Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ كِتَابُ الزَّكَاةِ حاكم، أو يكون الوقف مسجدًا، أو سقاية، أو وصية من الثلث(١). سابعها: فيه: بعث الإمام العمال بجباية الزكاوات، وأن يكونوا فقهاء أمناء ثقات عارفين، حيث بعث عليها عمر، وتعريف الإمام بمانعيها ليعينهم على أخذها منهم، أو يبين لهم وجوه أعذارهم في منعها، وتعريف الفقير نعمة الله عليه في الغني؛ ليقوم بحق الله فيه. وعتب الإمام على من منع الخير، وإن كان منعه مندوبًا في غيبته وحضوره، وصحة الوقف، وصحة وقف المنقول، وبه قالت الأمة بأسرها إلا أبا حنيفة، وبعض الكوفيين(٢)، وأنه لا زكاة في الوقف، ووجوب زكاة التجارة على ما سلف، والتصريح باسم القريب، وفيه غير ذَلِكَ مما أوضحته في ((شرح العمدة)) فراجعه منه تجدْ نفائسَ(٣). (١) انظر: ((الهداية)) ١٥/٣-١٦. (٢) انظر: ((بدائع الصنائع)» ٢٢٠/٦. (٣) في هامش الأصل تعليق: ثم بلغ في السادس عشر كتبه مؤلفه. وانظر: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٧١/٥-٩٤. ٤٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٥٠- باب الاسْتِعْفَافِ عَنِ المَسْأَلَةِ ١٤٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ ﴿ أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنَّصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ وَلـ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَغْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرِ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِقَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ)). [٦٤٧٠ - مسلم: ١٠٥٣- فتح: ٣٣٥/٣] ١٤٧٠- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِيِ الزّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ)). [١٤٨٠، ٢٠٧٤، ٢٣٧٤ - مسلم ١٠٤٢- فتح: ٣٣٥/٣] ١٤٧١- حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ لَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ قَالَ: ((لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ)). [٢٠٧٥ - ٢٣٧٣ - فتح: ٢٣٥/٣] ١٤٧٢- وَحَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَّامٍ ﴾ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَل فَأَغْطَانِيٍ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَغْطَانٍ، ثُمَّ سَأَلَتُهُ فَأَغْطَانٍ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا حَكِيمُ، إِنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورَِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى)). قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقُّ، لَا أَزْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا. فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﴾ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى العَطَاءِ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ ◌ّ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا. فَقَالَ عُمَرُ: إِّ أُشْهِدُكُمْ يَا مَغْشَرَ ٤٨٣ - ڪِتَابُ الزَّكَاةِ المُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمِ، أَنَّ أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هذا الفَيْءٍ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ. فَلَمْ يَزْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ وَهِ حَتَّى تُوُفَيَّ. [ ٢٧٥٠، ٣١٤٣، ٦٤٤١ - مسلم: ١٠٣٥- فتح: ٣٣٥/٣] ذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ: أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ وَّهِ فَأَعْطَاهُمْ .. الحديث. وفيه: ((وَمَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِقَّهُ اللهُ). وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ)). الحديث. وحديث الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّام مرفوعًا مثله. وحديث حَكِيم بِنِ حِزَامٍ ٥ ((يا حكيم إِنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ .. )) الحديث. الشرح : هُذِه الأحاديث أخرجها مسلم خلا حديث (ابن الزبير)(١) فهو من أفراد البخاري(٢)، واستغرب الترمذي حديث أبي هريرة(٣). وحديث حكيم خرجه البخاري أيضًا في الوصايا(٤)، وسلف «لا صدقة إلا عن ظهر غنى))(٥). إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليها من وجوه: (١) في الأصل علق تحتها بقوله: يعني: عروة. (٢) حديث أبي سعيد الأول رواه مسلم (١٠٥٣) كتاب: الزكاة، باب: فضل التعفف والصبر، حديث أبي هريرة الثاني رواه مسلم (١٠٤٢) كتاب: الزكاة، باب: كراهة المسألة للناس، حديث حكيم الرابع رواه مسلم (١٠٣٥) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى. (٣) ((سنن الترمذي)) (٦٨٠) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في النهي عن المسألة. (٤) سيأتي برقم (٢٧٥٠) باب تأويل قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾. (٥) أنظر ما سلف برقم (١٤٢٦). ٤٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -= أحدها : ((نفِد)» في الحديث الأول بكسر الفاء ثم دال مهملة أي: فرغ وفني. ذكره الجوهري(١). ثانیھا : قوله فيه: (((فلن أدخره عنكم)) قال الترمذي: روي عن مالك: (فلن))، ويروى عنه: ((فلم)) أي: لن أحبسه عنكم، وقوله: قبله: (فقال: ((ما يكون عندي من خير)) بخط الدمياطي صوابه: ((يكن)) أي: من حيث الرواية. ثالثها : قوله: ((لأن يأخذ)) كذا هنا، وفي ((الموطأ)) ((ليأخذ))(٢) وعند الإسماعيلي من رواية قتيبة ومعن والتنيسي (ليأخذ)) ثم قال معن والتنيسي: ((لأن يأخذ)). واعلم أن مدار هذِه الأحاديث على كراهية المسألة، ولا شك أنها على ثلاثة أوجه: حرام، ومكروه، ومباح. فمن سأل وهو غني من زكاة، وأظهر من الفقر فوق ما هو به فهذا لا يحل له. ومن سأل من تطوع ولم يظهر من الفقر فوق ما هو به فهذا مكروه. والاحتطاب خير منه. والمباح: أن يسأل بالمعروف قريبًا أو صديقًا أو ليكافيء. أما السؤال عند الضرورة فواجب لإحياء النفس، وأدخله الداودي في المباح. وأما الأخذ من غير مسألة ولا إشراف نفس فلا بأس به. (١) ((الصحاح)) ٢/ ٥٤٤. (٢) ((الموطأ)» ٤٨٥ كِتَابُ الرِّكَاةِ رابعها : قوله: ((إن هذا المال خضرة حلوة)) سلف معناه في باب: الصدقة على اليتامى. ومعنى ((فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه)): أي: بغير شدة ولا إلحاح ولا بمسكنة، وفي رواية ((بطيب نفس))(١). قال القاضي: فيه احتمالان: أحدهما: أنه عائد على الآخذ، يعني: من أخذه بغير سؤال ولا إشراف نفس بورك فیه. والثاني: أنه عائد إلى الدافع، ومعناه: فمن أخذه ممن يدفعه منشرحًا يدفعه إليه طيب النفس من غير سؤال اضطره إليه أو نحوه مما لا تطيب معه نفس الدافع. خامسها : قوله: ((ومن أخذه بإشراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع))؛ لأنه يأكل من سقم وآفة، فكلما أكل ازداد سقما ولا يجد شبعًا فينجع فيه الطعام، ويزعم أهل الطب أن ذَلِكَ من علة السوداء، ويقال: إنها صفة دائه وأهل الطب يسمونها الشهوة الكلبة والكلبية لمن يأكل ولا يشبع قيل: إنه لا يبقي شيئًا ولا يسد لها مسدًّا. وقيل: معنى بإشراف نفس أن المسئول يعطيه عن تكرر. وقيل: يريد به شدة حرص السائل وإشرافه على المسألة. ومعنى: ((لم يبارك له فيه)) أي إذا أتبع نفسه المسألة، ولم يصن وجهه فلم يبارك له فيما أخذ وأنفق. سادسها : معنى ((لا أرزاً أحدًا بعدك)) أي: لا آخذ من أحد شيئًا؛ لأنه إذا أخذ (١) ستأتي برقم (٦٤٤١) في الرقاق، باب: قول النبي ◌َّ: ((هذا المال خضرة حلوة)). ٤٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - من مال أحد فقد نقص ذَلِكَ من ماله وصارت كلمة فاشية. ولما ولي عمر ابن عبد العزيز، قدم عليه وفد العراق، فأمر لهم بعطاء، فقالوا: لا نرزؤك، وترك حكيم أخذ العطاء، وهو حق له؛ لأنه خشي أن يفعل خلاف ما قال لرسول الله بقليل، واتقى أن يكون مما يعطى، فترك ما يريبه لما لا يريبه. وفي بعض حديثه: ولا منك يا رسول الله؟ قال: ((ولا مني)) وإنما قال له ذَلِكَ لما كان وقع منه من الحرص والإشراف في المسألة ورأى أن قطع ذَلِكَ كله عن نفسه خير له؛ لئلا تشرف نفسه إلى شيء فيتجاوز به القصد. سابعها : فيه تشبيه الرغبة في المال، والميل إليه، وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء المستلذة، فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده والحلو كذلك فاجتماعهما أشد. وفيه: أيضًا إشارة إلى عدم بقائه؛ لأن الخضراوات لا تبقى ولا تراد . للبقاء. ثامنها : في حديث أبي سعيد من الفقه: إعطاء السائل مرتين من مال واحد من الصدقة. قال ابن بطال(١): ومثله عندهم الوصايا، يجيزون لمن أوصي له بشيء إذا قبضه أن يعطى مع المساكين، وإن كان ذَلِكَ الشيء لا يخرجه عن حد المسكنة، وأبى ذَلِكَ ابن القاسم وطائفة من الكوفيين. وفيه: أيضًا ما كان التلّة من الكرم والسخاء والإيثار على نفسه. (١) (شرح ابن بطال)) ٣/ ٥٠٤ - ٥٠٦. ٤٨٧ = ڪِتَابُ الزَّكَاةِ وفيه: الاعتذار للسائل إذا لم يجد ما يعطيه. وفيه: الحض على الاستغناء عن الناس بالصبر، والتوكل على الله، وانتظار رزق الله، وأن الصبر أفضل ما أعطيه المؤمن، وكذلك الجزاء عليه غير مقدور، ولا محدود. قال الله تعالى: ﴿إِنََّا يُؤَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَیْرِ [الزمر: ١٠]. حِسَاب﴾ تاسعھا : في حديث أبي هريرة الحض على التعفف عن المسألة، والتنزه عنها، وأن يمتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وإن ركب المشقة في ذَلِكَ، ولا يكون عيالًا على الناس، ولا كَلاَّ، وذلك لما يدخل على السائل من الذل في سؤاله وفي الرد إذا رد خائبًا، ولما يدخل على المسئول من الضيق في ماله إن هو أعطى لكل سائل، ولهذا المعنى قال رسول الله وَله: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)). وكان مالك يرى ترك ما أعطى الرجل على جهة الصدقة أحب إليه من أخذه وإن لم يسأله. عاشرها : في حديث حكيم من الفقه أن سؤال السلطان الأعلى ليس بعار، وأن السائل إذا ألحف لا بأس برده، وموعظته، وأمره بالتعفف، وترك الحرص على (أخذه) (١)؛ كما فعل الشارع بحكيم فأنجح الله موعظته ومحا بها حرصه، فلم يرزا أحدًا بعده، والقناعة وطلب الكفاية والإجمال في الطلب مقرون بالبركة. وأن من طلبه بالشرَهِ والحرص فلم يأخذه من حقه لم يبارك له فيه، وعوقب بأن حرم بركة ما جمع، (١) في الأصل: (أحد)، ولعل المثبت هو الصحيح. ٤٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفضل المال والغنى إذا أنفق في الطاعة عملًا بقوله: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)) وأن الإنسان لا يسأل شيئًا إلا عند الحاجة ؛ لأنه إذا كان يده السفلى مع إباحة المسألة فهو أحرى أن يمتنع من ذَلِكَ عند غيرها. وأن من كان له عند أحد حق من معاملة وغيرها، فإنه يجبره على أخذه إذا أبى. وإن كان مما لا يستحقه إلا ببسط اليد إليه فلا يجبر على أخذه. وإنما أشهد عمر على إباء حكيم من أخذ ماله في بيت المال؛ لأنه خشي سوء التأويل، فأراد تبرئة ساحته بالإشهاد عليه، وأنه لا يستحق أحد من بيت المال شيئًا بعد أن يعطيه الإمام إياه، وأما قبل ذَلِكَ فليس مستحق له، ولو كان مستحقًّا له لقضى عمر على حكيم بأخذه، وعلى ذَلِكَ يدل قوله تعالى حين ذكر قسم الصدقات وفي أي الأصناف تقسم ﴿كَنَّ لَا يَكُنَ دُوْلَةٌ بَيْنَ آلْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية [الحشر: ٧] فإنما هو لمن أوتيه لا لغيره وإنما قال العلماء في إثبات الحقوق في بيت المال تشددًا على غير المرَضِيِّ من السلاطين؛ ليغلقوا باب الامتداد إلى أموال المسلمين والتسبب إليها بالباطل. ويدل على ذَلِكَ فتيا مالك فيمن سرق من بيت المال أنه يقطع(١)، ومن زنى بجارية من الفيء أنه يحد، ولو استحق في بيت المال أو في الفيء شيئًا على الحقيقة قبل إعطاء السلطان له ذَلِكَ لكانت شبهة يُدرأ عنه الحد بها. وجمهور الأمة على أن للمسلمين حقًّا في بيت المال، والفيء يقسمه الإمام على اجتهاده، وسيأتي ذَلِكَ في الجهاد إن شاء الله ذَلِكَ وقدره(٢). (١) انظر: ((المدونة)) ٤ /٤٢٧. (٢) انتهى كلام ابن بطال بتصرف. ٤٨٩ = ڪِتَابُ الزَّكَاةِ ٥١- باب مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ شَيْئًا مِنْ غَيْ مَسْأَلَةٍ وَلَ إِشْرَافِ نَفْسٍ ١٤٧٣ - حَدَّثْنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالمِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَه يُعْطِينِي العَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيهِ مِنِّي فَقَالَ: ((خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هذا المَالِ شَيْءٌ - وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلِ- فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَك)). [٧١٦٣، ٧١٦٤ - مسلم: ١٠٤٥ - فتح: ٣٣٧/٣] ذكر فيه حديث سَالِمٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ يُعْطِيِّي العَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيهِ مِنِّي فَقَالَ: ((خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هذا المَالِ شَيْءٌ - وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلِ- فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ)). الشرح : هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا عن سالم، عن أبيه أن رسول الله وَّ كان يعطي عمر بزيادة. قال سالم: فمن أجل ذَلِكَ كان ابن عمر لا يسأل أحدًا شيئًا، ولا يرد شيئًا أعطيه، وأخرجه عن عمر أيضًا (١). ومعنى غير مشرف: غیر متعرض، ولا حریص عليه بشره وطمع، وأصله من قولهم: أشرف فلان على كذا، إذا تطاول له ورماه ببصره. ومنه قيل للمكان المرتفع: شرف، وللشريف من الرجال: شريف؛ لارتفاعه عمن دونه بمكارم الأخلاق. ومعنى ( (فلا تتبعه نفسك)) ): مالم يأتك من غير مسألة فلا تحرص عليه. (١) ((صحيح مسلم) (١٠٤٥) كتاب: الزكاة، باب: إباحة الأخذ لمن أعطي من غير مسألة ولا إشراف. 1 ٤٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال الطحاوي: ليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم، فكانت تلك الأموال يعطاها الناس لا من جهة (الفقر)(١)، ولكن من حقوقهم فيها، فكره الشارع لعمر حين أعطاه قوله: أعطه من هو أفقر إليه مني. لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر، ثم قال له: ((خذه فتموله)) (٢) هكذا رواه شعيب عن الزهري، فدل أن ذَلِكَ ليس من أموال الصدقات؛ لأن الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصدقات ما يتخذه مالًا كان عن غير مسألة أو عن مسألة. ثم قال: ((إذا جاءك من هذا المال الذي هذا حكمه فخذه))(٣). قال الطبري: واختلف العلماء في قوله: ((فخذه)) بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد، فقال بعضهم: هو ندب لكل من أعطي عطية أبى قبولها كائنًا من كان معطيها إمامًا أو غيره، صالحًا كان أو فاسقًا، بعد أن يكون ممن تجوز عطيته. روي عن أبي هريرة أنه قال: ما أحد يهدي إليَّ هدية إلا قبلتها، فأما أن أسأل فلا. وعن أبي الدرداء مثله. وقبلت عائشة من معاوية. وقال حبيب بن أبي ثابت: رأيت هدايا المختار تأتي ابن عمر، وابن عباس فيقبلانها. وقال عثمان بن عفان: جوائز السلطان لحم ظبي ذكي. وبعث سعيد بن العاصي إلى علي بهدايا فقبلها وقال: خذ ما أعطوك. وأجاز معاوية الحسين بأربعمائة ألف. وسئل أبو جعفر محمد بن علي ابن الحسين عن هدايا السلطان فقال: إن علمت أنه من غصب أو (١) في الأصل: (الفقراء) بالمد ولعل المثبت أصح. (٢) سيأتي في رواية (٧١٦٣) كتاب الأحكام، باب رزق الحكام والعاملين عليها. (٣) (شرح معاني الآثار)) ٢٢/٢. ٤٩١ كِتَابُ الزَّكَاةِ = سحت فلا تقبله، وإن لم تعرف ذَلِكَ فاقبله، ثم ذكر قصة بريرة. وقول الشارع: ((هو لنا هدية))، وقال: ما كان من مأثم فهو عليهم وما كان من مهنأ فهو لك، وقبلها علقمة، والأسود، والنخعي، والحسن، والشعبي . وقال آخرون: بل ذَلِكَ ندب منه أُمَّتَه إلى قبول عطية غير ذي سلطان، فأما السلطان، فإن بعضهم كان يقول: حرام قبول عطيته، وبعضهم كرهها، روي أن خالد بن أسيد أعطى مسروقًا ثلاثين ألفًا فأبى أن يقبلها، فقيل له: لو أخذتها فوصلت بها رحمك. فقال: أرأيت لو أن لصَّا نقب بيتا، ما أبالي أخذتها أو أخذت ذَلِكَ. ولم يقبل ابن سيرين ولا ابن رزين ولا ابن محيريز من السلطان. وقال هشام بن