Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
٥- باب إِنْفَاقِ المَالِ فِي حَقِّهِ
١٤٠٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَخِيَّى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي
قَيْسٌ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ ضَّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَّهِ يَقُولُ: ((لَا حَسَدَ إِلَّ فِي أَثْنَتَيْنِ:
رَجُل آتَاهُ اللهُ مَالَّا فَسَلَّطَّهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلِ آَتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهْوَ
يَقْضِّي بِهَا وَيُعَلَّمُهَا)). [انظر: ٧٣ - مسلم: ٨١٦ - فتح: ٢٧٦/٣]
ذكر فيه حديث ابن مسعود: (لَا حَسَدَ إِلَّ فِي آثْتَتَيْنِ: رَجُلِ آتَاهُ اللهُ
مَالًا .. )).
وقد سلف في كتاب العلم واضحًا (١)، وأن المراد بالحسد هنا: شِدَّة
الحرص والرغبة، وسماه البخاري الاغتباط، كما سلف، من غير أن
تتمنى زوالها عن غيرك، ففيه المنافسة في الخير والحض عليه وفضل
الصدقة والكفاف وفضل العلم وفضل تعلمه وفضل القول بالحق.
وقسم بعضهم إنفاق المال في حقه ثلاثة أقسام:
إنفاقه على نفسه وكل من تلزمه نفقته غير مسرف ولا مقتر لقوله
تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ إِذَآ أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: ٦٧] الآية،
وهذِه أفضل النفقات لقوله وَّله: ((إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ
إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيَّ امْرَأَتِكَ))(٢).
ثانيها : أداء الزكاة، وقد جاء أن من أدی زكاة ماله فليس ببخيل.
وصلة البعيد من الأهل، وصدقة التطوع، ومواساة الصديق، وإطعام
(١) سلف برقم (٧٣) باب: الاغتباط في العلم والحكمة.
(٢) سلف برقم (٥٦) كتاب: الإيمان، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة
ولكل امرئ ما نوى، ورواه مسلم برقم (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية
بالثلث.

٢٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الجائع. قَالَ وَّهِ: ((السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَاليتيم كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلٍ
اللهِ)(١)؛ فمن أنفق في هذِه الوجوه الثلاثة فقد وضع المال موضعه
وأنفقه في حقه، وكذلك من آتاه الله حكمًا وعلمًا فهو وارث منزلة
النبوة؛ لأنه يموت وأجر (علمه)(٢) ومن عمل بعلمه باق إلى يوم
القيامة. فينبغي لكل مؤمن أن يحسد من هذا حاله، ولله الفضل.
(١) سيأتي برقم (٥٣٥٣) كتاب: النفقات، باب: فضل النفقة على الأهل، وفيه
(المسكين) بدلا من (اليتيم) وأخرجه مسلم برقم (٢٩٨٢) كتاب: الزهد والرقائق،
باب: الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم.
(٢) في الأصل: (عمله) والمثبت من (م).

٢٦٣
- كِتَابُ الزَّكَاةِ
٦- باب الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ
لِقَوْلِهِ جل وعز: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِآلْمَنّ وَاَلْأَذَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ
وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وَقَالَ ابن عَبَّاسِ
رضي الله عنهما: ﴿صَلْدًّا﴾: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ:
﴿وَاِلٌ﴾: مَطَرٌ شَدِيدٌ، وَالطَّلُّ: النَّدى. [فتح ٣/ ٢٧٧]
الشرح :
قوله: ﴿ِأَلْمَنِ﴾ أي: لا تمنوا بما أعطيتم ﴿وَالْأَذَى﴾ أن يوبخ
المعطى. فهذان يبطلان الصدقة، كما تبطل نفقة المنافق الذي يعطي
رياء ليوهم أنه مؤمن، وروى الطبري عن عمرو بن حريث قَالَ: إن
الرجل يغزو ولا يزني ولا يسرق ولا يغل، لا يرجع بالكفاف. فقيل
له: لماذا؟ قَالَ: إن الرجل ليخرج، فإذا أصابه من بلاء الله الذي قد
حكم عليه سب ولعن إمامه ولعن ساعة غزا، وقال: لا أعود لغزوة
معه أبدًا. فهذا عليه وليس له مثل النفقة في سبيل الله يتبعها منٌ
وأذى، فقد ضرب الله مثلها في القرآن: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ
صَدَقَتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٤] حَتَّى ختم الآية(١).
وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ, كَمَثَلِ صَفَوَانٍ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أي: فمثل نفقته كمثل
صفوان، وهو الحجر الأملس. وحكى قطرب: صفوان- بكسر الصاد،
والمعنى: لم يقدروا على كسبهم وقت حاجتهم ومحق مما ذهب كما
محق المطر التراب عن الصفا، ولم يوافق في الصفا منبتا.
وما ذكره عن ابن عباس في تفسير ﴿فَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤]
أخرجه ابن جرير عن محمد بن سعد حَدَّثَني أبي قَالَ: حَدَّثَني عمي قَالَ:
(١) (تفسير الطبري)) ٦٥/٣ (٦٠٣٩).

