Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ كِتَابُ الزَّكَاةِ من غيرها، وفي الجملة: لا يجوز صرف الزكاة من سهم الفقراء من الرجل إلى ولده وهو يعلم، فإن كان معنى الخبر على ما روي: ((ما أنفقه المسلم فهو له صدقة حتَّى اللقمة ترفعها إلى فيك))(١) فهذا محتمل ويحتمل أن تكون النفقة على أبي الصغار دون أنفسهم، فإذا كان الأب لا مال له ينفق عليهم، كان للأم أن تتصدق عليه وعليهم، أو تعطيه لينفق هو على نفسه وعليهم، يدل على ذَلِكَ حديث أم سلمة من عند البخاري: أُنفق على بني أبي سلمة إنما هم بني(٢)؟ وفي ((معجم الطبراني)): أيجزئ أن أجعل صدقتي فيك وفي بني أخي أيتام؟ الحديث(٣)، وفي رواية: يا رسول الله، هل لي من أجر أن أتصدق على ولد عبد الله من غيري. وإسنادهما جيد(٤)، والبيهقي: كنت أعول عبد الله ويتامى في حجري(٥). وقال أبو طالب: سئل أبو عبد الله: أتعطي المرأة زوجها من الزكاة؟ قال: لا أحب أن تعطيه، قيل له: فامرأة ابن مسعود أليس أمرها النبي وَ لّ أن تعطيه؟! قال: ذاك صدقة ليس من الزكاة، ثم حسبته إن شاء (١) قال ابن رجب الحنبلي: هذا اللفظ غير معروف، إنما المعروف قول النبي وَلّل: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك)). اهـ ((جامع العلوم والحكم)) ٢/ ٦٥ بتصرف. قلت: حديث سعد هذا سلف برقم (٥٦) كتاب: الإيمان، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى، ورواه مسلم (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث- مطولًا. (٢) سيأتي برقم (١٤٦٧) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر. (٣) ((المعجم الكبير)) ٢٨٥/٢٤ (٧٢٥). (٤) ((المعجم الكبير)) ٢٨٦/٢٤ (٧٢٨). (٥) (السنن الكبرى)) ١٧٨/٤ كتاب: الزكاة، باب: الاختيار في الصدقة. ٤٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الله، قال: لم يروه إلا إبراهيم النخعي من الزكاة، وفي موضع آخر قال: وقد قال بعض الناس: فيه من الزكاة وما هو عندي بمحفوظ. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز لأحد دفع الزكاة إلى أبيه وجده وإن علا، ولا إلى ولده وولد ولده وإن سفل، ومن سواهم يجوز دفعها إليهم(١)، وهو أفضل، وأجمعوا أنه لا يعطي زوجته من الزكاة (٢)، ولا تدفع المرأة لزوجها عند أبي حنيفة ومالك(٣)، وقد أسلفنا قول أحمد. وقال الشافعي وأبو یوسف ومحمد وأشهب وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر وابن حزم: يجوز (٤)، محتجين بحديث زينب، وبما رواه الجوزجاني عن عطاء قال: أتت رسول الله وَل امرأة فقالت: يا رسول الله، إن علي نذرًا أن أتصدق بعشرين درهمًا، وإن لي زوجًا فقيرًا أفيجزئ عني أن أعطيه؟ قال: ((نعم لك كفلان من الأجر))، وحديث زينب في التطوع لقولها: وعندي حلي لي فأردت أن أتصدق به. ولا تجب الصدقة في الحلي عند بعض العلماء، ومن يجيزه لا يكون الحلي كله زكاة، إنما يجب جزء منه، وقال له: ((زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم)) والولد لا تدفع إليه الزكاة إجماعًا. انتهى كلامه. وقد أسلفنا كلام ابن التين عن مالك وأن الأم لا يلزمها نفقة الولد، أي: لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] (١) ((الإجماع)) لابن المنذر ص ٥٧. (٢) المصدر السابق ص٥٨. (٣) انظر: ((الأصل)) ١٤٨/٢، ((الهداية)) ١٢٢/١، ((عيون المجالس)) ٥٩٥/٢. (٤) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٨٠/١، (المنتقى)) ١٥٦/٢، (البيان)) ٣/ ٤٤٤، ((المحلى)) ١٥٢/٦. ٤٤٣ كِتَابُ الزَّكَاةِ وقد جاء أنهم أولاده من غيرها فنسبتهم إليها مجازًا؛ لأنهم في مؤنتها، واحتج من جوز ذَلِكَ بأنه داخل في جملة الفقراء الذين تحل لهم الصدقة، ولأن كل من لا يلزم الإنسان نفقته جائز أن يضع فيه الزكاة، والمرأة لا تلزمها النفقة على زوجها ولا على بنيه. الثالثة بعد العشرين: فيه اتخاذ البساتين