كما
طاف المفرد للحج، وهذا نص في أنه لا يتعدد وقد سلف ما فيه.
قال مالك في ((الموطأ)): إذا دخلت مكة بعمرة، وهي حائض
وخشيت الفوات أهلت بالحج، وكانت قارنة(٢).
وذكر البخاري بعد هذا أن إذنه لعائشة بما ذكر كان في يوم عرفة.
(١) ((الموطأ)) ص ٢٦٥.
(٢) ((الموطأ)) ص ٢٦٦.

٢٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
صَلى الله
وسيلة
٣٢- باب مَنْ أَهَلَّ فِي زَمَنِ النّبِيِّ
صَلَلَى اللّه
وسلم
كَإِهْلَالِ النّبِيِّ
قَالَهُ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّهِ.
١٥٥٧- حَدَّثَنَا الَكْيُّ بْنُ إِرَاهِيمَ، عَنِ ابن جُرَنِجٍ، قَالَ عَطَاءُ: قَالَ جَابِرٌ ﴾: أَمَرَ
النَّبِيُّ وَّ عَلِيًّا ﴿ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِخْرَامِهِ. وَذَكَرَ قَوْلَ سُرَاقَةَ. [١٥٦٨، ١٥٧٠، ١٦٥١،
١٧٨٥، ٢٥٠٥، ٤٣٥٢، ٧٢٣٠، ٧٣٦٧ - مسلم: ١٢١٦ - فتح: ٤١٦/٣]
١٥٥٨- حَدَّثَنَا الَحَسَنُ بْنُ عَلِيَّ الَخَلَّالُ الهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ
بْنُ حَيَّنَ قَالَ: سَمِعْتُ مَزْوَانَ الْأَصْفَرَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ هِ قَالَ: قَدِمَ عَليّ
عَلَى النَّبِيِّ نََّ مِنَ اليَمَنِ، فَقَالَ: ((بِمَا أَهْلَلْتَ؟)). قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ وََّ.
فَقَالَ: (لَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ)). وَزَادَ نُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، عَنِ ابن جُرَنِجٍ: قَالَ لَهُ
النَّبِيُّ وَّةِ: (بِمَا أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ؟)). قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ◌َ. قَالَّ: ((فَأَهْدِ
وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ)). [مسلم: ١٢٥٠ - فتح: ٤١٦/٣]
١٥٥٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِ مُوسَى عِ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ وََّ إِلَى قَوْمٍ بِالْيَمَنِ فَجِئْتُ وَهُوَ
بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ: ((بِمَا أَهْلَلْتَ؟)). قُلْتُ: أَهْلَلْتُ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ◌َ. قَالَ: ((هَلْ مَعَكَ
مِنْ هَدْي؟)). قُلْتُ: لَا. فَأَمَرَنِي فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْزوَةِ، ثُمَّ أَمَرَنٍِ فَأَخْلَلْتُ،
فَأَتَيْثُ أَفَّرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي، أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي، فَقَدِمَ عُمَرُ ﴾ فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ
بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّهُ يَأْمُزْنَا بِالتَّمَامِ، قَالَ اللهُ: ﴿وَأَنِقُواْ الْمَجَّ وَالْعُهْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَإِنْ
نَأْخُذْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ نَ ◌ّهَ فَإِنَّهُ لَمَّ يَجِلَّ حَتَّى نَحَرَ الهَدْيَ. [١٥٦٥، ١٧٢٤، ١٧٩٥، ٤٣٤٦،
٤٣٩٧- مسلم: ١٢٢١ - فتح: ٤١٦/٣]
ذكر فيه حديث ابن جُرَيْج، قَالَ عَطَاءُ: قَالَ جَابِرٌ: أَمَرَ النَّبِيُّونَ عَلِيًّا
أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ. وَذَكَرَ قُوْلَ سُرَاقَةً.

٢٠٣
كِتَابُ الحَجِّ
وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، عَنِ ابن جُرَيْج: قَالَ لَّهُ النَّبِيُّ وَّهِ: ((بِمَا أَهْلَلْتَ
يَا عَلِيُّ؟)). قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ◌َّلِ قَالَ: ((فَأَهْدِ وَامْكُتْ حَرَامًا كَمَا
أَنْتَ)).
وحديث أنس قال: قدم علي على النبي ◌َّ من اليمن، فقال: ((بما
أهللت)) قلت: بما أهل به النبي صل﴾. قال: ((لولا أن معي الهدي
لأحللت)).
وحديث أبي موسى أنه قدم من اليمن مهلًا بما أهل به رسول الله
ـَ الله
الشرح:
حديث ابن عمر المعلق أسنده في المغازي كما ستعلمه بعد(١).
وحديث جابر أخرجه مسلم عن محمد بن حاتم، ثنا يحيى القطان،
أنا ابن جريج، أخبرني عطاء سمعت جابرًا قال: قدم علي من سعايته
فقال: ((بم أهللت))؟ قال: بما أهل به النبي بَّر. قال له: ((فامكث
حرامًا)) الحديث(٢).
وذكره البخاري أيضًا في باب: بعث النبي ◌َّ علي بن أبي طالب،
وخالد بن الوليد من كتاب المغازي عن المكي بسنده(٣).
وذكره في باب: عمرة التنعيم من حديث حبيب المعلم عن عطاء،
حَدَّثَنِي جابر الحديث (٤).
(١) سيأتي برقم (٤٣٥٣) كتاب: المغازي، باب: بعث علي بن أبي طالب القيا.
(٢) (صحيح مسلم)) (١٢١٦) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام.
(٣) سيأتي برقم (٤٣٥٢).
(٤) سيأتي برقم (١٧٨٥).

