Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ كِتَابُ الزَّكَاةِ اليمن أمره ألا يأخذ من الكسور شيئًا، إذا بلغ الورق مائتي درهم أخذ منه خمسة دراهم. ولا يأخذ ما زاد حَتَّى يبلغ أربعين (١). قَالَ الطبري: عليهم من طريق النظر القياس على أوقاص البقر، وما بين الفريضتين في الإبل والغنم أنه لا شيء في ذلك. فالواجب أن يكون كذلك كل ما وجبت فيه الصدقة [أن لا] (٢) يكون بين الفريضتين غير الفرض الأول، وأجاب الأولون عن حديث معاذ بأنه منقطع، عبادة لم يسمع منه(٣). ورواه أبو العطاف، وهو متروكُ الحديثِ (٤). وعليهم من طريق النظر القياس على الحبوب والثمار، وأن الذهبَ والفضة مغيبان مستخرجان من الأرض بكلفة ومؤنة، ولا خلاف بين الجميع أن ما زاد على خمسة أوسق من الحبِّ، وما توصل إليه بمثل ذلك من التمر والزبيب فيه الصدقة بحساب ذلك، فالواجب قياسًا أن يكون مثله كلَّ مَا وجبت فيه مما استخرج من الأرض بكلفة ومؤنة، وهذا القول هو الصواب، وما لا مشقة في أوقاصه يخرج بخلاف غيره كالماشية، وقياسهم فاسد فيما يروى عن أبي حنيفة في خمسين من البقر مسنة وربع. (١) رواه الدار قطني ٢/ ٩٣ - ٩٤ في الزكاة، باب في الكسر شيء، والبيهقي ١٣٥/٤ - ١٣٦ في الزكاة، باب ذكر الخبر الذي روي في وقص الورق. (٢) في (م): إلا أن. (٣) تعليق بهامش الأصل بخط سبط: توفي معاذ سنة ١٨، أو سنة ١٧ من الهجرة. (٤) قلت: الحديث ضعفه الدارقطني، وقال البيهقي والحافظ في ((الدراية)) ١/ ٢٥٧: إسناده ضعيف جدًا. ٣٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٣٣- باب العَرْضِ في الزَّكَاةِ وَقَالَ طَاؤُسٌ: قَالَ مُعَاذٌ لأَهْلِ الْيَمَنِ: أَنْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذَّرَةِ، أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لَأَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهَ بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ النَّبِيُّ وَه: ((وَأَمَّا خَالِدٌ قد أَحْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ)). وَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ خُلِيِّكُنَّ). فَلَمْ يَسْتَثْنِ صَدَقَةَ الفَرْضِ مِنْ غَيْرِهَا، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا، وَلَمْ يَخُصَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مِنَ العُرُوضِ. ١٤٤٨- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ◌َُّامَةُ، أَنَّ أَنَّسا حَدَّثَّهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ عَّهَ كَتَبَ لَهُ التِي أَمَرَ اللهَ رَسُولَهُ وَ: ((وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَّمَّا أَوْ شَاتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وَعِنْدَهُ ابن لَبُونٍ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ)). [ ١٤٥٠، ١٤٥١، ١٤٥٣، ١٤٥٤، ١٤٥٥، ٢٤٨٧، ٥٨٧٨، ٦٩٥٥ - فتح: ٣١٢/٣] ١٤٤٩- حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، حَذَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ قَالَ: قَالَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ بَّهِ لَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، فَرَأَىْ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ وَمَعَهُ بِلَالٌ نَاشِرَ ثَوْبِهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَزْأَةُ تُلْقِي، وَأَشَارَ أَيُّوبُ إِلَى أُذُنِهِ وَإِلَى خَلْقِهِ. [انظر: ٩٨- مسلم: ٨٨٤ - فتح: ٣١٢/٣] حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ التِي أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ وَلِّ: (وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُوٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيُعْطِيِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمَا أَوْ شَاتَيْنِ .. )) الحديث. ٣٦٣ كِتَابُ الرِّكَاةِ = وساق عن ابن عَبَّاسِ: أَشْهَدُ أن رَسُولَ اللهِ وَّهِ لَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، فَرَأىْ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ وَمَعَهُ بِلَالٌ نَاشِرَ ثَوْبِهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي، وَأَشَارَ أَيُّوبُ إِلَى أُذُنِهِ وَإِلَى حَلْقِهِ. الشرح : أما أثر معاذ فأخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس قال معاذ: أنتوني بخميص ... الحديث. وحَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن إبراهيم، عن طاوس أن معاذًا كان يأخذ العروض في الصدقة(١). وهذا مرسلٌ؛ طاوس لم يدرك معاذًا كما نص عليه الدارقطني وغيره(٢). وقال البيهقي: کذا قال إبراهيم بن ميسرة، وخالفه عمرو بن دينار، عن طاوس: فقال معاذ باليمن: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير، قال: وقال الإسماعيلي: حديث طاوس عن معاذ إذا كان مرسلًا لا حجة، وقد قال بعضهم فيه: من الجزية، بدل: الصدقة. قال البيهقي: وهذا الأليق بمعاذ، والأشبه بما أمره النبي ◌ُّل به من أخذ الجنس في الصدقات وأخذ الدينار وعدله معافر ثياب اليمن في الجزية، وأن ترد الصدقات على فقرائهم [لا](٣) أن ينقلها إلى المهاجرين بالمدينة الذين أكثرهم أهل فَيء لا أهل صدقة(٤). (١) ((المصنف)) ٤٠٤/٢ (١٠٤٣٩- ١٠٤٤٠) كتاب: الزكاة، ما قالوا في أخذ العروض في الصدقة. (٢) ((سنن الدار قطني)) ١٠٠/٢ كتاب: الزكاة، باب: ليس في الخضروات صدقة. (٣) في الأصل: إلا، وما أثبتناه من ((السنن الكبرى)) ١١٣/٤. (٤) ((السنن الكبرى)) ١١٣/٤ كتاب: الزكاة، باب: من أجاز أخذ القيم في الزكوات. ٣٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -= قال الإسماعيلي: حديث طاوس لو كان صحيحًا لوجب ذكره؛ لينتهى إليه، وإن كان مرسلًا فلا حجة فيه، وقد يقول: ائتوني به آخذه مكان الشعير والذرة الذي أخذه شراء بما أخذه، فيكون بأخذه قد بلغت محله، ثم يأخذه مكان ما يشتريه مما هو أوسع عندهم وأنفع للآخذ، ولو كانت هذِه من الزكاة لم تكن مردودة على أصحاب النبي بالمدينة دون غيرهم، ولو كان الوجه رده عليهم، وقد قال له وَاليه : ((تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)) (١). وقوله: (خميص) كذا هو بالصاد، قال صاحب (المطالع)): كذا ذكره البخاري، وأبو عبيد وغيره يقولونه بالسين، ويقال له أيضًا: خموس، وهو الثوب الذي طوله خمسة أذرع، كأنه يعني الصغير من الثياب، وقال أبو عمرو الشيباني: أول من عملها باليمن ملك يقال له: الخميس (٢)، وقد يكون بالصاد من الخميصة، ولا وجه له، وإن صحت الرواية بالصاد فيكون مذكر الخميصة، فاستعارها في الثوب، وذكره ابن التين أولًا بالسين، ثم قال: ووقع في بعض الأمهات بالصاد، ولا وجه له إلا أن يكون أراد خميصة. وقال ابن بطال: وقع هنا بالصاد، والصواب بالسين، كذا فسره أبو عبيد وأهل اللغة، قال صاحب (العين)): (الخميسي والمخموس)(٣) ثوب طوله خمس أذرع، وذكره أبو عبيد عن الأصمعي (٤) . وقال صاحب ((المغيث)): الخميس: الثوب المخموس الذي طوله (١) سلف برقم (١٣٩٥) باب: وجوب الزكاة. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: لعل صوابه الخمس. (٣) في الأصل: الخميس والخموس. والمثبت من ((العين)) ٤/ ٢٠٥. (٤) ((شرح ابن بطال)) ٣/ ٤٥٠. ٣٦٥ كِتَابُ الرِّكَاةِ خمس(١)، قال ابن فارس وغيره: وكأن معاذًا أراد أنه بمعنى الصغير من الثياب(٢)، وقال في ((مجمع الغرائب)): أول من عمله ملك يقال له: الخمس، قال الطبري: وقولهم: مخموس فيه ما يدل أنه مما جاء مجيء ما يصرف من الأشياء التي أصلها مفعول إلى فعيل مثل: جريح وقتيل، أصله: مجروح ومقتول. وقوله: (أو لبيس) يريد: أو ملبوس، كما قال ابن التين: مثل: قتيل ومقتول، ولو كان أراد الأسم لقال: لبوس؛ لأن اللبوس: كل ما يلبس من ثیاب ودرع. وحديث: ( ((وأما خالد))) فقد وصله وسيأتي عن قريب(٣)، قال الإسماعيلي: إذا احتبسها: جعلها حبسًا، وإذا جعلها حبسًا وأعيانها لا زكاة فيه سقطت الزكاة عنها فهذا لا يتصل بأخذ العرض في فرض الزكاة. قُلْتُ: كأن البخاري ترجم لزكاة العرض وأخذ الفرض، فذكر دليل الأول مرة والآخر أخرى. وقوله: (وأعتده)(٤) هو بالتاء وبالباء كما