٢٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
حَدَّثَني أبي عن ابن عباس. فذكره(١)، ومن وجهين آخرين عنه كذلك(٢)، وفي
رواية: تركها نقية ليس عليها شيء (٣). وأخرجه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) من
حديث الضحاك عنه بقوله: فتركه يابسًا خاسًا لا ينبت شيئًا(٤).
وما ذكره عن عكرمة في ﴿وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أخرجه عبد بن حميد
في ((تفسيره))، عن روح، عن عثمان بن غياث عنه، به سواء(٥)، وقال
غيره: الطل: مطر صغير القطر يدوم. وقال مجاهد فيما حكاه ابن أبي
حاتم: الطل: الندىُ. قَالَ: وروي عن جماعات نحوه(٦).
أما فقه الباب: فالرياء يبطل الصدقة وجميع الأعمال؛ لأن المرائي
إنما يفعل ذلك من أجل الناس ليحمدوه على عمله، فلم يحمده الله تعالى
حين رضي بحمد الناس عوضًا (من)(٧) حمد الله وثوابه، وراقب الناس
دون ربه، قَالَ عليه أفضل الصلاة والسلام: ((من عمل عملاً أشرك فيه
غيري فهو له، وأنا أغنى الشركاء عن الشرك))(٨)؛ وجاء في الحديث
أن الرياء: الشرك الأصغر(٩)، وكذلك المن والأذى يبطلان الصدقة؛
(١) ((تفسير الطبري)) ٦٧/٣ (٦٠٤٤).
(٢) ((تفسير الطبري)) ٦٨/٣ (٦٠٥٩، ٦٠٦٢).
(٣) ((تفسير الطبري)) ٦٨/٣ (٦٠٥٨).
(٤) ((تفسير القرآن العظيم)) ٥١٨/٢ (٢٧٤٩).
(٥) ذكره السيوطي في (الدر المنثور)) ١/ ٦٠٠ وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(٦) ((تفسير القرآن العظيم)) ٥٢١/٢ (٢٧٦٦).
(٧) كذا في الأصل، ولعلها (عن).
(٨) رواه مسلم برقم (٢٩٨٥) كتاب: الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله.
(٩) رواه أحمد ٤٢٨/٥، والطبراني ٢٥٣/٤ (٤٣٠١)، والبغوي في ((شرح السنة))
٣٢٣/١٤-٣٢٤ (٤١٣٠) كتاب: الرقاق، باب: الرياء والسمعة، وذكره الهيثمي
في ((المجمع)) ١٠٢/١ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح وصححه
الألباني في ((الصحيحة)) ٦٣٤/٢ (٩٥١).

٢٦٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
لأن المنان بها لم ينو الله فيها ولا أخلصها لوجهه تعالى، ولا ينفع عمل
بغير نية لقوله ◌َّه: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))(١)،
وكذلك المؤذي لمن يصدق عليه، يبطل إثم الأذى أجر الصدقة.
وقد نهى الله تعالى عن انتهار السائل، فما فوق ذلك من الأذى
أدخل في النهي، وكان ينبغي للبخاري أن يخرج في الباب حديث:
((إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها .. )) (٢) الحديث.
فهو يشبه التبويب؛ لأن من ابتغى وجه الله سلم من الرياء، وابتغاء
غير وجه الله هو عين الرياء.
(١) سلف برقم (١) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله
وَلجر، وأخرجه مسلم برقم (١٩٠٧) كتاب: الإمارة، باب: قوله وَله: ((إنما
الأعمال بالنيات».
(٢) سبق تخريجه.