٢٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وزيادة محمد بن بكر البرساني رواها أبو نعيم عن محمد بن أحمد،
ثنا عمران بن موسى، ثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن بكر، عن ابن
جریج به.
وفي البخاري في كتاب الشركة من حديث حماد، عن ابن جريج،
عن عطاء، عن جابر، وفيه: فجاء علي فقال أحدهما يقول: لبيك بما
أهل به رسول الله وَّله، وقال الآخر: لبيك بحجة رسول الله، فأمره
رسول الله وَّر أن يقيم على إحرامه وأشركه في الهدي(١).
.وذكر أصله من حديث ابن عباس بدون هذا، وخرجه في الباب
السالف في المغازي من حديث بكر بن عبد الله المزني قال: ذكر
لابن عمر، أن أنسًا حدثهم أن النبي و ﴿ أهل بعمرة وحجة، فقال:
أهل النبي ◌َّو بالحج، وأهللنا به، فلما قدمنا مكة قال: ((من لم يكن
معه هدي فليجعلها عمرة)) وكان مع النبي ◌َّ هدي، فقدم علينا
علي بن أبي طالب من اليمن حاجًّا، فقال النبي وَالر: ((بما أهللت،
فإن معنا أهلك؟)) قال: أهللت بما أهل به النبي وَله. قال: ((فأمسك،
فإن معنا هديًا))(٢) وقد ذكره مسلم بمعناه(٣).
وقال الترمذي في حديث أنس: حسن غريب مشهور من حديث
سليم -يعني بفتح السين - ابن حيان (٤).
(١) سيأتي برقم (٢٥٠٥)، باب: الاشتراك في الهدي والبُدن.
(٢) سيأتي برقم (٤٣٥٤).
(٣) (صحيح مسلم)) (١٢٣٢) كتاب: الحج، باب: الإفراد بالحج.
(٤) ((سنن الترمذي)) (٩٥٦) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الرخصة للرعاء أن يرموا
يومًا ويدعوا يومًا.

٢٠٥
- كِتَابُ الحَجِّ
وحديث أبي موسى (١) رواه البخاري عن محمد بن يوسف، ثنا
سفيان.
قال أبو مسعود الدمشقي: سفيان هذا هو الثوري، وإذا كان كذلك
فمحمد هذا هو الفريابي، وكذا قاله أبو نعيم أيضًا، وأخرجه مسلم
أيضًا(٢).
أما حكم الباب: فيجوز أن يهل كإهلال زيد لقصة علي وأبي موسى
فِي ذَلِكَ، فإن كان زيد محرمًا أنعقد إحرامه كإحرامه إن حجا فحج، وإن
عمرة فعمرة، وإن قرانًا فقران. وإن كان أحرم بنية التمتع كان عمرو
محرمًا بعمرة، ولا يلزمه التمتع، إن كان مطلقًا أنعقد مطلقا، ويتخير
كما يتخير زيد، ولا يلزمه الصرف إلى ما يصرفه إليه زيد على الأصح
وإن كان زيد أحرم مطلقًا ثم عينه قبل إحرام عمرو فالأصح أنه ينعقد
إحرام عمرو مطلقًا. وقيل: معينا، وإن لم يكن زيد محرمًا أنعقد
إحرامه مطلقًا، ولنا وجه أنه إن علم عدم إحرام زيد لم ينعقد كما
لو علق فقال: إن كان زيد محرمًا فقد أحرمت، فلم يكن محرمًا،
والأصح: الانعقاد، والفارق بأنه جازم بالإحرام في مسألتنا، بخلاف
ما إذا علق.
وظاهر الحديث أنهما لم يعلما قبل بما أحرم به رسول الله وَ له.
وقال بعضهم: يحتمل الإعلام بذلك، وأنها حجة مفردة، ففعل علي
کذلك.
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: حديث أبي موسى أعاده في باب متى يحل
المعتمر.
(٢) مسلم (١٢٢١).

