Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ كِتَابُ الزَّكَاةِ = أن لا يصيب المساكين منها شيئًا. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] نحو من هذا. وقيل: كان هذا قبل فرض الزكاة. ويحتمل أن يكون باقيًا معها وأنه مثلها، قاله الشعبي، والحسن، وعطاء، وطاوس. وقال أبو هريرة: حق الإبل أن تنحر السمينة، وتمنح الغزيرة، ويفقر الظهر، ويطرق الفحل، ويسقى اللبن (١). وتأول قائله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِيَّ أَقَوَلِهِمْ حَقٌ مَّعْلُومٌ ﴿ لِلِسَّيِلِ وَاَْخْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] فقالوا: مثل فك العاني، وإطعام الجائع الذي يخاف ذهاب نفسه، والمواساة في المسغبة والعسرة. وتأول مسروق في قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَعِلُوا بِهِ، يَوْمَ اُلْقِيَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] قَالَ: هو الرجل يرزقه الله المال فيمنع قرابته صلته فيجعل حية يطوقها(٢) . ومذهب أكثر العلماء أن هذا على الندب، أي: أن هذا حق الكرم والمواساة وشريف الأخلاق. وقد بين الشارع أن قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ في مانع الزكاة، وقد انتزعها ابن مسعود في مانعها أيضًا(٣). وقال إسماعيل القاضي: الحق المفترض هو الموصوف المحدود، وقد تحدث أمور لا تحد ولا يُحد لها وقت فيجب فيها المواساة للضرورة التي تنزل من ضيف مضطر، أو جائع، أو عارٍ، أو ميت ليس له من (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣١/٤ (٦٨٦٩) كتاب: الزكاة، باب: ما تجب في الإبل والبقر والغنم. (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤٢٨/٢ (١٠٧٠٢) كتاب: الزكاة، ما ذكر في الكنز والبخل بالحق في المال. (٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٥٣٣/٣ (٨٢٨٩). ٢٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - يواريه، فيجب حينئذ على من يمكنه المواساة التي تزول بها هذِه الضرورات. قلتُ: وكان من عادة العرب التصدق باللبن على الماء، وكان الضعفاء يرصدون ذلك منهم. وفي كتاب الشرب من البخاري من روى: تجلب، بالجيم، أراد تجلب لموضع سقيها، فيأتيها المصدق. ولو كان كما قَالَ لقال: أن تجلب إلى الماء دون (على الماء). ولعل البخاري يرى رأي الكوفيين أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض. وقوله: ( ((يُعار)) ) هو بياء مثناة تحت مضمومة ثم عين مهملة، كذا هنا. وروي بالمثلثة. وروي: (ثُعار أو يعار) على الشك. وروي بالغين المعجمة. وفي باب الغلول: ((شاة لها ثغاء أو يعار))(١) والثغاء للضأن، واليعار للمعز. وقال ابن سيده: اليعار: صوت الغنم، أو قيل: المعز. وقيل: هو الشديد من أصوات الشاء. وقال الفراء: الثغار ليس بشيء، إنما هو الثغاء وهو صوت الشاة فيجوز أن يكون كتب الحرف بالهمزة أمام الألف، فظنت راء. وقال صاحب ((الأفعال)): الثغور: الشاة التي تبول على حالها وتتغير فيفسد اللبن. وقوله: ( ((ببعيرٍ له رُغَاءٌ)) ) هو صوت البعير. وقوله: ( ((مثل له ماله)) ) أي جعل مثله. يريد أنه يجعل له ماله الذي كان لم يؤدِّ زكاته، أو الزكاة لم يؤدها. والأول أشبه بلفظ الحديث كما قاله ابن الأثير في ((شرح المسند)). قَالَ: ومثلت يتعدى إلى مفعولين، تقول: مثلت الشمع فرسًا. فإذا بُني لما لم يسم فاعله تعدى إلى (١) سيأتي برقم (٣٠٧٣) كتاب: الجهاد والسير. ٢٤٣ = ڪِتَابُ الزَّكَاةِ مفعول واحد، فلهذا قَالَ: ((مُثَّل له ماله شجاعًا أقرع))(١). وفي رواية الشافعي: شجاع بالرفع (٢)؛ لأنه الذي أقيم مقام الفاعل الأول لمثِّل لأنه أخلاه من الضمير، وجعل له مفعولًا واحدًا. ولا يكون الشجاع كناية عن المال الذي لم تؤدَّ زكاته. وإنما هو حقيقة حية تخلق له، تفعل به ذلك. يعضد ذلك أنه لم يذكر في رواية الشافعي ماله بخلاف رواية البخاري. وقوله: ((يطوقه)) وفي رواية: ((وحتى يطوقه))(٣) فالواو مفتوحة أي: حَتَّى يطوقه الله في عنقه، أي: يجعل له طوقًا. والهاء فيها كالأول، وهي المفعول الثاني لطوق، والمفعول الأول مضمر فيه، وهو كناية عن الشجاع، أي: يصير له طوقًا. فالهاء عائدة على الطوق؛ لأن الطوق الحية. والأقرع إنما يتمعط شعر رأسه لجمعه