Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كِتَابُ الجَنَائِزِ
=
وبحديث أبي سعيد مرفوعًا: ((ألا إن بني آدم خلقوا طبقات، فمنهم
من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا .. ))(١)
إلى آخر الحديث بالقسمة الرباعية، ففيه وفي غلام الخضر ما يدل على
أن قوله: ((كل مولود)» ليس على العموم، وأن المعنى فيه، أن كل مولود
يولد على الفطرة وأبواه (يهوديان أو نصرانيان)(٢)، فإنهما يهودانه
أو ينصرانه، ثم يصير عند بلوغه إلى ما يحكم به عليه، ودفعوا رواية
من روى: ((كل بني آدم يولد على الفطرة)).
قالوا: ولو صح هذا اللفظ ما كان فيه حجة؛ لأن الخصوص جائز
دخوله على لفظة ((كل)) قَالَ تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]
ولم تدمر السماء والأرض وقال ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾
[الأنعام: ٤٤] ولم يفتح عليهم أبواب الرحمة.
وذكروا في ذلك رواية الأوزاعي، عن الزهري، عن حميد، عن أبي
هريرة: ((كل مولودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ
(١) حديث أبي سعيد جزء من حديث طويل رواه الترمذي (٢١٩١) كتاب: الفتن،
باب: ما جاء ما أخبر النبي ◌َّم أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقال: هذا
حديث حسن صحيح. والحميدي ٢/ ١٧ (٧٦٩)، وأحمد ١٩/٣، وأبو يعلى ٢/
٣٥٢-٣٥٣ (١١٠١)، والحاكم ٥٠٥/٤-٥٠٦ وقال: تفرد بهُذِه السياقة علي بن
زيد بن جدعان عن أبي نضرة، والشيخان لم يحتجا بعلي بن زيد وقال الذهبي: ابن
جدعان صالح الحديث.اه -. والحديث رواه أيضًا البيهقي في ((الشعب)) ٣٠٩/٦-
٣١٠ (٨٢٨٩) باب: في حسن الخلق، والبغوي في ((شرح السنة)) ٢٣٩/١٤ -٢٤٢
(٤٠٣٩) باب: في التجافي عن الدنيا، وقال: هذا حديث حسن، وقال الألباني:
إسناده ضعيف. ((مشكاة المصابيح)) ١٤٢٤/٣ (٥١٤٥)، وقال أيضًا في ((ضعيف
الترمذي)): ضعيف لكن بعض فقراته صحيح، وانظر ((الضعيفة)) (٢٩٢٧).
(٢) في الأصل: (يهودان أو ينصران)، والمثبت هو الموافق للسياق.

١٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
أَوْ يُمَجِّسَانِهِ))(١). قَالَ الأوزاعي: وذلك بقضاء.
وفي حديث معمر: ((كما تنتج البهيمةُ بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها
مِنْ جدعاء)). يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٢) [الروم: ٣٠] ولم يختلف في هذا اللفظ عن معمر،
وكذا حديث سمرة في الرؤيا عن النبي وَلجر: ((كلَّ مَوْلودٍ يُولَدُ عَلَى
الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ)) هُذا لفظه.
وفي حديث أبي رجاء، عن سمرة: ((وأمَّا الرجلُ الطويل الذي في
الرَّوضةِ فإنَّه إبراهيم، وأمَّا الوِلدَان الذين حوله فكل مَوْلودٍ يُولَدُ عَلَى
الفِطْرَةِ))(٣).
وقال آخرون: المعنى في كل ذلك: كل مولود من بني آدم، فهو يولد
على الفطرة أبدًا، وأبواه يحكم له بحكمهما، وإن كان ولد على الفطرة
حَتَّى يكون ممن يعبر عنه لسانه، يدل على ذلك رواية من روى: ((كلَّ بني
آدَمَ يُولد على الفطرة)». وحق الكلام أن يحمل على عمومه، وحديث أبي
هريرة مرفوعًا: ((الله أعلمُ بما كانوا عامِلين)) وروى أبو سلمة عنه مرفوعًا :
((ما من مَوْلودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ)) ثم قرأ: الآية ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾، الآية
[الروم: ٣٠] وبنحوه رواه الليث عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي
سلمة. وذكر حديث إبراهيم والوٍلْدَان من حوله: أولاد الناس، قالوا:
(١) رواها ابن حبان ٣٣٦/١ (١٢٨) كتاب: الإيمان، باب: الفطرة، والبيهقي ٦/
٢٠٣ كتاب: اللقطة، باب: الولد يتبع أبويه في الكفر، والذهلي في ((الزهريات))
كما ذكره ابن حجر في ((الفتح)) ٢٤٨/٣.
(٢) رواه مسلم (٢٦٥٨) كتاب: القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة،
وأحمد ٢٧٥/٢، وعبد الرزاق ١١٩/١١-١٢٠ (٢٠٠٨٧) كتاب: الجامع،
باب: القدر، وابن حبان ٣٣٨/١-٣٣٩ (١٣٠) كتاب: الإيمان، باب: الفطرة.
(٣) سيأتي برقم (٧٠٤٧) كتاب: التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح.

