Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
كتاب التّهَجُّدِ
-
رجلًا دخل والنبي ◌َّله يخطب - وبه بذاذة- فأمره أن يصلي ركعتين ليفطن
له الناس وقد سلف هذا.
وقوله: ( ((أو قد خرج)) ) يعني: دخل المسجد وخرج على القوم.
الحدیث السادس: حديث سيف بن سليمان:
سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: أَتِيَ ابن عُمَرَ فِي مَنْزِلِهِ. الحديث.
وهذا سلف في باب: قول الله تعالى: ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهَِ
مُصَلَى﴾ [البقرة: ١٢٥](١).
قَالَ البخاري: وقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَوْصَانِي النَّبِيُّ بَله بِرَكْعَتَي الضُّحى.
وهذا يأتي إن شاء الله تعالى(٢).
وَقَالَ عِثْبَانُ بن مالك: غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَه وَأَبُو بَكْرِ ه بَعْدَمَا
أَمْتَذَّ النَّهَارُ، وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَّيْنِ.
وهذا سلف(٣)، وفي هذا دلالة على صلاة النافلة جماعة.
إذا عرفت ذلك:
فترجمة الباب أن التطوع مثنى مثنى، وما ذكره من الأحاديث
المتواترة شاهد له عمومًا وخصوصًا، قولًا وفعلًا، وحديث أبي أيوب
الأنصاري مرفوعًا: ((أربع ركعات قبل الظهر لا تسليم فيهن يفتح لهن
أبواب السماء)) (٤) إنما أراد أتصالهن ذلك الوقت لا أنه لا سلام
(١) برقم (٣٩٧) كتاب: الصلاة.
(٢) برقم (١١٧٨) كتاب: التهجد، باب: صلاة الضحى في الحضر.
(٣) برقم (٤٢٥) كتاب: الصلاة، باب: المساجد في البيوت.
(٤) رواه أبو داود (١٢٧٠). وابن ماجه (١١٥٧)، والبيهقي ٤٨٨/٢ وضعفه.
وضعفه أيضًا النووي في ((المجموع)) ٥٠٤/٣. وقال في ((الخلاصة)) ٥٣٨/١
(١٨١٧): ضعفه يحيى القطان وأبو داود والحفاظ، ومداره على عبيدة بن معتب

١٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
بينهن؛ لما صح من صلاته قبل الظهر وغيرها ركعتين توفيقًا (١) بين
الأدلة، ثم إنه دالٌّ على فضل الأربع إذا أتصلت وفعلت في هذا
الوقت، ولا يدل على أن أكثر من الأربع لا يكون أفضل منها إذا
كانت منفصلة؛ لأنه ◌َ و قد يذكر فضل الشيء ويكون هناك ما لو قاله
أو فعله لكان أفضل، ألا ترى أنه قَالَ: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة»(٢)
ولا شك أن رطل تمر أفضل منها، فنبه بذكره على أربع على أن
الأكثر يكون أفضل، فلو صلى عشرين بتسليمة بين كل ركعتين كان
أفضل من أربع متصلة.
وقد اختلف العلماء في التطوعات ليلًا ونهارًا، وقد أسلفناه فيما
مضى في باب: ما جاء في الوتر، ومذهب ابن أبي ليلى ومالك
والليث والشافعي وأبي ثور: مثنى مثنى. وهو قول أبي يوسف ومحمد
في صلاة الليل (٣)، وقال أبو حنيفة: أما صلاة الليل فإن شئت ركعتين
وإن شئت أربعًا أو ستًّا أو ثمانيًا. وكره الزيادة على ذلك. قاله أبو
حنيفة وتبعه صاحباه (٤).
وهو ضعيف بالاتفاق سيِّئ الحفظ.
وقال الحافظ: في إسناده عبيدة بن معتب، وهو ضعيف. ((الدراية)) ١٩٩/١.
وانظر: ((صحيح أبي داود)» (١١٥٣).
(١) دل على ذلك حديث سبق برقم (٩٣٧) كتاب: الجمعة، باب: الصلاة بعد الجمعة
وقبلها.
(٢) سيأتي برقم (١٤١٧) كتاب: الزكاة، باب: اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من
الصدقة.
(٣) انظر: ((مختصر خلافيات البيهقي)) ٢٢٣/١، ((التمهيد)» ١٧٠/٤ - ١٧١، «الحاوي
الکبیر» ٢٨٨/٢.
(٤) انظر: ((الهداية)) ١/ ٧٢.