٢٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٧- باب لَا يَقْبَلُ اللُّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ،
وَلَا يَقْبَلُ إِلَّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ
قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنِ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَىُّ
لِقَوْلِهِ:
[البقرة: ٢٦٣]. [فتح ٢٧٧/٣]
وَاَللَّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ

٢٦٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
٨- باب الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ
لِقَوْلِهِ: ﴿وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتِ﴾ الآية(١) إلى ﴿يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:
٢٧٦، ٢٧٧]
١٤١٠- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ: ابن
عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ - عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
إنَّه: ((مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّ الطَّيِّبَ- وَإِنَّ
اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ
الجَبَلِ)). تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ، عَنِ ابن دِینَارٍ.
وَقَالَ وَرْقَاءُ، عَنِ ابنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾،
عَنِ النَّبِّ وَّهِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَسُهَيْلٌ، عَنْ
أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ بَيرِ. [٧٤٣٠ - مسلم: ١٠١٤ -
فتح: ٢٧٨/٣]
ثم ذكر حديث أبي هريرة: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ .. ))
تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ، عَنِ ابن دِينَارٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ وَرْقَاءُ: عَنِ ابنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
النَّبِيِّ نَّهَ. وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَسُهَيْلٌ، عَنْ أَبِي
صَالِحِ، به.
وله في التوحيد، ولم يصله: ((وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ إِلَّ الطَّيِّبُ))(٢).
الشرح :
في بعض النسخ حذف قوله: ((وَلَا يَقْبَلُ اللهُ .. )) إلى آخره، ولم يذكر
(١) ورد في الأصل فوق هذه الكلمة: ساقها البخاري.
(٢) سيأتي برقم (٧٤٣٠) باب: قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلْبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾.

٢٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فيه شيئًا، وهُذِه الترجمة هي حديثٌ ذكر المصنف بعضه في الطهارة فقال:
باب: لا يقبل الله صلاة بغير طهور. وهذا آخره: ((ولا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ)). وقد
تكلمنا عليه هناك(١). واعترض الداودي فقال: لو نزع هذا بقوله تعالى:
﴿أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقال في الذي قبله:
كَلَّذِى يُنفِقُ مَاَلَهُ رِئَّءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] فقد قَالَ كذلك.
وقال ابن المنير: إن قَلتَ: ما وجه الجمع بين الترجمة والآية؟ وهلا
ذكر قوله تعالى: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قلتُ: جرى على عادته
في إيثار الاستنباط الخفي والاتكال في الاستدلال الجلي على سبق
الأفهام له.
ووجه الاستنباط يحتمل أن الآية فيها إثبات الصدقة، غير أن الصدقة
لما تبعها سيئة الأذى بطلت، فالغلول: غصب إذًا فيقارن الصدقة فتبطل
بطريق الأولى، أو لأنه جعل المعصية اللاحقة للطاعة بعد تقررها، وهي
الأذى تبطل الطاعة، فكيف إذا كانت الصدقة عين المعصية؛ لأن الغال
في دفعه المال للفقير غاصب يتصرف في ملك الغير، فكيف تقع المعصية
من أول أمرها طاعة معتبرة، وقد أبطلت المعصية المحققة من أول أمرها
في الصدقة المتيقنة بالأذى، وهذا من لطيف الاستنباط(٢).
وقوله تعالى: (﴿وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَى﴾﴾ [البقرة: ٢٦٣]
قَالَ الضحاك: يقول: إن تمسك مالك خير من أن تنفقه ثم تتبعه منّا
وأذى(٣) ﴿وَاللَّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ﴾ أي: غني عن خلقه في سلطانه، حليم
عن سيئ فعالهم.
(١) راجع شرح حديث (١٣٥).
(٢) ((المتواري)) ص١٢٣- ١٢٤.
(٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٦٤/٣ (٦٠٣٧).

٢٦٩
كِتَابُ الرِّكَاةِ
وقوله: (﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي: كفار بقليل
الحلال لا يقنع، وأثيم في أخذ الحرام، والغلول: الخيانة. قَالَ ابن
سيده: غل يغل غلولًا، وأغل: خان. قال: وخص بعضهم الخون في
الفيء، والإغلال: السرقة(١). قَالَ ابن السكيت: لم يسمع في المغنم
إلا غل غلولًا(٢). وقال الجوهري: يقال من الخيانة: أغل يُغِل، ومن
الحقد: غل الغل، ومن الغلول: غل يغُل (٣).
واستدل البخاري في الباب الأول بقوله: ﴿وَيُرْبِ الضَّدَقَتِ﴾ [البقرة:
٢٧٦] لما كان حرمان السائل وقول المعروف والاستغفار خير من صدقة
يتبعها أذى، وثبت أن الصدقة إذا كانت من غلول غير متقبلة؛ لأن الأذى
في الغلول للمسلمين أشد من أذى المتصدق عليه وحده، وأولى من
الاستدلال بها قوله تعالى ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ وحديث
أبي هريرة مطابق للتبويبين.
ومتابعة سليمان -وهو ابن بلال- أخرجها في التوحيد بلفظ: وقال
خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار (٤).
وقد أسندها مسلم عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن
مخلد به(٥).
وتعليق ورقاء، عن سعيد بن يسار أخرجه الترمذي(٦) لكن من
(١) ((المحكم)) ٢٢١/٥.
(٢) ((إصلاح المنطق)) ص٢٦٦.
(٣) ((الصحاح)) ١٧٨٤/٥.
(٤) سيأتي برقم (٧٤٣٠).
(٥) (صحيح مسلم)) (٦٤/١٠١٤) كتاب: الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب
الطیب وتربيتها.
(٦) بهامش الأصل بخط سبط: (بل أخرجه مسلم [١٠١٤] والترمذي [٦٦١] والنسائي
[٥٧/٥] وابن ماجه [١٨٤٢] أعني حديث سعيد بن يسار لكن ليس من رواية
عبد الله بن دينار عنه. [قلت: رواية ورقاء عند أحمد ٣٣١/٢].

٢٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
حديث سعيد المقبري ويحيى بن سعيد وابن عجلان، عن سعيد بن يسار
به، ثم قَالَ: حسن صحيح(١).
وقال الداودي: تتابع الرواة عن أبي صالح، عن أبي هريرة دال على
أن ورقاء أوهم به في قوله: عن سعيد بن يسار.
ولفظ ابن خزيمة: ((مهره أو فصيله)) زاد: ((وإن الرَّجلَ لیتصدقُ
باللقمةِ فتَربو في كفِّ الله وَ حَتَّى تكون مثل الجبل، فتصدَّقو))(٢)
وفي رواية له: ((فلوه أو قلوصه)) وفي أخرى: ((فلوة: قلوصه أو
فصيله))(٣) وهي في مسلم: ((فلوه أو قلوصه)) ورواية سهيل(٤) أخرجها
البزار من حديث خالد بن عبد الله الواسطي، عنه، عن أبيه، عن أبي
هريرة. وفي ((علل ابن أبي حاتم)) رواه موسى بن عبيدة، عن عبد الله
ابن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا، وهو خطأ، إنما هو عن ابن دينار،
عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فمنهم من يوقفه ومنهم من يسنده،
ویحتمل صحة رفعه(٥).
(١) ((سنن الترمذي)) (٦٦١) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في فضل الصدقة وصححه
الألباني.
(٢) ((صحيح ابن خزيمة)) ٤/ ٩٣ (٢٤٢٦).
(٣) المصدر السابق برقم (٢٤٢٥).
(٤) بهامش الأصل: حاشية: رواية سهيل أخرجها مسلم في الزكاة عن أمية بن بسطام،
عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن سهيل، به. وأخرجها أيضا فيه عن
أحمد بن عثمان بن هيثم، عن خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن
سهيل، به.
[((صحيح مسلم)) ٦٤/١٠١٤ كتاب: الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب
الطيب وتربيتها].
(٥) ((علل ابن أبي حاتم)) ٢١٦/١ (٦٢٨).