ستعلمه في موضعه والأول أصح. وحديث: ((تصدقن)) سلف في العيد وغيره مسندًا(٥). وقال الإسماعيلي: هُذا حث على الصدقة، ولو (لمن نفس مال)(٦)، وليس في ذَلِكَ فرض، (١) ((المجموع المغيث)) ٦١٨/١. (٢) ((مجمل اللغة)) ٣٠٢/١ - ٣٠٣. (٣) سيأتي برقم (١٤٦٨) باب: قول الله تعالى: ﴿وفي الرقاب .. ﴾. (٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: الكافة رووا: وأعْبُده. بالباء إلا الحموي والمستملي قال في ((المطالع)) ورجحِ هذا بعضهم. (٥) سبق (٩٧٩) في العيدين، باب مَوْعِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ يَوْمَ العِيدِ، عن ابن عباس. (٦) كذا في الأصل وفوقها كلمة كذا وفي حاشيتهًا تعليقًا عليها: لعله من نفيس مال. ٣٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == فلو كان من الفرض لقيل: أدّين صدقة أموالكن، إلا أن يشار إلى ما منه يتصدقن لنفاسته عليهن أو قريب متناوله منهن، والله أعلم. قال: وما ذكره في الباب يؤخذ كذا وكذا، فليس ذَلِكَ أخذ عرض عن عين، بل الموجب فيها حال الوجود كذا، وفي حال عدمه في إبله كذا، فهو كأخذ شاة عن خمس من الإبل لا يقال: إنه أخذ عرضًا عن زكاة ولكن ذاك هو الموجب عليه، وكذلك الموجب في حال كذا وفي حال كذا فخالف الأول. وحديث ثمامة عن أنس في كتاب الصديق فرقه البخاري في عشرة مواضع من هذا ((الصحيح)) كما ستراه (١)، ولا عبرة بمن طعن في اتصاله، فقد صححه الأئمة، قال الحاكم في ((مستدركه)): وهو صحيح على شرط مسلم، وأوضحه(٢). وقال البخاري في كتاب الجهاد عن أنس: إن أبا بكر لما استخلف بعثه إلى البحرين وكتب له هذا الكتاب وختمه بخاتم النبي وَلٍ(٣)، قال الحاكم: وتفرد البخاري بإخراجه من وجه علا فيه عن الأنصاري عن (١) سيأتي برقم (١٤٥٠) كتاب: الزكاة، باب: لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع، و(١٤٥١) باب: ما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، و(١٤٥٣) باب: من بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليست عنده، و(١٤٥٤) باب: زكاة الغنم، و(١٤٥٥) باب: لا تؤخذ في الصدقة هرمة، و(٢٤٨٧) كتاب: الشركة، باب: ما كان من خليطين، و(٣١٠٦) كتاب: فرض الخمس، باب: ما ذكر من درع النبي ويتر، (٥٨٧٨) كتاب: اللباس، باب: هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر؟ و(٦٩٥٥) كتاب: الحيل، باب: في الزكاة، وأن لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق؛ خشية الصدقة. (٢) ((المستدرك)) ٣٩٠/١ - ٣٩٢ كتاب: الزكاة. (٣) سيأتي برقم (٣١٠٦) باب: ما ذكر من درع النبي وَلّ. ٣٦٧ كِتَابُ الزَّكَاةِ = ثمامة، وحديث حماد بن سلمة عن ثمامة، وحديث حماد أصح وأشفى وأتم من حديث الأنصاري(١). وقال الميموني: سألت أبا عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- عن حديث حماد، عن ثمامة فقال: لا أعلم في الصدقات حديثًا أحسن منه، إلا أن عفان يقول عن حماد: سمعت من ثمامة، وأبو كامل عن حماد: دفع إلي ثمامة كتابه، قيل: فأي حديث أحسن في الصدقة؟ فقال: حديث حماد وعمرو بن حزم. وقال مرة في حديث عمرو: أرجو أن يكون صحيحًا. وخرجه في ((مسنده)) (٢) عن الحكم بن موسى عنه، وقال إمامنا الشافعي فيما نقله عنه البيهقي: حديث أنس حديث ثابت عن رسول الله ◌َالر من جهة حماد وغيره وبه نأخذ ولمَّا ذكره البيهقي في ((المعرفة))، من حديث حماد قال: تعلق به بعض من ادعى المعرفة بالآثار فقال: هذا حديث منقطع، وأنتم لا تثبتون المنقطع، وإنما وصله عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس، وأنتم لا تجعلون عبد الله حجة، ولم يعلم أن موسى بن محمد المؤدب قد رواه عن حماد بن سلمة، قال: أخذت هذا الكتاب من ثمامة، عن أنس أن أبا بكر كتب له، وكذا رواه شريح بن النعمان، عن حماد، عن ثمامة، عن أنس، أن أبا بكر .. الحديث. قال البيهقي: وقد رواه ابن المنذر في كتابه محتجًا به، ورواه (١) ((المستدرك)) ٣٩٢/١ كتاب: الزكاة. (٢) لم أجده في ((المسند)) وكذلك لم يذكره الحافظ في ((الإطراف)) ١٣١/٥ - ١٣٢، وإنما رواه النسائي ٥٧/٨ - ٥٨، وابن حبان ١٤/ ٥٠١ (٦٥٥٩). ٣٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - إسحاق بن راهويه وهو إمام عصره عن النضر بن شميل، وهو متفق عليه في العدالة والإتقان والتقدم، فقال: حَدَّثَنَا حماد قال: أخذنا هذا الكتاب من ثمامة بن عبد الله يحكيه عن أنس، عن رسول الله وَليٍ(١)، وقال الدارقطني: إسناد صحيح، وكلهم ثقات(٢). قال البيهقي: وقد اعتمد محمد -يعني: البخاري- على عبد الله بن المثنى لكثرة الشواهد لحديثه هذا بالصحة(٣)، وقال الدارقطني: رواه محمد بن مصفى، عن نعيم [بن](٤) حماد، عن المعتمر، عن أبيه، عن أنس، عن أبي بكر، عن النبي ◌َّر، وروي عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أنس نحو قول ثمامة(٥). وقال ابن حزم: هذا الحديث لا يصح في الماشية غيره، إلا خبر ابن عمر وليس بقائم، وحديث ثمامة في نهاية الصحة وعمل أبي بكر بحضرة الصحابة، ولا يعرف منهم مخالف، رواه عن أنس ثمامة، وهو ثقة سمعه من أنس، وعن ثمامة حماد بن سلمة، وعبد الله بن المثنى، وكلاهما ثقة إمام، وعن ابن المثنى ابنه محمد، وهو مشهور ثقة، وعنه البخاري، وأبو قلابة والناس، ورواه عن حماد يونس، وشريح، والتبوذكي، وأبو كامل المظفر بن مدرك، وغيرهم، وكل هؤلاء إمام ثقة مشهور (٦). (١) ((معرفة السنن والآثار)) ١٩/٦ كتاب: الزكاة، كيف فرض الصدقة. (٢) ((سنن الدارقطني)) ١١٦/٢ كتاب: الزكاة، باب: زكاة الإبل والغنم. (٣) ((معرفة السنن والآثار)) ٦/ ٢٠ كتاب: الزكاة، كيف فرض الصدقة. (٤) في الأصول: عن، وما أثبتناه من ((العلل)) ٢٢٩/١. (٥) ((علل الدارقطني)) ٢٢٩/١ و٢٣١. (٦) ((المحلى)) ٢٠/٦- ٢١. بتصرف. ٣٦٩ = ڪِتَابُ الزَّكَاةِ قُلْتُ: وقوله في حديث ابن عمر: إنه ليس بقائم. فيه نظر؛ لأن الدار قطني أخرجه بإسناد صحيح، وزكاه الحاكم وطرقه (١). وقال ابن العربي في ((مسالكه)): ثبت عن رسول الله ◌َّير في الماشية ثلاث كتب: كتاب أبي بكر، وكتاب آل عمرو بن حزم، وكتاب عمر بن الخطاب، وعليه عوَّل مالك لطول مدة خلافته وكثرة مصدقیه، واعترض الإسماعيلي من وجه آخر فقال: لو كان يعني القيمة أو العرض لكان ينظر إلى ما بين السنين في القيمة إلا أن يوقت الموجب فيها توقيت الموجبات في الأعداد منها سواها ويكون الفرض يزيد تارة وينقص أخرى كما تزيد القيمة تارة وتنقص أخرى. إذا تقرر ذَلِكَ کله: فاختلف العلماء في أخذ العروض والقيم في الزكاة، فقال مالك والشافعي: لا يجوز ذَلِكَ وجوزه أبو حنيفة (٢) واحتج أصحابه بما ذكره البخاري من أخذ معاذ العروض في الزكاة، وبحديث أنس عن أبي بكر، وقالوا: كان معاذ ينقل الصدقات إلى المدينة فيتولى الشارع قسمتها، فإن كانت في حياته كذا (٣) فهو إقرار منه على أخذ البدل منها؛ لأنه قد علم أن الزكاة ليس فيها ما هو من جنس الثياب، فإنها لا تؤخذ إلا على وجه البدل، فصار إقراره له على فعله دلالة على الجواز، وإن كان بعد موته فقد وضعها الصديق بحضرة الصحابة في (١) ((سنن الدارقطني)) ١١٢/٢ - ١١٣ كتاب: الزكاة، باب: زكاة الإبل والغنم، وقال الدار قطني: كذا رواه سليمان بن أرقم، وهو ضعيف الحديث متروك، ((المستدرك)) / ٣٩٢ - ٣٩٣ كتاب: الزكاة. (٢) أنظر: ((عيون المجالس)) ٤٩١/٢ - ٤٩٢. (٣) في الأصل كذلك وأعلاها كلمة: كذا، وصوبه. ٣٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = مواضعها مع علمهم أن الثياب لا تجب في الزكاة فصار ذَلِكَ إقرارًا منهم على جواز أخذ القيم، فهو إذًا أتفاق من الصحابة، قالوا: وكذلك حديث أمره الثَّة بإخراج بنت(١) لبون عن بنت مخاض ويزيده المصدق عشرين درهمًا أو شاتين، وهذا على طريق القيمة. قالوا: وإذا جاز أن يخرج عن خمس من الإبل شاة وهي من غير الجنس، جاز أن يخرج دينارًا عن الشاة، واحتجوا بما روي عن عمر أنه كان يأخذ العروض في الزكاة ويجعلها في صنف واحد من الناس، ذكره عبد الرزاق عن الثوري(٢). ولهذا المذهب أحتج البخاري على كثرة مخالفته لأبي حنيفة وموضع الحجة من حديث إلقاء السخاب أنها ليست من ذهب ولا فضة، بل قلادة من قرنفل ومن حلي النساء الوقف وهو من عاج وذَبْل، ما لم يكن من ذهب ولا فضة، فهو من العروض، فأراد البخاري أنه وَلّ أخذ ذَلِكَ كله. قُلْتُ: حَتَّى يثبت أنه في الزكاة، والظاهر أنه في التطوع. والجواب عن حديث معاذ أنه من اجتهاده، وقيل: إنه خاص له الحاجة عَلِمَهَا بالمدينة، رأى أن المصلحة في ذَلِكَ، وقامت الدلالة على أن غيره لا يجوز له أخذها، ونقل ابن التين عن القاضي أبي محمد بأن حديث معاذ وارد في الجزية، بيانه أنه نقلها من اليمن إلى المدينة، وعندهم أن الزكاة لا تنقل، وأيضًا فإن الجزية قد كانت تؤخذ من قوم من العرب باسم الصدقة فيجوز أن يكون معاذ أراد هذا (١) في الأصل: ابن ولعل الصواب ما أثبتناه. (٢) ((المصنف)» ٩٦/٤ (٧٠٩٩). ٣٧١ = كِتَابُ الزَّكَاةِ في قوله: (في الصدقة مكان الشعير والذرة)، بدلالة قوله رَّ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: (خذ الحب من الحب، والغنم من الغنم، والبقر من البقر، والإبل من الإبل)) (١) لكن يرده مكان الشعير والذرة، إلا أن يكون يأخذها في الجزية. وأما أخذ عمر العروض فكان على وجه التطوع لا على طريقة الفريضة. وقولهم في حديث أنس: إنه لم يعمل به أهل المدينة، ولا أمر أبو بكر ولا عمر به السعاة فوجب تركه لمعنى علموه، لا يعجبني فإنه نص فيقتصر فيه على ما ورد، ثم هو ليس هو على وجه القيمة، بل على البدل بدليل أنه يجزئ عنها وإن كانت قيمتها أكثر منه، واحتج بفعل معاذ من أختار نقل الزكاة إلى بلد آخر وسيأتي في موضعه. فائدة : في حديث أنس هنا بنت المخاض ولها سنة، وبنت اللبون ولها سنتان، لا خلاف في ذَلِكَ وسميت بنت مخاض؛ لأن أمها آن لها أن تكون ماخضًا أي: حاملًا أي: دخل وقت قبول أمها للحمل وإن لم تحمل، وسميت بنت اللبون؛ لأن أمها ذات لبن أي: جاز لأمها أن ترضع ثانيًا ويصير لها لبن وإن لم ترضع، وجمع لبون: لبن بضم اللام وکسرها. (١) رواه أبو داود (١٥٩٩) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الزرع، وابن ماجه (١٨١٤) كتاب: الزكاة: باب: ما تجب فيه الزكاة من الأموال، والدارقطني في ((سنته)) ٢/ ٩٩- ١٠٠ كتاب: الزكاة، باب: ليس في الخضروات صدقة، والحاكم في ((المستدرك)) ٣٨٨/١ كتاب: الزكاة، والبيهقي في ((سننه)) ١١٢/٤ كتاب: الزكاة، باب: لا يؤدي عنه ما له فيما وجب عليه إلا ما وجب عليه، والحديث ضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٣٥٤٤)، وفي ((ضعيف أبي داود)) (٢٧٩). ٣٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ـ وقوله: ( ((ويعطيه المصدِّق عشرين درهمًا أو شاتين)) ) هو بكسر الدال مشددة أي: العامل، ورواه أبو عبيد بفتحها مشددة أي: المالك، وخالفوه. وقال أبو موسى المديني: هو بتشديد الصاد والدال معًا والدال مكسورةٌ، وهو رب المال، وأصله: المتصدق فأدغمت التاء في الصاد؛ لتقارب مخرجهما، وقال ثابت: يقال: بتخفيف الصاد للذي يأخذها والذي يعطيها أيضًا. وعندنا أن الخيار في الشاتين والدراهم لدافعها، سواء كان المالك أو الساعي، وفي قول: إن الخيرة إلى الساعي مطلقًا، فعلى هذا: إن كان هو المعطي راعى المصلحة للمساكين، وكل منهما أصل بنفسه وليس يبدل؛ لأنه خُيِّرَ بينهما بحرف أو يعلم أن ذَلِكَ لا يجري مجرى تعديل القيمة لاختلاف ذَلِكَ في الأزمنة والأمكنة، وإنما هو فرض شرعي كالغرة في الجنين، والصاع في المصرّاة، والسر في ذَلِكَ أن الصدقة كانت تؤخذ في البراري وعلى المياه بحيث لا يجد السوق، فقدر الشارع هذا قطعًا للتشاجر. نبه عليه الخطابي(١) وغيره، وإنما لم يرد على من أخذ منه ابن لبون بدل بنت مخاض؛ لأنه وإن زاد في السن فقد نقص بالذكورة، ولا يكلف شراء بنت مخاض وهذا بخلاف الكفارة؛ لأن الزكاة مبنية على التخفيف بخلافها. ٠ (١) ((أعلام الحديث)) ٧٧٩/٢ - ٧٨٠. ٣٧٣ كِتَابُ الزِّكَاةِ فرع : يجزئ الخنثى من أولاد اللبون عند فقد بنت المخاض على الأصح؛ لأنه إن كان ذكرًا فذاك وإن كان أنثى فقد زاد خيرًا(١)، وفي رواية: ((ابن لبون ذکر))(٢) وهو إما للتأکید أو للاحتراز من الخنثى، أو ذكر تنبيها لرب المال والعامل لتطيب نفس رب المال بالزيادة المأخوذة منه وللمصدق؛ ليعلم أن سن الذكور مقبول من رب المال في هذا الموضع، وهو أمرٌ نادرٌ في باب الصدقات. فرع: من وجبت عليه ابنة مخاض