Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ كِتَابُ الحَجّ ٢١- باب مَا لَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثَّيَابِ ١٥٤٢- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ المُخْرِمُ مِنَ الثّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةُ: ((لَا يَلْبَسُ القُمُصَ وَلَا العَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُقَّيْنٍ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثَّابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ)). [انظر: ١٣٤- مسلم: ١١٧٧ - فتح: ٤٠١/٣] ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الغِّيَابِ؟ قَالَ: ((لَا يَلْبَسُ القميصَ وَلَا العَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا البَرَانِسَ وَلَا الخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ)». الشرح : هذا الحديث سلف في آخر كتاب العلم (١). وكل ما ذكر فيه مجمع على عدم لبسه، ويدخل في معنى ما ذكر من القيمص والسراويلات المخيط كله، فلا يجوز لباس شيء منه عند الأمة .(٢) قاطبة(٢). ففي معنى ذَلِكَ الجباب، والفراء، والقلنسوة، وغيره، والمنسوج، والملبد. وفي معنى البرانس الغفارية. وذلك أن الترفه إنما يحصل بلبس (١) برقم (١٣٤) باب: من أجاب السائل بأكثر مما سأله. (٢) انظر: ((الاستذكار)) ٢٨/١١، ((الإجماع)) لابن المنذر (٥٠) و ((الإقناع)) للفاسي ٢/ ٧٩٣. ١٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الثياب على الوجه المقصود بتلك الخياطة، والمحرم ممنوع من الترفه، ولذلك منع من الحلق وإلقاء التفث، بخلاف ستر العورة ودفع المضرة عن الجسد، ولا بأس بإلقاء الثوب، أو السراويل، أو البرنس على كتفه. وكره مالك الارتداء بالسراويل(١). ووجَّه بقبح الزي كما كره لغير المحرم لبس السراويل مع الرداء دون قميص. ومن أدخل منكبه في القباء افتدى وفاقًا لمالك(٢)، وخلافًا لأبي حنيفة حَتَّى يدخل يديه في كميه(٣). والجواب في الحديث من بدائع خطابه حيث سُئِلَ عما يلبس فأجاب بما لا يلبس؛ لأن ما يلبس قد يشق حصره؛ لكثرته، فأجاب بالممنوع وعلم الجائز به. ثم قام الإجماع على أن الخطاب المذكور للرجال دون النساء، وأنه لا بأس بلبس المخيط والخفاف لهن(٤). وقام أيضًا على أن إحرام الرجل في رأسه، وأنه ليس له أن يغطيه؛ لنهيه القَيّ عن لبس البرانس والعمائم(٥)، زاد مالك: ووجهه. وسيأتي الاختلاف في تخمير الوجه، واختلفوا في من لبس خفين غير مقطوعين وهو واجد للنعلين، أو لبسهما مقطوعين وهو واجد للنعلين، وستعلمه في أواخر الحج. (١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٤٤/٢، ((الاستذكار)) ٢٨/١١، ((المعونة)) ٣٣٦/١. (٢) أنظر: ((الاستذكار)) ٣٥/١١، ((المعونة)) ٣٣٧/١. (٣) انظر: ((البناية)) ٥٥/٤، ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٠٧/٢، ((الأصل)» ٤٨٠/٢، ((بدائع الصنائع)) ١٨٤/٢. (٤) انظر: ((الإقناع)) لابن القطان ٧٩٧/٢، ((الاستذكار)) ٢٨/١١. (٥) انظر: ((الإجماع)) لابن المنذر ٥٠، ((الاستذكار)) ٢٨/١١. ١٢٣ كِتَابُ الحَجِّ والحديث دال على جواز لبسهما عند عدم النعلين مع قطعهما أسفل من الكعبين، ولا خلاف فيه بين جماعة الفقهاء. وحكي عن عطاء، وأحمد، وقوم من أصحاب الحديث أنه إذا لم يجدهما يلبس الخفين تامين من غير قطع(١). والحديث حجة عليهم. وهو أمر، ومقتضاه الوجوب. وبالقياس على من وجد النعلین. (١) انظر: ((المغني)) ١٢٠/٥، ((المستوعب)) ٨٠/٤، ((الفروع)) ٣٧٠/٣، وقال ابن مفلح في ((المبدع)): لا يلزمه قطع خفه في المنصوص والمختار، عملًا بإطلاق حديثي ابن عباس وجابر، فإنه لم يأمر فيهما بقطع، ولو وجب لبينه، يؤيده أن جماعة من الصحابة عملوا على ذلك، وقال أحمد: