Indexed OCR Text

Pages 1-20

p
التَّقْضَةُ
◌ِشِرْح
الخَامِعِ الصَّحِيح
تَصْنيف
سِرَاجِ الدِّينِ أَبِي حَقْصٍ عُمَرَيْنِ عَلىّبْن أَحْدِالأَنصَارِيِّ الشَّافِعِيِّ
المعروف بـ ابن المُلقّن
(٧٢٣ - ٨٠٤ هـ )
المُجَلَدُ الْحَادِيَ عَشَرَ
تحقيق
دار الفلاح
لِلِبَحْثِ العِلمِّ وَتَحَقِيْق التّراث
بإشراف
جَمعَةُ فَتَخى
خَالِدُ الرَّاظِ
تَقْدِيمُ
فَضِيْلَةٍ الأستاذ الدكتور
أحمد عبد عبد الكريم
أستاذ الحديث بجامعة الأزهر
إصدارات
وَزَارَةُ الأَوْقَافِ وَالشُّؤُوْرِسْلامِيَّةُ
إِدَارَةُ الشّؤُونِ الإِسْلامِيَّةِ-دولةِقَطَرْ

13

التَّوْضَلْحُ

حُقُوق الطَّبْعِ مَحَفُوظَة
لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية
دولة قطر
الطبعة الأولى / ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨م
قامت بعمليات الاخراج الفني والطباعة
دَارُ التوازد
نُورُ الدُّنْظَ الِّ
لصاحبها ومديرها العام
سوريا - دمَشق - ص. ب : ٣٤٣٠٦
لبنان - بَيروت - ص. ب: ١٤/٥١٨٠
هاتف : ٢٢٢٧٠٠١ ١١ ٠.٩٦٣- فاكس: ٢٢٢٧٠١١ ١١ ٠٠٩٦٣
www.daralnawader.com

فريق العمل في تحقيق واخراج
كِتَابُ التوضيح
دار الفلاح
الفَيُّوم
بإشراف
جمعة فتحى عبد الحليم
خالد محمود الربَّاط
٠
+
التّحْقيق وَالمقابلة والتّعليق
أحمَد فوزي إبراهيم
وائل إمام عبْدالفتّلح
خالدمصطفى توفيق
حِهام كمال توفيق
عبد اللَّه أحمَدُ فؤاد
عصام حمدي محمدّ
أحمَدْرولي عبدالعظيم
رِيعُ محمَّد عوض الله
هافى رمضانْ هاشم
أحمد عويس جنيد
محمد زكريا يوسف - سَامح محمّد عَبْد - سَعِيْدُ عزّتَ عَبْد
عادل أحمد محمُود طّ مصطفى أمين عماد مصطفى أمين
محمّعبدالصَّاحِ عَليْ محمدأحمد عبد التََّابُ مصطفى عبدالحميدالصلابي
+
+
+
3+
+
٠
+
+
+
+

٠
+
+
+
٠
+
+
٠
+
٠
+
+
٠
+
٢٥
كتاب الحج
+
+
34
+
+
+

٢٥- كتابة الجخ
١ - باب وُجُوبِ الحَجِّ وَفَضْلِهِ
وقَولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
١٥١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ
يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِو ◌َّه
فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ◌َِل
يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي
الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). وَذَلِكَ
فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. [١٨٥٤، ١٨٥٥، ٤٣٩٩، ٦٢٢٨ - مسلم: ١٣٣٤ - فتح: ٣٧٨/٣]
ذكر فيه حديث الزهري: عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ نَّهَ، فَجَاءَتِ أَمْرَأَةٌ مِنْ
خَتْعَمَ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَصْرِفُ
وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ
عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَتْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ،