١٦٣
كتاب التَّمَجُّدِ
=
فأما النهار فإن شئت ركعتين وإن شئت أربعًا. وكرهوا الزيادة على
ذلك، احتج أبو حنيفة بحديث عائشة السالف: كان يصلي أربعًا ثم أربعًا
ثم ثلاثًا (١). وأجيب عنه بأنه ليس فيه أن الأربع بسلام واحد، وإنما
أرادت العدد في قولها: أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا. بدليل قوله: ((صلاة
الليل مثنى مثنى))(٢) وهذا يقتضي ركعتين ركعتين بسلام بينهما على ما
سلف في باب: كيف صلاة الليل.
ورد الطحاوي على أبي حنيفة بحديث الزهري عن عروة عنها أنه
كان يسلم بين كل أثنتين منهن. وقال: هذا الباب إنما يؤخذ من جهة
التوقيف والاتباع لما فعله الشارع وأمر به وفعله أصحابه من بعده،
فلم يجد عنه من فعله ولا من قوله أنه أباح أنه يصلي بالليل أكثر من
ركعتين، وهذا أصح القولين عندنا(٣).
وأما صلاة النهار فالحجة فيه حديث أبي أيوب السالف، وقد سلف
بيانه. وقال عبد الله: كان عبد الله يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا
لا يفصل بينهن بتسليم(٤). وروى عبد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان
يصلي بالليل ركعتين وبالنهار أربعًا (٥)، وما سلف أولى.
(١) سبق برقم (١١٤٧) كتاب: التهجد، باب: قيام النبي ◌َّر بالليل في رمضان وغيره.
(٢) سبق برقم (٤٧٢) كتاب: الصلاة، باب: الحِلَق والجلوس في المسجد.
(٣) أنظر: ((شرح معاني الآثار)) ٣٣٦/١.
(٤) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٣٣٥/١.
(٥) السابق ٣٣٤/١.

١٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢٦- باب الحَدِيثِ بَعْدَ رَكْعَتَي الفَجْرِ
١١٦٨ - حَدَّثَنَا عَلَيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: أَبُو النَّضْرِ حَدَّثَنِي أَبِ، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كُنْتُ
مُسْتَيْقِظَةٌ حَذَّثَنِي وَإِلَّ أَضْطَجَعَ. قُلْتُ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ بَغْضَهُمْ يَزْوِهِ رَكْعَتَّ الفَجْرِ. قَالَ
سُفْيَانُ: هُوَ ذَاكَ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٢٤، ٧٤٣ - فتح: ٤٤/٣]
ذكر فيه حديث عائشة السالف في باب: من تحدث بعد الركعتين
ولم يضطجع(١). وقد أسلفنا الكلام هناك، ومذاهب العلماء فيه.
وسفيان المذكور في إسناده هو ابن عيينة. وعلي بن عبد الله هو ابن
المديني.
(١) برقم (١١٦١) كتاب: التهجد.