السم فيه. وقال أبو سعيد النيسابوري: هو الذي ذهب لحم رأسه ولصق جلدته. وإنما يكون أقرع إذا كان مرة أشعر فقرع بعد. وقال الأزهري: الشجاع: الحية الذكر، وسمي أقرع؛ لأنه يقري السم ويجمعه في رأسه حَتَّى تتمعط منه فروة رأسه. وقال القزاز في ((جامعه)): ليس على رءوس الحيات شعر، ولكن لعله يذهب جلد رأسه. وحكى اللحياني فتح الشين وضمها. قَالَ ابن دريد: الكسر (٤) أكثر في (١) ((الشافي شرح مسند الشافعي)) ٦١/٣. ط. (٢) ((الأم)) ٥٧/٢ باب: غلول الصدقة. (٣) رواها البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٨١/٤ كتاب: الزكاة، باب: ما ورد في الوعيد فیمن کنز مال الزكاة ولم يؤد زكاته. (٤) بهامش الأصل: الذي قاله ابن دريد في ((الجمهرة)) وإنما هو في الجمع، لكن في ((المطالع)) الكسر في المفرد، ولفظه وقد تكسر السين، وحكي الضم والكسر في الجمع أيضًا، وفي ((الصحاح)) الضم والكسر في المفرد والجمع والله أعلم. ٢٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- الجمع (١). وقال شَمِرُ في كتابه ((الحيات)): هو ضرب من الحيات لطيف رقيق، وهو -زعموا- أجرؤها(٢). وقال في ((الاستذكار)): قيل: إنه الثعبان. وقيل: الحية. وقيل: هو الذي يواثب الفارس والراجل، ويقوم على ذنبه. وربما (بلغ)(٣) وجه الفارس. ويكون في الصحاري. قَالَ: والأقرع الذي برأسه بياض. وقيل: كلما كثر سمه أبيض رأسه (٤). قَالَ ابن خالويه: وليس في كلام العرب اسم الحيات وصفاتها إلا ما كتبته في هذا الباب، فذكر أربعة وثمانين اسمًا. وجزم ابن بطال(6)، وابن التين بأنه الحية الذي يقوم على ذنبه، وربما بلغ رأس الفارس. وجزم ابن التين بأن الأقرع الذي لا شعر على رأسه لكثرة سمه ينحسر عنه الشعر، وهو أشد أذى. والزبيبتان: نقطتان منتفختان في شدقيه كالرغوة، يقال: إنهما يبرزان حين يهيج ويغضب. وقيل: إنهما نقطتان سوداوان على عينيه، وهي علامة الذكر المؤذي(٦). وسئل مالك عنهما - فيما حكاه ابن العربي- فقال: أراهما شيئين يكونان على رأسه مثل الفرس. وقال الداودي: هما نابان يخرجان من فيها. وأنكره بعضهم وقال: إنه لا يوجد. وقيل: يخرجان على شدقيه من الرغوة كالزبيبتين. (١) ((جمهرة اللغة)) لابن دريد ١/ ٤٧٧. (٢) أنظر: ((تاج العروس)) ٢٣٤/١١. (٣) زيادة ليست بالأصل. (٤) انظر ((الاستذكار)) ١٣٤/٩، ١٣٥. (٥) ((شرح ابن بطال)) ٤٠٢/٣. (٦) انظر: ((الاستذكار)) ١٣٥/٩، وقال: نقطتان مُسلحتان بدلا من منتفختان. ٢٤٥ كِتَابُ الزَّكَاةِ وقوله: ((بلهزمتيه)) يعني: شِدقيه، هي بكسر اللام، وقريب من هذا التفسير أن اللهزمة، اللحي، وما يتصل به من الحنك. وحكى ابن سيده فيه خلافًا. وهو راجع إلى هذا، وعبارة ابن العربي: هما الماصعتان اللتان بين الأذن والفم. قَالَ ابن دريد: لهزمه إذا ضرب لهزمته(١). وتلاوته ◌َّله الآية تدل على أنها نزلت في مانعي الزكاة. وقيل: إن المراد بها اليهود؛ لأنهم بخلوا بصفة النبي ◌ّ ر. فالمعنى: سيطوقون الإثم. وتأول مسروق أنها نزلت في من له مال فيمنع قرابته صلته، فيطوق حية كما سلف. وأكثر العلماء على أن ذلك في الزكاة المفروضة كما سلف. وادعى المهلب أن في الآية السالفة فرض زكاة الذهب، قال: ولم ينقل عن الشارع زكاة الذهب من طريق الخبر، كما نقل عنه زكاة الفضة. قلتُ: بلى، صح من حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده عن النبي ◌َّ أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات مطولًا، وفيه: ((وفي كل أربعين دينارًا دينار)) رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما، ثم قَالَ: ونص الحديث في الفضة؛ وفي الرقة ربع العشر (٢). قلتُ: قد قيل: إنها(٣) تشمل الذهب أيضًا. قَالَ: إلا أن قوله: (من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته)) يدخل في عمومه الذهب والفضة. قَالَ: وإنما لم يروا زكاة الذهب من طريق النص عن رسول الله وَير - والله أعلم؛ (١) ((الجمهرة)) ٢/ ٨٢٧. (٢) (صحيح ابن حبان)) ١٤/ ٥٠١ (٦٥٥٩) كتاب: التاريخ، باب: كتب النبي وَ﴾، ((المستدرك)) ٣٩٥/١-٣٩٧ كتاب: الزكاة. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: الضمير في (إنها) يعود على الرقة وهي أقرب مذكور. ٢٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = لكثرة الدراهم بأيديهم، وبها كان تجرهم؛ ولقلة الذهب عندهم. وكان صرف الدنانير حينئذٍ عشرة دراهم، فعدل المسلمون بخمس أواقٍ من الفضة عشرين مثقالًا وجعلوه نصاب زكاة الذهب وتواتر العمل به، وعليه جماعة العلماء أن الذهب إذا كان عشرين مثقالًا وقيمتها مائتا درهم فيها نصف دينار، إلا ما اختلف فيه عن الحسن أنه ليس فيما دون أربعين دينارًا زكاة، وهو شاذ لا يعرج عليه. وذهبت طائفة إلى أن الذهب إذا بلغت قيمته مائتي درهم ففيه زكاة، وإن كان أقل من عشرين مثقالًا، وهو قول عطاء، وطاوس، والزهري، فجعلوا الفضة أصلًا في الزكاة. ٢٤٧ كِتَابُ الزَّكَاةِ = ٤- باب مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ بَّهِ: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خمس أَوَاقٍ صَدَقٌَ)). ١٤٠٤- وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ بْنِ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، فَقَالَ أَغَابِيّ: أَخْبِرْنِ قَوْلَ اللهِ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] قَالَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ هذا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللهُ طُهْرًا لِلْأَمْوَالِ. [٤٦٦١- فتح: ٢٧١/٣] ١٤٠٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَنَا شُعَيْبُ بنُ إِسْحَاقَ قَالَ الأَوَزَاعِيُّ: أَخْبَرَنِي يَخْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ يَجْيَى بْنِ عُمَارَةَ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ يَخْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الحَسَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ ﴿ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍٍ أَوْسُقِ صَدَقَةٌ)). [١٤٤٧، ١٤٥٩، ١٤٨٤ - مسلم: ٩٧٩ - فتح: ٢٧١/٣] ١٤٠٦- حَذَّثَنَا عَلِيّ، سَمِعَ هُشَيْمًا، أَخْبَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ زَيْدِ بْنٍ وَهْبٍ قَالَ: مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرِّ ◌َ﴾، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هذا؟ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ في الذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ. قَالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الكِتَابِ. فَقُلْتُ: نَزَّلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ. فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ ه يَشْكُونٍ، فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ أَنِ آَقْدَم المدِينَةَ. فَقَدِمْتُهَا، فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثَمَانَ، فَقَالَ لِ: إِنْ شِئْتَ تَنَخَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا. فَذَاكَ الذِي أَنْزَلَنِي هذا المَنْزِلَ، وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَّيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ. [٤٦٦٠ - فتح: ٢٧١/٣] ١٤٠٧- حَدَّثَنَا عَيَّاشْ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَغَلَىِ، حَدَّثَنَا الْجُرَئِرِيُّ، عَنْ أَبِيِ العَلَاءِ، عَنِ الأَخْتَفِ بنِ قَيْسٍ قَالَ: جَلَسْتُ. وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ٢٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْجَرَئِرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو العَلَاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ، أَنَّ الأَخْنَفَ بْنَ قَیْسٍ حَدَّثَّهُمْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالْهَيْئَةِ، حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: بَشِّرِ الكَائِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدىُ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ، وَيُوضَعُ عَلَىْ نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَذْبِهِ يَتَزَّلْزَلُ. ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، وَتَبِغْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَّا لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ، فَقُلْتُ لَهُ: لَا أُرَى القَوْمَ إِلَّ قَدْ كَرِهُوا الذِي قُلْتَ. قَالَ: إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا. [مسلم: ٩٩٢- فتح: ٢٧١/٣] ١٤٠٨ - قَالَ لِي خَلِيلِ - قَالَ: قُلْتُ: مَنْ خَلِيلُكَ؟ قَالَ: النَّبِيُّ وَةِ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ أَبْصِرُ أُحُدًّا؟)). قَالَ: فَتَظَّرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ، وَأَنَا أُرِىْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يُزْسِلْنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًّا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيَ)). وَإِنَّ هؤلاء لَا يَعْقِلُونَ، إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الذُّنْيَا. لَا والله لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا، وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلَّقَى الله. [انظر: ١٢٣٧ - مسلم: ٩٤، ٩٩٢- فتح: ٣/ ٢٧٢] وقال أحمد بن شبيب بن سعيد .. فذكره بإسناده إلى ابن عمر قال: من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تُنزل الزكاة فلما أنزلت جعلها الله طهرًا للأموال. ثم ذكر حديث أبي سعيد: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، ولا فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، ولا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقِ صَدَقَةٌ)). ثم ذكر اختلاف أبي ذرِّ وَمُعَاوِيَة هل نزلت: ﴿ وَاَلَّذِينَ يَكْتِرُونَ﴾ الآية. فِي أَهْلِ الكِتَابِ. وقال أبو ذرٍّ: فِينَا وَفِيهِمْ. ثم ذكر عن الأَخْتَفَ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى ملأٍ مِنْ قُرَيْشِ، .. الحديث بطوله. ٢٤٩ كِتَابُ الزَّكَاةِ = الشرح : هُذِه الترجمة كذا رواها أبو ذر، ولأبي الحسن: (مَنْ) بدل (ما)، أي: فليس بذي كنز، وهُذِه الترجمة طبق حديث أخرجه الحاكم على شرط البخاري عن أم سلمة مرفوعًا: ((ما بَلَغَ أنْ تُؤدى زَكَاتُهُ فزكي فَلَيْسَ بِكَنْزِ)(١) ورجحه ابن القطان، وعاب على من ضعفه(٢). وفي ((مسند أحمد)) بإسناد ضعيف من حديث جابر مرفوعًا: ((أيما مال أديت زكاته فليس بكنز)) لكنه ليس على شرطه، فلذا لم يخرجه. نعم للحاكم أيضًا، وقال: على شرطهما، من حديث أبي ذر مرفوعًا: ((من رفع دنانير أو دراهم أو تبرًا أو فضة، لا يعدها لغريم، ولا ينفقها في سبيل الله، فهو كنز))(٣). وقال الإسماعيلي: إن كانت الترجمة صحيحة لما ذكره فالمعنى من هذا الوجه ليس بصحيح، وأحسبه: وقال النبي كذا، أو يقول كذا. قلتُ: بل المعنى صحيح؛ لأنه یرید أن ما دون خمس أواق لیس بکنز؛ لأنه لا صدقة فیه. فإذا زاد شيئًا علیھا ولم تؤد زكاته فهو كنز. وهُذا التعليق ذكره بعدُ مسندًا. وأثر ابن عمر أخرجه البيهقي، عن الحاكم، عن دعلج، عن أبي عبد الله محمد بن علي الصايغ، عن أحمد بن شبيب، به. وفي آخره (١) ((المستدرك)) ١/ ٣٩٠ ورواه أبو داود (١٥٦٤) بنحوه. (٢) ابن القطان في ((بيان الوهم والإيهام)) ٣٦٢/٥ - ٣٦٣ (٢٥٣٥) والذي عاب عليه ابن القطان في تضعيفه، هو عبد الحق في ((الأحكام الوسطى)) ١٦٩/٢. والحديث حسنه الألباني في ((صحيح أبي دواد)» (١٣٩٧) بشاهد له ذكره في ((صحیحته)) (٥٥٩) فلينظر غير مأمور. (٣) ((المستدرك)) ٣٨٨/١. ٢٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح --- قَالَ خالد بن شبيب: ثم التفت إلي فقال: ما أبالي لو كان مثل أحد ذهبًا أعلم عدده أزكيه وأعمل بطاعة الله(١). ورواه النسائي من حديث عقيل، عن ابن شهاب، عن خالد. قَالَ الحميدي: وليس لخالد في ((الصحيح)) غيره(٢). وحديث أبي سعيد أخرجه مسلم، والأربعة(٣)، ويأتي في زكاة الورق وغيره (٤). وقوله: (وحَدَّثَني علي، سمع هشيمًا) اختلف فيه على أقوال: فقيل: هو ابن أبي هاشم عبيد الله بن الطبراخ البغدادي. قَالَ الجياني: نسبه أبو ذر عن المستملي(٥). ولم يذكر الكلاباذي أن البخاري روى عنه هنا. قَالَ: وروى عنه في النكاح. وقيل: هو أبو الحسن علي بن مسلم ابن سعيد الطوسي نزيل بغداد. قاله الكلاباذي وابن طاهر. وقيل: هو ابن المديني(٦). ذكره الطرقي. وأثر الأحنف زاد فيه مسلم قَالَ: قلتُ: مالكَ ولإخوانك من قریش لا تعتريهم، وتصيب منهم؟ قَالَ: لا وربك. أما حكم الباب: فالكنز في كلام العرب كما قَالَ الطبري: كل شيء مجموع بعضه إلى بعض في بطن الأرض كان أو على ظهرها. وكذلك (١) ((السنن الكبرى)) ٨٢/٤ كتاب: الزكاة، باب: تفسير الكنز الذي ورد الوعيد فيه. (٢) ((الجمع بين الصحيحين)) ٩٤/٢. (٣) ((صحيح مسلم)) (٩٧٩) كتاب: الزكاة. (٤) سيأتي برقم (١٤٤٧)، و(١٤٥٩) باب: ليس فيما دون خمس ذود صدقة، و(١٤٨٤) باب: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة. (٥) (تقييد المهمل)) ١٠٠٠/٣. (٦) ورد بهامش الأصل: وكل منهم روى عنه البخاري في ((الصحيح)). ٢٥١ = ڪِتَابُ الزَّكَاةِ تقول العرب للشيء المجتمع مكتنز لانضمام بعضه إلى بعض(١). واختلف السلف في معنى الكنز فقال بعضهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤد زكاته. وقالوا: معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا يؤدون زكاتها. وهذا قول الفاروق(٢)، وابنه(٣)، وابن عباس(٤)، وعبيد بن عمير(٥)، وجماعة. وقال آخرون: الكنز: ما زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز، وإن أديت زكاته. وسلف عن علي(٦). وقال آخرون: الكنز ما فضل عن حاجة صاحبه إليه. وهذا مذهب أبي ذر. روي أن نَصْل سيف أبي هريرة كان من فضة فنهاه عنه أبو ذر وقال: إن رسول الله وَل﴿ قَالَ: ((مَنْ تَرََكَ صفراءَ أو بيضاء گُوي پِها)»(٧). واتفق أئمة الفقهاء على قول الفاروق ومن تبعه، واحتج له بنحو ما شرع له البخاري فقال: الدليل أن كل ما أديت زكاته فليس بكنز إيجاب الله على لسان رسوله 183 في كل خمس أواقٍ ربع عشرها. (١) ((تفسير الطبري)) ٣٦١/٦. (٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٠٨/٤ (٧١٤٦) كتاب: الزكاة، باب: إذا أديت زكاته فليس بكنز، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤١١/٢ (١٠٥١٦) كتاب: الزكاة، ما قالوا في المال الذي تؤدی زکاته فلیس بكنز. (٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٠٦/٤-١٠٧ (٧١٤٠-٧١٤٢)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤١١/٢ (١٠٥١٩)، الطبري في ((تفسيره)) ٣٥٧/٦، ٣٥٨ (١٦٦٦٤-١٦٦٦٨). (٤) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤١١/٢ (١٠٥٢٠). (٥) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤/ ١٠٧ (٧١٤٣). (٦) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٦/ ٣٥٨ (١٦٦٧٤)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٦/ ١٧٨٨ (١٠٠٨٢). (٧) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٥٩/٦ (١٦٦٧٥). ٢٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فإذا كان ذلك فرض الله على لسان رسوله وير فمعلوم أن الكنز من المال -وإن بلغ الوفاء- إذا أديت زكاته فليس بكنز، ولا يحرم على صاحبه أكتنازه؛ لأنه لم يتوعد الله تعالى عليه بالعقاب، وإنما توعد على كل ما لم يؤد زكاته، وليس في القرآن بيان كم ذلك القدر من الذهب والفضة إذا جمع بعضه إلى بعض استحق جامعه الوعيد. فكان معلومًا أن بيان ذلك إنما يؤخذ من وقف رسول الله وَ له، وهو ما بيناه أنه المال الذي لم يؤد حق الله منه من الزكاة دون غيره من المال. وإنما كتب معاوية إلى عثمان يشكو أبا ذر؛ لأنه كان كثير الاعتراض عليه والمنازعة له، فوقع في جيشه تشتيت من ميل بعضهم إلى قول أبي ذر فلذلك أقدمه عثمان إلى المدينة إذ خشي الفتنة في الشام ببقائه؛ لأنه كان رجلًا شديدًا لا يخاف في الله لومة لائم. وكان هذا توقيرًا من معاوية لأبي ذر. كتب إلى عثمان لا على أن يستجليه، وصانه معاوية من أن يخرجه فيكون عليه وصمة، وذكر الطبري أنه حين كثر الناس عليه بالمدينة يسألونه عن سبب خروجه من الشام خشي عثمان من التشتيت بالمدينة ما خشيه معاوية بالشام، فقال له: تنح قريبًا. قَالَ له: إني والله لن أدع ما كنت أقوله(١). ففيه من الفقه: أنه جائز للإنسان الأخذ بالشدة في الأمر بالمعروف وإن أدى ذلك إلى فراق وطنه. وفيه: أنه جائز للإمام أن يخرج من توقع ببقائه فتنة بين الناس. وفيه: ترك الخروج على الأئمة والانقياد لهم، وإن كان الصواب في خلافهم. (١) ((تاريخ الطبري)) ٦١٥/٢. ٢٥٣ = ڪِتَابُ الزَّكَاةِ وفيه: جواز الاختلاف والاجتهاد في الآراء، ألا