٢٧١
كِتَابُ الزّكَاةِ
=
وفي ((الرقائق)) لعبد الله بن المبارك من حديث ابن مسعود قَالَ: ((ما
تصدَّق رجلٌ بصدقةٍ إلا وقعت في يدِ الرَّبِّ قبل أنْ تقعَ في يدِ السائل، وهو
يضعها في يدِ السائل)) قَالَ: وهو في القرآن العظيم.
فقرأ: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾ [التوبة: ١٠٤](١).
وقوله: ( ((مَنْ تَصَدَّق بعِدل تمرةٍ) ) أي: بقيمتها. وذلك أن جماعات
من أهل اللغة كما نقله عنهم ابن التين قالوا: العدل، بفتح العين: المثل.
قَالَ تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] وبكسرها: الحمل. وهذا
عكس قول ثعلب. وقال الكسائي: هما بمعنى واحد. وقال القزاز: عدل
الشيء: مثله من غير جنسه، وبالكسر: مثله من جنسه. وأنكرها البصريون
وقالوا: هما المثل مطلقًا، كما أن المثل لا يختلف. وقيل: بالفتح: مثله
من القيمة. وبالكسر: مثله في المنظر. وهذا مثل قول الفراء. وقال ابن
قتيبة: هو بالكسر: القيمة(٢). وعبارة ((المحكم)): العَدل والعدیل،
والعدل: النظير والمثل. وقيل: هو المثل وليس بالنظير عينه.
وقوله: ( ((مِنْ كَسْبِ طَيِّبٍ)) ) أي: من حلال. وإنما لا يقبل الله
غيره؛ لأنه غير مملوك للمتصدق؛ لأنه ممنوع من التصرف فيه، فلو
قبلت لزم أن يكون مأمورًا به منهيًّا عنه من وجه واحد، وهو محال.
وقوله: ( ((بيمينه))) ذكر اليمين هنا قيل: يراد بها سرعة القبول، وهو
مجاز. وقيل: حسن القبول. وهو متقارب مع الأول؛ لأن عرف الناس أن
أيمانهم مرصدة لما عز وشمائلهم لما هان، والجارحة على الرب جل
جلاله محالة تقدس عنها، ولما كانت الشمائل عادة تنقص عن اليمين
(١) ((الزهد والرقائق)) ص ٢٢٧-٢٢٨ (٦٥٠) باب: الصدقة.
(٢) ((غريب الحديث)) ٢/ ٤٠.

٢٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
بطشًا وقوة عرفنا الشارع بقوله: (لوكِلتا يديه يمين)» (١) فانتفى النقص
تعالى عنه.
والفَلو: هو المهر. كما سلف عن رواية ابن خزيمة، وهو ولد
الفرس. وولد الحمار: جحش وعفر. وكذلك البغل الصغير، وهو
بفتح الفاء وتشديد الواو، والأنثى فلوة مثال عدوة، والجمع: أفلاء
مثال أعداء، وسمي بذلك؛ لأنه يفتلى. أي: يفطم .
وقال الداودي: يقال للمُهر: فلو. وللجحش -ولد الحمار- فِلوة
بكسر الفاء. ويقال بفتحها والتشديد، وأنكر بعضهم كسر الفاء.
وقال الجوهري عن أبي زيد: إذا فتحت الفاء شددت الواو، وإذا
كسرت خففت، فقلت: فِلو مثل جرو(٢).
وقال في ((المخصص)): إذا بلغ سنة - يعني: ولد الحِجْر - فهو فلو.
وقال أبو حاتم: في ((فرقة)) لا يقال فلو ولا فلوه كما تقول العامة.
وقوله: ((حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ)) قَالَ الداودي: أي: كمن تصدق
بمثل الجبل. ومعنى: (يربيها لصاحبها)) أي ينميها فإن أريد به الزيادة
في كمية عينها لتثقل في الميزان لم ينكر ذلك في معنى مقدور
أو حكم معقول، وقيل: ينميها: يضاعف الأجر عليها. وهما
متقاربان.
(١) هو قطعة من حديث رواه مسلم (١٨٢٧) كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام
العادل، وعقوبة الجائز، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة
عليهم، والنسائي ٨/ ٢٢١ كتاب: آداب القضاة، فضل الحاكم العادل في حكمه،
وأحمد ١٦٠/٢، وابن حبان في ((صحيحه)) ٣٣٦/١٠ (٤٤٨٤) كتاب: السير،
باب: الخلافة والإمارة.
(٢) «الصحاح)» ٢٤٥٦/٦.

٢٧٣
كِتَابُ الرِّكَاةِ
وقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي : يضاعف أجرها
لربها وينميها. ولما كان الربا قد أخبر تعالى أنه يمحقه؛ لأنه حرام، دلت
الآية أن الصدقة التي تربو وتتقبل لا تكون إلا من غير جنس الممحوق،
وذلك الحلال، وقد بين ذلك الشارع بقوله: ((لَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّ الطَّيِّبَ))
والحديث دال على مضاعفة الثواب، والمثل في التشبيه بتربية الفلو؛
لأن الولد لا يخلق كبيرًا، ولكن ينمى بتعهد الأم له بالرضاع والقيام
بمصالحه، وكذلك صاحب الصدقة إن أتبعها بأمثالها وصانها عن
آفاتها نمت، وإن أعرض عنها بقيت وحيدة، فإن منَّ أو آذى بطل
الثواب. وفقنا الله للصواب.

٢٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٩- باب الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدِّ
١٤١١- حَذَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعتُ حَارِثَةَ بْنَ
وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((تَصَدَّقُوا، فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي
الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ، فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ
لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا)). [١٤٢٤، ٧١٢٠ - مسلم: ١٠١١ - فتح: ٢٨١/٣]
١٤١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ عَُّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيَكُمُ المَالُ
فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الذِي
يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي)). [٨٥- مسلم: ١٥٧ - فتح: ٢٨١/٣]
١٤١٣ - حَذَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ النَّبِيلُ، أَخْبَرَنَا سَعْدَانُ بْنُ
بِشْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو نُجَاهِدٍ، حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ الطَّائِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمِ
، يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَِّ فَجَاءَهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَشْكُو العَيْلَةَ، وَالآخَرِّ
يَشْكُوْ قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهَ: «أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ إِلَّا
قَلِيلٌ حَتَّى تَخْرُجَ العِيرُ إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ، وَأَمَّا العَيْلَةُ فَإِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ
حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ، ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ
يَدَي اللهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ
أُوْتَِكَ مَالًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى. ثُمَّ لَيَقُولَنَّ: أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا؟ فَلَيَقُولَنَّ:
بَلَى. فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرىُ إِلَّ النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرِى إِلَّ النَّارَ،
فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقٌّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيَِّةٍ)). [١٤١٧، ٣٥٩٥،
٦٠٢٣، ٦٥٣٩، ٦٥٤٠، ٦٥٦٣، ٧٤٤٣، ٧٥١٢ - مسلم: ١٠١٦ - فتح: ٢٨١/٣]
١٤١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي
مُوسَى عَهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِِّّ قَالَ: ((لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ
بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ

٢٧٥
كِتَابُ الرِّكَاةِ
أَرْ بَعُونَ امْرَأَةً، يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ». [مسلم: ١٠١٢ - فتح: ٣/
٢٨١]
ذَكَرَ فيه حَدِيثَ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ : ((تَصَدَّقُوا، فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ .. ))
الحديث.
وحَدِيثَ أبي هُريرة: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ فَيَفِيضَ
.. )) الحديث.
وحَدِيثَ عدي مطولًا، وفي آخره: (( .. فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقٌّ
تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ)).
وحديث أبي موسى : : ((لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ
بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ .. )) إلى آخره.
الشرح :
فيه الحث على الصدقة والترغيب ما وجد أهلها المستحقون لها؛
خشية أن يأتي الزمن الذي لا يوجد فيه من يأخذها، وهو زمان كثرة
المال وفيضه قرب الساعة.
وفي قوله: ( ((وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)) ) حض على القليل من الصدقة، وهو
بكسر الشين. أي: نصفها.
وقوله: ( ((فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيَِّةٍ)) ) حض أيضًا على أن لا يحقر
شيئًا من المعروف قولًا وفعلًا وإن قل، فالكلمة الطيبة يتقي بها النار،
كما أن الكلمة الخبيثة يستوجبها بها.
وقوله: ((وَيُرى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ آمْرَأَةً، يَلُذْنَ بِهِ)) أي:
يحطن به ((مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ)) فهذا والله أعلم يكون عند
ظهور الفتن وكثرة القتل في الناس.