عروة: بعث إليَّ عبد الله بن الزبير وإلى أخي بخمسمائة دينار. قال أخي: رُدَّها، فما أكلها أحد وهو غني عنها إلا أحوجه الله إليها . وقال ابن المنذر: كره جوائز السلطان محمد بن واسع، والثوري وابن المبارك وأحمد. وقال آخرون: بل ذَلِكَ ندب إلى قبول هدية السلطان دون غيره. وروي عن عكرمة: إنا لا نقبل إلا من الأمراء. قال الطبري: والصواب عندي أنه ندب منه إلى قبول عطية كل معط جائزة عطيته، سلطانًا كان أو غيره، لحديث عمر، فندبه إلى قبول كل ما آتاه الله من المال من جميع وجوهه من غير تخصيص سوى ما استثناه، وذلك ما جاء من وجه حرام علیه وعلم به، ووجه من رد أنه كان على من كان الأغلب من أمره أنه لا يأخذ المال من وجهه، فرأى أن الأسلم لدينه والأبرأ لعرضه تركه، ولا يدخل في ذَلِكَ ما إذا علم حرمته، ووجه من ٤٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- قبل ممن لم يبال من أين أخذ المال، ولا فيما وضعه أنه ينقسم ثلاثة أقسام: ما علم يقينًا فلا يستحب رده. وعكسه: فيحرم قبوله. وما لا فلا يكلف البحث عنه. وهو في الظاهر أولى به من غيره ما لم يستحق. وأما مبايعة من يخالط ماله الحرام وقبول هداياه فكره ذَلِكَ قوم، وأجازه آخرون. فممن كرهه: عبد الله بن يزيد وأبو وائل والقاسم وسالم، وروي أنه توفيت مولاة لسالم كانت تبيع الخمر بمصرَ فنزك ميراثها أيضًا، وقال مالك: قال عبد الله بن يزيد بن هرمز: إني لأعجب ممن يرزق الحلال ويرغب في الربح فيه الشيء اليسير الحرام فيفسد المال كله. وكره الثوري المال الذي يخالطه الحرام. وممن أجازه ابن مسعود. روي عنه أن رجلًا سأله فقال: لي جار لا يتورع مِن أكل الربا، ولا مِن أخذ ما لا يصلح، وهو يدعونا إلى طعامه، ويكون لنا الحاجة فنستقرضه. فقال: أجبه إلى طعامه، واستقرضه فلك المهنأ وعليه المأثم(١). وسئل ابن عمر عن أكل طعام من يأكل الربا، فأجازه (٢). وسئل النخعي عن الرجل يرث المال منه الحلال والحرام. قال: لا يحرم عليه إلا حرام بعينه. وعن سعيد بن جبير أنه مرَّ بالعشَّارين وفي أيديهم شماريخ، فقال: ناولنيها من سحتكم هذا، إنه عليكم حرام، وعلينا حلال. وأجاز البصري طعام العشار، والصراف، والعامل. وعن مكحول والزهري: إذا اختلط الحلال بالحرام فلا بأس (١) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٨/ ١٥٠ (١٤٦٧٥-١٤٦٧٦) كتاب: البيوع، باب: طعام الأمراء وأكل الربا، وابن حزم في ((المحلى)) ١٥٦/٩. (٢) رواه البيهقي في ((سننه)) ٣٣٥/٥ كتاب: البيوع، باب: كراهية مبايعة من أكثر ماله من الربا أو ثمن المحرم. ٤٩٣ كِتَابُ الزَّكَاةِ = به، وإنما يكره من ذَلِكَ الشيء يعرف بعينه. وأجازه ابن أبي ذئب. قال ابن المنذر: واحتج من رخص فيه بأن الله تعالى ذكر اليهود فقال: ﴿سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلسُّحْتِّ﴾ [المائدة: ٤٢]. وقد رهن الشارع درعه عند يهودي على طعام أخذه(١). وقال الطبري: في إباحة الله تعالى أخذ الجزية من أهل الكتاب مع علمه بأن أكثر أموالهم أثمان الخمور والخنازير، وهم يتعاملون بالربا أبين الدلالة على من كان من أهل الإسلام بيده مال لا يدري أمن حرام كسبه أو من حلال فإنه لا يحرم قبوله لمن أُعطِيَه، وإن كان ممن لا يبالي أكتسبه من غير حله بعد أن لا يعلم أنه حرام بعينه، وبنحو ذَلِكَ قالت الأئمة من الصحابة والتابعين. ومن كرهه فإنما ركب فِي ذَلِكَ طريق الورع وتجنب الشبهات، والاستبراء لدينه؛ لأن الحرام لا يكون إلا بيِّنا غير مشكل. وفي الحديث: من الفقه: أن للإمام أن يعطي الرجل العطاء وغيره أحوج إليه منه إذا رأى لذلك وجهًا لسابقة، أو خير، أو غنّى عن المسلمين، وأن ما جاء من المال الحلال الطيب من غير مسألة فإنَّ أَخْذَه خير من تركه، إذا كان ممن يُجْمُل الأخذ منه. وأنَّ رد عطاء الإمام ليس من الأدب؛ لأنه داخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] فإذا لم يأخذه فكأنه لم يأتمر. (١) سيأتي برقم (٢٦٨)، ورواه مسلم (٢٥٠٨). ٤٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح باب في قوله تعالى: [الذاريات: ١٩] ١٩ ﴿وَفِيّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ لِلِسَّآئِلِ وَاَْحْرُومِ المحروم: المحارف، قال ابن عمر: الحق هنا سوى الصدقة المفروضة(١). وقاله مجاهد(٢). وهذا الباب في بعض النسخ، ونبه عليه ابن التين. وقال: إنه ليس في رواية أبي ذر(٣)، فلذا حذفه ابن بطال وشيخنا. والمحروم من حرم الرزق، وكذلك المحارف. واختلف أهل اللغة من أين أخذ هذا للمحارف، فقيل له: حورف کسبه: میل به عنه، کتحریف الكلام يعدل عن جهته. وزعم ناس أنه أخذ من المحراف وهو حديدة يعالج بها الجراحة، أي: قدر رزقه كما تعقل الجراحة بالمنشار. وقال الحسن بن محمد: المحروم من لا سهم له في الغنيمة. وقال زيد بن أسلم: إنه الذي لحقته الجائحة فأذهبت زرعه وماشیته. وقال الشعبي: أنا منذ احتلمت أسأل عن المحروم، وما أنا الساعة بأعلم به مني ذَلِكَ الوقت ولي سبعون سنة. وقال محمد بن الحنفية: بعث الشارع سرية فغنمت، فجاء قوم لم يشهدوا الحرب فأنزل الله الآية المذكورة(٤). (١) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ١٣٥/٦ وعزاه إلى عبد بن حميد. (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤١١/٢-٤١٢ (١٠٥٢٤) كتاب: الزكاة، من قال: في المال حق سوى الزكاة، وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ١٣٥/٦ وعزاه إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر. (٣) كذا ذكر المصنف نقلًا عن ابن التين وفي حاشية السلطانية ١٢٣/٢ أنها من رواية أبي ذر والمستملي. (٤) انظر: هذِه الآثار في ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣٨/١٧-٣٩. ٤٩٥ كِتَابُ الزَّكَاةِ ٥٢- باب مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا ١٤٧٤- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ضُه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَه: ((مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْم)). [١٤٧٥- مسلم: ١٠٤٠ - فتح: ٣٣٨/٣] ١٤٧٥- وَقَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأَذْنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ وَه). وَزَادَ عَبْدُ اللهِ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابن أَبِي جَعْفَرٍ: ((فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللهُ مَقَامًا مَحْمُودًا، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الجَمْعِ كُلُّهُمْ)). [٤٧١٨] وَقَالَ مُعَلّى: حدثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، سَمِعَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ وََِّّ فِي المَسْأَلَةِ. [انظر: ١٤٧٤- مسلم: ١٠٤٠- فتح: ٣٣٨/٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ الَّبِيُّ وَّهِ: ((لا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْم .. )) الحديث. وَزَادَ عَبْدُ اللهِ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ: ((فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ .. )) الحديث. وَقَالَ مُعَلَّى: ثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ فِي المَسْأَلَةِ. ٤٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الشرح : هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا إلى قوله ((مزعة لحم)) ولم يذكره في رواية أخرى: أعني: ((مزعة))(١). وقوله: (قال: مُعَلَّى) أسنده البيهقي، عن أبي الحسين القطان، ثنا (ابن أبي درستويه)(٢)، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا مُعَلَّى به: ((ما تزال المسألة بالرجل حتَّى يلقى الله وما في وجهه مزعة لحم)) (٣). وقوله: (وزاد عبد الله) يعني: ابن صالح كاتب الليث بن سعد. قاله أبو نعيم وخلف في ((أطرافه)). ووقع أيضًا في بعض الأصول منسوبًا، وتابع يحيى عبدُ الله بن عبد الحكم، وشعيب بن الليث فروياه عن الليث. ورواية عبد الله أسندها البزار، عن أبي بكر بن إسحاق، ثنا عبد الله بن صالح، ثنا الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن صفوان بن سليم، عن حمزة، ورأيته في موضع آخر عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: حَدَّثَني حمزة، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَّل. فذكره مطولًا . إذا تقرر ذَلِكَ: فالمُزعة - بضم الميم - القطعة من اللحم، ويقال بكسرها، قاله ابن (٤) فارس . (١) ((صحيح مسلم)) (١٠٤٠) كتاب: الزكاة، باب: كراهة المسألة للناس. (٢) في الأصل: ابن درستويه، ولعل الصواب ما أثبتناه كما في ((سنن البيهقي)) ١٩٦/٣ (٧٨٧٠). (٣) ((السنن الكبرى)) ١٩٦/٤ كتاب: الزكاة، باب: كراهية السؤال والترغيب في تركه. (٤) ((مجمل اللغة)) ٨٢٩/٣. ٤٩٧ كِتَابُ الزَّكَاةِ واقتصر عليه القزاز في ((جامعه))، وابن سيده(١): الضم فقط، وكذا الجوهري، قال: وبالكسر من الريش والقطن(٢). سوَّى ابنُ سيده بين الكل بالضم. قال ابن التين: وضبطه أبو الحسن بفتح الميم والزاي، وقال: الذي أحفظ عن المحدثين ضمها. ومزعت اللحم: قطعته قطعة قطعة، ويقال: أطعمه مزعة من لحم أي: قطعة وثيقة منه. قال الخطابي: هذا يحتمل وجوهًا: منها أنه يأتي يوم القيامة ساقطًا لا جاه له ولا قدر، ومنها أن يكون وجهه عَظْمًا لا لحم عليه، بأن يكون قد عذب في وجهه حتَّى سقط لحمه، على معنى مشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء(٣). كما روي من قرض شفاه الخطباء(٤)، وتخبط آكلة الربا(٥)، ويكون ذَلِكَ شعاره يعرف به. وقد جاء في رواية أنه يأتي يوم القيامة ووجهه عظم كله. قال المهلب: وفيه ذم السؤال وتقبيحه. وفهم البخاري أن الذي يأتي يوم القيامة ولا لحم في وجهه من كثرة السؤال أنه السائل تكثرًا لغير ضرورة إلى السؤال. ومن سأل تكثرًا فهو غني لا تحل له الصدقة، فعوقب في الآخرة، فإذا جاء لا لحم في وجهه فتؤذيه الشمس أكثر من غيره، ألا ترى قوله في الحديث: (١) ((المحكم)) ٣٣٧/١. (٢) ((الصحاح)) ١٢٨٤/٣. (٣) ((أعلام الحديث)) ٢/ ٨٠٢. (٤) رواه أحمد ١٢٠/٣ و١٨٠ و٢٣١ و٢٣٩ من حديث أنس. وله عنه طرق عدة جمعها الألباني مصححًا للحديث في ((الصحيحة)) (٢٩١). (٥) يشير إلى قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْرّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]. ٤٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ((إن الشمس تدنو من رءوسهم يوم القيامة حتَّى يبلغ العرق نصف الأذن)) وفي رواية: ((يبلغ عرق الكافر)) فحذر ◌ّل﴾ من الإلحاف لغير حاجة في المسألة. وأما من سأل مضطرًا فقيرًا فمباح له المسألة، ويرجى له أن يؤجر عليها إذا لم يجد عنها بدًّا، ورضي بما قسم الله له، ولم يسخط قدره. وفي حديث سمرة مرفوعًا: ((المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، وما شاء ترك إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بدًّا))(١). قُلْتُ: ولا يحل للفقير أن يظهر من المسألة أكثر مما به. (١) رواه أبو داود (١٦٣٩) كتاب: الزكاة، باب: ما تجوز فيه المسألة، والترمذي (٦٨١) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في النهي عن المسألة، والنسائي ١٠٠/٥ كتاب: الزكاة، مسألة الرجل في أمر لابد له منه، وأحمد ١٠/٥، ١٩/٥، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٤٤٧)، وفي ((صحيح الجامع)) (٦٦٩٥)، و((صحيح الترغيب والترهيب)) ٤٨٦/١ (٧٩٢). ٤٩٩ = ڪِتَابُ الزَّكَاةِ ٥٣- باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: [البقرة: ٢٧٣] ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافَأْ وَكَمِ الغِنَى، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ◌َهِ: ((وَلَا يَجِدُ غِنَّى يُغْنِيهِ)). [لِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ] ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إِلَى قَوُلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. ١٤٧٦- حَذَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي ◌ُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((لَيْسَ المِسْكِينُ الذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَةُ وَالأُكْلَتَانِ، ولكن المِسْكِينُ الذِي لَيْسَ لَهُ غِنَّى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا)). [١٤٧٩، ٤٥٣٩- مسلم: ١٠٣٩ - فتح: ٣٤٠/٣] ١٤٧٧- حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابن عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الَذَّاءُ، عَنِ ابن أَشْوَعَ، عَنِ الشَّغْبِيِّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنِ أَكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعتَهُ مِنَ النَّبِيِّ وََّ. فَكَتَبَ إِلَيهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ)). [انظر: ٨٤٤ - مسلم: ٥٩٣ سيأتي بعد الحديث ١٧١٥ - فتح: ٣٤٠/٣] ١٤٧٨- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرِ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِهِ قَالَ: أَغْطَى رَسُولُ اللهِ وَلَِّ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ وَهِ مِنْهُمْ رَجُلًا لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَى، فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ فَسَارَزْتُهُ فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ والله إِّ لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. أَوْ قَالَ: مُسْلِمًا. قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ والله إِّ لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. أَوْ قَالَ: مُسْلِمًا. قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ والله إِّ لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. أَوْ قَالَ: مُسْلِمًا. يَغْنِي: فَقَالَ: ((إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ)). وَعَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ابْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ هذا، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ وَله بِيَدِهِ فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَالَ: ((أَقْبِلْ أَيْ سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ)). [انظر: ٢٧- مسلم: ١٥٠- فتح: ٣/ ٣٤٠] قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ﴿فَكُبْكِبُواْ﴾ [الشعراء: ٩٤] قُلِبُوا ﴿مُكًِّا﴾ [الملك: ٥٢] أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَىْ أَحَدٍ، فَإِذَا وَقَعَ الفِعْلُ قُلْتَ: كَبَّهُ اللهُ لِوَجْهِهِ، وَكَبَبْتُهُ أَنَا. ١٤٧٩- حَذَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِ الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، أَنَّ رَسُولَ اللهِ بِ ◌ّهِ قَالَ: ((لَيْسَ المِسْكِينُ الذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللَّقْمَةُ وَاللَّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، ولكن المِسْكِينُ الذِي لَا يَجِدُ غِنَّى يُغْنِيهِ، وَلَا يُقْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيُسْأَلُ النَّاسَ)). [انظر: ١٤٧٦ - مسلم: ١٠٣٩ - فتح: ٣٤١/٣] ١٤٨٠- حَدَّثَنَا عُمَرُ بنُ حَقْصٍ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَذَّثَنَا الأَغْمَشُ، حَذَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، ثُمَّ يَغْدُوَ - أَحْسِبُهُ قَالَ: إِلَى الجَبَلِ - فَيَحْتَطِبَ، فَيَبِيعَ فَيَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَكْبَرُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ قَدْ أَذْرَكَ ابن عُمَرَ. [انظر: ١٤٧٠ - مسلم: ١٠٤٢ - فتح: ٣٤١/٣] ذکر خمسة أحاديث: أحدها: حديث أبي هريرة ((لَيْسَ المِسْكِينُ الذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَةُ وَالأَكْلَتَانِ، ولكنِ المِسْكِينُ الذِي لَيْسَ لَهُ غِنَّى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًّ)). ثانيها: حديث ابن أشوع -وهو سعيد بن عمرو بن أشوع الهمداني الكوفي قاضيها مات في ولاية خالد بن عبد الله - عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً أَنِ أَكْتُبْ إِلَى بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ رسول الله بِّهِ. فَكَتَبَ إِلَيهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