ترى أن عثمان ومن كان بحضرته من الصحابة لم يرد أبا ذر عن مذهبه، ولا قالوا : إنه لا يجوز لك اعتقاد قولك؛ لأن أبا ذر نزع بحديث رسول الله وليه واستشهد به، وذلك قوله وَله: (مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ)). وذلك حين أنكر على أبي هريرة نصل سيفه استشهد على ذلك بقوله وَله: (مَنْ تَرََكَ صفراءَ أو بَيْضاءَ كُوِيَ بِها))(١). وهذا حجة في أن الاختلاف في العلم باق إلى يوم القيامة لا يرتفع إلا بالإجماع، وقد روى ابن أبي شيبة من حديث الأحنف بن قيس قَالَ: كنت جالسًا في مسجد المدينة فأقبل رجل لا تراه حَلْقَةٌ إلا فروا منه، حَتَّى أنتهى إلى الحلقة التي كنت فيها فثبت وفروا، فقلت: علام يفر الناس منك؟ قَالَ: إني أنهاهم عن الكنوز قلتُ: إن أُعطياتنا قد ارتفعت وكثرت فتخاف علينا منها؟ قَالَ: أما اليوم فلا، ولكنها توشك أن تكون أثمان دينكم، فدعوهم وإياها (٢). والربذة: على ثلاث مراحل من المدينة، حمى عمر كما ستعلمه، والربذة أيضًا: موضع بين بغداد ومكة (٣)، قاله (الرشاطي)(٤). وأما حديث أبي سعيد فلنقدم الكلام فيه هنا استباقاً للخيرات وإن قلنا فيما مضى: إنه يأتي. فنقول: الأواق جمع أوقية، وهي ما كان (١) ((تفسير الطبري)) ٣٥٩/٦ (١٦٦٧٥). (٢) ((المصنف)) ٢/ ٤٢٧ (١٠٦٩٥) كتاب: الزكاة، ما ذكر في الكنز والبخل بالحق في المال، و١٤١/٧ (٣٤٦٨٠) كتاب: الزهد، كلام أبي ذر ، و٤٦٩/٧ (٣٧٢٨٩) كتاب: الفتن، من كره الخروج في الفتنة وتعوذ منها. (٣) ((معجم ما استعجم)) ٦٣٣/٢-٦٣٤، و((معجم البلدان)) ٢٤/٣-٢٥. (٤) في (م): الدمياطي. ٢٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -= يوزن بها الفضة، وزنتها أربعون درهمًا، ومن ادَّعى أنها لم تكن معلومة إلى أيام عبد الملك فهو غلط، فكيف يوجب الشارع الزكاة في أعداد منها، وتقع بها البياعات والأنكحة، وجمعها: أواقي. بتشديد الياء وتخفيفها، وقال ابن التين: بدون الياء مع التخفيف، كما يقال: أضحية وأضاح. ورواه البخاري في باب: ليس فيما دون خمس ذود صدقة، بلفظ : ((وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ من الورقِ صَدَقَةٌ)) (١)، والورق -بفتح الواو وكسرها مع إسكان الراء، وفتح الواو وكسر الراء -: الدراهم. وربما سميت: ورقة. والرقة: الفضة والمال، عن ابن الأعرابي، وقيل: الفضة والذهب عن ثعلب، حكاه ابن سيده (٢). وإنكار (النووي)(٣) على صاحب ((البيان)) في قوله: الرقة: الذهب والفضة. ليس بجيد. وفي ((الذخيرة)) للقرافي أن الدرهم المصري أربعة وستون حبة، وهو أكثر من درهم الزكاة، فإذا أسقطت الزيادة كان النصاب من دراهم مصر مائة وثمانين درهمًا وحبتين(٤). وفي ((فتاوى الفضل)): دراهم كل بلد ودنانيرهم. قلتُ: وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، هذا هو المستقر عليه، ولا شيء في المغشوش عندنا حَتَّى يبلغ خالصه نصابًا (٥). وعند أبي حنيفة: إذا كان الغالب الغش فهي كالعروض والقيمة، وفيما زاد على النصاب بحسابه، وفاقًا للشافعي وأحمد ومالك (١) سيأتي برقم (١٤٥٩). (٢) ((المحكم)) ٣٤٤/٦. (٣) في (م): الثوري، وهو خطأ بين. (٤) ((الذخيرة)) ١٠/٣. (٥) انظر: ((حلية العلماء)) ٧٩/٣. ٢٥٥ كِتَّابُ الرِّكَاةِ = والصاحبين وجماعات(١)، وقال أبو حنيفة: لا شيء في الزيادة، حَتَّى تبلغ أربعين، فربع العشر، وهو درهم(٢)، وهو قول الأوزاعي وجماعات. وسيأتي الكلام واضحًا عليه في بابه. وقوله: (((ولا فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ)) ) المشهور إضافة خمس إلى ذود، وروي بتنوين خمس؛ وتكون ذود بدلًا منها؛ والمعروف الأول، والذود من الثلاثة إلى العشرة من الإبل، لا واحد له من لفظه على الأصح، والواحد: بعير. وقال أبو عبيد: هو ما بين ثلاث إلى تسع. قَالَ: وهو مختص بالإناث. وقال شمر فيما حكاه ابن الجوزي في ((غريبه)): ما بين ثنتين إلى التسع. وقدمه ابن الأثير على الثلاث إلى العشر. قَالَ: والحديث عام في الذكور والإناث(٣). وقيل: من ثلاث إلى خمس عشرة. وقيل: إلى عشرين. حكاهما ابن سيده(٤)، وأنكر ابن قتيبة أنه لا يقال: خمس ذود. كما لا يقال: خمس ثوب. وغلطوه فيه، وليس جمعًا لمفرد، وروي: خمسة ذودٍ. في ((صحيح مسلم)) (٥)، وهو صحيح؛ لانطلاقه على المذكر