١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ.
الشرح :
هذا الباب كذا هو هنا في الأصول، وقدم ابن بطال عليه كتاب
الصوم وهو قريب فلنقتد بالجم الغفير، فنقول: قرئ في السبعة ﴿حِجُّ
اَلْبَيْتِ﴾ بالفتح والكسر، فقيل: لغتان، وقيل: بالفتح المصدر وبالكسر
الأسم، وقيل: عكسه وقال ابن السكيت: بالفتح القصد، وبالكسر
القوم الحجاج، والحجة المرة الواحدة، وبالكسر التلبية والإجابة،
وقيدها الجوهري بالكسر (١)، قال أبو موسى الحافظ: وهو من النوادر.
قُلْتُ: وأنكره قوم، وحكي عن الكسائي أنه قال: يقال في كل شيء
فعلت فعلة إلا في شيئين حججت حجة رويته روية يعني إلى الغزو (٢)
وقال أبو إسحق: والحج بفتح الحاء الأصل تقول: حججت الشيء
أحجه حجا إذا قصدته، والفتح والكسر اسم للعمل(٣).
قُلْتُ: وأكثر القراء على الفتح، وفي ((أمالي الهجري)): الحج أكثر
العرب يكسرون الحاء فقط. قُلْتُ: ويجمع على حجج.
وقوله: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أي: من أهل الملك أو: بفرضه، ونقله ابن التين
عن أكثر المفسرين، أو هو من إن حج لم يره برًّا وإن حبس لم يره إثمًا ،
وفي حديث: ((من حج لا يرجو ثوابه ولا يخاف عقابه فقد كفر)) (٤). قال
(١) ((الصحاح)) ٣٠٣/١.
(٢) علق عليها في هامش الأصل بقوله: كذا نقله في موضع آخر ورأيت رؤية وهذا
التصنيف مني لا من المؤلف.
(٣) (تهذيب اللغة)) ٧٤٤/١.
(٤) رواه عبد بن حميد عن أبي داود نفيع بن الحارث كما في ((الدر المنثور)) ٢/ ١٠١ -
١٠٢، ورواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٦٨/٣ بنحوه.

١١
كِتَابُ الحَجِّ
=
سعيد بن جبير، عن عمر: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما
نقاتلهم على الصلاة والزكاة (١).
وأصله في اللغة: القصد(٢). وفي الشرع: قصد الكعبة للنسك الآتي
بيانه، وقام الإجماع ودلائل الكتاب والسنة على فرضتيه، واختلفوا متى
فرض على آراء: أغربها قبل الهجرة، وأقربها قولان: سنة خمس أو سنة
ست، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع، وصححه القاضي عياض (٣).
وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة عشر، وهما غريبان، فصارت ستة أقوال
غير الأول مرتبة على السنين، وسنة ست هو ما ذكره البيهقي(٤).
وفي حديث ضمام بن ثعلبة ذكر الحج(٥)، وقدومه سنة تسع كما قاله
الطرطوسي، لكن قال محمد بن حبيب: سنة خمس، وقام الإجماع على
أنه لا يتكرر إلا لعارض كنذر (٦).
فرع :
يجب الحج عندنا على التراخي خلافًا للمزني(٧)، ووفاقًا للأوزاعي
والثوري ومحمد بن الحسن وابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس.
وقال مالك في روايةٍ: وأبو يوسف على الفور، وهو قول جمهور
أصحاب أبي حنيفة، ولا نص لأبي حنيفة في ذَلِكَ، قال أبو يوسف:
مذهبه يقتضي أنه على الفور، وهو الصحيح عندهم، وقال ابن خواز
(١) رواه الخلال في ((السنة)) (١٥٧٣).
(٣) ((إكمال المعلم)) ٤ / ٤٣٨.
(٢) ((تهذيب اللغة)) ٧٤٤/١.
(٤) ((السنن الكبرى)) ٤٣١/٤.
(٥) رواه أحمد ٢٥٠/١، ٢٦٤ - ٢٦٥، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٧٦/١٦.
ورواه أبو داود (٤٨٧) مختصرًا. وصححه الحاكم في ((المستدرك)) ٥٤/٣- ٥٥،
والألباني في ((صحيح أبي داود)) (٥٠٥).
(٦) ((الإجماع)) لابن المنذر ص٦١.
(٧) ((الإفصاح)) ٢٣٥/٣.