قطعهما فساد، واحتج المؤلف وغيره بالنهي عن إضاعة المال، ولأنه ملبوس أبيح لعدم غيره، أشبه السراويل؛ ولأن قطعه لا يخرجه عن حالة الحظر، فإن لبس المقطوع مع القدرة على النعلين كلبس الصحيح. وعنه: إن لم يقطعهما دون كعبيه فدى، وهي قول أكثر العلماء لخبر ابن عمر. قال في المغني و((الشرح)): وهي الأولى، عملًا بالحديث الصحيح، وخروجًا من الاختلاف وأخذًا بالاحتياط، وأجيب بأن زيادة القطع لم يذكرها جماعة، وروي أنها من قول ابن عمر، ولو سلم صحة رفعها، فهي بالمدينة، وخبر ابن عباس بعرفات، فلو كان القطع واجبًا لبينه للجمع العظيم الذي لم يحضر كثير منهم كلامه في المسجد في موضع البيان ووقت الحاجة فلزم أن يكون الإطلاق ناسخًا للتقييد دفعًا لمحذور تأخير البيان عن وقت الحاجة، وحكى في ((المغني)) عن الخطابي أنه قال: العجب من أحمد في هذا، أي في قوله بعدم القطع، قال: فإنه لم يخالف سنة تبلغه، وقل سنة لم تبلغه، وفيه شيء، فإن أحمد لم يخالف السنة، ولم تخف عليه، قال المروزي: احتججت على أبي عبد الله بحديث ابن عمر وقلت: هو زيادة في الخبر، فقال: هذا حديث، وذاك حديث، فقد أطلع رضي الله عنه على السنة، وإنما نظر المتجرين الذين أمدهم الله بعونه، مع أن خبرنا فيه زيادة حكم، وهو جواز اللبس بلا قطع؛ لأن هذا الحكم لم يشرع بالسنة، قاله الشيخ تقي الدين، وهو أحسن من ادعاء النسخ. ((المبدع)) ١٤٢/٣. ١٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- وأما حديث ابن عباس الذي لم يذكر فيه القطع، فخبر ابن عمر مقدم عليه؛ لأنه نقل صفة لبسه بخلاف خبر ابن عباس، فلو لبس الخفين عند عدم النعلين فلا فدية عليه عند الجماعة؛ خلافًا لأبي حنيفة. قيل: ونحا إليه ابن حبيب. وقوله: ( ((فليقطعهما أسفل من الكعبين)) ) أتفق الحفاظ من أصحاب نافع على لفظه هكذا، منهم مالك، والزهري، وخلق. ووهم جعفر بن بُرقان فيه في موضعين، حيث جعله من قول نافع(١)، وزيادة: ((ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل))، وليس في حديث ابن عمر، وهذا أخذ به الشافعي(٢)، وأنكره مالك في ((الموطأ))، واحتج بأنه لم يستثن فيه كما أستثنى في الخفين (٣). وقال الأصيلي: أنفرد بحديث السراويل جابر بن زيد، عن ابن عباس، وهو رجل بصري لا يُعرف، ولا يعرف الحديث بالمدينة. قُلْتُ: لكن أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن عباس، كما ذكر بلفظ: سمعت النبي ◌َّلر وهو يخطب يقول: ((السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفاف لمن لم يجد النعلين)) (٤) يعني: المحرم. وفي رواية: يخطب بعرفات(٥). وأخرجه مسلم من حديث جابر مرفوعًا: ((من لم يجد نعلین فليلبس (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٣/ ٣١٠ (١٤٦٣٤). (٢) انظر: ((حلية العلماء)) ٢٤٣/٣، ((العزيز)) ٤٦٢/٣، ((المجموع)) ٢٧٤/٧. (٣) ((الموطأ)) ص ٢١٦. (٤) سيأتي برقم (١٨٤٣) كتاب: جزاء الصيد، باب: إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل، ورواه مسلم (١١٧٨). (٥) سيأتي برقم (١٨٤١). ١٢٥ كِتَابُ الحَجِّ خفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل)) (١) وهو من أفراده. وقال أبو حنيفة: يشق السراويل من أسفله ويلبسه، ولا فدية عليه(٢). وقال ابن حبيب: إنما أرخص في القطع لقلة النعال، فأما اليوم فلا رخصة فِي ذَلِكَ. ووافقه ابن الماجشون(٣). وأجمعت الأمة على أن المحرم لا يلبس ثوبًا مسه ورس أو زعفران (٤). والورس نبات باليمن صبغه بين الحمرة والصفرة، ورائحته طيبة. وقيل: هو ضرب من الطيب كالزعفران، فإن غسل ذَلِكَ الثوب حَتَّى ذهب منه ريح الورس أو الزعفران فلا بأس به عند جميعهم. وكرهه مالك للمحرم إلا إذا لم يجد غيره(٥). وسيأتي ذَلِكَ واضحًا في باب: ما ينهَى من الطيب للمحرم