١٠٣
- كِتَابُ الجَنَائِزِ
فهذِه الأحاديث تدل ألفاظها على أن المعنى: الجميع يولدون على
الفطرة(١). انتهى.
أما حديث أبي سعيد: ففيه ابن جدعان، وهو ضعيف ثم لا معارضة
بينه وبين من قَالَ بالعموم؛ لأنه من ولد مؤمنًا وعاش عليه ومات عليه،
وكذا عكسه وما أشبهه كله راجع إلى علم الله تعالى، فإنه قد يولد الولد
بين مؤمنين، والعياذ بالله يكون سبق في علم الله تعالى غير ذلك، وكذا
من ولد بين كافرين، وإلى هذا أيضًا يرجع غلام الخضر.
قَالَ أبو عمر: وقد اختلف العلماء في هذِه الفطرة، فذكر أبو عبيد أنه
سأل محمد بن الحسن عن معنى هذا الحديث، فما أجابه بأكثر من أن
قَالَ: هذا القول من رسول الله بَّر، قبل أن يؤمر الناس بالجهاد. كأنه
حاد عن الجواب إما لإشكاله أو لكراهة الخوض فيه. وقوله: قبل أن
يؤمر الناس بالجهاد غير جيد؛ لأن في حديث الحسن عن الأسود بن
سريع بيان أن ذلك كان بعد الجهاد وهو قوله: قَالَ رسول الله وَ له :
((ما بال قوم بلغوا في القتل إلى الذرية، إنه ليس من مولود إلا وهو
يولد على الفطرة فيعبر عنه لسانه))(٢) وهو حديث بصري صحيح(٣).
(١) ((التمهيد)) ٣٥٠/٦-٣٥٣.
(٢) رواه النسائي في (الكبرى)) ١٨٤/٥ (٨٦١٦) كتاب: السير، باب: النهي عن قتل
ذراري المشركين، وأحمد ٤٣٥/٣، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ٢/
٣٧٥ (١١٦٠)، والطبراني في ((الكبير)) ٢٨٤/١ (٨٢٩، ٨٣٢)، والحاكم في
((المستدرك)) ١٢٣/٢ كتاب: الجهاد، والبيهقي في ((السنن)) ٩/ ٧٧ كتاب: السير،
باب: النهي عن قصد النساء والولدان بالقتل، وقال الحاكم: صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» ٣١٦/٥: رواه أحمد
والطبراني، وبعض أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح.
(٣) ((التمهید» ٣٥٣/٦-٣٥٥.

١٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال أبو نعيم: مشهور ثابت(١).
قلتُ: فيه نظر؛ لأن ابن معين وجماعة أنكروا سماع الحسن من
الأسود .
وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)): ((ما مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا عَلَى فِطْرَةِ
الإِسلام حتى يعرب)»(٢).
وقال أبو حاتم: يريد الفطرة التي يعهدها أهل الإسلام، حيث أخرج
الخلق من صلب آدم، فأقروا له بتلك الفطرة من الإسلام، فنسبت الفطرة
إلى الإسلام عند الاعتقاد، على سبيل المجاورة(٣).
وروى عوف الأعرابي، عن أبي رجاء عن سمرة عن النبي وَّ: ((كلّ
مَوْلودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ)) فناداه الناس يا رسول الله وأولاد المشركين فقال
رسول الله وهو: (وأولاد المشركين)).
وقال ابن المبارك: تفسيره: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)).
وقالت جماعة: الفطرة هنا: الخلقة التي يخلق عليها المولود من
المعرفة، فكأنه قَالَ كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه جَلَّ وعَزَّ
إذا كبر وبلغ المعرفة، يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل
بخلقتها إلى معرفة ذلك.
قَالَ: وأنكروا أن يكون المولود يُفْطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار
وإنما يولد على السلامة في الأغلب خلقة وطبعًا، وبنية ليس فيها إيمان
ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة، ثم يعتقدون الإيمان أو غيره إذا ميزوا.
واحتجوا بقوله: ((كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ)) يعني: سالمة.
(١) ((حلية الأولياء)) ٢٦٣/٨.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ٣٤١/١ (١٣٢) كتاب: الإيمان، باب: الفطرة.
(٣) ((صحيح ابن حبان)) ٣٤٢/١.

١٠٥
ـ كِتَابُ الجَنَّائِرِ
((هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ)). يعني: مقطوعة الأذن. فمثَّل قلوب بني آدم
بالبهائم؛ لأنها تولد کاملة الخلق ليس فيها نقص ثم تجدع، فكذا يكون
الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر حينئذ ولا إيمان ولا معرفة ولا
إنكار مثل البهائم السالمة، فلما بلغوا استهواهم الشيطان فكفر أكثرهم
إلا من عصم الله.
قالوا: ولو كان الأطفال قد فطروا على الكفر أو الإيمان في أول
أمرهم فما أنقلبوا عنه أبدًا، وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون، ويستحيل
أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل شيئًا؛ لأن الله تعالى أخرجهم
في حال لا يفقهون معها شيئًا، فمن لا يعلم شيئًا استحال منه كفر أو
إيمان أو معرفة أو إنكار.
قَالَ أبو عمر: وهذا القول أصح ما قيل في معنى الفطرة هنا، وذلك
أن الفطرة: السلامة والاستقامة بدليل حديث عياض بن حمار،
قَالَ رسول الله وَلّ: ((قَالَ الله تبارك وتعالى: إني خلقت عبادي
حنفاء)) (١) أي: على استقامة وسلامة، والحنيف في كلام العرب:
المستقيم السالم (٢). وذكر الباقلاني في نقض كتاب ((العمد)» للجاحظ،
أن المراد: أن كل مولود يولد في دار الإسلام فحكمه حكم الدار،
وأنه لاحق بكونه مولودًا موجودًا بأحكام المسلمين في تولي أمره
ووجوب الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، ومنعه من اعتقاد غير
(١) رواه مسلم (٢٨٦٥) كتاب: الجنة والنار، باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا
أهل الجنة وأهل النار، وأحمد ١٦٢/٤، الطبراني في ((الكبير) ٣٦١/١٧ -٣٦٢
(٩٩٥)، وفي ((الأوسط)) ٢٠٦/٣ (٢٩٣٣)، البيهقي ٩/ ٢٠ كتاب: السير، باب:
أصل فرض الجهاد.
(٢) انظر: ((التمهيد)) ٦/ ٣٥٤ - ٣٥٦.

١٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
الإسلام إذا بلغ.
وقال آخرون: الفطرة هنا: الإسلام، وهو المعروف عند السلف من
أهل العلم بالتأويل، فإنهم أجمعوا في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]. قالوا: هي دين الإسلام، واحتجوا بقول أبي
هريرة اقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اٌللَّهِ﴾ الآية. وبحديث عياض السالف.
وبقوله ◌َ﴾: ((خمس من الفطرة)) فذكر قص الشارب والاختتان وذلك
من سنن الإسلام، وإليه ذهب أبو هريرة وعكرمة والحسن وإبراهيم
والضحاك وقتادة والزهري، وعلى هذا معنى قوله: ((بهيمة جمعاء))
يقول: خلق الطفل سليمًا من الكفر مؤمنًا مسلمًا على الميثاق الذي
أخذ على الذرية ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قَالَ: ويستحيل أن
يكون على الفطرة هنا الإسلام؛ لأن الإسلام والإيمان: قول باللسان
واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وهذا معدوم في الطفل.
وقال آخرون: معنى الفطرة هنا: البداءة التي ابتدأهم عليها أي:
على ما فطر الله تعالى عليه خلقه من أنه ابتدأهم للمحيا والموت
والسعادة والشقاوة، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من [ميولهم
عن](١) آبائهم واعتقادهم، وذلك ما فطرهم عليه مما لا بد من مصيرهم
إليه، وكأنه قَالَ: كل مولود يولد على ما ابتدأه الله عليه. واحتجوا بما
رواه مجاهد، عن ابن عباس قَالَ: لم أدر ما ﴿فَاطِرِ السَّمَوَتِ﴾ [فاطر: ١]
حَتَّى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، فقَالَ: أحدهما أنا فطرتها أي:
١
(٢)
ابتدأتها (٢).
(١) زيادة يقتضيها السياق، أثبتناها من ((التمهيد)) ٦/ ٣٦٠.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٥٨/٥ (١٣١١٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٢/
٢٥٨ (١٦٨٢) باب: في طلب العلم، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٣٦٠/٦.

١٠٧
كِتَابُ الجَنَائِزِ
وقال محمد بن نصر المروزي، وهذا المذهب شبيه بما حكاه
أبو عبيد، عن ابن المبارك قَالَ: وقد كان أحمد يذهب إلى هذا القول
ثم تركه، ومذهب مالك نحو هذا.
وقال آخرون: معناه أن الله فطرهم على الإنكار والمعرفة وعلى
الكفر والإيمان، فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم فقال:
﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ قالوا جميعًا: ﴿بَلَى﴾. وأما أهل السعادة فقالوا
جميعًا: بلى على معرفة له طوعًا من قلوبهم، وأما أهل الشقاوة
فقالوا: بلى، كرهًا لا طوعًا. تصديق ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَهُ: أَسْلَمَ
مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] وكذا قوله:
ج
﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ ﴿ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾ [الأعراف:
٢٩، ٣٠].
قَالَ المروزي: وسمعت ابن راهويه يذهب إلى هذا، واستدل بقول
أبي هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣] الآية. قَالَ
إسحاق: لا تبديل لخلقته التي جبل عليها بني آدم كلهم من الكفر
والإيمان والمعرفة والإنكار. واحتج أيضًا بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ
بَنِيّ ءَدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية.
قَالَ إسحاق: أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد. واحتج
بحديث أبي بن كعب يرفعه في غلام الخضر فكان الظاهر ما قَالَ موسى:
(أقتلت نفسًا زاكية)(١) [الكهف: ٧٤]، فأعلم الله الخضر ما كان الغلام
عليه من الفطرة التي فطره عليها وهي الكفر. وكان ابن عباس يقرأ.
(وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين) [الكهف: ٨٠].
(١) قراءة: أبي جعفر، ونافع، ورويس عن يعقوب، وأبي عمرو. «الكوكب الدري))
ص٤٨١.

١٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قَالَ إسحاق: فلو ترك الشارع ولم يبين لهم حكم الأطفال، لم
يعرفوا المؤمن منهم من الكافر؛ لأنهم لا يدرون ما جبل كل واحد
منهم عليه حين أخرج من ظهر آدم، فبين لهم حكم الطفل في الدنيا
فقال: ((أبواه يهودانه أو ينصرانه)) يقول: إنهم لا يعرفون ما طبع عليه
في الفطرة الأولى، ولكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه، فأعرفوا
ذلك بالأبوين، فمن كان صغيرًا بين أبوين مسلمين التحق بحكمهما.
واحتج أيضًا بحديث عائشة حين مات صبي من الأنصار بين أبوين
مسلمين فقالت عائشة: طوبى له عصفور من عصافير الجنة. فرد عليها
رسول الله ◌َي فقال: ((مه يا عائشة، وما يدريك؟ إن الله تعالى خلق
الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق النار وخلق لها أهلًا))(١).
قَالَ إسحاق: فهذا الأصل الذي نعتمده ويعتمد عليه أهل العلم. قَالَ
أبو عمر: وقول إسحاق: إن الفطرة المعرفة (٢)، فلا يخلو من أن يكون
أراد بقوله أن الله تعالى خلق الأطفال وأخرجهم من بطون أمهاتهم؛
ليعرف منهم العارف ويعترف فيؤمن، وينكر منهم المنكر ما يعرف
فيكفر، وذلك كله قد سبق به لهم قضاء الله وتقدم فيه علمه، ثم
يصيرون إليه، فتصح منهم المعرفة والإيمان والكفر والجحود، وذلك
عند التمييز والإدراك. فذلك ما قلنا، أو أراد أن الطفل يولد عارفًا
مقرًا مؤمنًا أو عارفًا جاحدًا منكرًا كافرًا في حين ولادته، فهذا ما
يكذبه العيان والعقل، ولا أعلم أصح من الذي بدأنا به.
(١) رواه مسلم (٢٦٦٢) كتاب: القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة، وأبو
داود (٤٧١٣) كتاب: السنة، باب: في ذراري المشركين، والنسائي ٤ / ٥٧
كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الصبيان، وابن ماجة (٨٢) في المقدمة،
باب: في القدر، وأحمد ٢٠٨/٦.
(٢) كذا بالأصل، وتتمة قول إسحاق: والإنكار والكفر والإيمان، ((التمهيد)) ٣٦٥/٦.

١٠٩
كِتَّابُ الجَنَائِزِ
وقول إسحاق في هذا الباب لا يرضاه حذاق الفقهاء من أهل السنة،
وإنما هو قول المجبرة.
وقال آخرون: معناها ما أخذه الله تعالى من الميثاق على الذرية،
فأقروا جميعًا له بالربوبية عن معرفة منهم به، ثم أخرجهم من أصلاب
آبائهم مطبوعين على تلك المعرفة وذلك الإقرار، قالوا: وليست تلك
المعرفة والإقرار بإيمان، ولكنه إقرار من الطبيعة للرب فطرة ألزمها
قلوبهم، ثم أرسل إليهم الرسل فدعوهم إلى الاعتراف له بالربوبية
والخشوع تصديقًا لما جاءت به الرسل، فمنهم من أنكر وجحد بعد
المعرفة وهو به عارف؛ لأنه لم يكن الله ليدعو خلقه إلى الإيمان بما
لا يعرفون، وتصديق ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ
لَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
وقال آخرون: الفطرة: ما يقلِّب الله قلوب الخلق إليه بما يريد
ويشاء، واحتجوا بحديث أبي سعيد السالف: ((إن بني آدم خلقوا على
طبقات))، فالفطرة عند هؤلاء ما قضاء الله وقدره لعباده من أول
أحوالهم إلى آخرها، كل ذلك عندهم فطرة.
قَالَ أبو عمر: وهذا القول وإن كان صحيحًا في الأصل، فإنه
أضعف الأقاويل من جهة اللغة في معنى الفطرة(١).
فصل :
وقوله: ( ((فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ويُنَصِّرَانِهِ ويُمَجِّسَانِهِ)) ). يريد أنهما يعلمانه
ما هما عليه ويصرفانه عن الفطرة، ويحتمل أن يكون المراد: يرغبانه في
ذلك، أو أن كونه تبعًا لهما في الدين بولادته على فراشهما، يوجب أن
(١) ((التمهيد)) ٣٥٧/٦-٣٦٠، ٣٦٢-٣٦٨.

١١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
یکون حكمه حكمهما ويستن بسنتهما، ويعقدان له الذمة بعقدهما، ولم
يرد أنهما يجعلانه ذلك، وظاهر الحديث: كونه تبعًا لهما، وإن اختلفت
أدیانهما.
وقوله: ( (كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ)) ). يريد سالمة من
العيوب، ونصب بهيمة على المعنى؛ لأن المعنى: تنتج البهيمة بهيمة
أي: تلد بهيمة فهي مفعولة لتلد. يقال: نُتجت الناقة بضم النون
ونتجها أهلها.
وقوله: ( ((هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ))). ((تُحِسُّونَ)) - بضم التاء من
الإحساس- وهو العلم بالشيء.
وقوله: ( (مِنْ جَدْعَاءَ)) ). يريد لا جدع فيها من أصل الخلقة، إنما
يجدعها أهلها بعد ذلك، أي: يسمونها في الآذان أو غيرها، كذلك
المولود يولد على الفطرة ثم يغيره أبواه فيهودانه وينصرانه وذلك كله
بقدر الله.
فصل :
وفي حديث ابن صياد من الفقه: جواز التجسس على من يخشى منه فساد
الدين والدنيا، وهذا الحديث يبين أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَسُواْ﴾
[الحجرات: ١٢] ليس على العموم، وإنما المراد به عن التجسس على
من لم يخش القدح في الدين، ولم يضمر الغل للمسلمين واستتر
بقبائحه، فهذا الذي ترجى له التوبة والإنابة، وأما من خشي منه مثل
ما خشي من ابن صياد ومن كعب بن الأشرف وأشباههما ممن كان
يضمر الفتك لأهل الإسلام فجائز التجسس عليه، وإعمال الحيلة في
أمره إذا خشي. وقد ترجم له في الجهاد باب ما يجوز من الاحتيال
والحذر على من تخشى معرته. كما سلف.