١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
منداد: واختلف في هذه المسألة أصحاب مالك وأصحاب أبي حنيفة
وأصحاب الشافعي على قولين(١).
وفي ((مستدرك الحاكم)) من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((من أراد
الحج فليتعجل)) ثم قال: صحيح الإسناد(٢).
حجة من لم يوجبه على الفور أنه فرض سنة خمس أو ست كما
سلف، وفتحت مكة سنة ثمان فأقامه عَتَّاب(٣) بأمر رسول الله وَّل،
(١) ((الإفصاح)) ٢٣٤/٣.
(٢) ((المستدرك)) ٤٤٨/١. ورواه أيضًا أبو داود (١٧٣٢)، والبيهقي ٣٣٩/٤ - ٣٤٠
من طريق الحسن بن عمرو عن مهران أبي صفوان عن ابن عباس، مرفوعًا به.
وصححه عبد الحق الإشبيلي في ((أحكامه)) ٢٥٨/٢، وحسنه الألباني في ((صحيح
أبي داود)) (١٥٢٢). وقال ابن القطان في ((بيان الوهم والإيهام)) ٢٧٣/٤ - ٢٧٤ :
حديث لا يصح، وأعله بمهران. وقال النووي في ((المجموع)) ٨٦/٧: مهران هذا
مجهول، قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه فقال: لا أعرفه إلا من هذا
الحديث. اهـ ثم أطلق القول بضعفه في موضع آخر، أنظر: ((المجموع)) ٧/ ٩١.
وأعله الذهبي في ((المهذب)) ٤/ ١٧٢٠ (٧٤٥١) بمهران، فقال: هذا التابعي مجهول.
والحديث رواه ابن ماجه (٢٨٨٣)، وأحمد ٢١٤/١، ٣٢٣، ٣٥٥ من طريق
إسماعيل بن خليفة، عن فضيل بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن
الفضل أو أحدهما عن الآخر، مرفوعًا بزيادة: ((فإنه قد يمرض المريض وتضل
الضالة وتعرض الحاجة)). هذا لفظ ابن ماجه. وصححه أيضًا عبد الحق ٢٥٨/٢.
واعترض عليه ابن القطان في ((البيان)) ٢٧٤/٤ - ٢٧٥ فقال: لا يصح -وأعله
بإسماعيل بن خليفة فأورد أقوال من جرحه- ثم قال: فالحديث من أجله لا يقال
فيه صحيح، فاعلمه اهـ. وذكره أيضًا ابن كثير في (الإرشاد)) ١/ ٣٠٦ وأعله أيضًا
بإسماعيل بن خليفة. وقال الألباني: هذا سند ضعيف. لكن حسن الحديث
بمجموع طريقيه ((الإرواء)) (٩٩٠).
(٣) هو عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أبي أمية، يقال: أبو عبد الرحمن، ويقال:
أبو محمد المكي، روى عن النبي ◌َّل، وروى عنه: سعيد بن المسيب وعطاء بن
أبي رباح. قال ابن عبد البر: استعمله النبي ◌َّر على مكة عام الفتح في خروجه إلى =

١٣
كِتَابُ الحَجِّ
وحج الصديق في التاسعة، وحج ◌ّ في العاشرة، وأما حديث الباب
فأخرجه أيضًا مسلم في ((صحيحه))(١)، وأخرجه البخاري في
الاستئذان أيضًا وقال: وأعجبه حسنها -يعني: الفضل- فأخذ بذقن
الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها، وأخرجه بلفظ: هل يقضي أن
أحج عنه؟(٢)، وذكره في الاعتصام أيضًا عنه: إن أمي نذرت الحج
فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: ((حجي عنها))(٣) وسيأتي في
الباب وقال: امرأة من جهينة (٤).
وذكر في النذور: أتى رجل النبي ◌َّ فقال له: إن أختي نذرت.
بمثله، وقال: ((فاقضوا الله فهو أحق بالقضاء))(٥).
قال أبو العباس الطرقي: مدار هذا الحديث على الزهري، وقد
اختلف عليه في إسناده، رواه ابن جريج عنه، عن سليمان بن يسار،
عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس وهو الصحيح عندي، والحديث
حديث الفضل؛ لأنه كان رديف سيدنا رسول الله صلى غداة النحر من
مزدلفة إلى منى، وابن عباس قدمه التَّ في ضعفة أهله من جمع
بليل، فقد دل عن شاهد واحد أن ابن عباس لم يحضر في تلك
الحال، وإنما سمع ذَلِكَ من الفضل كما جاء في حديث ابن عباس
= حنين فحج بالناس سنة ثمان. أنظر ترجمته في ((طبقات ابن سعد)) ٤٤٦/٥،
((تهذيب الكمال)) ١٩/ ٢٨٢.
(١) ((صحيح مسلم)) (١٣٣٤) كتاب: الحج، باب: الحج عن العاجز لزمانه ..
(٢) سيأتي برقم (٦٢٢٨) باب: قوله تعالى: ﴿يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُوتًا﴾ [النور: ٢٧].
(٣) سيأتي برقم (٧٣١٥) باب: من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين ..
(٤) سيأتي برقم (١٨٥٢) كتاب: جزاء الصيد، باب: الحج والنذور عن الميت.
(٥) سيأتي برقم (٦٦٩٩) باب: من مات وعليه نذر.