والعقار، قال ابن عبد البر: وفيه رد؛ لما يروى عن ابن مسعود أنه قال: لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا. قال: ولا خلاف أن كسب العقار مباح إذا كان حلالًا، ولم يكن بسبب ذل ولا صغار، فإن ابن عمر كره كسب أرض الخراج ولم ير شراءها، وقال: لا تجعل في عنقك صغارًا(١). الرابعة بعد العشرين: إباحة أستعذاب الماء وتفضيل بعضه على بعض؛ لقوله: ويشرب من ماء فيها طيب. الخامسة بعد العشرين: فيه دلالة للمذهب الصحيح أنه يجوز أن يقال: إن الله جل جلاله يقول، كما يقال: إن الله تعالى قال، خلافًا لما قاله مطرف بن عبد الله بن الشخير إذ قال: لا يقال: الله تعالى يقول، إنما يقال: قال، أو: الله وَك قال، كأنه ينحو إلى استئناف القول، وقول الله تعالى قديم، وكأنه ذهل عن قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾(٢) [الأحزاب: ٤]. السادسة بعد العشرين: قوله: (ضعها حيث أراك الله). فيه: مشاورة أهل العلم والفضل في كيفية وجوه الطاعات وغيرها والإنفاق من المحبوب. (١) ((التمهيد)) ٢٠١/١. (٢) أنظر: ((المجموع)) ٢/ ١٩٧. ٤٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == السابعة بعد العشرين: قوله: ((وقد سمعت ما قُلْت)) بوب عليه البخاري في الوكالة باب: إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله، وقال الوكيل: قد سمعت(١)، قال المهلب: دل على قبوله، وَّلـ ما جعل إليه أبو طلحة، ثم رد الوضع فيها إلى أبي طلحة بعد مشورته عليه في من يضعها. وفيه: أن الوكالة لا تتم إلا بالقبول، وقد ذكر إسماعيل القاضي في ((مبسوطه)) عن القعنبي بسنده سواء. وفيه: أنه ◌َي قسمها في أقاربه وبني عمه، يعني: أقارب أبي طلحة لا خلاف في ذَلِكَ. قال أبو عمر: وهو المحفوظ عند العلماء، وأضاف القسم في ذَلِكَ إلى الشارع؛ لأنه الآمر به (٢). الثامنة بعد العشرين: قوله: (أفعل يا رسول الله) ضبطه ابن التين. في غير هذا الباب بضم اللام، قال: وهو فعل مستقبل مرفوع، ويحتمل كما قال النووي أن يكون: أفعل أنت ذاك فقد أمضيته على ما قُلْت فجعله أمرًا. واختلف الفقهاء إذا قال الرجل لآخر: خذ هذا المال فاجعله حيث أراك الله من وجوه الخير، قال مالك في ((المدونة)): لا يأخذ منه شيئًا، وإن كان فقيرًا. وقال آخرون: يأخذ منه كنصيب أحد الفقراء. وقال آخرون: جائز له أن يأخذه كله إذا كان فقيرًا. (١) سيأتي برقم (٢٣١٨). (٢) ((التمهيد)) ١٩٩/١. ٤٤٥ - كِتَابُ الزَّكَاةِ ٤٥- باب لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ ١٤٦٣- حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَهُ: ((لَيْسَ عَلَى المُسْلِم فِي فَرَسِهِ وَلا غُلَامِهِ صَدَقَةٌ)). [١٤٦٤ - مسلم: ٩٨٢ - فتح: ٣٢٦/٣] ذكر فيه حديث عراك بن مالك، عن أبي هريرة: قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّه : (لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَلا غُلَامِهِ صَدَقَةٌ)). ٤٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٤٦- باب لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ ١٤٦٤- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عُه، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا خُثَيْمُ بْنُ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ بَه قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ صَدَقَّةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ)). [انظر: ١٤٦٣ - مسلم: ٩٨٢- فتح: ٣٢٧/٣] ذكر فيه الحديث المذكور(١) من طريقين بلفظ: ((لَيْسَ عَلَى المُسْلِم صَدَقَّةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ)). هذا الحديث أخرجه من حديث خثيم بن عراك عن أبيه، عن أبي هريرة به، وليس له عنده سواه -أعني خثيم-، عن أبيه عنه، وأخرجه مسلم والأربعة بلفظ: ((ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة))(٢). وفي لفظ له -وهو من أفراده -: ((ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر))(٣) ولأبي داود: ((إلَّا زكاة الفطر في الرقيق)) (٤). ولابن وهب: ((لا صدقة على الرجل في خيله ولا في رقيقه))(٥). ولابن أبي شيبة: ((ولا وليدته))(٦). (١) بعدها في الأصل: (الشافعي مرفوعًا) وكتب فوقها: لا ... إلى . (٢) ((صحيح مسلم)) (٩٨٢) كتاب: الزكاة، باب: لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه. (٣) (صحيح مسلم)) (٩٨٢) كتاب: الزكاة، باب: لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه. (٤) ((سنن أبي داود)) (١٥٩٤) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الرقيق. (٥) ((موطأ ابن وهب)» ص٧٢ (١٨٩). (٦) ((المصنف)) ٣٨٠/٢ (١٠١٣٩) كتاب: الزكاة، ما قالوا في زكاة الخيل. ٤٤٧ - ڪِتَابُ الزَّكَاةِ وهو مُقتضٍ لنفي كل صدقة من هذا الجنس إلا ما دل الدليل عليه، وذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه لا زكاة في الخيل (١). ورُوي ذلك عن علي، وابن عمر، وهو قول النخعي، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والشعبي -فيما ذكره ابن أبي شيبة -(٢) وعطاء، والحسن البصري، والحكم، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبي يوسف، ومحمد، وأبي ثور (٣). وخالف الجماعةَ أبو حنيفة، وزفر فقالا: في کل فرس دينار إذا كانت ذكورًا وإناثًا سائمة، وإن شاء قوَّمها وأعطى عن كل مائتي درهم خمسة (٤) دراهم (٤). دليل الجماعة هذا الحديث، وقد أخرجه مالك في ((الموطأ))، والستة كما تقدم (٥). وكذا خالف في العبد كما قال الداودي: خالف الكوفي سائر العلماء في الفرس والعبد وقال: فيهما الصدقة، وغيره قال: لا خلاف أنه ليس في رقاب العبيد زكاة. (١) انظر: ((المعونة)) ٢٤٤/١، ((الأم)) ٢٢/٢، ((المغني)) ٦٦/٤. (٢) ((المصنف)) ٣٨١/٢ (١٠١٤٥-١٠١٤٨، ١٠١٥٠) كتاب: الزكاة، ما قالوا في زكاة الخيل. (٣) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٢١/١، ((المجموع)) ٣١١/٥. (٤) انظر: ((تحفة الفقهاء)) ٢٩٠/١-٢٩١، ((البناية)) ٣٩٦/٣. (٥) («الموطأ)) ٢٨٧/١ (٧٣٤) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الرقيق والعسل والخيل، وسلف برقم (١٤٦٣)، ورواه مسلم (٩٨٢)، وأبو داود (١٥٩٥) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الرقيق، والترمذي (٦٢٨) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في الخيل والرقيق صدقة، والنسائي ٣٦/٥ كتاب الزكاة، باب: زكاة الرقيق، وابن ماجة (١٨١٢) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الخيل والرقيق. ٤٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح =-= قال أبو عبد الملك: هذا الحديث أصل في المقتنيات كلها أنه لا صدقة فيها. وأصل الحلي إذا أقتني لا زكاة فيه، واحتج به داود على أن العروض لا زكاة فيها وإن أريد بها التجارة، وكذلك استثنى في رواية زكاة الفطر؛ لما كانت واجبة، وفي ((الأسرار)) للدبوسي: لما سمع زيد ابن ثابت حديث أبي هريرة هذا قال: صدق رسول الله وَالقاتل ، ولكنه أراد فرس الغازي، وأما ما طلب نسْلها ورِسْلها، ففيها الزكاة في كل فرس دينار، أو عشرة دراهم. قال أبو زيد: ومثل هذا لا نعرفه قياسًا، فثبت أنه مرفوع. قُلْتُ حتَّى يثبت الأصل. وقال ابن عبد البر في حديث أبي هريرة: رواه حبيب كاتب مالك، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فأخطأ، وكان كثير الخطأ، وأخطأ فيه أيضًا يحيى بن يحيى -يعني: الأندلسي- فأسقط سليمان بين ابن دينار وعراك. وأما حديث مالك(١) عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار أن عمر وأبا عبيدة أبيا عن ذَلِكَ، ففيه دلالة واضحة على المنع، وهذا يعارض ما روي عن عمر في زكاة الخيل، قال: ولا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار أوجبها في الخيل إلا أبا حنيفة. وحجته ما رواه عبد الرزاق عن عمر (٢)، وحديث مالك يرده ويعارضه فتسقط الحجة(٣). قُلْتُ: وفي (مستدرك الحاكم) ما أخرجه أحمد أن عمر جاءه ناس (١) ورد في هامش الأصل ما نصه: منقطع. (٢) ((المصنف)) ٣٥/٤-٣٦ (٦٨٨٧-٦٨٨٩) كتاب: الزكاة، باب: الخيل. (٣) («الاستذكار)) ٢٨٠/٩-٢٨١. ٤٤٩ كِتَابُ الزَّكَاةِ من أهل الشام فقالوا: إنا أصبنا أموالًا وخيلًا ورقيقًا نحب أن يكون لنا فيها زكاة، فاستشار أصحاب محمد ◌َّ فقالوا: حسن وفيهم علي. فقال: هو حسن إن لم يكن جزية راتبة يؤخذون بها فعدل. ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد إلا أن الشيخين لم يخرجا عن حارثة بن مضرب -يعني: أحد رواته- وإنما ذكرته في هذا الموضع للمحدثات الراتبة التي فرضت في زماننا على المسلمين(١). وأما ما رواه البغوي في ((معجمه)) عن مرثد بن ربيعة (اليزني)(٢) قال: سألت رسول الله وسلم عن الخيل فيها شيء؟ قال: ((لا، إلا ما كان منها للتجارة) (٣) فآفته الشاذكوني (٤). وأما حديث أبي يوسف، عن غورك ابن الحصرم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر مرفوعًا: ((في الخيل السائمة في كل فرس دينار)»(6) قال الدارقطني: تفرد به غُورك، (١) ((المستدرك)) ٤٠٠/١-٤٠١ كتاب: الزكاة، («المسند» ١٤/١. (٢) كذا بالأصل، وفي مصادر الترجمة: العبدي. (٣) ((معجم الصحابة)) ٤٣٤/٥. (٤) وقال البغوي: وما بلغني هذا الحديث إلا من هذا الوجه الذي رواه سليمان بن داود الشاذكوني، وقد رماه الأئمة بالكذب. (٥) روه الطبراني في «الأوسط)) ٣٣٨/٧ (٧٦٦٥)، الدارقطني في ((سننه)) ١٢٥/٢ - ١٢٦ كتاب: الزكاة، باب: زكاة مال التجارة وسقوطها عن الخيل والرقيق، والبيهقي في ((سننه)) ١١٩/٤ كتاب: الزكاة، باب: من رأى في الخيل صدقة، وفي ((معرفة السنن والآثار)) ٩٥/٦ (٨١١٩) كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة في الخيل، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٧/ ٣٩٧-٣٩٨، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) ٥/٢ (٨١٩) وقال: هذا حديث لا يصح، وغورك ليس بشيء، وقال الدار قطني: هو ضعيف جدًا. وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» ٦٩/٣ وعزاه للطبراني وقال: فيه: الليث بن حماد وغورك، وكلاهما ضعيف، وقال ابن حجر في ((تلخيص الحبير)) إسناده ضعيف جدًا، وانظر: ((الضعيفة)) ١٨/٩ (٤٠١٤). ٤٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وهو ضعيف جدًّا(١). قال البيهقي: ولو كان صحيحًا عند أبي يوسف لم يخالفه(٢). وقد قال بقول أبي حنيفة زفر، وقبلهما حماد بن أبي سليمان، وفي ((الروضة))، وإبراهيم النخعي. وحديث علي مرفوعًا: ((عفوت عن صدقة الخيل والرقيق)) صححه البخاري من طريقيه فيما سأله الترمذي(٣). وحديث عمرو بن حزم(٤)، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: ((ليس في عبد مسلم ولا في فرسه شيء))(٥) دالَّان للجماعة. واحتج لأبي حنيفة أيضًا بحديث أبي هريرة: ((الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما التي هي له ستر يتخذها تكرمًا وتجملًا، ولم ينس حق الله في ظهورها وبطونها وعسرها ويسرها))(٦). وقد أنصف الطحاوي فقال: كل ما سلف أن ما أخذ عمر منهم لم يكن زكاة، ألم تر أن اللذين كانا قبل -يعني: رسول الله والصديق - لم يأخذا منها صدقة ولم ينكر على عمر ما قال من ذَلِكَ أحدٌ من الصحابة، (١) (سنن الدارقطني)) ١٢٦/٢. (٢) ((سنن البيهقي)) ١١٩/٤. (٣) ((سن الترمذي)) (٦٢٠) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في زكاة الذهب والورق، وقد تقدم تخريجه والكلام عليه. (٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: صوابه: أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. (٥) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٣٩٥/١-٣٩٧ كتاب: الزكاة، والبيهقي في ((سننه)) ٨٩/٤ كتاب: الزكاة، باب: كيف فرض الصدقة، و١١٨/٤ كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة في الخيل، وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٢٣٣٣). (٦) سيأتي برقم (٢٨٦٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: الخيل لثلاثة، ورواه مسلم (٩٨٧) كتاب: الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة. ٤٥١ كِتَابُ الزَّكَاةِ وذكر قول عمر السالف أنه إنما أخذ ذَلِكَ بسؤالهم إياه، وأن لهم منع ذَلِكَ متى أحبوا، ثم سلك عمر بالعبيد في ذَلِكَ مسلك الخيل، ولم يدل ذَلِكَ أن العبيد الذين لغير التجارة تجب فيهم الصدقة، وإنما كان ذَلِكَ على التبرع من مواليهم لإعطاء ذَلِكَ(١). والأمة مجمعة على أنه لا زكاة في العبيد غير زكاة الفطر إذا كانوا للقنية، فإن كانوا للتجارة فالزكاة في أثمانهم، ويلزم تقويمهم كالعروض. وأما حديث أبي هريرة: ((ولم ينس حق الله))(٢) فإنه يجوز أن يكون ذَلِكَ الحق حقًّا سوى الزكاة، فإنه روي ذَلِكَ عن رسول الله وَّهِ: ((في المال حق سوى الزكاة)»(٣) لكنه ضعيف كما تقدم، وأيضًا الحديث في الخيل المرتبطة لا السائمة. وأيضًا حديث جابر مرفوعًا: ((إن حق الإبل إطراق فحلها، وإعارة دلوها ومنحة سمينها))(٤) فيحتمل أن يكون كذلك في الخيل، ومن جهة النظر أن من أوجبها لا يوجبونها حتَّى تكون ذكورًا وإناثًا، ويلتمس صاحبها نسلها، ولا يجب في ذكورها خاصة، ولا في إناثها خاصة. وكانت الزكاوات المتفق عليها في المواشي تجب في الإبل، والبقر، والغنم ذكورًا كانت كلها أو إناثًا، فلما استوى حكم الذكور خاصة في ذَلِكَ، وحكم الإناث خاصة، وحكم المجموع، وكانت الذكور من الخيل خاصة، والإناث منها خاصة لا تجب فيها زكاة. (١) ((شرح معاني الآثار)) ٢٨/٢. (٢) سبق تخريجه. (٣) سبق تخريجه. (٤) رواه مسلم (٩٨٨) كتاب: الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة. ٤٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال الطحاوي والطبري: والنظر أن الخيل في معنى البغال والحمير التي قد أجمع الجميع أن لا صدقة فيها، ورد المختلف في ذَلِكَ إلى المتفق عليه إذا أتفق في المعنى أولى(١). فرع : في الحديث جواز قول: غلام فلان. وجواز قول: عبد فلان. وفي البخاري: نهى رسول الله وسلم أن يقول الرجل عبدي وأمتي، وليقل: (٢)(٣) فتاي وفتاتي (٢)(٣). (١) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ٢٩/٢ -٣٠. (٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: آخر ٧ من ٨ من تجزئة المصنف. (٣) سيأتي برقم (٢٥٥٢) كتاب: العتق، باب: كراهية التطاول على الرقيق. ٤٥٣ كِتَابُ الزَّكَاةِ = ٤٧- باب الصَّدَقَةِ عَلَى الْيَتَامَى ١٤٦٥- حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُذْرِيَّ ه يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َه جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى اِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: ((إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُقْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا)). فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَ يَأْتِي الَخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ وَّةَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْتُكَ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ وَّهِ وَلَا يُكَلِّمُكَ؟ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ، فَقَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ؟)) وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ. فَقَالَ: (إِنَّهُ لَا يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ، إِلَّا آكِلَةَ الخَضْرَاءِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا أَمْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اُسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَلَطَتْ وَبَالَتْ وَرَتَعَتْ، وَإِنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ - أَوْكَمَا قَالَ النَّبِيُّ ◌َةَ- وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ)). [انظر: ٩٢١- مسلم: ١٠٥٢- فتح: ٣٢٧/٣]. ذكر فيه حديث أَبَي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ أَنَّه العَيْ جَلَسَ ذَاتَ يَوْم عَلَى المِنْبَرِ .. وذكر الحديث: ((وَإِنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ - أَوْ كَمَا قَالَ النَِّيُّ وََّ- وَ إِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». الشرح : هذا الحديث ذكره البخاري في موضع آخر بلفظ: «أخوفُ ما أخافُ عليكم ما يخرج الله لكم من زهرةٍ الدنيا)) قالوا: وما زهرةُ الدنيا يا رسول ٤٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == الله؟ قال: ((بركاتُ الأرض)) وفي آخره: ((فمَنْ أَخَذَهُ بحقِهِ ودفعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه .. )) الحديث(١). وفي لفظ: ((أين السائل آنفًا؟ أو خير هو - ثلاثًا - إن الخير لا يأتي إلا بالخير))(٢). إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من وجهين : أولهما: في ألفاظه: ((زَهْرَةِ الدُّنْيَا)»: يقال لحسن الدنيا وبهجتها الزهرة والزهراء مأخوذ من زهرة الأشجار، وهو ما يصفر من نوارها، قاله في ((الموعب))، والنور: قال ابن الأعرابي: هو الأبيض منها. وقال أبو حنيفة: الزهر والنور سواء. وفي ((مجمع الغرائب)): هو ما يزهر منها من أنواع المتاع والعين، والثياب، والزرع، وغيرها مما يغتر الخلق بحسنها مع قلة بقائها. وفي ((المحكم)): زَهْرَة الدنيا وزَهَرَتُها(٣). و(الرُّحَضَاءَ): العرق الشديد، قال ابن بطال: عرق الحمى، وقد رحض ورحضت الثوب: غسلته(٤). ورحض الرجل إذا أصابه ذَلِكَ فهو رحيض ومرحوض. وعبارة الخطابي: الرحضاء: عرق يرحض الجلد لكثرته(٥). وقوله: ( ((أَوَيَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟)) ) هو بهمزة الاستفهام، وواو العطف -الواقعة بعدها- المفتوحة على الرواية الصحيحة، مُنكرًا على (١) هذا اللفظ عند مسلم (١٠٥٢) كتاب: الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا -أما لفظ البخاري: ((إن أكثر ما أخاف عليكم .. )) الحديث سيأتي برقم (٦٤٢٧) كتاب: الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها. (٢) سيأتي برقم (٢٨٤٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل النفقة في سبيل الله. (٣) ((المحكم)) ٤/ ١٦٤. (٤) (شرح ابن بطال)) ٤٨٨/٣. (٥) ((أعلام الحديث)) ٧٩٣/٢. ٤٥٥ كِتَابُ الزِّكَاةِ = من توهم أنه لا يحصل منه شر أصلًا لا بالذات ولا بالعرض، نعم قد يعرض له ما يجعله شرًا إذا أسرف فيه ومنع من حقه. وقوله: ( ((وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ)) ) قال القزاز: هذا حديث جرى فيه البخاري على عادته في الاختصار والحذف؛ لأن قوله: فرأينا يُنْزَل علیه، يريد: الوحي. وقوله: ( ((وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ)) ) حذف (ما) قبل يقتل وحذف حبطا، والحديث: ((إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم)) فحذف حبطا، وحذف (ما). قال القزاز: وقد رويناه بها. قال ابن دريد في ((وشاحه)): هذا من الكلام الفرد الموجز الذي لم يسبق إليه، وهو أكثر من سبعين لفظة، ذكرها مفصلة، وروايته فيه (لما) بلام وما. وقوله: ( ((إِلَّا آكِلَةَ الخَضْرَ)) ) يعني: التي تخرج مما جمعت منه ورعت، وما ينفعها إخراجه مما لو أمسكه؛ لضره إثمه كما يضر التي رعت لو أمسكت البول والغائط ولم تخرجه. ويبين هذا