٢٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال الخطابي: يحتمل أن يكون علي علم بأنه القيمه كان قارنًا؛ لأن
الهدي لا يجب على غير القارن أو المتمتع، ولو كان متمتعًا لحل من
إحرامه للعمرة، ثم استأنف إحرامًا للحج. فلما أمره أن یمکث حرامًا
دل على أنه قارن(١).
ويحتمل أن يكون على معنى الترقب، فلما وصل إلى رسول الله وَلهم
أمضى له ذَلِكَ وكان أحرم بعمرة فلم يجز له أن يحل لمكان ما معه من
الهدي، ذكره الداودي.
فرع :
قال الروياني في ((بحره)) عن والده: لو كان أحرم بإحرام زيد ثم تبين
أنه كان ميتًا أنعقد إحرامه، ويصرفه إلى ما أراد، وقيل: لا ينعقد.
فرع :
لو علق على إحرام زيد ولو في المستقبل، أو على طلوع الشمس
فوجهان، والميل إلى الجواز.
ولم يقل بقصة علي وأبي موسى مالك والكوفيون؛ أخذًا بظاهر
قوله: ((إنما الأعمال بالنيات))(٢) وقالوا: لابد أن ينوي حجًا أو عمرة
عند دخوله فيه، وقالوا: إذا نوى بحجته التطوع وعليه حجة الإسلام
أنه لا يجزئه عنها، وبه قال الثوري، وإسحاق.
وقال الشافعي: يجزئه عن حجة الإسلام، وتعود النافلة فرضًا لمن
لم يؤد فرضه في الحج خاصة، كما يعود الإحرام بالحج قبل وقته(٣)،
وإن نوىُ به الفريضة تطوعًا.
(١) ((أعلام الحديث)) ٢/ ٨٥٠.
(٣) ((الأم)) ١٠٤/٢، ((البيان)) ٥٨/٤.
(٢) سلف برقم (١).

٢٠٧
- ڪِتَابُ الحَجّ
قال ابن بطال: فيقال له: قد أجمعوا أن من صلى قبل الزوال أربعًا،
إن نوى به الظهر أنها لا تجزئه، وهي تطوع، فكذا الحج(١).
قُلْتُ: هذا لا يقال لمثل هذا الإمام، فإن الحج لا يقاس عليه.
وقال ابن المنير في ((تراجمه)): كأن البخاري لما لم ير إحرام التقليد
ولا الإحرام المطلق ثم تعين بعد ذَلِكَ، أشار في الترجمة بقوله: باب:
من أهل في زمن النبي ومؤ كإهلاله، إلى أن هذا خاص بذلك الزمن،
فليس لأحد أن يحرم بما أحرم به فلان، بل لابد أن يعين العبادة التي
نواها ودعت الحاجة إلى الإطلاق، والحوالة على إحرامه العليها؛ لأن
عليًّا وأبا موسى لم يكن عندهما أصل يرجعان إليه في كيفية الإحرام،
فأحالا على رسول الله وَالر، وأما الآن فقد استقرت الأحكام،
وعرفت مراتب كيفيات الإحرام، ومذهب مالك على الصحيح جواز
ذَلِكَ، وأنه ليس خاصًا بذلك الزمن(٢).
ثم أعلم أن حديث أنس موافق لرأي الجماعة في إفراده القليل؟.
قال المهلب: ويردُّ وهْمَ أنس أنه الكَيْه قرن، واتفاقه مع الجماعة
أولى بالاتباع مما انفرد به وخالفهم فيه، فتسويغ الشارع لنفسه:
(لولا الهدي)) يدل أنه كان مفردًا، لأنه لا يجوز للقارن الإهلال،
حتى يفرغ من الحج؛ وأما قوله الَّ: ((لولا أني سقت الهدي لأحللت))
والمفرد لا يحل اليوم سواء کان معه هدي أو لم یکن، فإن معنى:
(لأحللت)): لفسخت الحج في العمرة؛ لأن الفسخ كان مباحًا حينئذ
(١) (شرح ابن بطال)) ٢٣٤/٤.
(٢) انتهى كلام ابن المنير من ((المتواري على تراجم أبواب البخاري)) ص١٣٦.
وينظر لمذهب مالك: ((التفريع)) ٣١٥/١، و((عيون المجالس)) ٧٦٩/٢، و ((مواهب
الجلیل)) ٤٤٦/٣.

٢٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
لمن لا هدي له، فجاز لهم الإحلال ووطء النساء قبل الشروع في عمل
العمرة في وقت فسخهم الحج. فأما من كان معه هدي فلم يفسخ لقوله
تعالى: ﴿حَّ بَلُغَ الْحَدْىُ عَجِلَّمٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقوله: ((بم أهللت؟)) قال ابن التين: ووقع في الأمهات بالألف،
وصوابه بحذفها.
وقوله: ((فأهل)) هو بهمزة قطع؛ لأنه أمر من الرباعي، وقوله:
((وامكث)) أي لأجل سوق الهدي، فإن من ساقه لم يحل حَتَّى يتم
الحج كما فعل التى.
وفيه: استعمال علي على اليمن، وفي غير هذا الحديث أنه استُعمل
على الصدقات ويحتمل أن يكون وليَها احتسابًا وأعطى عطاءه من غيرها.
ومعنى قوله: ((لولا أن معي الهدي لأحللت)) حمله قوم على أن
التمتع أفضل من الإفراد والقران، وهو قول الشافعي، وقاله أحمد،
وإسحاق، وبعض متأخري المالكية(١)
(١) قال الإمام مالك: الإفراد بالحج أحب إلي، انظر: ((المدونة)) ٢٩٥/١، ((التفريع))
٣٣٥/١، وانظر لأقوال متأخري المالكية ((الذخيرة)) ٢٨٥/٣، وقال النووي في
((روضة الطالبين)): وأفضلها: الإفراد، ثم التمتع، ثم القرآن، هذا هو المذهب.
والمنصوص في عامة كتبه. ((الروضة)) ٤٤/٣، وقال في ((المجموع)) ١٥٨/٧:
الأصح تفضيل الإفراد ورجحه الشافعي والأصحاب وغيرهم، وقال العمراني في
((البيان)): المشهور من المذهب: أن الإفراد والتمتع أَفْضَلُ من القران. وفي الإفراد
والتمتع قولان: أحدهما: أن الإفراد أَفْضَلُ والثاني: أن التمتع أفضل. ثم ذكر
العمراني قولًا ثالثًا للشافعي حكاه صاحب ((الفروع)) أن القران أَفْضَلُ. ويقول
العمراني: وإذا قلنا: إن الإفراد أَفْضَلُ فإنما نريد به: إذا أتى بالحج، ثم أتى
العمرة بعده، فأما إذا أتى بالحج دون العمرة ... فالتمتع أَفْضَلُ. وهذا هو الصحيح.
(البيان)) ٦٦/٤، وانظر قول الإمام أحمد في ((المستوعب)) ٤٩/٤، ((المغني)) ١٥
٨٢، ((المبدع)) ١١٩/٣.