١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
حين دفعوا عشية عرفة: ((عليكم بالسكينة))(١).
قال عبد الله: وأخبرني الفضل أنه العَيْئًا لم يزل يلبي حتَّى رمى جمرة
العقبة (٢)، وكذا قال البخاري فيما حكاه الترمذي عنه أنه أصح ما روى
عبد الله، عن الفضل قال: ويحتمل أن عبد الله سمعه من الفضل وغيره
عن رسول الله وَّة، ثم روى هذا فأرسله ولم يذكر الذي سمعه منه(٣).
وعند ابن حزم صحيحًا من حديث عبيد الله بن عباس قال: كنت
رديف رسول الله مر فأتاه رجل فقال: يا رسول الله إن أمي عجوز
كبيرة، إن حزمتها خشيت أن يقتلها، وإن لم أحزمها لم تستمسك
فأمره أن يحج عنها(٤). قال أبو حاتم في ((علله)): عبيد الله عن رسول
الله مرسل(٥).
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام عليه من أوجه :
أحدها :
فيه جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطبقة، وهو إجماع، وقد
جمع ابن منده الإرداف في جزء فزاد على الثلاثين، وقد تقدم ذكر
ذَلِكَ ويحتمل الزيادة، فالارتداف للسادة الرؤساء سائغ ولاسيما في
الحج لتزاحم الناس ومشقة الرحالة؛ ولأن الراكب فيه أفضل كما
ستعلمه.
(١) سيأتي برقم (١٦٧١) كاب: الحج، باب: أمر النبي ◌َّ بالسكينة عند الإفاضة.
(٢) يأتي برقم (١٥٤٤).
(٣) ((علل الترمذي الكبير)) ٣٩٠/١ - ٣٩٢.
(٤) رواه ابن حزم في كتاب ((حجة الوداع)) (٥٣٢ - ٥٣٣) من طريق يزيد بن إبراهيم عن
محمد بن سيرين عن عبيد الله بن عباس، به.
ووقع في المطبوع من ((حجة الوداع)): عبد الله بن عباس بدل عبيد الله. وهو خطأ.
(٥) ((علل ابن أبي حاتم)) ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥ (٨٨٨١).

١٥
- كِتَابُ الحَجّ
ثانیھا :
قوله: (فجاءت امرأة من خثعم) وأسلفنا رواية أخرى: من جهينة،
وهاتان القبيلتان لا يجتمعان؛ لأن جهينة هو : ابن زيد بن ليث بن سود بن
أسلم بن الحافي بن قضاعة. وخثعم هو: ابن أغار بن أراش بن عمرو بن
الغوث بن نبت بن زيد بن لهلان.
ثالثها :
هذِه المرأة يجوز أن تكون غاثية أو غائثة، لكن فيه أنها سألت عن
أمها ففي كتاب ((الصحابة)) لابن منده وأبي نعيم في باب الغين المعجمة
غائثة أو غائية أتت النبي ◌َّ فقالت: إن أمي ماتت وعليها نذر أن تمشي
إلى الكعبة، فقال: ((اقضي عنها))(١).
رابعها :
فيه دلالة أن المرأة تكشف وجهها في الإحرام، وهو إجماع كما
حكاه ابن عبد البر (٢)، ويحتمل كما قال ابن التين أنها سدلت ثوبًا
على وجهها.
خامسها :
في نظر الفضل إلى المرأة مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما
رکب فيه من الشهوات.
سادسها :
أن العالم يغير من المنكر ما يمكنه إذا رآه، وأسند ابن المنذر من
حديث ابن عباس قال: كان الفضل رديف رسول الله وَخلال يوم عرفة
(١) ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم ٦/ ٣٤٠٧ (٣٩٦٨).
(٢) ((التمهيد) ١٠٤/١٥.