والمؤنث. و(«دُونَ)) معناه: أقل. وأبعد من قَالَ: إنها بمعنى: غير. (١) انظر: ((بدائع الصنائع)) ١٧/٢، ((الأخيرة)) ١٣/٣، ((حلية العلماء)) ٧٩/٣، «المغني)) ٢١٣/٤. (٢) أنظر: ((بدائع الصنائع)) ١٧/٢. (٣) ((النهاية)) ١٧١/٢. (٤) ((المحكم)) ١١٩/١٠. (٥) قال النووي: قد ضبطه الجمهور خمس ذود، ورواه بعضهم خمسة ذود، وكلاهما لرواة كتاب مسلم والأول أشهر. ((مسلم بشرح النووي)) ٥١/٧. ٢٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح === والأوسق: جمع وسق، بفتح الواو وكسرها، أشهرهما الفتح، ولم يذكر الجوهري سوى (الفتح)(١)(٢). قَالَ شمر: كل شيء وسقته إذا حملته. وقال غيره: الضم، وهو ستون صاعًا، والصاع: أربعة أمداد، والمد: رطل وثلث بالبغدادي، وهو مائة وثلاثون على ما صححه الرافعي، وذكر ابن المنذر أن علماء الأمصار زعموا أن الزكاة ليست واجبة فيما دون خمسة أوسق، إلا أبا حنيفة وحده قَالَ: تجب في كل ما أخرجته الأرض من قليل أو كثير إلا الحطب والقضب والحشيش والشجر الذي ليس له ثمر. والحديث دال على عدم وجوب الزكاة فيما كان دون هذا المقدار، ووجوبها في هذا المقدار فما فوقه. والمراد بالصدقة: الزكاة. وقد سمى الله تعالى الزكاة صدقة فقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَفَّةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] وقام الإجماع على أن ما دون خمس ذود من الإبل لا صدقة فيه كما ستعلمه في بابه. والأحنف لقب، واسمه فيما ذكره المرزباني: صخر. قال: وهو الثبت. ويقال: الضحاك. ويقال: الحارث بن قيس بن معاوية. ووقع لابن دحية في ((مستوفاه)) أن اسمه: قيس. وإنما قيس والده كان أحنف برجليه جميعًا، قاله الجاحظ في ((العرجان))، والهيثم وغيره في ((العوران)). قَالَ الجاحظ: ولم يكن له إلا بيضة واحدة. قَالَ: وقال أبو الحسن: ولد مرتتق خثار الاست حَتَّى شق وعولج. وقال أبو يوسف في ((لطائف المعارف)): كان أصلع، متراكب الأسنان، مائل (١) في الأصل: (الكسر) وهو خطأ. (٢) (الصحاح)) ٢/ ٤٧١. ٢٥٧ كِتَابُ الزَّكَاةِ الذقن. وقال المنتجالي في ((تاريخه)): كان دميمًا قصيرًا كوسجًا. وقوله فيه: (ملأ مِنْ قُرَيْشٍ) يعني: الأشراف منهم. وحسن الشعر بالحاء المهملة، وروي بالخاء المعجمة من الخشونة، وهو اللائق بزي أبي ذر وطريقته وتواضعه. ولمسلم: أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه (١). بخاء وشين معجمتين، وهي رواية الأكثرين. ولابن الحذاء في الآخر خاصة بالحاء المهملة من الحسن، ولا شك أن من تأهب للمقام بين يدي الرب فليحسن حاله من غير إسراف. وقوله: (بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفٍ) أي: أجعل لهم -يعني: الجماعين- مكان البشارة. والرضف -بالضاد المعجمة- وهي: الحجارة المحماة بالنار. قَالَ الهروي: وفي حديث أبي ذر: (بشر الكنازين برضفة من الناغض). أي: بحجر يحمى فيوضع على ناغضه. وفي الأصل هنا: الكانزين. وللطبري وغيره بالثاء المثلثة، وراء مهملة من الكثرة، والمعروف خلافه. والصحيح كما قَالَ القاضي: أن إنكار أبي ذر كان على السلاطين الذين يأخذون المال من بيته لأنفسهم ولا ينفقونه في وجهه(٢). وأبطله النووي بأن السلاطين في زمنه لم تكن هذِه صفتهم (٣). والحلمة: ما نشر من الثدي وطال، ويقال لها: قراد الصدر. وفيه: استعمال الثدي للرجل، وإن كان الفصيح خلافه، وأنه لا يقال: ثدي إلا للمرأة، ويقال للرجل: ثندوة(*). (١) ((صحيح مسلم)) (٩٩٢) كتاب: الزكاة، باب: في الكنازين للأموال والتغليظ علیهم. (٢) ((إكمال المعلم)» ٣/ ٥٠٧. (٣) ((مسلم بشرح النووي)) ٧/ ٧٧. (٤) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: بفتح الثاء بلا همز وبضمها مع الهمز، أما = ٢٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = والنُّغض -بضم النون، وحكى ابن التين عن عبد الملك فتحها، ثم غين معجمة -: الغضروف من الكتف. وقال الخطابي: الشاخص منه. سمي به؛ لأنه يتحرك من الإنسان في مشيه، ومنه ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ [الإسراء: ٥١]. رءوسهم وقوله: (يتزلزل). أي: يتحرك، قال عياض: والصواب أن الحركة والتزلزل إنما هو للرضف من نغض كتفه حَتَّى يخرج من حلمة ثديه(١). ووقع في بعض النسخ: (حَتَّى يخرج من حلمة