فلم توجد عنده، ولا ابن لبون، ولا ابنة لبون، ووجدت حقة أخذت منه(٣)، ويرد الساعي أربعين درهمًا أو أربع شياه، خلافًا لأصبغ حيث قال: ليس عليه إلا الدراهم ويجزئه. وقال ابن القاسم وأشهب: إن فعل أجزأه وعلى أصل المذهب في منع إخراج القيمة في الزكاة لا يجزئه؛ لأنه أعطى بنت لبون وأخذ دراهم فصار ما قابل الدراهم باع به بعض بنت لبون وأخرج بعض بنت لبون عن بنت مخاض. (١) أنظر: ((المجموع)) ٣٦٨/٥. (٢) رواه أبو داود برقم (١٥٦٧) كتاب: الزكاة، باب: في زكاة السائمة، والنسائي ٥٪ ١٨ - ١٩ كتاب: الزكاة، باب: زكاة الإبل، وأحمد ١١/١، والبزار ١٠٢/١- ١٠٣ (٤٠)، وأبو يعلى في («مسنده)) ١١٥/١- ١١٧ (١٢٧)، وابن حبان في (صحيحه)) ٥٧/٨ (٣٢٦٦) كتاب: الزكاة، باب: فرض الزكاة، والدارقطني في (سننه)) ١١٣/٢- ١١٤ كتاب: الزكاة، باب: زكاة الإبل والغنم، والحاكم في ((المستدرك)) ٣٩٠/١ - ٣٩١ كتاب: الزكاة، والبيهقي فى ((سننه)) ٨٦/٤ كتاب: الزكاة، باب: فرض الصدقة. (٣) أنظر: ((المجموع)) ٣٦٨/٥. : ٣٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فرع : في (كتابة)(١) الصديق له حجة لمن أجازها، وقيل لمالك في الرجل يقول له العالم: هذا كتابي فاحمله عني، وحدث بما فيه. قال: لا أراه يجوز، وما يعجبني. وروي عنه غير هذا، فإنه قال: كتبت ليحيى بن سعيد مائة حديث من حديث ابن شهاب فحملها عني ولم يقرأها عليَّ، وقد أجاز الكتاب ابن وهب وغيره والمناولة أقوى من الإجازة إذا صح الكتاب، وفيه: حجة لجواز كتابة العلم. (١) ورد في هامش الأصل ما نصه: الكتابة تنقسم إلى نوعين سواء كتبها إلخ، أوأمر شخصًا فكتبها. أحدهما: المقرونة بالإجازة، وهي شبيهة بالمناولة المقرونة بالإجازة صحة وقوة. والثاني: المحررة منها، وهي صحيحة أيضًا تجوز الرواية بها على الصحيح المشهور بين أهل الحديث، وهو عندهم معدود في سند الوصول، وهذا قول كثير من المتقدمين والمتأخرين منهم: السختياني، ومنصور، والليث، وجماعة من التابعين منهم: أبو منصور السمعاني، بل جعلها أقوى من الإجازة، وإليه صار جماعة من الأصوليين منهم: صاحب ((المحصول))، وفي الصحيح أحاديث كذلك، منها عند مسلم: حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: كتب إليَّ جابر بن سمرة مع غلامي نافع .. الحديث. وقال في الأيمان والنذور: كتبه إليَّ محمد بن يسار، ومنع الصحة آخرون، وبه قطع في ((الحاوي)) قال الآمدي: لا يرونه إلا غلط من الشيخ؛ لقوله: ما رواه عني أو أجزت لك روايته عني وذهب ابن القطان إلى أنقطاع الرواية بها، قاله عقب حديث جابر بن سمرة المذكور، ورد عليه ذلك ابن المواق. ٣٧٥ = ڪِتَابُ الزَّكَاةِ ٣٤- باب لَا يُجْمَعُ بَيْ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَيُذْكَرُ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ مِثْلُهُ. ١٤٥٠- حَدَّثَنَا مُحَمَّذٌ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنَّصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ◌َُّامَةُ، أَنَّ أَنَّسَاعَ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ ﴿ كَتَبَ لَهُ التِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ وَ ◌ّهِ: ((وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ)). [انظر: ١٤٤٨ - فتح: ٣١٤/٣] ثم ذكر حديث الأَنْصَارِيِّ عن أبيه، عن ثمامة، عن أنس أَنَّ أَبَا بَكْرِ كَتَبَ لَهُ التِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: (وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْبَةَ الصَّدَقَةِ )). الشرح: المعلق أولًا أسنده الترمذي محسنًا له، قال: وعليه عامة العلماء(١) وقال في ((علله)): سألت محمدًا عن حديث سالم، عن أبيه: كتب رسول الله وَيه كتاب الصدقة فقال: أرجو أن يكون محفوظًا، وسفيان بن حسین صدوق. وقال الداودي: إنه حديث ثابت. وقد أسلفنا الكلام فيه، وقال الحاكم: إنه حدیث کبیر في هذا الباب يشهد لكثير من الأحكام التي في حديث ثمامة إلا أن الشيخين لم يخرجا لسفيان بن حسين، وهو أحد أئمة الحديث، وثقه يحيى بن معين وغيره، ويصححه على شرط الشيخين حديث الزهري، وإن كان فيه أدنى إرسال أنه شاهد صحيح لحديث سفيان بن حسين قال: ومما يشهد له بالصحة (١) (سنن الترمذي)) برقم (٦٢١) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في زكاة الإبل والغنم، وصححه الألباني في ((صحيح الترمذي)) (٥٠٧). ٣٧٦ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح حديث عمرو بن حزم، وحديث عمر مثله(١)، وقال ابن جرير في ((تهذيبه)): حديث سفيان بن حسين أصلح هُذِه الأحاديث إسنادًا إذ لا خبر منها إلا وفيه مقال لقائل وفي الباب عن علي، وسويد بن غفلة، وسعد بن أبي وقاص، وحديث أنس سلف. وقوله: (فرض) أي: قدر. قاله الخطابي(٢)؛ لأن الإيجاب قد بينه الله ويحتمل كما قاله ابن الجوزي أن يكون على بابه بمعنى الأمر يبينه قوله في الرواية السالفة: وهي التي أمر الله رسوله. واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث فقال مالك في ((الموطأ)): تفسيره: لا يجمع بين مفترق: أن يكون ثلاثة نفر لكل واحد أربعون شاة فإذا أظلهم المصدِّق جمعوها؛ ليؤدوا شاة. ولا يفرق بين مجتمع: أن يكون لكل واحد مائة وشاة فعليهما ثلاث شياه فيفرقوها؛ ليؤدوا شاتين فنهوا عن ذَلِكَ(٣). وهو قول الثوري والأوزاعي، وقال الشافعي: تفسيره: أن يفرق الساعي الأول ليأخذ من كل واحد شاة، وفي الثاني ليأخذ ثلاثًا فالمعنى واحد لكن صرف الخطاب الشافعي إلى الساعي كما حكاه عنه الداودي في كتاب ((الأموال))، وصرفه مالك إلى المالك، وهو قول أبي ثور، وقال الخطابي عن الشافعي أنه صرفه إليهما (٤). قال ابن التين: وقول مالك عندي أولى؛ لقوله القليلة: ((خشية الصدقة)) وصرفه إلى المالك أولى كذا قال. (١) ((المستدرك)) ٣٩٣/١ كتاب: الزكاة. (٢) ((أعلام الحديث)) ٧٧٦/٢. (٣) ((الموطأ)) ٢٧١/١ - ٢٧٢ (٦٩٣) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الخلطاء. (٤) ((أعلام الحديث)) ٧٨١/٢. ٣٧٧ كِتَابُ الزَّكَاةِ والخشية خشيتان: خشية الساعي قلة الصدقة، وخشية المالك كثرتها، فأمر كل واحد منهما أن لا يحدث في الأموال شيئًا. وقال أبو حنيفة: معنى لا يجمع بين متفرق أن يكون بين رجلين أربعون شاة فإذا جمعاها فشاة، وإن فرقاها فلا شيء. قالوا: ولو كانا شريكين متفاوضين لم يجمع بين أغنامهما. وقال: ولا يفرق بين مجتمع أن يكون لرجل مائة وعشرون شاة، فإن فرقها المصدق أربعين أربعين فثلاث شياه. وقال أبو يوسف: معنى الأول أن يكون للرجل ثمانون شاة، فإذا جاء المصدق قال: هي بيني و(بين)(١) إخوتي لكل واحد منا عشرون، فلا زكاة، أو يكون له أربعون ولأخوته أربعون، فيقول: كلها لي فشاة. فهُذِه خشية الصدقة؛ لأن الذي يؤخذ منه يخشى الصدقة، قال(٢): ويكون وجه آخر: أن يجيء المصدق إلى ثلاثة أخوة لواحد عشرون ومائة شاة، فيقول: هُذِهِ بينكم لكل واحد أربعون، فأنا آخذ ثلاثًا أو يكون لهم جميعًا أربعون فلا زكاة، فيقول: هُذِه لواحد منكم فشاة (٣). وقال أبو حنيفة وأصحابه: الخلطاء في الزكاة كغير الخلطاء لا يجب على كل واحد منهم فيما يملك إلا مثل الذي يجب عليه لو لم يكن خليطًا كالذهب والفضة والزرع ولا يغير سنة الزكاة خلط أرباب المواشي بعضها ببعض (٤). (١) من (ج) و(م). (٢) كذا الأصل، وتتمة كلام أبي يوسف كما في ((مختصر اختلاف العلماء)) ١/ ٤١٤: وأما إذا لم يقل فيها خشية الصدقة، فقد يكون على هذا الوجه ویکون على وجه آخر. (٣) انظر: ((الأصل)) ٢/ ٥١ - ٥٢، و((مختصر اختلاف العلماء)) ٤١٤/١. (٤) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٤٤. ٣٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وهذا التأويل كما قال ابن جرير تسقط معه فائدة الحديث؛ لأن نهيه أن يجمع بين متفرق وعكسه إنما أراد به لا يجمع أرباب المواشي ولا المصدق بين المواشي المفترقة بافتراق الأوقات، ولا يفرق بين المواشي المجتمعة بخلط أربابها بينها، وأراد تمل* إقرار الأموال المختلطة والمفترقة على ما كانت عليه قبل لحوق الساعي، ولا يتحيل بإسقاط صدقة بتفريق ولا جمع، ولو كان تفريقها مثل جمعها في الحكم، ما أفاد ذَلِكَ فائدة ولا نهى عنه، وإنما نهى عن أمر لو فعله كانت فيه فائدة قبل النهي عنه، ولولا