٢٠٩
كِتَابُ الحَجِّ
-
وقيل: إن الحديث خرج على سبب، وهو أن الجاهلية كانوا لا يرون
العمرة في أشهر الحج، فأباح ذَلِكَ الإسلام، وقيل: قاله تطييبًا لقلب
أصحابه، وليتأسى به غيره في الرخصة، ولا يضيق على أمته؛ لأن
بعض أصحابه كانوا لا يحبون أن يفعلوا إلا كفعله.
وقوله: (لأحللت)) يقال: أحل من إحرامه فهو محل، وحل أيضًا قال
ج
تعالى: ﴿وَإِذَا حَلْتُمْ فَأَصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢] وقوله في حديث أبي موسى:
فأمرني فطفت بالبيت، ثم أمرني فأحللت. هذا يخالف ما أمر به عليًا،
وذلك أنه العَّه كان معه الهدي، وكذا علي، فشاركه علي في عدم
التحلل، وأبو موسى لم يكن معه هدي فصار له حكم النبي ◌َّ في
الإحرام فقط؛ لأنه قال: ((لولا الهدي لجعلتها عمرة وتحللت)).
قال ابن التين: ويشبه أن يكون أراد كإهلال النبي وَل﴾ أي: كما سَنَّه
وعَيَّنَه من أنواع ما يحرم له، ولم يكن معه هدي، ولا أتساعَ لثمن
الهدي، فأمر أن يحل بعمل عمرة إذا كان إهلاله بها مضى وعلي كان
معه الهدي.
وقيل: أمر أبا موسى بمنزلة ما أمر غيره ممن كان معه بفسخ العمرة
إلى الحج إذ لا هدي معه.
وقول عمر: (أن نأخذ بكتاب الله ... إلى آخره) ظاهره أن من أنشأ
حجًّا ليس له فسخه في عمرة من أجل الهدي؛ تعظيمًا لحرمات الله،
وتأول قوم أنه القَّه كان نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج. وهذا
تأويل من لا يعرف؛ لأن التمتع ثابت بنص الكتاب والسنة، وروي
عنه أن ذَلِكَ خاص بذلك العام كما سلف إباحته؛ ردًّا لقول الجاهلية
إن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور.

٢١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقوله: (فقدم عمر)، يعني: إذ حج بالناس في خلافته ومعنى الأمر
بالتمام في الآية أن من أهل بشيء فليتم ما بدأ به ولا يفسخه، وفي
أحاديث الباب دلالة لما ذهب إليه أبو حنيفة وأحمد من أن المعتمر
المتوتح إذا كان معه هدي لا يتحلل من عمرته حَتَّى ينحر هديه
يوم النحر. ومذهب الشافعي، ومالك أنه إذا طاف، وسعى، وحلق
حل من عمرته وحل له كل شيء في الحال سواء كان ساق هديًا
أم لا(١) (٢).
(١) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) (٧٢)، ((الهداية)) ٢٠١/١، ((التفريع)) ٣٣٤/١، ((عيون
المجالس)) ٧٨١/٢، ((روضةإلاالبين" ٥٢/٣، ((المجموع)) ١٨٣/٧، ((البيان))
٤٢٢/٤، ((المستوعب)) ٣٦٧/٤، ((المغني)) ٣٠٠/٥، ((المبدع» ٢٤١/٣.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الخامس بعد العشرين، كتبه مؤلفه.