١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فجعل الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن فقال: ((يا ابن أخي، هذا يوم من
ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له))(١) ولم ينقل أنه نهى المرأة عن
النظر إليه، وكان الفضل وسيمًا أي: جميلًا، ويحتمل أن يكون
الشارع أجتزى بمنع الفضل لما رأى أنها تعلم بذلك منع نظرها إليه؛
لأن حكمهما واحد، أو تنبهت لذلك أو كان ذَلِكَ الموضع هو محل
نظره الكريم فلم يصرف نظرها.
وقال الداودي: فيه احتمال أن ليس على النساء غض أبصارهن عن
وجوه الرجال، إنما يغضضن عورتهن، وقال بعض المالكية: ليس على
المرأة تغطية وجهها لهذا الحديث، وإنما على الرجل غض بصره،
وقيل: إنما لم يأمرها بتغطية وجهها، لأنه محل إحرامها، وصَرْفُ
وجه الفضل بالفعل أقرب من الأمر، وذهب ابن عباس وابن عمر إلى
أن المراد في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾
[النور: ٣١] أنه الوجه والكفان (٢)، وبه قال مجاهد وعطاء وأكثر
الفقهاء(٣). وقال ابن مسعود: الثياب (٤).
سابعها :
فيه أن النيابة في الحج سائغة بأجرة وبغيرها، وهو أن يكون عاجزًا
(١) رواه أحمد ٣٢٩/١، ٣٥٦، وأبو يعلى ٣٣٠/٤ (٢٤٤١)، وابن خزيمة ٤/ ٢٦٠
(٢٨٣٢)، والطبراني ٢٨٨/١٨ - ٢٨٩ (٧٤١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣/
٤٦١ - ٤٦٢ (٤٠٧١)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٥١/٣: رواه أحمد وأبو
يعلى والطبراني في ((الكبير))، وقال أيضًا: كان الفضل بن عباس رديف، ورجال
أحمد ثقات. وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٥٩٦٠).
(٢) ورد بهامش الأصل: حكى القاضي عياض أتفاق العلماء.
(٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٩/ ٣٠٤ (٢٥٩٦٣ - ٢٥٩٦٥).
(٤) الطبري ٩/ ٣٠٤ (٢٥٩٥٣).

١٧
- كِتَابُ الحَجِّ
عن المباشرة بنفسه، إما بزمانة لا يرجى زوالها وسببها، فله أن يستنيب،
وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال
مالك والليث والحسن بن صالح: لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم
يحج حجة الإسلام.
وحاصل ما في مذهب مالك ثلاثة أقوال: مشهورها لا تجوز النيابة،
ثالثها : تجوز في الولد، وقال: يتطوع عنه بغير هذا، يهدي عنه أو يتصدق
أو يعتق، وتنفذ الوصية به على المشهور عندهم ويكون لمن حج أحب
إلي، فإن لم يوص لم يجز، وإن كان فلا صرورة على الأصح، ويكره
للمرء إجارة نفسه على المشهور وتلزم.
قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على أن من عليه حجة الإسلام
وهو قادر على أن يحج لا يجزئه إلا أن يحج بنفسه، لا يجزيء أن يحج
غيره عنه(١)، وقد روينا عن علي أنه قال لرجل كبير لم يحج: إن شئت
فجهز رجلًا يحج عنك(٢).
وعن النخعي وبعض السلف: لا يصح الحج عن ميت ولا عن
غيره(٣)، وهي رواية عن مالك وإن أوصى به، وفي ((مصنف ابن
أبي شيبة)) عن ابن عمر أنه قال: لا يحج أحد عن أحد، ولا يصم
أحد عن أحد، وكذا قال إبراهيم النخعي (٤).
وقال الشافعي والجمهور: يجوز الحج عن الميت عن فرضه ونذره
سواء أوصى به أم لا، وهو واجب في تركته، وعندنا تجوز الاستنابة في
(١) ((الإجماع)) لابن المنذر (٢٤٢).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٥٠ (١٥٠٠٥).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣٦١/٣ (١٥١٢٠).
(٤) ((المصنف)) ٣٦١/٣ (١٥١١٧).

١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
حج التطوع على أصح القولين، والحديث حجة على الحسن بن حي في
قوله: إن المرأة لا يجوز أن تحج عن الرجل، وهو حجة لمن أجازه.
وقال صاحب ((الهداية)): الأصل أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله
لغيره صلاة أو صدقة أو صومًا أو غيرها عند أهل السنة والجماعة، لما
روي أنه القّا ضحى بكبشين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته،
والعبادات أنواع مالية محصنة كالزكاة، وبدنية كالصلاة، ومركب منها
كالحج، والنيابة تجزئ في النوع الأول ولا الثاني، وتجزئ في
الثالث عند العجز دون القدرة، والشرط العجز الدائم إلى وقت
الموت، وظاهر مذهبهم أن الحج يقع عن المحجوج عنه؛ لحديث
الخثعمية، وعند محمد أنه يقع عن الحاج وللآخر ثواب النفقة.
قال الخطابي: العجب من مالك كيف روى هذا الحديث ولم يقل
به، قال: وقد تأول بعضهم أن معنى (أدركت أبي شيخًا كبيرًا) أي أسلم
وهو شيخ بهذه الصفة(١).
وقال ابن عبد البر: اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث،
فذهب جماعة منهم إلى أنه مخصوص به أبو الخثعمية: لا يجوز أن
يتعدىُ به إلى غيره، بدليل الآية السالفة ﴿مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وكان
أبوها ممن لا يستطيع فلم يكن عليه الحج فلما لم يكن عليه لعدم
استطاعته كانت ابنته مخصوصة بذلك الجواب، وممن قال ذَلِكَ مالك
وأصحابه(٢)؛ لأن الحج عندهم من عمل البدن فلا ينوب فيه أحد عن
أحد كالصلاة.
(١) ((أعلام الحديث)) ٢/ ٨٣١ - ٨٣٢.
(٢) ((التمهيد)) ١٢٤/٩ - ١٢٥.