١١١
كِتَابُ الجَنَائِزِ
=
وفيه: أيضًا أن للإمام أو الرئيس أن يعمل نفسه في أمور الدين
ومصالح المسلمين، وإن كان له من يقوم في ذلك مقامه.
وفيه: أن للإمام أن يهتم بصغار الأمور ويبحث عنها خشية ما يئول
منها من الفساد.
وفيه: أنه يجب التثبت في أهل التهم، وأن لا تستباح الدماء إلا
بيقين لقوله: ((وإنْ لم يكن هُو فلا خيرَ لكَ في قتلِهِ)).
وفيه: أن للإمام أن يصبر ويعفو إذا خفي عليه أو قوبل بما لا ينبغي
لقول ابن صياد لنبينا وَلجر: (أشهد أنك نبي الأميين). ولم يعاقبه.
وفيه: أن للعالم والرئيس أن يكلم الكاهن والمنجم على سبيل
الاختبار لما عندهم والعيب لما يدعونه والإبطال لما ينتحلونه.

١١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٨٠- باب إِذَا قَالَ المُشْرِكُ عِنْدَ المَوْتِ: لَا إله إِلَّ الله(١).
١٣٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِیمَ قَالَ: خذَّثَنِي آبي، عَنْ صَالِحٍ،
عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَا حَضَرَتْ أُبًّا
طَالِبِ الوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ وَّ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامِ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ آَبِي
أُمَيَّةَ بْنِ الْغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لّهِ لأَبِي طَالِبٍ: ((يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إله إِلَّ اللهُ، كَلِمَةً
أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ)». فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِ أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَزْغَبُ
عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟! فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الَقَالَةِ،
حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبٍ، وَأَبَىْ أَنْ يَقُولَ: لَا إله
إِلَّ اللهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((أَمَا والله لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أَنْهَ عَنْكَ)). فَأَنْزَلَ اللهُ
تَعَالَى فِيهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ﴾ [التوبة: ١١٣] الآيَةَ. [٣٨٨٤، ٤٦٧٥، ٤٧٧٢، ٦٦٨١ -
مسلم: ٢٤ - فتح: ٢٢٢/٣]
ذكر فيه حديث ابن شِهَابٍ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ في وفاةٍ
أبي طالب .. إلى قولهِ: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ﴾ الآيَةَ.
وفيه: (قُلْ: لا إله إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ). وفي لفظ:
((أحاج)) بدل: ((أشهد))(٢). وأخرجه مسلم من حديث أبي حازم، عن
أبي هريرة مختصرًا(٣)، وفيه فنزلت ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر ٤ من ٤ من تجزئة المصنف.
(٢) سيأتي الحديث بهذا اللفظ برقم (٣٨٨٤) كتاب: مناقب الأنصار، باب: قصة أبي
طالب، وبرقم (٤٦٧٥) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وبرقم (٤٧٧٢) كتاب: التفسير، باب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى
مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾، وبرقم (٦٦٨١) كتاب: الأيمان والنذور،
باب: إذا قال: والله لا أتكلم اليوم.
(٣) مسلم برقم (٢٥) كتاب: الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام من حضره
الموت، ..

١١٣
كِتَابُ الجَنَائِزِ
=
[القصص: ٥٦]. وأخرجه الحاكم من حديث سعيد، عن أبي هريرة، ثم
قَالَ: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، فإن يونس وعقيلًا أرسلاه، عن
الزهري، عن سعيد، وطريق الزهري، عن سعيد، عن أبيه: مشهور(١).
ونقل الواحدي بإسناده عن الزجاج إجماع المفسرين أنها نزلت(٢)
في أبي طالب (٣)، واستبعده الحسن بن الفضل؛ لأن السورة من آخر
ما نزل من القرآن، ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام بمكة.
إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه :
أحدها:
أن حديث الباب من أفراد الصحيح؛ لأن المسيب لم يرو عنه غير ابنه
سعيد، ثم هو من مراسيل الصحابة؛ لأنه على قول مصعب هو وأبوه من
مسلمة الفتح، وعلى قول العسكري بايع تحت الشجرة (٤)، وأيما كان فلم
يشهد أمر أبي طالب؛ لأنه توفي هو وخديجة في أيام ثلاثة، حَتَّى كان النبي
وَالر يسمي ذلك العام: عام الحزن، وكان ذلك وقد أتى لرسول الله وَلٍ﴾ تسع
وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يومًا. وقيل: مات في شوال، في
نصفه من السنة العاشرة من النبوة. وقال ابن الجزار: قبل الهجرة بثلاث
سنين، وقيل: بخمس، وقيل: بأربع، وقيل: بعد الإسراء، ومن
الغريب: ذكر ابن حبان له في ثقات التابعين.
(١) ((المستدرك)) ٣٣٥/٢-٣٣٦ كتاب: التفسير.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني: (ما كان للنبي .. ).
(٣)
((أسباب النزول)) ص٣٤٨.
(٤) انظر: ترجمته في ((معجم الصحابة)) لابن قانع ١٢٦/٣-١٢٧ (١٠٩٩)، و((معرفة
الصحابة)) ٢٥٩٨/٥-٢٥٩٩ (٢٧٧٦)، و((الاستيعاب)) ٤٥٧/٣ (٢٤٣٦)، و(«أسد
الغابة)) ١٧٧/٥ (٤٩٢١)، و((الإصابة)) ٤٢٠/٣ (٧٩٩٦).