٢١١
كِتَابُ الحَجّ
٣٣- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
اُلْحَجُ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتُ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّفَلَاَ رَفَكَ
وَلَا فُسُوقََ وَلَا جِدَالَ فِىِ الْحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقوله ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَاُلْحَجْ﴾
[البقرة: ٨٩]
وَقَالَ ابن عُمَرَ: أَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَعَشْرٌ
مِنْ ذِي الحَجَّةِ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ
بِالْحَجِّ إِلَّ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ. وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ
خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ.
١٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ
◌ُمَيْدٍ، سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ نُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولٍ
اللهِوَِّ فِي أَشْهُرِ الَحَجّ، وَلَيَالِ الحَجِّ وَحُرُمِ الحَجُّ، فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ، قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى
أَصْحَابِهِ فَقَالَ: ((مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ،
وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْئُ فَلَا)). قَالَتْ: فَالآخِذُ بِهَا وَالثَّارِكُ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا
رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ، وَكَانَ مَعَهُمُ الهَدْيُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا
عَلَى العُمْرَةِ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ: ((مَا يُبْكِيِكِ
يَا هَنْتَاهْ؟)). قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لِأَضْحَابِكَ فَمُنِعتُ العُمْرَةَ. قَالَ: ((وَمَا شَأْنُّكِ؟)).
قُلْتُ: لَا أُصَلِّي. قَالَ: ((فَلَا يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللهُ عَلَيْكِ
مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا)). قَالَتْ: فَخَرَجْنَا
فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنَّى فَطَهَرْتُ، ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنَى فَأَفَضْتُ بِالْبَيْتِ، قَالَتْ: ثُمّ
خَرَجَتْ مَعَهُ فِي النَّقْرِ الآخِرِ حَتَّى نَزَلَ المُحَصَّبَ، وَنَزَلْنَا مَعَهُ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي

٢١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
بَكْرٍ فَقَالَ: ((اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الحَرَمِ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ آقْرُغَا، ثُمَّ آتْتِيَا هَا هُنَا،
فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا حَتَّى تَأْتِيَانِي)). قَالَثَ: فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ، وَفَرَغْتُ مِنَ
الطَّوَافِ، ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرَ، فَقَالَ: ((هَلْ فَرَغْتُمْ؟)). فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَأَذَنَ بِالرَّحِيلِ فِي
أَضْحَابِهِ، فَازْتَحَلَ النَّاسُ فَمَرَّ مُتَوَجِّهَا إِلَى المَدِينَةِ. ضَئِرٍ: مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا، وَيُقَالُ:
ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا، وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٤١٨/٣]
ثم ذكر حديث عائشة: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ،
وَلَيَالِي الحَجِّ وَحُرُمِ الحَجِّ .. الحديث بطوله.
أما الآية الأولى فقال الفراء في ((معانيه)): معناها: وقت الحج هذِه
الأشهر، فهي وإن كانت (في) تصلح فيها، فلا يقال إلا بالرفع، وكذلك
كلام العرب، يقولون: البرد شهران، والحر شهران، لا ينصبون؛ لأنه
مقدار الحج.
ولو كانت الأشهر والشهر معرفة على هذا المعنى لصلح فيه
النصب، ووجه الكلام الرفع، والمعلومات: شوال وذو القعدة وعشر
من ذي الحجة، وإنما جاز أن يقال: أشهر، وإنما هما شهران وعشر
من ثالث؛ لأن العرب إذا كان الوقت لشيء يكون فيه الحج وشبهه
جعلوه في التسمية للثلاثة أو الاثنين، كما قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ
فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِ يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وإنما يتعجل في
يوم ونصف، وكذلك هو في اليوم الثالث من أيام التشريق ليس
(معها)(١) شيء تام، وكذلك تقول العرب له اليوم يومان منذ لم أره،
وإنما هو يوم وبعض آخر، وهذا ليس بجائز في غير المواقيت(٢).
(١) كذا في الأصل، وفي ((معاني القرآن)»: منها.
(٢) انتهى بتصرف من ((معاني القرآن)) للفراء ١١٩/١.

٢١٣
- ڪِتَابُ الحَجّ
قُلْتُ: ومثله ثلاثة قروء، وقد يطلقها في آخر الطهر فيكون قرءان،
والطعن في الثالث من الحيض.
وقال ابن المنذر: كان الفراء يقول: معناه: وقت الحج أشهر
معلومات. وقال غيره: تأويله أن الحج في أشهر معلومات.
وقال الزجاج في ((معانيه)): قال أكثر الناس: إن أشهر الحج شوال
وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. وقال بعضهم: لو كانت الشهور التي
هي أشهر الحج شوالا وذا القعدة لما جاز للذي منزله بينه وبين مكة
مسافة أكثر من هذِه الشهور أن يفرض على نفسه الحج، وهذا حقيقته
عندنا، أنه لا ينبغي للإنسان أن يبتدئ بعمل من أعمال الحج قبل هذا
الوقت، نحو الإحرام؛ لأنه إذا ابتدأ قبل هذا الوقت أضر بنفسه،
فأمر الله تعالى أن يكون أقصى الأوقات الذي ينبغي للمرء أن
لا يتقدمها في عقد فرض الحج على نفسه شوالًا.
وقال بعض أهل العلم: معنى الحج إنما هو في السنة في وقت
بعينه، وإنما هو في الأيام التي يأخذ الإنسان فيها في عمل الحج؛
لأن العمرة في طول السنة، فينبغي له في ذَلِكَ الوقت أن لا يرفث
ولا يفسق.
وقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال ابن عباس:
التلبية(١)، وقد سلف بالخُلف فيه في بابها. وقال الضحاك: هو
الإحرام. وقال عطاء: من أهل فيهن بالحج قال: والفرض: التلبية؛
وكذا قال الزهري وإبراهيم وطاوس وابن مسعود وابن الزبير كما
سلف، ونقل ابن التين عن ابن مسعود وابن عمر معنى ﴿فَضَ﴾: لبّى.
(١) ((أحكام القرآن)) للجصاص ٣٨٢/١.