المعنى قوله الَّة في المال: ((فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين وابن السبيل)) وفي هذا تفضيل المال. وقال الخطابي: الخضر ليس من أحرار البقول التي تستكثر منه الماشية فتنهكه أكلًا، ولكنه من الجنْبَة التي ترعاها بعد هيج العشب ويبسه، وأكثر ما رأيت العرب تقول: الخضر لما أخضر من الكلأ الذي لم يصفر، والماشية من الإبل ترتع منه شيئًا فشيئًا فلا تستكثر منه فلا تحبط بطونها عليه. وقد ذكره طرفة وبين أنه نبت في الصيف فقال : ٤٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح إذا أنبتا الصيف عساليج الخضر. والخضر من كلأ الصيف وليس من أحرار بقول الربيع، والنعم لا تستوكله ولا تحبط بطونها عليه(١). وقال أبو عبد الملك: يريد لو استوفت نبت الربيع ربما قتلها، وهو خير، وكذلك المال إذا منع منه فإنه يهلكه وهو خير أيضًا. وقال غيره: أراد بآكلة الخضر المقتصد على قدر الكفاية من الدنيا، فضربه العليقة مثلًا لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو ناج من وبالها كما نجت آكلة الخضر، ألا تراه قال: ((أكلت حتَّى أمتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس؛ فثلطت وبالت)) أراد أنها شبعت منه بركت مستقبلة الشمس؛ تستمرئ بذلك ما أكلت وتجتر وتثلط، فإذا ثلطته فقد زال عنها الحبط وهو انتفاخ البطن من داعٍ يصيب الآكل، وإنما يحبط الماشية؛ لأنها لا تثلط، ولا تبول، ومنه قوله تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ [المائدة: ٥٣] أي: بطلت. ووقع في رواية العذري: ((إِلَّا آكِلَةَ الخَضْرَة)» على الإفراد، وعند الطبري: ((الخُضْرة) ((وثلطت)) بفتح اللام، وبه صرح الجوهري وغيره(٢)، قال ابن التين: وهو ما سمعناه. وضبطه بعضهم بكسرها. قال الجوهري: ثلط البعير إذا ألقى بعره رقيقًا وكذا قال ابن فارس (٣) وصاحب ((المحكم)) حيث قال: ثلط الثور والبعير والصبي يثلط ثلًا سلح سلحًا (٤) رقيقًا. وفي ((مجمع الغرائب)) خرج رجيعها -يعني: آكلة الخضر - عفوًا من غير مشقة؛ لاسترخاءٍ ذات بطنها فيبقى (١) ((أعلام الحديث)) ٧٩٣/٢. (٣) ((مجمل اللغة)) ١٦٢/١. (٢) («الصحاح)) ١١١٨/٣. (٤) ((المحكم)) ٩/ ١٢٠. ٤٥٧ = كِتَابُ الزَّكَاةِ نفعها وتخرج فضولها ولا تتأذى. وفي ((المغيث)): وأكثر ما يقال للبعير والفيل(١). و((الربيع)): جزء من أجزاء السنة، فمن العرب من يجعله الفصل الذي يدرك فيه الثمار، وهو الخريف، ومنهم من يسمي الفصل الذي تدرك فيه الثمار وهو الخريف الربيع الأول، ويسمي الفصل الذي يتلو الشتاء، وتأتي فيه الكمأة والنور: الربيع الثاني، وكلهم مجمعون على أن الخريف هو الربيع. قال أبو حنيفة في كتاب ((الأنواء)): يسمى قسما الشتاء ربيعين: الأول منهما: ربيع الماء والأمطار، والثاني: ربيع النبات؛ لأن فيه ينتهي النبات منتهاه. قال: والشتاء كله ربيع عند العرب من أجل الندى، قال: والمطر عندهم ربيع متى جاء، والجمع: أربعة ورباع، وربما سمي الكلأ والعشب ربيعًا، والربيع أيضًا: المطر الذي يكون بعد الوسمي، والربيع: ما تعتلفه الدواب من الخضر، والجمع من كل ذَلِكَ: أربعة. وقوله: ( ((أو يلم)) ) أي: يقرب من الهلاك، يقال: ألم الشيء: قرب. (ورتعت)) رعت، أرتع إبله: رعاها في الربيع، أرتع وارتبع الفرس وتربع: أكل الربيع. وقال الداودي: رتعت افتعل من الرعي، وليس كذلك. ورتعت عند أهل اللغة: أتسعت في المرعى، وإنما استقبلت عين الشمس؛ لأنه الحين الذي تشتهى فيه الشمس، فإذا ألقته مجتمعًا ليس ببعر اشتهت المرعى فرتعت، فجعل هذا مثلًا لمن يأخذ البعر، ووجه المثل من الحديث أن يقول: نبات الربيع خير، (١) «المجموع المغيث)) ٢٧١/١. ٤٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ولكن ربما قتل بهذا الداء -يعني: الحبط- أو قارب القتل. قال الأزهري: هذا الحديث فيه مثلان: أحدهما: للمفرط في جمع الدنيا ومنعها