ثدييه): بإفراد الثدي في الأول وتثنيته في الثاني. والدنانير الثلاثة المؤخرة في الحديث: واحد لأهله، وآخر لعتق رقبة، وآخر لدين. ذكره القرطبي(٢). وفي قوله: (بَشِّرِ الكَانِزِينَ) بكذا؛. وجوب مبادرة إخراج الزكاة عند حولها، والتحذير من تأخيرها. وقوله: (ما أُرى القَوْمَ إِلَّا قَدْ كَرِهُوا الذِي قُلْتَ) إنما أراد أن يستخرج ما عنده. وقوله: (قَالَ خليلي) لا تنافي بينه وبين قوله: ((لو كنت متخذًّا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلً))(٣) كما في قول أبي هريرة وغيره: سمعت خليلي. = الجوهري فإنه قال: الثدي للرجل والمرأة، وأما ابن فارس فأشار إلى تخصيص المرأة به، وقد ثبت في الحديث أن رجلًا وضع سنيه بين ثدييه وكذلك هذا الحدیث أيضًا. ((إكمال المعلم)) ٥٠٦/٣. (١) (٢) «المفهم)» ٣٤/٣. (٣) سلف برقم (٤٦٦-٤٦٧) كتاب: الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد، وأخرجه مسلم برقم (٢٣٨٢) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصدیق ٢٥٩ كِتَابُ الزَّكَاةِ وقوله: (﴿وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾﴾ [النساء: ١٢٥] أي: إنه خليل الله فقط، فاعلمه. وقوله: ( ((يا أبا ذر، أتبصرُ أحدًا؟)) ) فيه تكنية الشارع لأصحابه، والذر: جمع ذرة، وهي: النملة الصغيرة. ذكر أن أبا ذر لما أتى النبي وَالر فأسلم ثم انصرف إلى قومه، فأتاه بعد مدة، فتوهم اسمه فقال: ((أنتَ أبو نَمْلة)) قَالَ أبو ذر: يا رسول الله، بل أبو ذر(١). واسمه: جندب بن جنادة. وقوله: ((أتبصرُ أحدًا؟)) قَالَ: فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار. إنما نظر لها؛ لأنها تعلوه عند الغروب، وهو مثل لتعجيل الزكاة. يقول: ما أحب أن أحبس ما أوجبه الله بقدر ما بقي من النهار. وقوله: (وأنا أُرى أن رسول الله (وَلَه يرسلني). أُرى - بضم الهمزة وفتح الراء- أي: أظن. وفيه أنه كان يرسل فاضل أصحابه، يفضلهم بذلك لأنه يصير رسول رسول الله وَّر. وقيل في قوله: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] إنهم رسل بعض رسل الله. وقوله: ( ((مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ)) ). في بعض الروايات: ((أُنْفِقُهُ في سبيل الله))(٢) يقول: ما أحب أن يكون لي وأنفق منه ثلاثة دنانير بعد أن أنفقه. (١) رواه ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٢١٧/٤-٢١٨. (٢) رواه أحمد ١٤٩/٥، والبزار في ((مسنده» ٣٤٢/٩ (٣٨٩٩)، والطبراني في ((الأوسط)» ٢٨٤/٣ (٣١٥٩)، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ١٢٠/٣، رواه أحمد، وفيه: سالم بن أبي حفصة، وفيه كلام. وصححه الألباني كما في ((الصحيحة)) ١٤٣٩/٧ (٣٤٩١). ٢٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وفي أخرى: («تمر عليَّ ثلاث وعندي منه شيء إلا شيئًا أرصده لدين))(١). وقول أبي ذر: (إن هؤلاء لا يعقلون). أي: لم يعتبروا زوال الدنيا فیزهدوا. وقوله: (لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا) يقول: ما لي لا أعظهم وأنصح لهم، ولست أسألهم دنيا، فأخاف منعهم. وقوله: (وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ) يعني: القوم الذين قام عنهم؛ لأنهم لم ينظروا لأنفسهم فيتركوا الدنيا، فكيف يستفتيهم غيرهم ويهتدي بهم في دینھم؟ فائدة: قَالَ سحنون: ترك الدنيا زهدًا أفضل من كسبها من الحلال وإنفاقها في السبيل. قَالَ بعضهم: وهذا الحديث يشهد له. فرع: لا يضم الذهب إلى الفضة عندنا (٢)، وخالف أبو حنيفة ومالك فيه(٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] ولم يخص كما لو كان معه مائة درهم وعرض يساوي مائة، أما إذا كان مديرًا قَالَ مالك: فيعدل المثقال بعشرة دراهم، فإذا كانت معه مائة درهم وعشرة دنانير ضما، وإن كانت تسعة دنانير تساوي مائة فلا (٤). واعتبر أبو حنيفة القيمة كمن له مائة درهم وخمسة دنانير تساوي مائة ضُمَّا(٥). (١) سيأتي برقم (٦٤٤٥) كتاب: الرقاق، باب: قول النبي ◌َّيقول: ((ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهب)). (٢) أنظر: ((روضة الطالبين)) ٢٥٧/٢. (٣) أنظر: ((الهداية)) ١١٣/١، ((عيون المجالس)) ٥٢٤/٢. (٤) انظر: ((المعونة)) ٢١٠/١. (٥) أنظر: ((الهداية)) ١١٣/١.