والمحرمة، وإيراد حديث فيه إذا غُسِل. مع الكلام عليه. وقال ابن التين: خص المنع ما صبغ منهما؛ لأنهما أطيب وأفضل لباس المحرم البياض؛ لقوله الشّ: ((البسوا من ثيابكم البياض))(٦). (١) ((صحيح مسلم)) (١١٧٩) كتاب: الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة. (٢) انظر: ((العناية)) ٥٤/٤، ((شرح معاني الآثار)) ١٣٤/٢، ((بدائع الصنائع)» ١٨٤/٢. (٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٤٥/٢. (٤) انظر: ((الإجماع)) لابن المنذر ٥٠، ((الإقناع)) لابن القطان ٧٩٣/٢، ((الاستذكار)) ٣٧/١١. (٥) انظر: ((الاستذكار)) ٣٧/١١. (٦) رواه أبو داود (٣٨٧٨) كتاب: الطب، باب: في الأمر بالكحل، والترمذي (٩٩٤) كتاب: الجنائز، باب: ما يستحب من الأكفان، والنسائي ٣٤/٤، كتاب: الجنائز، باب: أي الكفن خير؟ وأحمد ٢٤٧/١، وابن حبان في ((صحيحه)) ١٢/ ٢٤٢ (٥٤٢٣) كتاب: اللباس وآدابه، باب: ذكر الأمر بلبس البياض من الثياب . = ١٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ويجتنب المصبوغ بهما الرجال والنساء، ويفتدي من لبسه منهم رجلًا كان أو امرأة. وادعى ابن أبي صفرة أن في هذا دلالة أن قول عائشة: طيبته لإحرامه(١). خصوص له؛ لأنه تطيب، ونهى عن الطيب هنا، وقد أسلفنا ذَلِكَ. وسيأتي تخريجه باستفاضة. = (١) سيأتي برقم (٥٩٢٢) كتاب: اللباس، باب: تطبيب المرأة زوجها بيديها. ١٢٧ = كِتَابُ الحَجِّ ٢٢- باب الزُّكُوبِ وَالإِرْتِدَافِ في الحَجّ ١٥٤٣، ١٥٤٤- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ الأَنَلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ أُسَامَةَ ﴾ كَانَ رِذْفَ النَّبِيِّ نََّ مِنْ عَرَفَةً إِلَى المُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَزْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنَّى، قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَّلِ النَّبِيُّ بَهَ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ. ذكر فيه حديث ابن عباس: أن أسامة كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ نَّهِ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَی مِنَّی، قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ وَهِ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ. هُذا الحديث أخرجه البخاري هكذا، وأخرجه مسلم من حديث كريب مولى ابن عباس عن أسامة(١) . ومن حديث الفضل أيضًا(٢). أما فقهه : ففيه: أن الحج راكبًا أفضل، وقد سلف الخلاف فيه في باب الحج على الرحل. وفيه: إرداف العالم من يخدمه، وقد سلف الإرداف في أول (٣) الحج(٣). (١) سلف برقم (١٣٩) كتاب: الوضوء، باب: إسباغ الوضوء، وبرقم (١٨١) كتاب: الوضوء، باب: الرجل يوضئ صاحبه، ورواه صحيح مسلم (١٢٨٠، ١٢٨١) كتاب: الحج، باب: استحباب إدامة الحاج التلبية. (٢) سيأتي برقم (١٦٧٠) كتاب: الحج، باب: النزول من عرفة وجمع. (٣) برقم (١٥١٣) باب: وجوب الحج وفضله. ١٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- ففيه: التواضع بالإرداف للرجل الكبير، والسلطان الجليل، قيل: ولم يبلغ هذا الحديث مالكًا؛ لأنه قال: يقطع التلبية إذا راح المصلى في رواية ابن القاسم، وإذا راح إلى موقف عرفة في قول أشهب. وقال: إذا زالت الشمس. وفي كتاب محمد: إذا وقف بها (١). وفي ((الإشراف)) عن مالك طبق الحديث. وبه قال الشافعي(٢) وأبو حنيفة(٣). واختاره المتأخرون من المالكية. قال القاضي في ((معونته)): إنما قلنا: يقطعها بعد الزوال؛ لإجماع الصحابة. وذكر مالك أنه إجماع دار الهجرة؛ ولأن التلبية إجابة للنداء بالحج. وإذا انتهى إلى الموضع الذي دُعي إليه فقد انتهى إلى غاية ما أمر به، فلا معنى لاستدامتها (٤). فقول من قال: لم يبلغ الحديث