من حقها، فهي آكلة الربيع؛ لأنه ينبت أحرار البقول، والعشب فتستكثر منه الماشية؛ فيشق أمعاءها. والثاني: ضربه مثلًا للمقتصد، وهو قوله: ((إلا آكلة الخضر)). وقد سلف. وقوله: ( ((وإن هذا المال خضرة حلوة) ) يريد أن صورة الدنيا ومتاعها حسنة مؤنقة، والعرب تسمي الشيء الحسن المشرق الناضر خضرًا؛ تشبيهًا له بالنبات الأخضر الغض. ويقال: سمي الخضر خضرًا لحسن وجهه وإشراقه، قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ [الأنعام: ٩٩] ومنه قولهم: أختضر الرجل إذا مات شابًا؛ لأنه يؤخذ في وقت الحسن والإشراق. يقول: إن المال يعجب الناظرين إليه، ويحلو في أعينهم فيدعوهم حسنه إلى الاستكثار منه، فإذا فعلوا ذَلِكَ تضرروا به كالماشية إذا استكثرت من المرعى ثلطت أي: سلحت سلحًا رقيقًا. وقال ابن الأنباري: قوله: ((خضرة)): حلوة لم يأت على الصفة، وإنما أتى على التمثيل والتشبيه كأنه قال: إن هذا المال كالبقلة الخضرة الحلوة، ويقول: إن هذا السجود حسنة، والسجود مذكر، فكأنه قال: السجود فعلة حسنة. وقوله: ( ((نعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل))) يقول: إن من أُعطي مالًا وسلط على هلكته في الحق، فأعطى ٤٥٩ كِتَابُ الزَّكَاةِ من فضله المسكين وغيره، فهذا المال المرغوب فيه. وقوله: ((وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع)) يعني: إنه كلما نال منه شيئًا ازدادت رغبته، واستقل ما في يده، ونظر إلى من فوقه فنافسه. وقوله: ((ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة)) يجوز أن يكون على ظاهره، وأنه يجاء بماله يوم القيامة فينطق الصامت بما فعل فيه، أو يمثل له بمثال حيوان كما سلف، أو يشهد عليه الموكلون بكتب السبب والإنفاق. الوجه الثاني: في فوائده: الأولى: جلوس الإمام على المنبر عند الموعظة وجلوس الناس حوله. الثانية: خوف المنافسة؛ لقوله: ((إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا)». الثالثة: استفهامهم بضرب المثل، وقول الرجل: أو يأتي الخير بالشر؟ يريد المال، وقد سمى الله تعالى المال خيرًا في قوله: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وضربه وَّل مثلًا. الرابعة: سكوت العالم عند السؤال وتأخر جوابه طلبًا لليقين، فقد سكت الَيْ عند ذَلِكَ. الخامسة: اللوم عند خوف كراهة المسألة والاعتراض، إذا لم يكن موضعه بينًا ينكر على المعترض به، ألا تراهم أنكروا على السائل. وقالوا: إن من سأل العالم وبَاحَثَه عما ينتفع به ويفيد، حكمه أنه محمود مَنْ فَعَله. ٤٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = السادسة: معرفتهم حالة نزول الوحي عليه القيّه؛ لقوله: (فرأينا أنه ینزل عليه). السابعة: مسح الرحضاء؛ لشدة الوحي عليه، وهو شدة العرق الذي أدركه عند نزوله عليه. الثامنة: دعاء السائل؛ لقوله: ((أين السائل؟» سأل عنه؛ ليجيبه. التاسعة: ظهور البشرى؛ لقوله: (وكأنه حمده) أي: لما رأوا فيه من البشرى؛ لأنه كان إذا سرَّ برقت أسارير وجهه. العاشرة: احتج به قوم على تفضيل الفقر على الغنى، وليس كما تأولوه؛ لأنه العليها لم يخش عليهم ما يفتح عليهم من زهرة الدنيا إلا إذا ضيعوا ما أمرهم الله تعالى به في إنفاقه في حقه إذا كسبوه من غیر وجهه. الحادية عشرة: ضرب الأمثال بالأشياء التافهة. الثانية عشرة: جواز عرض التلميذ على العالم الأشياء المجملة؛ لیبینھا. الثالثة عشرة: الحض على إعطاء هذِه الأصناف: المسكين، واليتيم، وابن السبيل، وقد ورد في الحديث أن الصدقة على اليتيم تذهب قساوة القلب، وسيأتي في الأدب -إن شاء الله تعالى- في فضل من يعول يتيمًا(١). الرابعة عشرة: أن المكتسب للمال من غير حله غير مبارك فيه؛ لقوله ((كالذي يأكل ولا يشبع))؛ لأن الله تعالى قد رفع عنه البركة، وأبقى في قلوب آكليه ومكتسبيه الفاقة، وقلة القناعة، ويشهد لهذا (١) سيأتي برقم (٦٠٠٥).