٦
٢٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قَالَ الداودي: ليس لَهُنَّ قَيِّمٌ غيره. وهذا يحتمل أن يكن نساءه
وجواريه وذوات محارمه وقراباته، وهذا كله من أشراط الساعة، ففيه
الإعلام بما يكون بعده، وكثرة المال حَتَّى لا يجد من يقبله، وأن
ذلك بعد قتل عيسى الثّ الدجالَ والكفار، فلم يبق بأرض الإسلام
كافر، وتنزل إذ ذاك بركات السماء إلى الأرض، والناس إذ ذاك
قليلون لا يدخرون شيئًا؛ لعلمهم بقرب الساعة، وتري الأرض إذ ذاك
بركاتها حَتَّى تشبع الرمانة السكن -وهم أهل البيت- وتلقي الأرض
أفلاذ كبدها -وهو ما دفنته ملوك العجم، كسرى وغيره- ويكثر المال
حَتَّى لا يتنافس فيه الناس.
وقوله في حديث عدي: ( ((ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَي اللّهِ ثَّ لَيْسَ
بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تُرْجُمَانٌ)) ) هو على جهة التمثيل ليفهم الخطاب؛
لأن الله تعالى لا يحيط به شيء ولا يحجبه حجاب، وإنما يستتر تعالى
عن أبصارنا بما وضع فيها من الحجب والضعف عن الإدراك في الدنيا،
فإذا كان في الآخرة وكشف تلك الحجب عن أبصارنا وقوَّاها حَتَّى تدرك
معاينة ذاته كما يرى القمر ليلة البدر، كما ثبت في الأحاديث الصحاح
الآتية في موضعها.
وقوله: ( ((حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ (١) المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ)) ) هو بضم الياء
وكسر الهاء، هذا هو المشهور، وقيل: بفتح الياء وضم الهاء ورفع ((رب
المال)» وتقديره: يهمه من يقبل صدقته. أي يقصده. وقال صاحب
(العين)): أهمني الأمر مثل: غمني، وهمني همَّا: آذاني (٢).
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: بنصب (رب) في الرواية الأولى.
(٢) ((العين)) ٣٥٧/٣.

٢٧٧
كِتَابُ الرِّكَاةِ
وقوله: ( ((بغير خفير)) ) أي: مجير. الخفير: المجير. والخفارة:
الذمة. والخفير: من يصحب القوم؛ لئلا يعرض لهم أحد، واشتقاقه
من الخفر، یصحبهم فلا تخفر ذمته.
وقوله: ( ((لا أرب لي فيه)) ): لا حاجة.
وفيه أنهم كانوا يشكون إلى الشارع من عيلة وقطع طريق وغيره؛ لما
يرجون عنده من الفرج. والعيلة: الفقر.
وقوله: ( ((فلا يرى إلا النَّارَ)) ) يقال: أي يؤتى بها يوم القيامة تقاد
بسبعين ألف زمام فتقرب من الناس(١)، فحينئذ يقول الرسل: ربِّ سلُم
سلِّم(٢). فاجتهدوا فيما يقيكم منها، ولا تحقروا شيئًا من المعروف ولو
شق تمرة (٣).
(١) رواه مسلم برقم (٢٨٤٢) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: في شدة حر نار جهنم
وبعد قعرها، والترمذي برقم (٢٥٧٣) كتاب: صفة جهنم، باب: ما جاء في صفة
النار، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٧/ ٧٧ (٣٤١٥٥) كتاب: ذكر النار، باب: ما
ذكر فيما أعد لأهل النار وشدته، والبيهقي في ((الشعب)) ٦/ ٣٥٢ (٨٤٧٨) باب:
في حسن الخلق.
(٢) سيأتي برقم (٧٤٣٧) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهُ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةُ ﴾
ورواه مسلم برقم (١٨٢) كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية.
(٣) ورد في هامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثاني عشر، كتبه مؤلفه.

٢٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٠- باب اتَّقُوا النّارَ وَلَوْ بِشِقٌّ تَمْرَةٍ
وَالْقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾
[البقرة: ٢٦٥، ٢٦٦]
١٤١٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعمَانِ الَحَكَمُ - هُوَ: ابن عَبْدِ اللهِ
البَضْرِيُّ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: لَا نَزَّلَتْ
آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيٍ، فَقَالُوا: مُرَائِي. وَجَاءَ رَجُلٌ
فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٍّ عَنْ صَاعِ هذا. فَنَزَلَتِ: ﴿الَِّينَ يَلْمِزُونَ
اُلْمُطَّوْعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهْ﴾ [التوبة:
٧٩] الآيَةَ. [١٤١٦، ٢٢٧٣، ٤٦٦٨، ٤٦٦٩- مسلم: ١٠١٨ - فتح: ٢٨٢/٣]
١٤١٦- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَخْيَى، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي
مَسْعُودِ الأَنَّصَارِيِّ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهِ إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ أَنْطَلَقَ أَخَذُنَا إِلى
السُّوقِ فَتَحَامَلَ، فَيُصِيبُ المُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ اليَوْمَ لِمَائَةَ أَلْفٍ. [انظر: ١٤١٥- مسلم:
١٠١٨- فتح: ٣ /٢٨٣]
١٤١٧- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ
عَبْدَ اللهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِم ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَه
يَقُولُ: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقٌّ تَمْرَةٍ)). [انظر: ١٤١٣ - مسلم: ١٠١٦ - فتح: ٢٨٣/٣]
١٤١٨- حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ نُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ
قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها
قَالَتْ: دَخَلَتِ امْرَأَةً مَعَهَا ابنتَانٍ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا
إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابنتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ وَه
عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ((مَنِ أَبْتُلِيّ مِنْ هذِهِ البَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ)).
[٥٩٩٥- مسلم: ٢٦٢٩ - فتح: ٢٨٣/٣]
٠