١٦٥
-- كتاب التَّهَجُّدِ
٢٧- باب تَعَاهُدِ رَكْعَتَي الفَجْرِ وَمَنْ سَمَّاهُمَا تَطَوُّعًا
١١٦٩- حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابن جُرَئجٍ، عَنْ
عَطَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيٍْ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ وََّ عَلَى
شَيْءٍ مِنَ التَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٢٤ - فتح:
٤٥/٣]
ذکر فیه حديث عائشة:
لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ وَِّ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَّي
الفَجْرِ.
وأخرجه مسلم أيضًا (١)، ورواه حفص بن غياث عن ابن جريج عن
عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة: ما رأيت رسول الله وَلا يسرع إلى
شيء من النوافل إسراعه إلى ركعتي الفجر، ولا إلى غنيمة ذكره
الإسماعيلي، والعلماء متفقون على تأكد ركعتي الفجر إلا أنهم
اختلفوا في تسميتها هل هي واجبة أو سنة، أو من الرغائب على
أقوال سلفت في باب: المدوامة عليها. وإلى الوجوب ذهب الحسن
البصري كما ذكره ابن أبي شيبة عنه(٢)، وإلى السنة ذهب الشافعي
وأحمد وأشهب وإسحاق وأبو ثور(٣)، وأبى كثير منهم أن يسميها نافلة.
قَالَ مالك في ((المختصر)): ليستا بسنة، وقد عمل بهما المسلمون
ولا ينبغي تر کهما.
(١) ((صحيح مسلم)) (٧٢٤) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتي سنة
الفجر.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٩/٢ (٦٣٢٢) كتاب: الصلوات، باب: في ركعتي
الفجر.
(٣) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٩٤/١.

١٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال ابن عبد الحكم وأصبغ: إنهما ليستا بسنة، وهما من
الرغائب(١). ومعنى الرغائب: ما رغب فيه. واصطلاح المالكية فيه
أوقفوا هذا اللفظ على ما تأكد من المندوب إليه وكانت له مزية على
النوافل المطلقة، واختلفوا في السنن، فقال أشهب: إنها كل ما تقرر
ولم يكن للمكلف الزيادة فيه بحكم التسمية المختصة به كالوتر. وعند
مالك: أنها ما تكرر فعل الشارع له في الجماعات كالعيدين
ونحوهما، فإن لم یکن فمن الرغائب.
حجة من أوجبها: قضاء الشارع لها في حديث الوادي(٢)، ولم يأت
عنه أنه قضى شيئًا من السنن بعد خروج وقتها غيرهما، كذا قيل، لكن
فاتته سنة الظهر بعدها فقضاها بعد العصر (٣)، وحجة من سنها: مواظبة
الشارع عليها وشدة تعاهده لها أن النوافل تصير سننًا بذلك.
وحجة من لم يسمها سنة: حديث الباب جعلتهما من جملة النوافل،
وقد روى ابن القاسم عن مالك أن ابن عمر: كان لا يركعهما في
السفر (٤).
فرع: لابد من تعيينها لأن لها وقتًا كالعيد.
(١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٩٤/١، ((المهذب)) ٢٨٠/١، ((المبدع)» ٣/٢.
(٢) سبق برقم (٥٩٥) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الأذان بعد ذهاب الوقت .
(٣) دل على ذلك حديث سيأتي برقم (١٢٣٣) كتاب: السهو، باب: إذا كلم وهو
يصلي فأشار بيده واستمع.
(٤) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٩٤/١.

١٦٧
كتاب التّهَجُّدِ
٢٨ - باب مَا يُقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ
١١٧٠- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ
رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٢٤،
٧٣٦ - فتح: ٤٥/٣]
١١٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
تَحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمَّتِهِ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ
وَِّ ح. وَحَدَّثَنَا أَحْتَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَبْرٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى - هُوَ ابن سَعِيدٍ - عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َه
يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، حَتَّى إِّي لأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الكِتَابِ؟!
[انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٢٤ - فتح: ٤٦/٣]
ذكر فيه حديثين عن عائشة: أولهما :
كان يُصَلِّي من اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ
بِالصُبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.
ثانيهما :
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عمته عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةً كَانَ النَّبِيُّ
وَّه يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، حَتَّى إِنِّي لأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ
بِأُمِّ الكِتَابِ؟!
وأخرجه مسلم(١) أيضًا(٢). رواه عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد
بن زرارة الأنصاري المدني عن عائشة محمدُ بن عبد الرحمن بن أسعد بن
(١) فوقها في الأصل تخريج من أبي داود والنسائي: (د. س).
(٢) مسلم برقم (٧٢٤) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتي سنة الفجر.
أبو داود (١٢٥٥)، النسائي ١٥٦/٢.

١٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
زرارة، كذا ذكره البخاري وغيره، وقيل: محمد بن عبد الرحمن بن
محمد بن عبد الرحمن بن سعد. وقيل: ابن أسعد.
قَالَ المزي: هو ابن أخي عمرة بنت عبد الرحمن. قَالَ: وهو محمد
ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة (١)، قلت:
فعلى هذا هو ابن ابن أخيها لا ابن أخيها، بيَّن ذلك الجياني، فقال:
محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة
وسعد أخو أسعد. قاله يحيى القطان، يروي عن عمته عمرة وغيرها،
ثم قَالَ: هكذا أتى في هذا الحديث، وإنما هي عمة أبيه، فإنها عمرة
بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة(٢). وكذا قَالَ أبو طاهر وابن
عساكر: إنها عمة أبيه.
فمن قَالَ: محمد بن عبد الرحمن بن سعد. فقد نسبه إلى جده لأبيه،
ومن قال: محمد بن عبد الرحمن بن أسعد فإلى جده لأمه، وهذا روی
عنه يحيى بن سعيد وشعبة وغيرهما، كان واليًا على المدينة زمن عمر بن
عبد العزيز، مات سنة أربع وعشرين ومائة، وهو ثقة وله أحاديث(٣)،
(١) (تهذيب الكمال)) ٦٠٩/٢٥ ترجمة (٥٣٩٩).
(٢) ((تقييد المهمل)) ٥٣٥/٢ - ٥٣٦.
(٣) محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري المدني، ابن أخي عمرة بنت
عبد الرحمن، وهو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن
زرارة. فمن قال: محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة نسبه إلى جد لأبيه، ومن
قال: محمد عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة نسبة إلى جده لأمه. وكان عاملَ عمر
ابن عبد العزيز على المدينة فيما قال: يحيى بن أبي كثير وغيره.
ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وقال: توفي سنة أربع
وعشرين ومائة، وهو ثقة، وله أحاديث.
وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، روى له الجماعة، ((الطبقات
الكبرى)) [القسم المتمم] ص٢٨٦ (١٧٥)، أنظر ((التاريخ الكبير)) ١٤٨/١ =

١٦٩
كتاب التَّهَجُّدِ
وذكر أبو مسعود أن محمد بن عبد الرحمن هذا هو أبو الرجال،
وأبو الرجال هو: محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان،
ويقال: ابن عبد الله بن حارثة بن النعمان الأنصاري النجاري، لقب
بأبي الرجال؛ لأن له عشرة أولاد رجال(١)، وجده حارثة بدري،
وسبب اشتباه ذلك على أبي مسعود أنه روى عن عمرة -وعمرة أمه-
لكنه لم يرو عنها هذا الحدیث؛ ولأنه روى عنه يحيى بن سعيد
وشعبة. وقد نبه على ذلك الخطيب فقال في حديث محمد بن عبد
الرحمن، عن عمته عمرة، عن عائشة في الركعتين بعد الفجر من
قَالَ: في هذا الحديث عن شعبة، عن أبي الرجال محمد بن عبد
الرحمن، فقد وهم؛ لأن شعبة لم يرو عن أبي الرجال شيئًا، وكذلك
من قَالَ: عن شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أمه عمرة.
وذكر الجياني أن محمد بن عبد الرحمن أربعة من تابعي أهل
المدينة، أسماؤهم متقاربة، وطبقتهم واحدة (٢)، وحديثهم مخرج في
(٤٤٣)، وانظر: ((الجرح والتعديل)) ٣١٦/٧ (١٧١٤)، وانظر: ((الثقات)) ٧/
=
٣٦٣، وانظر: ((تهذيب الكمال)) ٦٠٩/٢٥ (٥٣٩٩).
(١) محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان أبو الرجال ويقال محمد بن عبد
الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري، أبو
الرجال، المدني. كنيته أبو عبد الرحمن، وأبو الرجال لقبُ لُقّب به لولده، وكانوا
عشرة رجال منهم: حارثة بن أبي الرجال، وعبد الرحمن بن أبي الرجال. وكان
جده حارثة بن النعمان من أهل بدر، قال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث،
وقال: أبو داود، والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في كتاب ((الثقات))، انظر:
((الطبقات الكبرى)) القسم المتمم ص٢٨٧ - ٢٨٨ (١٧٦) ((التاريخ الكبير)) ١٥٠/١
(٤٤٤)، ((الجرح والتعديل)) ٣١٧/٧ (١٧١٧)، ((الثقات)) لابن حبان ٣٦٦/٧،
((تهذيب الكمال)) ٦٠٢/٢٥ (٥٣٩٥).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: في قوله: وطبقاتهم واحدة نظر؛ وذلك أن محمد بن =

١٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الكتابين(١).
والأول: (محمد)(٢) بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر وأبي سلمة،
روی عنہ یحیی بن أبي کثیر، وروی عن أمه عن عائشة، وروى عنہ یحیی
الأنصاري(٣)، وذكر ابن عساكر في حديث: ((يقطع السارق)) أن أبا
مسعود الدمشقي ذكر أن يحيى بن أبي كثير رواه عن محمد بن عبد
الرحمن -يعني: أبا الرجال- عن أمه عمرة عن عائشة. قَالَ ابن عساكر:
وذكر حديث يحيى عن محمد بن عبد الرحمن هذا، هو ابن سعد بن
زرارة، لا عن أبي الرجال. قَالَ: ورواه آخرون عن أبي إسماعيل القناد
فقال: عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن عمرة.
والثاني: (محمد) (٤) بن عبد الرحمن بن نوفل أبو الأسود يتيم
عروة(٥).
الثالث: (محمد)(٦) بن عبد الرحمن يعني: ابن زرارة (٧).
عبد الرحمن بن ثوبان والباقون من أتباع التابعين من طبقة الثلاثة، وهو محمد بن
=
المغيرة بن أبي ذئب- مع الأربعة.
(١) ((تقييد المهمل)) ٥٣٥/٢.
(٢)
فوقها في الأصل (ع) يعني: روى له الجماعة.
(٣) محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشِيُّ العامري، مولاهم أبو عبد الله المدني،
قال محمد بن سعد وأبو زُرعة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: هو من التابعين لا
يُسأل عن مثله، وذكره ابن حبان في كتاب: ((الثقات))، أنظر: ((الطبقات الكبرى))،
و((الجرح والتعديل)) ٣١٢/٧ (١٦٩٧)، ((الثقات)) لابن حبان: ٣٦٩/٥،
و((تهذيب الكمال)) ٥٩٦/٢٥ (٥٣٩٣).
فوقها في الأصل (ع) يعني: روى له الجماعة.
(٤)
(٥)
(تقیید المهمل)» ٢/ ٥٣٥.
(٦) فوقها في الأصل (ع) يعني: روى له الجماعة.
(٧) السابق.

١٧١
كتاب التّهَجُّدِ
=
والرابع: (محمد)(١) بن عبد الرحمن أبو الرجال(٢).
والمراد بالنداء الثاني؛ لأن الأول للتأهب.
إذا تقرر ذلك:
فاختلف العلماء في القراءة في ركعتي الفجر على أربعة مذاهب،
حكاها الطحاوي:
أحدها: لا يقرأ فيهما.
ثانيها: يخفف، يقرأ فيهما بأم القرآن خاصة، روي ذلك عن عبد الله
بن عمرو بن العاص، وهو مشهور مذهب مالك كما سلف قبيل باب
الضجعة.
ثالثها: يخفف، ولا بأس أن يقرأ مع أم القرآن سورة قصيرة، رواه
ابن القاسم عن مالك، وهو قول الشافعي، وروي عن إبراهيم النخعي (١)
ومجاهد أنه لا بأس أن يطيل القراءة فيهما، ذكره ابن أبي شيبة (٤).
رابعها: قَالَ أبو حنيفة: ربما قرأت فيهما حزبي من القرآن، وهو
قول أصحابه، واحتج لهم الطحاوي فقال: لما كانت ركعتا الفجر من
أشرف التطوع، كما سلف من أنهما خير من الدنيا وما فيها، كان
الأولى أن يفعل فيها أشرف ما يفعل في التطوع من إطالة القراءة
فيهما، وهو عندنا أفضل من التقصير؛ لأنه من طول القنوت الذي
فضله الشارع في التطوع على غيره (٥).
(١) فوقها في الأصل: (خ، م، س، ق).
(٢) السابق ٥٣٦/٢.
(٣) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٣٠٠/١.
(٤) ((المصنف)) ٢/ ٥٢ (٦٣٥٧) كتاب: الصلوات، باب: من قال: لا بأس أن تطولا.
(٥) (شرح معاني الآثار)) ٢٩٦/١ - ٣٠٠.

١٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ومن قَالَ: لا قراءة فيهما. احتج بحديثي الباب، وجوابه رواية
شعبة عن محمد بن عبد الرحمن: سمعت عمتي عمرة تحدث عن
عائشة أن رسول الله وسلم كان إذا صلى الفجر صلى ركعتين، أقول
يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب، فهذا خلاف أحاديث عائشة الأخرى؛
لأنها أثبتت في هذا الحديث قراءة أم القرآن، فذلك حجة على
من نفاها، وهو حجة أيضًا لمن قَالَ: يقرأ فيهما بأم القرآن خاصة؛
لأنها مع الفجر من حيث الصورة كالرباعية، ومن سنة الرباعية أن
تكون ركعتان منها بأم القرآن، وقد يجوز أن يقرأ فيهما بالفاتحة
وغيرها، وتخفف القراءة حَتَّى يقال على التعجب من تخفيفه: هل
يقرأ فيهما بالفاتحة؟
وحجة من قَالَ بسورة قصيرة معها ما رواه أبو نعيم، عن إسرائيل،
عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر قَالَ: رمقت النبي وَّ أربعًا
وعشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل صلاة الغداة، وفي الركعتين
بعد المغرب: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
وروى أبو وائل عن عبد الله مثله وقال: ما أحصي ما سمعت النبي
وَل يقرأ بذلك. وبه كان يأخذ ابن مسعود، ذكره ابن أبي شيبة (١)،
وقد روي مثله من حديث قتادة عن أنس، ومن حديث جابر عن
رسول الله وَّر في ركعتي الفجر خاصة(٢) وهي على أبي حنيفة، ومن
جوز تطويل القراءة فيهما؛ لأنه لم يحفظ عنه خلافها، ولا قياس
لأحد مع وجود السنة الثابتة، وقد ذكر لابن سيرين قول النخعي
فقال: ما أدري ما هذا؟ وكان أصحاب ابن مسعود يأخذون في ذلك
(١) ((المصنف)) ٥٠/٢ (٦٣٣٨) كتاب: الصلوات، باب: ما يقرأ به فيهما .
(٢) (شرح معاني الآثار)) ٢٩٨/١.