٢١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وعن ابن عباس: أحرم(١)، وحقيقته أوجب فيهن.
والرفث: الجماع، والفسوق: المعاصي. والجدال: المراء حَتَّى
يغضب صاحبه، قاله ابن عباس وابن عمر وعطاء.
وقال مجاهد: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾: لا شك فيه أنه في ذي الحجة(٢)،
بخلاف ما يعتقده من النسئ، وأن الحج في غير ذي الحجة، ويقف
بعضهم -وهم قريش- بالمزدلفة، وبعضهم بعرفة، ويتمارون في ذَلِكَ،
فقال التّ: ((إن الزمان قد استدار كيوم خلق الله السموات والأرض،
وإن الحج في ذي الحجة))(٣).
وقال أبو عمر: وأراد: فلا يكون رفث ولا فسوق أي: حَتَّى يخرج
من الحج. ثم ابتدأ فقال: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾، وأما الآية الثانية وهي قوله
تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] قال الواحدي (٤)، عن
معاذ: يا رسول الله، إن اليهود تغشانا، ويكثرون مسألتنا، فأنزل الله
الآية. وقال قتادة: ذكر لنا أنهم سألوا نبي الله: لم خلقت هذِه
الأهلة؟ فنزلت (٥).
وقال الكلبي: نزلت في معاذ وثعلبة بن عنمة الأنصاريين. قال:
يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقًا مثل الخیط ثم یزید حَتَّی
ينقص؟ فنزلت (٦).
(١) روىُ هُذِه الآثار الطبري في ((تفسيره) ٢٧١/٢-٢٧٣، وابن أبي حاتم في ((تفسيره))
٣٤٦/١.
(٢) رواها الطبري في ((تفسيره)) ٢/ ٢٧٣- ٢٨٦، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٣٤٦/١ -
٣٤٩.
(٣) سيأتي برقم (٤٦٦٢) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ﴾.
(٥) المصدر السابق ص ٥٥.
(٤) ((أسباب النزول)) ص ٥٥.
(٦) ((أسباب النزول)) ص٥٥- ٥٦.

٢١٥
كِتَابُ الحَجّ
=
وقال الزجاج: أخبرني من أثق به من رواة البصريين والكوفيين أن
الهلال سمي هلالًا؛ لرفع الصوت بالإخبار عنه. وقال بعضهم: يسمى
بذلك لليلتين من الشهر، ثم لا يسمى هلالًا إلى أن يعود في الشهر
الثاني، وهو الأكثر. وقال بعضهم: يسمى هلالًا ثلاث ليال، ثم
قمرًا. وقال بعضهم: يسمى هلالًا إلى أن يستدير. وقيل: إلى أن يبهر
ضوؤه سواد الليل، ثم قمر، وهذا لا يكون إلا في الليلة السابعة.
وجمعه أهلة لأدنى العدد وأكثره، ولا يقال: هلَّ. وحكي أيضًا (١)،
وقيل : هلَّ: طلع.
وأما أثر ابن عمر، فأخرجه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن شريك،
عن إبراهيم بن مهاجر، عنه (٢).
وأخرجه البيهقي من حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عنه. قال
البيهقي: وروي ذَلِكَ أيضًا عن ابن عمر عن أبيه(٣). وهو قول ابن مسعود
وابن الزبير.
وقال ابن المنذر: أُختلف عن ابن عمر وابن عباس في ذَلِكَ، فروي
عنهما كما قال ابن مسعود، وروي عنهما أنها ثلاثة كاملة. قُلْتُ: وهوما
ذكره البخاري عن ابن عباس في باب قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى
اُلْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٩٦] كما سيأتي(٤)، وفي ليلة النحر عندنا وجه،
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: قال ابن دريد في ((الجمهرة)): وقال أبو زيد: هلّ
الهلال.
(٢) ((المصنف)) ٢١٤/٣ كتاب: الحج، باب: قوله تعالى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾
ما هُذِه الأشهر.
(٣) ((السنن الكبرى)) ٣٤٢/٤ كتاب: الحج، باب: بيان أشهر الحج.
(٤) انظر ما سيأتي برقم (١٥٧٢).