٢٧٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
--
ذكر فيه أربعة أحاديث: حديث أبي مسعود: لَمَّا نَزَلَتْ (آيَةُ) (١)
الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقَالُوا: مُرَائِي.
وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللّهَ لَغَنِيٍّ عَنْ صَاعِ هُذا.
فَنَزَّلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ﴾ .. الآية.
وحديث أبي مسعود الأنصاري قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ وِّهِ إِذَا أَمَرَنَا
بِالصَّدَقَةِ .. الحديث.
وحديث عدي بن حاتم: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)).
وحديث عائشة في التمْرَةِ.
الشرح:
معنى ﴿تَنَّبِيتًا﴾ [البقرة: ٢٦٥]: تصديقًا ويقينًا. قاله الشعبي(٢). وهو
حث أي: على إنفاقها في الطاعة، ووعد الله على ذلك بالإثابة. وقال
قتادة: احتسابًا(٣). وكان الحسن إذا أراد أن ينفق تثبت فإن كان لله
أمضى وإلا أمسك(٤).
والجنة: البستان. والربوة: الأرض المرتفعة المستوية. كما قاله
مجاهد(٥)، أضعفت في ثمرها، وهو مثل ضربه الله لفضل المؤمن،
يقول: ليس لخيره خلفٌ، كما أنه ليس لخير الجنة خلف على أي
حال، أصابها مطر شديد أو طل.
(١) من (م).
(٢) رواه الطبري في تفسيره)) ٦٩/٣ (٦٠٦٣).
(٣) المصدر السابق برقم (٦٠٧٢).
(٤) المصدر السابق برقم (٦٠٧١).
(٥) المصدر السابق ٧١/٣-٧٢ (٦٠٧٣ - ٦٠٧٤).

٢٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٦] هو ضرب مثل للعمل كان
طائعًا فعصى فاحترقت أعماله، كما قاله عمر وابن عباس(١)، فتبطل
أحوج ما كانوا إليها، كمثل رجل كانت له جنة وكنز، وله أطفال
لا ينفعونه، فأصاب الجنة إعصار ريح عاصف كالزوبعة، فيها سَموم
شدید فاحترقت.
وحديث أبي مسعود، أخرجه في التفسير من حديث غندر عن شعبة،
وفيه هنا: بصاع(٢). وأخرجه مسلم من حديث جماعة عن شعبة(٣).
ومعنى (نحامل): نحمل للغير بالأجرة لنتصدق بها، ونحامل وزنه
نفاعل، والمفاعلة لا تكون إلا من اثنين غالبًا كالمبايعة والمعاملة،
ألا ترى أنه حين نزلت: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ﴾.
[المجادلة: ١٢] شق عليهم العمل بها، فنسخت عنهم بقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ
تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] وقال علي: لم يعمل بها غيري
لا قبلي ولا أحد بعدي، كان لي دينار فصرفته، فكنت إذا ناجيت
الرسول تصدقت بدرهم حَتَّى نفذ ثم نسخت. ولما ذكر شيخنا علاء
الدين في (شرحه)): (نحامل)، نقل عن ابن سيده أنه قَالَ: تحامل في
الأمر وتكلفه على مشقة وإعياء، وتحامل عليه: كلفه ما لا يطيق؛
وهذا ليس من معنى مادة ما نحن فيه.
وقوله: (فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ) هو عبد الرحمن بن عوف، تصدق
بنصف ماله، وكان ماله ثمانية آلاف دينار. ذكره ابن التين، فقالوا :
(١) المصدر السابق ٣/ ٧٥ -٧٦ (٦٠٩٣ -٦٠٩٥).
(٢) سيأتي برقم (٤٦٦٨) باب: قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُتَّوْعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
(٣) (صحيح مسلم)) برقم (١٠١٨) كتاب: الزكاة، باب: الحمل بأجرة يتصدق بها،
والنهي الشديد عن تنقيص المتصدق بقليل.