١١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثانیھا :
إن قلت قد استغفر الشارع يوم أُحد لهم، فقال: ((اللهمَّ اغفر لقومي
فإنَّهم لا يعلَمُون))(١) قلتُ: استغفاره لقومه مشروط بتوبتهم من الشرك،
كأنه أراد الدعاء لهم بالتوبة، وقد جاء في رواية: ((اللهمَّ أَهدٍ قومي)).
وقيل: أراد مغفرة تصرف عنهم عقوبة الدنيا من المسخ وشبهه.
وقيل: تكون الآية تأخر نزولها فنزلت بالمدينة ناسخة للاستغفار
للمشركين فيكون سبب نزولها متقدمًا ونزولها متأخرًا لاسيما وبراءة
من آخر ما نزل فتكون على هذا ناسخة للاستغفار، لا يقال: لا يصح
أن تكون الآية التي نزلت في غيره ناسخة لاستغفاره يوم أحد؛ لأن
عمه توفي قبل ذلك لما قررناه.
ثالثها :
اسم أبي طالب: عبد مناف، قاله غير واحد. وقال الحاكم: تواترت
الأخبار أن أسمه كنيته قَالَ: ووجد بخط علي الذي لا شك فيه، وكتب
علي بن أبي طالب(٢). وقال أبو القاسم المعري(٣) الوزير: اسمه عمران.
رابعها :
أبو جهل كنيته: أبو الحكم(٤)، كذا كناه رسول الله وَّيه، وقال ابن
(١) سيأتي برقم (٣٤٧٧) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: حديث الغار، وبرقم
(٦٩٢٩) كتاب: استتابة المرتدين، باب: إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي ◌َّر،
ورواه مسلم برقم (١٧٩٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أحد.
(٢) ((المستدرك)) ١٠٨/٣ كتاب: معرفة الصحابة.
(٣) ورد بهامش الأصل: لعله المغربي.
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: مقتضى كلام ابن القيم في ((الهدي)) بل صريحه في
( .... ) أن النبي ◌َ﴾ نهى عن تكنية أبي جهل بأبي الحكم.

١١٥
كِتَابُ الجَنّائِزِ
=
الحذاء: أبو الوليد واسمه: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي،
ويقال له: ابن الحنظلية، واسمها: أسماء بنت سلامة بن مخرمة،
وكان أحول مأبونا، وكان رأسه أول رأس جز في الإسلام، فيما ذكره
ابن دريد في «وشاحه)».
وعبد الله بن أبي أمية، أمه: عاتكة عمة رسول الله وَّة، توفي شهيدًا
بالطائف أخو أم سلمة، وكان شديدًا على المسلمين معاديًا لرسول الله
وَلّر قبل الفتح هو وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ولهم عبد
الله بن أبي أمية بن وهب حليف بني أسد وابن أختهم أستشهد بخيبر
ولهم عبد الله بن أمية أثنان: أحدهما بدري.
خامسها :
إنما تنفع كلمة التوحيد من قالها قبل المعاينة للملائكة التي تقبض
الأرواح، فحينئذ تنفعه قَالَ تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ الثَّوْبَةُ﴾ الآية [النساء:
١٨]، والمراد بحضور الموت: حضور ملك الموت، وهي المعاينة
لقبض روحه، ولا يراهم أحد إلا عند الانتقال من الدنيا إلى الآخرة،
فلم يحكم بما أنتقل إليه حين أدركه الغرق بقوله: ﴿ءَامَنَتُ﴾ الآية
[يونس: ٩٠] فقيل له: ﴿وَالْكَنَ﴾ [يونس: ٩١] قالها حين عاين ملك
الموت ومن معه من الملائكة وأيقن، فحثا جبريل في فمه الحمأة؛
ليمنعه استكمال التوحيد حنقًا عليه، ويدل على ذلك قوله تعالى:
﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ◌َيَتِ رَيِّكَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨] أي: لما رأى الآية التي
جعلها الله علامة لانقطاع التوبة وقبولها لم ينفعه ما كان قبل ذلك،
كما لم ينفع الإيمان بعد رؤية الملك.
والمحاجة السابقة تحتمل وجوهًا:
أحدها: أن يكون الشارع ظن أن عمه أعتقد أن من آمن في مثل حاله