١٩
= كِتَابُ الحَجِّ
وذكر ابن حزم من حديث إبراهيم بن محمد (العبدوي) أن أمرأة
قالت: إن أبي شيخ كبير، فقال النبي ◌َّر: ((حجي عنه، وليس لأحد
بعده)) وكذا رواه محمد بن حبان (الإخباري)(١) أن أمرأة قالت،
الحديث(٢)، وهو ضعيف بالإرسال وغيره، ويحتمل أن يكون معنى
(أدركت أبي) أي: أن الحج فُرض وأبوها على تلك الحالة،
ويبعده قولها: عليه فريضة الحج، والشارع أنما أجابها بالإحجاج
عنه لما رأى من حرصها على إيصال الخير له، كما أجاب
الأخرى في النذر وشبهه بالدين، والإجماع على أنه لا يجب على
وليه قضاء الدين عنه، وجعله بعض المالكية خاصًّا بالابن عن
أبيه، حكاه القرطبي(٣) وحكاه ابن حزم مرسلًا، وضعفه عن
محمد بن الحارث التيمي أن النبي ◌ّير قال: ((لا يحج أحد عن
أحد إلا ولد عن والد))(٤).
قال الطرطوسي في ((الحج)) تأليفه في هذا الحديث أربعة: أوله
وجوب الحج على المعضوب لإقرارها عليه تشبيهه بالدين، وهو
واجب جواز فعلها عنه وأنه ينفعه، ويحتمل أن تريد: أحج عنه؟ أي:
بعد موته، أو یکون أوصى به.
فرع :
بذل الولد الطاعة يصير مستطيعًا به على الأصح.
(١) كذا في الأصل وفي ((المحلى)) الأنصاري.
(٢) ((المحلى)) ٥٩/٧.
(٣) ((المفهم)) ٤٤٢/٣ - ٤٤٣.
(٤) ((المحلى)) ٧/ ٦٠.

٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فرع :
لو صح المعضوب بعد ذَلِكَ أعاده عندنا وفاقًا للكوفيين وأبي ثور،
وخلافًا لأحمد وإسحاق.
فرع :
لولي الصبي أن يحرم عن الصبي الذي لا يميز والمجنون.
فرع غريب: عن ابن سيرين: كانوا يرون أن المرأة إذا حجت وفي
بطنها ولد، أن له حجًا، وعن طاوس يجزئ عن الصغير حجة حتَّى
يكبر(١).
ثامنها :
أجمع العلماء على أن الاستطاعة شرط في إيجاب الحج. واختلفوا
في تفسيرها على قولين:
أحدهما: أن من قدر على الوصول ببدنه فقد لزمه، وإن لم يجد
راحلة، وهو بمنزلة من يجدها ويعجز عن المشي، وهو قول ابن
الزبير وعكرمة والضحاك، وبه قال مالك.
ثانيها: أنها الزاد والراحلة، وهو قول الحسن ومجاهد وسعيد بن
جبير (٢)، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحق وعبد العزيز بن
أبي سلمة وسحنون وظاهر قول ابن حبيب، وأثبته الطرطوسي قولًا
وادعى أن ذكر الراحلة لم يذكر في حديث عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جده، وليس كما ذكر، فهي فيه في الدار قطني(٣).
(١) رواه عنهما ابن أبي شيبة ٣٣٨/٣ (١٤٨٧٣)، (١٤٨٧٦).
(٢) رواه عنه الطبري في ((تفسيره)) ٣٦٤/٣ (٧٤٧٩ - ٧٤٨٠).
(٣) ((سنن الدارقطني)) ٢١٥/٢.