مالكًا غير صحيح؛ لأن عمل أهل المدينة عند مالك مقدم على الحديث. وقال الباجي في ((منتقاه)): أكثر ما رأيت عمل الناس قطعها بعرفة، وما تضمنه الحديث أظهر عندي وأقوى في النظر. وقال الشيخ أبو القاسم: فأكثر قول مالك في قطعها إلا أن يكون إحرام بالحج من عرفة فيلبي حَتَّى يرمي جمرة العقبة. (١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٣٣/٢. (٢) انظر: ((الأم)) ١٨٧/٢، ((روضة الطالبين)) ١٠٠/٣، ((حلية العلماء)) ٢٩٣/٣، ((مغني المحتاج)) ٣٠٣/٣. (٣) أنظر: ((الهداية)) ١٥٧/١، ((الاختيار)) ١٩٨/١. (٤) ((المعونة)) ٣٣٤/٢. ١٢٩ - ڪِتَابُ الحَجّ فحمل الحديث على من هذا حكمه. ولعله تأول قول الراوي أنه الكلية لم يزل يلبي حَتَّى رمى جمرة العقبة أنه أمر بذلك(١). قُلْتُ: فیه بعدٌ. (١) ((المنتقى)) ٢١٦/٢، وانظر قول ابن القاسم أيضًا في ((النوادر والزيادات)) ٣٣٣/٢. ١٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٢٣- باب مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ النِّيَابِ وَالأَرْدِيَةِ وَالأُزُرِ وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها الثِّيَابَ المُعَصْفَرَةَ وَهْيَ مُخْرِمَةٌ وَقَالَتْ: لَا تَلَثَّمْ وَلَا تَبَرْقَعْ وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا بِوَرْسٍ وَلَا زَعْفَرَانٍ. وَقَالَ جَابِرٌ: لَا أَرَى المُعَصْفَرَ طِيبًا. وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ بَأْسًا بِالْحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الأَسْوَدِ وَالْمُوَرَّدِ وَالْخُفِّ لِلْمَرْأَةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُبْدِلَ ثِيَابَهُ. ١٥٤٥- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةً قَالَ: أَخْبَرَنٍِ كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَنْطَلَقَ النَّبِيُّ وَّهُ مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَاذَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَزَدِيَةِ وَالأَزْرِ تُلْبَسُ إِلَّ المزَغْفَرَةَ التِي تَزْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، فَأَضْبَحَ بِذِي الخُلَيْفَةِ، رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى أَسْتَوَى عَلَى البَيْدَاءِ، أَهَلَّ هُوَ وَأَضْحَابُهُ وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ، وَذَلِكَ ◌َِخْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةً لِأَزَبَع لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الَحَجَّةِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْزوَةِ، وَلَمْ يَجِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ لأَنَّهُ قَلَّدَهَا، ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الَحَجُونِ، وَهْوَ مُهِلٌّ بِالْجِّ، وَلْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَضْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّقُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْزوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُءُوسِهِمْ ثُمَّ نَحِلُّوا، وَذَلِكَ لَمِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ أَمْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ، وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ. [١٦٢٥، ١٧٣١ - فتح: ٤٠٥/٣] ثم ذكر فيه حديث ابن عباس أنْطَلَقَ النَّبِيُّ وَّهِ مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ .. الحديث. ١٣١ ـ كِتَابُ الحَجّ الشرح : أما أثر عائشة فأخرجه ابن أبي شيبة من حديث إبراهيم عنها أنها قالت: يكره الثوب المصبوغ بالزعفران، أو (الصبغة)(١) بالعصفر للرجال والنساء إلا أن يكون ثوبًا غسيلًا(٢). وفي لفظ: تكره المشبعة بالعصفر للنساء(٣). وبإسناد صحيح عنها أنها قالت: تلبس المحرمة ما شاءت إلا المهرود بالعصفر(٤)، والمورد في أثرها الثاني: قيل هو المعصفر إذا غسل صار موردًا. أو قال بعض أهل اللغة: المورد المصبوغ بالورد(٥). وأما أثر جابر فأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن أبيه، عن أبي الزبير، عن جابر قال: إذا لم يكن في الثوب المعصفر طيب فلا بأس به للمحرم أن يلبسه(٦). وأثر إبراهيم أخرجه ابن أبي شيبة، عن جرير، عن مغيرة، عنه قال: يغير المحرم ثيابه ما شاء بعد أن يلبس ثياب المحرم(٧). (١) في الأصل: السبغة، والمثبت من ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٣٩/٣ -١٤٠ (١٢٨٦٤). (٢) ((المصنف)) ١٣٩/٣-١٤٠ (١٢٨٦٤) كتاب: الحج، باب: من كره المصبوغ للمحرم. (٣) ((المصنف)) ١٤١/٣ (١٢٨٧٦) باب: من رخص في المعصفر. (٤) ابن أبي شيبة ١٤٠/٣ (١٢٨٧٤) كتاب: الحج، باب: من رخص في المعصفر للمحرمة. (٥) انظر: ((الصحاح)) ٥٥٠/٢، ((لسان العرب)) ٤٨١٠/٨. (٦) ((المصنف)) ١٤١/٣ (١٢٨٧٨) كتاب: الحج، باب: من رخص في المعصفر للمحرم. (٧) ((المصنف)) ٣٢٩/٣ (١٤٧٨٣)، (١٤٧٨٦) باب: في المحرم يبدل ثيابه. ١٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال: وحَدَّثَنَا إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة قال: غير النبي ◌َّ ثوبيه بالتنعيم(١). وحَذَّثَنَا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، ويونس، عن الحسن وحجاج، عن عبد الملك وعطاء أنهم لم يروا بأسًا أن يبدل المحرم ثيابه(٢)، وكذا قاله طاوس، وسعيد بن جبير سُئِلَ: أيبيع المحرم ثيابه؟. قال: نعم(٣). وحديث ابن عباس من أفراده، ورواه مرة مختصرًا، وقال: يحلقوا أو يقصروا (٤). والترجل حل الشعر ومشطه. ومعنى (تردع) بعين مهملة وفتح أوله؛ لأنه ثلاثي، أي: کثر فيها الزعفران حتَّی تنفضه وتلطخه. قال صاحب ((المطالع)): وفتح الدال أوجه. والردع: الأثر على الجلد وغيره. قال ابن سيده: شيء يسير في مواضع شتى(٥). وقال ابن التين: معناه: تلطخ الجلد. وقال ابن الجوزي: كذا وقع: تردع على الجلد. والصواب: تردع الجلد أي: تصبغه، وتنفض صبغها عليه. وقال ابن بطال: من رواه بغين معجمة فهو من قولهم: أردغت الأرض: كثرت رداغها، وهي مناقع المياه، ومنه: أرزغت الأرض بالزاي، أي: كثرت رزاغها، جمع رزغة كالردفة، ذكره صاحب (١) ((المصنف)» ٣٢٩/٣ (١٤٧٨٢). (٢) ((المصنف)) ٣٢٩/٣ (١٤٧٨٦). ، (٣) ((المصنف)) ٣٢٩/٣ (١٤٧٨٧). (٤) سيأتي برقم (١٧٣١) كتاب: الحج، باب: تقصير التمتع بعد العمرة. (٥) ((المحكم)) ٨/٢. ١٣٣ - ڪِتَابُ الحَجِّ ((الأفعال))(١). وذكر أردع وأرزغ في باب أفعل خاصة(٢). وقوله: (فأصبح بذي الحليفة، ركب راحلته حَتَّى استوى على البيداء، أهلَّ هو وأصحابه)كذا هنا وفي ((صحيح مسلم)) عنه أنه العلمي. صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم، وقلدها بنعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء، أهلَّ بالحج(٣). قال ابن حزم: فهذا ابن عباس يذكر أنه صلى الظهر في ذي الحليفة، وأنس يذكر أنه صلاها بالمدينة، وكلا الطريقين في غاية الصحة(٤). وأنس أثبت في هذا المكان؛ لأنه ذكر أنه حضر ذَلِكَ بقوله: صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة العصر ركعتين، وابن عباس لم يذكر حضورًا، والحاضر أثبت، ثم ابن عباس لم يقل فيها أنها كانت يوم خروجه القَّ من المدينة، وإنما عنى به اليوم الثاني، فلا تعارض إذن. وعند النسائي عن أنس أنه التّيْه صلى الظهر بالبيداء، ثم ركب وصعد جبل البيداء، وأهلَّ بالحج والعمرة(٥). ولا تعارض فإن البيداء وذا الحليفة متصلتان بعضه مع بعض، فصلى الظهر في