١١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أنه لا ينفعه إيمانه إذا لم يقارنه عمل سواه، فأعلمه أنه من قال هذه
الكلمة، أنه يدخل في جملة المؤمنين، وإن تعرى عن عمل سواها.
ثانيها: أن يكون أبو طالب قد عاين أمر الآخرة وأيقن بالموت،
وصار في حالة لا ينتفع بالإيمان لو آمن، وهو الوقت الذي قَالَ فيه:
أنا على ملة عبد المطلب عند خروج نفسه فرجا له وَلقر أن من قالها
وأقر بنبوته أن يشفع له بذلك، ويحاج له عند الله في أن يتجاوز عنه
ويتقبل منه إيمانه في تلك الحال، ويكون ذلك خاصًّا لأبي طالب
وحده، لمكانه من الحماية والمدافعة عن رسول الله صقر، وفيه نزلت
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْقَوْنَ عَنْهٌ﴾ [الأنعام: ٢٦] على قول ابن عباس(١)،
وقال مجاهد: يعني به قريشًا(٢)، وأكثر المفسرين أنه للكفار ينهون
عن أتباعه ويبعدون عنه، وهو أشبه؛ لأنه متصل بأخبار الكفار، وقد
روي مثل هذا المعنى عن ابن عباس(٣)، ألا ترى أنه قد نفعه وإن
(١) رواه عن ابن عباس عبد الرزاق في ((التفسير)) ١٩٩/١ (٧٨٥) وسعيد بن منصور في
(سننه)) ١٠/٥-١١ (٨٧٤)، والطبري في «تفسيره)) ١٧٢/٥ (١٣٧٣، ١٣٧٤،
١٣٧٥)، وابن أبي حاتم في «تفسيره)) ١٢٧٨/٤ (٧٢٠٦)، والطبراني في ((الكبير))
١٣٣/١٢ (١٢٦٨٢)، والحاكم في ((المستدرك)) ٣١٥/٢ كتاب: التفسير،
والبيهقي في ((الدلائل)) ٢/ ٣٤٠-٣٤١، والواحدي في ((أسباب النزول)) (٤٢٦)،
وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور» ١٥/٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد، وابن
المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه وابن أبي شيبة.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال الهيثمي: رواه
الطبراني، وفيه: قيس بن الربيع، وثقه شعبة وغيره، وضعفه ابن معين وغيره، وبقية
رجاله ثقات. («مجمع الزوائد)) ٧/ ٢٠.
(٢) رواه عنه الطبري في ((تفسيره)) ١٧١/٥ (١٣١٦٩، ١٣١٧٠).
(٣) رواه عن ابن عباس ابن جرير في ((تفسيره)) ١٧١/٥ (١٣١٦٣)، وابن أبي حاتم ٤/
١٢٧٨ (٧٢٠٧)، وعزاه السيوطي في ((الدر)) ١٥/٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.

١١٧
--- كِتَابُ الجَنَائِزِ
كان قد مات على غير دين الإسلام؛ لأن يكون أخف أهل النار عذابًا
فهو في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه، ولولا الشارع لكان في
الدرك الأسفل، فنفعه له لو شهد بشهادة التوحيد، وإن كان ذلك عند
المعاينة أحرى بأن يكون.
ثالثها: أن أبا طالب كان ممن عاين البراهين، وصدق معجزاته ولم
يشك في صحة نبوته، وإن كان ممن حملته الأنفة وحمية الجاهلية على
تکذیبه، وکان سائر المشرکین ینظرون إلى رؤسائهم ويتبعون ما يقولون،
فاستحق أبو طالب ونظراؤه على ذلك من عظيم الوزر وكبير الإثم، إن
باءوا بإثمهم على تكذيبه، فرجا له المحاجة بكلمة الإخلاص عند الله
حَتَّى يسقط عنه إثم العناد والتكذيب لما قد تبين حقيقته، وإثم من
اقتدى به في ذلك، وإن كان الإسلام يهدم ما قبله، لكنه آنسه بقوله:
((أحاج لك بها عند الله)) لئلا يتردد في الإيمان ولا يتوقف عنه لتماديه
على خلاف ما تبين حقيقته وتورطه في أنه كان مضلاً لغيره.
وقيل: إن قوله: ((أحاجُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ)) كقوله ((أشهدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ
اللهِ))؛ لأن الشهادة للمرء حجة له في طلب حقه، ولذلك ذكر البخاري هنا
الشهادة؛ لأنه أقرب للتأويل وذكر ((أحاج)) في قصة أبي طالب في كتاب
المبعث(١)، لاحتمالها التأويل، ووقع لابن إسحاق أن العباس قَالَ
لرسول الله لي: يا ابن أخي، إن الكلمة التي عرضتها على عمك
سمعته يقولها. فقال ◌َله: ((لم أسمع))(٢).
قَالَ السهيلي: لأن العباس قَالَ ذلك في حال كونه على غير
(١) سيأتي برقم (٣٨٨٤).
(٢) رواه ابن إسحاق فى ((السيرة)) ص٢٢٢-٢٢٣ (٣٢٨).