٢١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفي قول أن ذا الحجة كله وقت للإحرام، وهو شاذ(١)، وحُكي عن
مالك وعمر. وحكى ابن حبيب عنه كالأول، وحكى القرطبي عنه:
آخر أيام التشريق(٢).
قال ابن القصار: والأول هو المشهور عنه (٣).
وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في جماعة من الصحابة والتابعين
بالأول(٤). فلو أحرم به في غير وقته أنعقد عمرة على الصحيح، وبه قال
عطاء وطاوس ومجاهد وأبو ثور(٥)، ونقله الماوردي، عن عمر
وابن مسعود وجابر وابن عباس. وقيل: لا ينعقد عمرة بل يتحلل
بعملها(٦)، ونقله ابن المنذر عن الأوزاعي وأحمد وإسحاق. وقال
داود: لا ينعقد أصلًا(٧).
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والنخعي وأهل المدينة والثوري:
يجوز قبله بكراهة (٨).
(١) قال النووي رحمه الله: أما الميقات الزماني، فوقت الإحرام بالحج: شوال، وذو
القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة. آخرها آخر ليلة النحر، وفي وجه: لا يجوز
الإحرام في ليلة النحر، وهو شاذ مردود، وحكى المحاملي قولًا عن («الإملاء)):
أنه يصح الإحرام به في جميع ذي الحجة، وهو أشد وأبعد. ((روضة الطالبين)) ٣/
٣٧.
(٢) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٤٠/٢، ((تفسير القرطبي)) ٣٨٢/٢.
(٣) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٣٦/٤.
(٤) انظر: ((تبيين الحقائق)) ٤٩/٢، ((أحكام القرآن)) للشافعي ١١٤/١ - ١١٥،
((مختصر المزني)) ٤٦/٢، ((الإقناع)» للحجاوي ٥٥٥/١.
(٥) انظر: ((البيان)) ٦١/٤-٦٢، ((المجموع)) ١٣١/٧، ١٣٣.
(٦) وهو القول القديم للشافعي، انظر: ((البيان)) ٦٢/٤.
(٧) انظر: ((المجموع)) ١٣٣/٧.
(٨) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٥٩/٢، ((المدونة)) ٢٩٦/١، ((المغني)) ٧٤/٥.

٢١٧
كِتَابُ الحَجّ
=
وفائدة الخلاف تعلق الدم عن آخر طواف الإفاضة على الزمن الذي
هو عنده آخر الأشهر. احتج من منع بقوله تعالى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ
مَّعْلُومَتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فلو أنعقد الإحرام بالحج في غيرها لم يكن
لتخصيصها فائدة، وبحديث الباب. واحتج من ألزم بأن ذكر الله في
هُذِه الأشهر إنما معناه عندهم على التوسعة والرفق بالناس، والإعلام
بالوقت الذي فيه يتأدى الحج، فأخبرهم تعالى بما يقرب منه، وبين
ذَلِكَ نبيه بقوله: ((الحج عرفة))(١) وبنحره يوم النحر، ورميه الجمار في
ذَلِكَ اليوم، فمن ضيق على نفسه وأحرم به قبل أشهره فهو في معنى
من أحرم من بلده قبل الميقات، ويعضده قوله تعالى: ﴿وَلَا نُبْطِلُواْ
أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وقوله: ﴿وَأَنِعُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]،
ولم يخص محرمًا من محرم، ولا يمتنع أن يجعل الله الأشهر كلها
وقتًا لجواز الإحرام فيها، ويجعل شهور الحج وقتًا للاختيار، وأثر
ابن عباس أخرجه البيهقي من حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة،
عن الحجاج، عن الحكم، عن أبي القاسم -يعني: مقسمًا مولى
عبد الله بن الحارث بن نوفل- عن ابن عباس به(٢).
وأخرجه الحاكم في ((مستدركه)) بلفظ: لا يحرم بالحج إلا في أشهر
الحج، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج ثم قال:
صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وقد جرت فيه مناظرة بيني وبين
(١) ذكره المصنف -رحمه الله- من حديث عبد الرحمن بن يعمر في شرح الحديث
الآتي برقم (١٦٦٥) باب: الوقوف بعرفة، وهناك يأتي تخريجه باستفاضة، فانظره
غير مأمور.
(٢) ((السنن الكبرى)) ٣٤٣/٤ كتاب: الحج، باب: لا يعمل بالحج في غير أشهر
الحج.

٢١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
شيخنا أبي محمد السبيعي قال: فقال: إنما رواه الناس عن أبي خالد عن
ابن أرطاة، عن الحكم فمن أين جاء به شيخكم علي بن حماد، ثَنَا
محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا أبو كريب، ثنا أبو خالد، عن
شعبة، عن الحكم؟! فقلت له: تأمل ما تقول، فإن شيخنا أتى
بالإسنادين جميعًا، فكأنما ألقمته حجرًا(١).
قُلْتُ: وهو قول جابر بن عبد الله كما سلف.
وقوله: (وكره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان). روى ابن
أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن أن ابن عباس:
أحرم من خراسان، فعاب عليه عثمان وغيره، وكرهوه(٢)، وبالكراهة
قال مالك أيضًا، خلافًا للشافعي(٣).
وعن مالك: يكره لمن قرب؛ لأنه يتعمد مخالفة التوقيت، بخلاف
من بَعُدَ لغرض استدامة الإحرام(٤)، وهذا کتقدم رمضان بيوم أو يومين،
بخلاف من صام شعبان کله.
وقولها: (في أشهر الحج، وليالي الحج، وحرم الحج). ذكرته
تفخيمًا وتعظيمًا، ولذلك أتت بالظاهر مكان المضمر.
وقولها: (وحرم الحج)، قال صاحب ((المطالع)): هو بضمها كذا
لهم، وضبطه الأصيلي بفتح الراء كأنه الأوقات والمواضع والأشياء
والحالات، وضم الراء جمع حرمة، أي ممنوعات الشرع ومحرماته،
وفي هذا الموضع بينت أن الأمر بالفسخ كان بسرف، وأنها أرادت
(١) ((المستدرك)) ٤٤٨/١ كتاب: المناسك.
(٢) ((المصنف)) ١٢٣/٣ (١٢٦٩١) كتاب: الحج.
(٣) انظر: ((المنتقى)) ٢٠٥/٢، ((البيان)) ١١١/٤.
(٤) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٣٦/٢، ((المنتقى)) ٢٠٥/٢.