١٧٣
كتاب التَّهَجُّدِ
=
بحديث ابن عمر وبحديث ابن مسعود في تخفيف القراءة (١)، وتخفيفهما
-والله أعلم- لمزاحمة الإقامة؛ لأنه كان لا يصليهما في أكثر أحواله
إلا حَتَّى يأتيه المؤذن للإقامة، وكان يغلس بصلاة الصبح(٢).
فرع :
يستحب عندنا أيضًا أن يقرأ فيهما بـ: ﴿قُولُوَاْ ءَامَنَا بِالَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]
و﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْ﴾ [آل عمران: ٦٤] ثبت في ((الصحيح))(٣) من
حديث ابن عباس وفيه أيضًا من حديثه في الأولى: ﴿قولوا آمنا بالله
وما أنزل إلينا .. ﴾ الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما ﴿ءَامَنَا بِاللَّهِ
وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، وروي أيضًا أنه قرأ في الأولى: ﴿ءَامَنَ
الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وفي الثانية: ﴿قُلْ يَأَهْلَ اُلْكِنَبِ﴾ [آل عمران:
٦٤](٤).
فائدة :
في قولها: (ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين)، ظاهره أنهما
في بيتها، وروى ابن حبيب: فعلهما في المسجد أحب إليَّ؛ لأنهما من
السنن التي ينبغي إظهارها، ولذلك واظب الشارع عليها.
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٠ (٦٣٤٢).
(٢) دل عليه حديث سيأتي برقم (٥٦٠) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت المغرب.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني ((صحيح مسلم)).
وهو عند مسلم (٧٢٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتي سنة
الفجر، وابن خزيمة ١٦٣/٢- ١٦٤ (١١١٥) كتاب: الصلاة، باب: ما يستحب
قراءته في ركعتي الفجر.
(٤) رواه أحمد ١/ ٢٦٥.

١٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٢٩- باب التَّطَوُّعِ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ
١١٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا
نَافِعْ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َّرِ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ،
وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الظَّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ المغْرِبِ، وَسَجْدَتَيْنٍ بَعْدَ العِشَاءِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ
الجُمُعَةِ، فَأَمَّا المغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ. قَالَ ابن أَبِيِ الزُّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ
نَافِعٍ: بَعْدَ العِشَاءِ فِي أَهْلِهِ. تَابَعَهُ كَثِيرُ بنُ فَزْقَدٍ وَأَيُّوبُ، عَنْ نَافِعِ. [انظر: ٩٣٧ - مسلم:
٧٢٩، ٨٨٢ - فتح: ٥٠/٣]
١١٧٣ - وَحَدَّثَتْنِي أُخْتِي حَقْصَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ
بَعْدَ مَا يَطْلُعُ الفَجْرُ، وَكَانَتْ سَاعَةً لَا أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ فِيهَا. تَابَعَهُ كَثِيرُ بْنُ فَزْقَدٍ
وَأَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ. وَقَالَ ابْن أَبِ الزُّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ: بَعْدَ العِشَاءِ فِي
أَهْلِهِ. [انظر: ٦١٨ - مسلم: ٧٢٣ - فتح: ٣/ ٥٠]
ذكر فيه حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ
النَّبِّ وَِّ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظَّهْرِ. الحديث.
وقد سلف قريبًا في باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى(١)، تابعه
كثير بن فرقد، وأيوب عن نافع. وقال ابن أبي الزناد: عن موسى بن
عقبة، عن نافع: بعد العشاء في أهله. كذا هو ثابت في عدة نسخ،
وكذا ذكره أبو نعيم في ((مستخرجه))، ويقع في بعضها بعد قوله: فأما
المغرب والعشاء ففي بيته. قَالَ ابن أبي الزناد: إلى آخره، تابعه كثير
ابن فرقد وأیوب عن نافع.
وحديث أيوب أخرجه الترمذي (٢)، والمراد بسجدتين: ركعتان. عبر
(١) برقم (١١٦٥) كتاب: التهجد.
(٢) (سنن الترمذي)) (٤٣٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء أنه يصليهما في البيت.