١١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الإسلام، ولو أداها بعد الإسلام لقبلت منه، كما قبل من جبير بن مطعم
حديثه الذي سمعه في حال كفره وأداه في الإسلام(١).
وفي مسلم: فلم يزل رسول الله ◌َي يعرضها عليه أي: بفتح الياء
وكسر الراء، ويعود له بتلك المقالة، يعني: أبا طالب. وفي رواية:
ويعيدانه(٢) على التثنية يعني أبا جهل وعبد الله. ووقع في مسلم: لولا
تعيرني قريش تقول: إنما حمله على ذلك الجزع(٣) -وهو بالجيم
والزاي- وهو الخوف (٤)، وذهب الهروي والخطابي فيما رواه عن
ثعلب في آخرين أنه بخاء معجمة وراء مهملة مفتوحتين(٥). قَالَ
عياض: ونبهنا غير واحد، أنه الصواب، ومعناه: الضعف والخور (٦).
وقوله في الآية ﴿مَا كَانَ لِلنَِّ﴾ [التوبة: ١١٣] هو نهي ومثله ﴿وَمَا
كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وإن كانت (ما) تأتي
أيضًا للنفي ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُتِبِتُواْ شَجَرَهَاً﴾ [النمل: ٦٠] ﴿وَمَا كَانَ
لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] وتأول بعضهم الاستغفار
هنا : بمعنى الصلاة.
(١) ((الروض الأنف)) ٢/ ١٧٠.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٢٤) كتاب: الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام من حضره
الموت، مالم يشرع في النزع.
(٣) (صحيح مسلم)) برقم (٤٢/٢٥).
(٤) ((لسان العرب)) ٦١٦/١.
(٥) ((غريب الحديث)) للخطابي ٤٩١/١.
(٦) ((إكمال المعلم)) ٢٥١/١.

١١٩
كِتَابُ الجَنَائِزِ
=
٨١- باب الجَرِيدِ عَلَى القَيْ
وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جريدتان. وَرَأى
ابن عُمَرَ فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: أُنْزِعْهُ يَا
غُلَامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ. وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ: رَأَيْتُنِي
وَنَحْنُ شُبَّنٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الذِي يَئِبُ قَبْرَ
عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيم:
أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ، وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَمِّهِ
يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ. وَقَالَ
نَافِعٌ: كَانَ ابن عُمَرَ يَجْلِسُ عَلَى القُبُورِ.
١٣٦١ - حَدَّثَنَا يَخْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاؤُسٍ،
عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ: ((إِنَّهُمَا
لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَثِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا
الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ)). ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةٌ رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ
قَبْرٍ وَاحِدَةً. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمَ صَنَغتَ هذا؟ فَقَالَ: ((لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا
لَمْ يَيْبَسَا)). [انظر: ٢١٦ - مسلم: ٢٩٢ - فتح: ٢٢٢/٣]
ثم ذكر حديثَ ابن عبَّاس: مَرَّ النبي ◌َّهِ بِقَبْرَيْنِ يُعَذِّبَانِ .. الحديث.
الشرح :
حديث ابن عباس سلف في الطهارة (١)، وترجم له قريبًا باب:
عذاب القبر من الغيبة والبول(٢). وإنما خصَّ الجريدتين للغرز على
القبر من دون سائر النبات والثمار؛ لأنهما أطول الثمار بقاء، فتطول
(١) برقم (٢١٦) كتاب: الوضوء، باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله.
(٢) سيأتي هذا الحديث برقم (١٣٧٨) كتاب: الجنائز.

١٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
مدة التخفيف عنهما، وهي شجرة طيبة كما سماها الله، وهي شجرة
شبهها النبي ◌َّر بالمؤمن، كما سلف في كتاب العلم (١).
وقيل: إنها خلقت من فضلة طينة آدم، وإنما فعل بريدة ما سلف
أتباعًا لفعل رسول الله بَّليه في القبرين وتبركًا بفعله ورجاء أن يخفف
عنه(٢)، والمراد بعبد الرحمن: ابن أبي بكر كما بينه عبد الحق في
«جمعه)).
والفسطاط: المضرب. قاله أبو حاتم. وقال الجوهري: بيت من
شعر (٣). وقال المطرزي: خيمة عظيمة. وفي ((الباهر)) هو: مضرب
السلطان الكبير، وهو السرادق أيضًا. وقال الزمخشري: هو ضرب من
الأبنية في السفر دون السرادق (٤). وقال صاحب ((المطالع)): هو
الخباء ونحوه.
وفي أثر خارجة دلالة على رفع القبور عن الأرض وتطويلها؛ لتعرف
من غير قصد مباهاة، ذكره الداودي. ويستنثى قبر المسلم ببلاد الكفار
فيخفى صيانة عنهم.
وقوله عن خارجة: (عن عمه يزيد) خارجة بن زيد بن ثابت، لم
يدرك عمه يزيد بن ثابت. مات خارجة سنة مائة(٥) عن سبعين سنة،
(١) برقم (٦١) باب: قول المحدِّث حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا.
(٢) سبق وأن ذكرنا أن هذا الفعل خاص به وَليل، وأن السر في تخفيف العذاب عن
القبرين لم يكن في ندوة العسيب، بل في شفاعته و 18 ودعائه لهما، وهذا مما لا
يمكن وقوعه مرة أخرى بعد أنتقاله وسّله إلى الرفيق الأعلى، ولا لغيره من بعده وَلّ.
(٣) ((الصحاح)) ٣/ ١١٥٠.
(٤) ((الفائق في غريب الحديث) ١١٦/٣.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: في ((الكاشف)) سنة ٩٩ جزم به وقد قال ابن عبد البر
في ترجمة يزيد أن خارجة روى عنه ثم قال: وأظنه ليس ( ... ) أو ما هذا معناه، وقد =