أن ذَلِكَ معناه لما كان لتراجع الخليطين بالسوية بينهما معنى معقول؛ لأنهما إذا كانا يصدقان وهما خليطان صدقة المفردين لم يجب لأحدهما قِبَل صاحبه؛ بسبب ما أخذ فيه من الصدقة تباعة فلا يجوز أن يخاطب أمته خطابًا لا يفيدهم، وفي أمره وَلو الخليطين بالتراجع بينهما بالسّوية كما سيأتي صحة القول بأن صدقة الخلطاء صدقة الواحد، ولولا ذَلِكَ ما أنتفعا بالخلطة. والتراجع مقتضاه من اثنين وهذا لا يجيء على مذهبه بوجه. وعند الشافعي للخلطة شروط محل الخوض فيها كتب الفروع، وكذا عند المالكية، وفي الدارقطني من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: ((لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي)). وفيه ابن لهيعة وحالته معروفة(١). (١) ((سنن الدارقطني)) ١٠٤/٢ كتاب: الزكاة، باب: تفسير الخليطين وما جاء في الزكاة على الخليطين. ٣٧٩ كِتَابُ الرِّكَاةِ = ٣٥- باب مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنْ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ وَقَالَ طَاوُسٌ وَعَطَاءٌ: إِذَا عَلِمَ الخَلِيطَانِ أَمْوَالَهُمَا فَلَا يُجْمَعُ مَالُهُمَا. وَقَالَ سُفْيَانُ: لَا يَجِبُ حَتَّى يَتِمَّ لَهُذا أَرْبَعُونَ شَاةً، ولهذا أَرْبَعُونَ شَاةً. ١٤٥١- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ◌َُّامَةُ، أَنَّ أَنَّسَا حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ عُ كَتَبَ لَهُ التِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: ((وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ)). [انظر: ١٤٤٨ - فتح: ٣١٥/٣] ثم ذكر حديث ثمامة بالإسناد السالف ((وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَِّيَّةِ)». الشرح: أما أثر طاوس فرواه ابن أبي شيبة، عن محمد بن بكر، عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، عن طاوس قال: إذا كان الخليطان يعلمان أموالهما فلا تجمع أموالهما في الصدقة. وحَدَّثَنَا محمد بن بكر عن ابن جريج قال: أخبرت عطاء قول طاوس فقال: ما أراه إلا حقًّا (١). وروى البيهقي من حديث عبد الرزاق أنا ابن جريج قال: سألت عطاء عن النفر الخلطاء لهم أربعون شاة، قال: عليهم شاة، قُلْتُ: فإن كان لواحد تسع وثلاثون وللآخر شاة قال: عليهما شاةٍ(٢). واعترض ابن المنذر فقال: قول طاوس وعطاء غفلة منهما إذ غير (١) ((المصنف)) ٤٠٩/٢ (١٠٤٩٤ - ١٠٤٩٥) كتاب: الزكاة، باب: في الخليطين إذا كانا يعملان في ماليهما. (٢) (السنن الكبرى)) ١٠٦/٤ كتاب: الزكاة، باب: صدقة الخلطاء. ٣٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = جائز أن يتراجعا بالسوية والمال بينهما لا يعرف أحدهما ماله من مال صاحبه. ومذهب أبي حنيفة أن الخليط هو الشريك(١)، وخالفه مالك فقال: إنه غيره، والخليط: من يعرف ماله، والشريك: من لا يعرفه. وحكم الخليطين كالواحد (٢) وقد سلف عن أبي حنيفة أنه لا تأثير للخلطة فيها، دليلنا حديث الباب ولا يصح ذَلِكَ إلا في الخليطين تؤخذ الزكاة من مال أحدهما، ولو كانا شريكين ما تصور بينهما تراجع، واستدل بعضهم على أبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَِّ﴾ [ص: ٢٤] فسماهم خلطاء، وقد ذكر في أول الآية: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعُ وَتَسْعُونَ نَعْجَةٌ وَلِىَ نَعْجَةٌ وَحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٤] وهذان یعرف كل واحد متاعه، وما ذكره عن سفيان هو قول مالك، وخالفه الشافعي والليث وربيعة وأحمد فقالوا: إذا بلغت ماشيتهما النصاب زكيا (٣)، وأما الحديث السالف: ((ليس فيما دون خمس ذود صدقة))(٤)، فلا حجة فيه؛ لأنه فيما عدا الخلطة، جمعًا بين الأدلة. فرع: لم يراع مالك مرور الحول كله على الخلطاء(٥)، وإذا خالط قبل الحول بشهر أو شهرين فهو عنده خليط، والشافعي يراعي مرور الحول كله عليهما(٦). (١) انظر: ((مجمع الأنهر)) ٢ /٤٧٣. (٢) أنظر: ((المنتقى)) ١٣٦/٢. (٣) انظر: ((المجموع)) ٤٠٧/٥ - ٤٠٨. (٤) سلف برقم (١٤٠٥). (٥) انظر: ((المنتقى)) ١٤١/٢. (٦) انظر: ((المهذب)) ٤٩٤/١.