آخر ذي الحليفة، وهو أول البيداء، فصحا. فعلى هذا يكون قول من قال: إن أول إهلاله بالبيداء عقب صلاة الظهر. (١) ((الأفعال)) ص ١٦٩. (٢) (شرح ابن بطال)) ٢١٩/٤. (٣) (صحيح مسلم)) (١٢٤٣) كتاب: الحج، باب: تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام. (٤) أنظر: ((حجة الوداع)) لابن حزم ٢٥١. (٥) (سنن النسائي)) ١٢٧/٥ كتاب: مناسك الحج، باب: البيداء، وضعفه الألباني في ((ضعيف النسائي)) (١٦٩). ١٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وتقدم قول أنس أن إحرامه كان عقب صلاة الصبح، ومعلوم أن الإحرام عقب التهليل. وطريق الجمع كما ذكر ابن عباس، يعني في باب الإهلال السابق. وقوله: (وذلك لخمس بقين من ذي القعدة)، فيحتمل أنه أراد الخروج، ويحتمل الإهلال. وفي ((صحيح مسلم)) عن عائشة: خرجنا مع رسول الله وَّ لخمس بقين من ذي القعدة(١). وفي ((الإكليل)) بسند فيه الواقدي من حديث محمد بن جبير بن مطعم: خرج رسول الله ﴿ من المدينة يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة عشر، فصلى الظهر بذي الحليفة ركعتين. وزعم ابن حزم أنه خرج يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة نهارًا بعد أن تغدى وصلى الظهر بالمدينة، وصلى العصر من ذَلِكَ اليوم بذي الحليفة، وبات بذي الحليفة ليلة الجمعة، وطاف على نسائه، ثم اغتسل، ثم صلى بها الصبح، ثم طيبته عائشة، ثم أحرم ولم يغسل الطيب، وأهلَّ حين انبعثت به راحلته من عند مسجد ذي الحليفة بالقران العمرة والحج معًا، وذلك قبل الظهر بيسير، ثم لبى، ثم نهض وصلى الظهر بالبيداء، ثم تمادى واستهل هلال ذي الحجة(٢). فإن قُلْتَ: كيف قال: إنه خرج من المدينة لست بقين من ذي القعدة وقد ذكر مسلم من حديث عمرة عن عائشة: لخمس بقين منها لا نرى إلا الحج؟(٣). (١) ((صحيح مسلم)) (١٢١١/ ١٢٥) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام. (٢) (حجة الوداع)) ص ١١٥ - ١١٦ بتصرف. (٣) مسلم (١٢١١). ١٣٥ كِتَابُ الحَجّ قُلْتُ: قد ذكر مسلم أيضًا من طريق عروة عنها: خرجنا مع رسول الله ◌َ﴿ موافين لهلال ذي الحجة (١). فلما اضطربت الرواية عنها، رجعنا إلى من لم تضطرب عنه في ذلك، وهما عمر وابن عباس، فوجدنا ابن عباس ذكر اندفاع رسول الله ﴿ من ذي الحليفة بعد أن بات بها كان لخمس بقين من ذي القعدة. وذكر أن يوم عرفة كان يوم جمعة(٢) فوجب أن استهلال ذي الحجة يوم الخميس وأن آخر ذي القعدة الأربعاء فصح أن خروجه كان يوم الخميس لست بقين منها. ويزيده وضوحًا حديث أنس: صلينا مع رسول الله ويلفي الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين(٣)، فلو كان خروجه لخمس بقين منها لكان بلا شك يوم الجمعة، والجمعة لا تصلى أربعًا، فصح أن ذَلِكَ کان یوم الخمیس. وعلمنا أن معنى قول عائشة: لخمس بقين من ذي القعدة، إنما عنت أندفاعه العلمي من ذي الحليفة، فلم تعد المرحلة القريبة، وكان العقليه إذا أراد أن يخرج لسفر لم يخرج إلا يوم الخميس(٤)، فبطل خروجه يوم الجمعة، وبطل أن یکون یوم السبت؛ لأنه کان یکون حينئذ خارجًا من المدينة لأربع بقين من ذي القعدة، وصح أن خروجه كان لست بقين، واندفاعه من ذي الحليفة لخمس من ذي القعدة، وتآلفت (١) مسلم (١١٥/١٢١١). (٢) (حجة الوداع)) لابن حزم ص١١٩. (٣) سلف برقم (١٠٨٩). (٤) سيأتي برقم (٢٩٤٩) كتاب الجهاد، باب: من أراد غزوة فوري بغير. من حديث کعب بن مالك. ١٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الروايات(١). وقوله: (فقدم مكة -شرفها الله تعالى- لأربع ليال خلون من ذي الحجة). قال الواقدي: أخبرنا أفلح بن حميد، عن أبيه، عن ابن عمر أن هلال ذي الحجة كان ليلة الخميس اليوم الثاني من يوم خروجه وَالقر من المدينة، ونزل بذي طوئ فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة، وصلى الصبح بها، ودخل مكة نهارًا من أعلاها صبيحة يوم الأحد. قُلْتُ: وهذا يعضد قول ابن حزم قال: وأقام بمكة محرمًا من أجل هديه يوم الأحد المذكور إلى ليلة الخميس، ثم نهض ضحوة يوم الخميس، وهو يوم منى، والتروية مع الناس إلى منى. وفي ذَلِكَ الوقت أحرم بالحج من الأبطح، كذا ادعى، وقد أسلفنا أنه كان قارنًا. وذو القعدة: بكسر القاف وفتحها، وكذا ذو الحجة: بفتح الحاء وكسرها، والفتح أشهر هنا. و(الحجون): بفتح الحاء موضع بمكة عند المحصب، وهو مقبرة أهل مكة (٢). قال أبو حنيفة الدينوري في ((الأنواء»: الحجون: بلد، الواحد حجن. وفي ((النقائض)) الحجون مكان من البيت على ميل ونصف. وقال البطليوسي: الحجون الذي ذكره زهير موضع آخر غير حجون مكة. (١) هُذِه المسألة فيها نظر: فقد قال ابن الملقن في بداية المسألة: (وزعم ابن حزم أنه خرج يوم السبت لست بقين من ذي القعدة نهارًا .. إلخ) ثم نقل بعد ذلك قول ابن حزم نفسه: بأن خروجه كان يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة سنة عشر نهارًا .. ، ويمكن للقارئ الرجوع لقول ابن حزم في ((حجة الوداع)) (١١٥ - ١١٦، ٢٣٠ - ٢٣٣). (٢) أنظر: ((معجم ما استعجم)) ٤٢٧/٢، ((معجم البلدان)) ٢٢٥/٢. ١٣٧ كِتَابُ الحَجِّ قوله: (ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة) لعله شغله عن الطواف في هُذِه المرة شاغل، وإلا فله أن يتطوع بالطواف ما شاء. وقوله: (وأمر أصحابه أن يطوفوا .. ) إلى آخره، اختلف فيهم، فقيل: من أحرم بعمرة، وقيل من أحرم بحج أو بعمرة ولا هدي معه. وقال لمن كان أهلَّ بالحج: ((هي لكم خاصة)). وضرب عمر ◌ُ بعد رسول الله وَ﴿ مَنْ فعله؛ لأنها كانت خصوصًا لهم، وهو الصواب. وأمر فيه بالتقصير لأجل الحلق بمنى، ورأى قوم أن ذَلِكَ لمن بعدهم ولم يحفظوا الخصوص، ومنهم أحمد، وداود. وأجازا فسخ الحج في العمرة، ولم يجز لمن كان معه هدي أن يحل لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمٍ حَّ بَلْغَ الْهَدَىُ عِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقوله: (ثم يحلوا ) أي: فيحل لهم المحرمات، كما ذكره بعد. إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام على مواضع : أحدها : قام الإجماع كما حكاه المهلب أن المحرم لا يلبس إلا الأزر والأردية، وما ليس بمخيط؛ لأن لبسه من الترفه(١)، فأراد الرب جل جلاله أن يأتوه شعثًا غبرًا عليهم آثار الذلة والخشوع، ولذلك نهى عن الثوب المصبوغ كما سلف؛ لأنه طيب. ولا خلاف بين العلماء أن . (٢) لبسه له لا يجوز (٢). (١) ونقل الإجماع أيضًا: ابن المنذر في ((الأوسط)) ص ٥٠، وابن عبد البر في ((الاستذكار)) ٢٨/١١، الفاسي في ((الإقناع)) ٧٩٣/٢. (٢) انظر: ((الاستذكار)) لابن عبد البر ٣٧/١١. ١٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = واختلفوا في الثوب المعصفر له. فأجازه جابر وابن عمر، وأسماء، وعائشة، وهو قول القاسم، وعطاء، وربيعة(١). وقال مالك: المعصفر ليس بطيب، وكرهه للمحرم؛ لأنه ينتفض على جلده، فإن فعل فقد أساء، ولا فدية عليه(٢). وهو قول الشافعي(٣). وقال أبو ثور: إنما كرهنا المعصفر؛ لأنه التي نهى عنه؛ لأنه طيب. وكره عمر بن الخطاب لباس الثياب المصبغة (٤). وقال أبو حنيفة والثوري: المعصفر طيب، وفيه الفدية(٥). وقال ابن المنذر: إنما نهى عمر عن المصبغة في الإحرام تأديبًا؛ ولئلا يلبسه من يقتدي به فيغتر به الجاهل، ولا يميز بينه وبين الثوب المزعفر، فيكون ذريعة للجهال إلى لبس ما نهي عنه المحرم من الورس والزعفران. والدليل عليه أن عمر رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبًا مصبوغًا، فقال: ما هذا يا طلحة؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنما هو مدر. فقال عمر: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم، لو أن رجلًا رأى هذا الثوب (١) روى عنهم هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١٤٠/٣ (١٢٨٧١)، (١٢٨٧٦-١٢٨٧٧) باب: من رخص فى المعصفر للمحرمة، ١٤١/٣ (١٢٨٧٨-١٢٨٨١) باب: من رخص في المعصفر للمحرم. (٢) انظر: ((الاستذكار)) ٣٨/١١، ((الأخيرة)) ٣١١/٣، ((النوادر والزيادات)) ٣٤٣/٢، («المدونة» ٢٩٥/١. (٣) انظر: ((المجموع)) ٢٩٥/٧، ((العزيز)) ٤٦٥/٣، ((نهاية المحتاج)) ٣٣٥/٣. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٤٠ (١٢٨٦٥) باب: من كره المصبوغ للمحرم. (٥) ((المبسوط)) ١٢٦/٤، ((بدائع الصنائع)) ١٨٥/٢. ١٣٩ ـ كِتَابُ الحَجِّ قال: رأيت طلحة يلبس المصبغة في الإحرام، أخرجه مالك في ((الموطأ))، عن نافع، عن أسلم مولى عمر (١). وإن كان أراد به التحريم فقد خالفه غيره من الصحابة. والصواب عند اختلافهم أن ينظر إلى أولاهم قولًا فيقال به. وإطلاق ذَلِكَ أولى من تحريمه؛ لأن الأشياء كانت على الإباحة قبل الإحرام، فلا يجب التحريم إلا بيقين. وقد روينا أن عمر أنكر على عقيل لبسه الموردتين. وأنكر على عبد الله بن جعفر ثوبين مضرجين، قال علي لعمر: دعنا منك فإنه ليس أحد يعلمنا السنة. قال عمر: صدقت(٢). وقال ابن التين: لبس عائشة المعصفر كأنه غير المقدم؛ لأن المقدم الذي ينفض ممنوع للرجال والنساء وأما المورد بالعصفر والمصبوغ بالمغرة، وبغير الزعفران والورس، فلا يمنع منه المحرم. ويكره لمن يقتدى به لبسه. وكره أشهب المعصفر، وإن كان لا ينتفض لمن يقتدى به. قال: وحاصل مذهبنا أن الذي ينتفض من صبغه يمنع منه الرجال والنساء، وإلا فلا فيهما إلا من يقتدى به منهم، قاله ابن حبيب(٣). وقال محمد: يكره لهما جميعًا. وقال أبو حنيفة: يكره المعصفر المقدم لهما، وأباحه الشافعي، فإن لبس معصفرًا ينفض فقياس المنع الفدية، وقياس قول أبي حنيفة لا. وفي ((المجموعة)) نحوه عن أشهب(٤)؛ لأنه لبس من الطيب (١) (الموطأ)) ص ٢١٦ (٢) رواه البيهقي ٥٩/٥. (٣) ((النوادر والزيادات)) ٣٤٢/٢. (٤) ((المصدر السابق)). ١٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - المؤنث، وإن غسل المعصفر فقيل: جائز أن يلبسه. وقال أشهب في «المجموعة)): أکرهه، وإن غسل. الثاني : قولها: (لا تلثم)، أي لأن إحرامها في وجهها، وكذا لا (تبرقع)، نعم لها أن تسدل على وجهها شيئًا متجافيًا عنه. وقام الإجماع على أن المرأة تلبس المخيط كله، والخمر، والخفاف، وأن إحرامها في وجهها، وأن لها أن تغطي رأسها، وتستر شعرها، وتسدل الثوب على وجهها سدلًا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال(١)، ولم يجيزوا لها تغطية وجهها إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت (٢) أبي بكر (٢). قال ابن المنذر: ويحتمل أن يكون كنحو ما روي عن عائشة قالت: كنا مع رسول الله وَالله﴿ ونحن محرمات، فإذا مرَّ بنا راكب سدلنا الثوب من قبل رءوسنا، فإذا جاوز رفعناه(٣). ولا يكون ذَلِكَ خلافًا. وثبت كراهة النقاب عن سعد، وابن عباس، (١) ((الإجماع)) لابن المنذر ص ٦٤، ((الإقناع)) ٧٩٦/٢، ((الاستذكار)) ٢٨/١١. (٢) رواه مالك ص ٢١٧، وإسحاق بن راهويه في ((مسنده)) ١٣٦/٥ (٢٢٥٥). (٣) رواه أبو داود (١٨٣٣) كتاب: المناسك باب: في المحرمة تغطي وجهها، وابن ماجه (٢٩٣٥) كتاب: المناسك، باب: المحرمة تسدل الثوب على وجهها، وأحمد ٣٠/٦، وابن الجارود في ((المنتقى)) ٦٠/٢ (٤١٨)، وابن خزيمة في (صحيحه)) ٢٠٣/٤ (٢٦٩١) كتاب: المناسك، والدارقطني في ((السنن)) ٢/ ٢٩٤-٢٩٥ كتاب: الحج، والبيهقي ٤٨/٥. والحديث ضعفه النووي في ((المجموع)) ٢٦٦/٧، والحافظ في ((الدراية)) ٣٢/٢، والألباني في ((ضعيف أبي داود)» (٣١٧)، وفي ((الإرواء)) (١٠٢٤).