٢١٩
- كِتَابُ الحَجِّ
فسخ الحج فمنعت. قال عياض: والذي تدل عليه نصوص الأحاديث في
الصحيحين وغيرهما إنما قال لهم الظفيري بعد إحرامه بالحج، ويحتمل أنه
كرر الأمر بذلك في موضعين، وأن العزيمة كانت آخرًا حين أمرهم
بالفسخ إلى العمرة (١).
وقال المهلب: إنما ذكرت عائشة المآل؛ لأن سرف أول حدود
مكة، وكانوا أحرموا بالحج أولًا، فإنه قال: ((من لم يكن معه هدي
فأحب أن يجعلها عمرة)) ولو كانت قرانًا لقال: فليجعلهما، وإنما أمر
بالفسخ من أفرد لا من قرن، ولا من أهل بعمرة؛ لأنه أمرهم كلهم
أن يجعلوها عمرة ليتمتعوا بالعمرة إلى الحج.
وقولها: (حَتَّى قدمنا منى فطهرت) تريد: ثاني يوم النحر؛ لأن أيام
منى ثلاثة بعد النحر.
وقوله: ( ((يا هنتاه))) أي: يا هذِه، قال صاحب ((العين)): إذا أدخلوا
التاء في هن، فتحوا النون فقالوا: يا هنة، وإن زادوا التاء سكنوا النون
فقالوا: يا هنتاه، ويا هنتوه. وقال أبو حاتم: يقال للمرأة: ياهنت أقبلي
استخفافًا، فإذا ألحقت الزوائد قُلْتَ: يا هناه، للرجل، ويا هنتاه،
للمرأة. وقال أبو زيد: تلقى الهاء في الدرج، فيقال: يا هناه(٢). وقال
ابن التين: ضبط في زوائد أبي ذر بإسكان النون، وفي رواية
أبي الحسن بفتحها، وهكذا هو في ((الصحاح))(٣).
وقال: هو أسم يلزمه النداء مثل قوله: يا هذِه، من غير أن يراد به
(١) انظر: ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) ٢٣٧/٤.
(٢) ((تهذيب اللغة)) ٣٨٠٢/٤.
(٣) ((الصحاح)) ٢٥٣٦/٦.

٢٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
مدح ولا ذم، وقال ابن الأثير: تضم الهاء الأخيرة، وتسكن، وفي التثنية
هنتان، وفي الجمع هنات، وفي المذكر هن وهنان وهنون، ولك أن
تلحقها الهاء لبيان الحركة، فتقول: يا هنه، وأن تشبع الحركة فتصير
ألفًا، فتقول: يا هناه، ولك ضم الهاء فتقول: يا هُناه أقبل(١). وقال
أبو نصر: هذِه اللفظة مختصة بالنداء، وقيل: معنى يا هنتاه: يا بلهاء.
كأنها نُسبت إلى قلة المعرفة بمكائد الناس وشرورهم.
وقوله: ( ((من أحب أن يجعلها عمرة فعل)) ) ظاهره التخيير، ولذلك
كان منهم الآخذ والتارك، لكن لما ظهر منه الليفة العزم حين عصته،
قالوا: تحللنا وسمعنا وأطعنا، وكان ترددهم لأنهم ما كانوا يرون
العمرة في أشهر الحج جائزة، فبين لهم جواز ذَلِكَ.
وقولها: (فمنعت العمرة): كذا هنا وفي بعض روايات مسلم (٢)،
وفي بعضها: سمعت كلامك مع أصحابك فتمتعت بالعمرة. قال
عياض: والأول هو الصواب(٣).
ومعنى: ( ((لا يضيرك))): لا يضرك، وفي بعض نسخ البخاري:
((لا ضير)» من ضار يضير ضيرًا، ويقال: ضار يضور ضورًا، وضر
يضر ضرًّا.
وقولها: (حَتَّى نزل المُحَصب) هو بضم الميم وفتح الحاء، وفيه لغة
أخرى: الحِصَاب بكسر الحاء. قال أبو عبيد: هو من حدود خيف بني
كنانة، وحده من الحجون ذاهبًا إلى منى، وهو بطحاء مكة، وقال في
(١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٧٧/٥ - ٢٧٨.
(٢) (صحيح مسلم)) برقم (١٢١١) - ١٢٣ كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام.
(٣) ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) ٤/ ٢٤٧.