١٧٥
كتاب التّهجُّدِ
عن الركوع بالسجود، وهو يبين حديث الكسوف (ركعتين في سجدة)(١)،
أي: في ركعة. على ما روته عائشة(٢).
وقوله: (ففي بيته). أي: في بيت حفصة، كذا ذكره الداودي،
ولا تعارض بين حديثه هذا وحديثه السالف في باب: الصلاة بعد
الجمعة(٣)، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين،
وكان لا يصلي بعد الجمعة حَتَّى ينصرف فيصلي ركعتين. فإن ظاهره
أنه مخالف له للعشاء والجمعة، وقد أسلفنا ما يوضحه هناك.
وقوله: (كانت ساعة لا أدخل على النبي بَ ير فيها) هو من قوله:
وَمِّن قَبْلِ صَلَوَةِ الْفَجْرِ﴾ [النور: ٥٨] وقيل: إن هُذِه الآية للنساء خاصة.
أي: إن سبيل الرجال أن يستأذنوا في كل وقت، والنساء يستأذن
في هُذِه الأوقات خاصة، حكاه النحاس (٤). ثم تطوعه وَلِّ بهذِه
النوافل قبل الفرائض وبعدها؛ لأن أفضل الأوقات أوقات صلوات
الفريضة.
وفيها تفتح أبواب السماء للدعاء، ويقبل العمل الصالح، فلذلك
يحيها ◌َ﴿ بالنوافل، ولكن في حديث ابن عمر التنفل قبل العصر(٥).
(١) سلف برقم (١٠٥١)، كتاب: الكسوف، باب: طول السجود في الكسوف.
(٢) سيأتي برقم (١٠٦٤) كتاب: الكسوف، باب: الركعة الأولى في الكسوف أطول.
(٣)
رقم (٩٣٧) كتاب: الجمعة.
(٤) انظر: ((الناسخ والمنسوخ)) ٥٥٤/٢ - ٥٥٥ (٧٢٢ - ٧٢٣).
(٥) رواه أبو داود (١٢٧١) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة قبل العصر، والترمذي
(٤٣٠)، وأحمد ١١٧/٢، وابن حبان ٢٠٦/٦ (٢٤٥٣) كتاب: الصلاة، باب:
النوافل، وابن خزيمة ٢٠٦/٢ (١١٩٣) كتاب: الصلاة، باب: من جعل قبل
العصر أربعًا، قال الترمذي: غريب حسن، وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)»
(١١٥٤): حسن.

١٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقد روي عن عليٍّ أنه وَّر كان يصلي قبلها أربع ركعات يفصل بينهما
بسلام(١). وفي الترمذي: ((رحم الله أمراً صلى قبل العصر أربعًا)).
استغربه، وصححه ابن حبان(٢).
وقد اختلف السلف في ذلك، فكان بعضهم يصلي أربعًا، وبعضهم
ركعتين، وبعضهم لا يرى الصلاة قبلها، فممن كان يصلي أربعًا علي،
وقد رواه(٣) كما سلف. وقال إبراهيم: كانوا يحبون أربعًا قبل العصر.
وممن كان يصلي ركعتين، روى سفيان وجرير، عن منصور، عن
إبراهيم قَالَ: كانوا يركعون الركعتين قبل العصر ولا يرون أنها من
السنة (٤).
وممن كان لا يصلي فيها شيئًا، روى قتادة، عن سعيد بن المسيب
أنه كان لا يصلي قبل العصر شيئًا، وقتادة عن الحسن مثل ذلك(٥). وروئ
فُضيل، عن منصور، عن إبراهيم أنه رأى إنسانًا يصلي قبل العصر،
فقال: إنما العصر أربع. والصواب عندنا - كما قال الطبري- أن
الفصل في التنفل قبل العصر بأربع ركعات؛ لصحة الخبر بذلك عن
علي، عن رسول الله وَليم ثم ساقه من حديث عاصم بن ضمرة عن
علي قَالَ: رأيت النبي ◌َّ- صلى أربع ركعات قبل العصر. وأما قول
(١) رواه الترمذي (٤٢٩) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الأربع قبل العصر،
والبيهقي ٤٧٣/٢، كتاب: الصلاة، باب: من جعل قبل العصر أربع ركعات.
(٢) الترمذي (٤٣٠)، ابن حبان ٢٠٦/٦ (٢٤٥٣) وتقدم تخريجه قريبًا.
(٣) ورد بهامش الأصل: فاعل رواه علي.
(٤) رواه عبد الرزاق ٦٩/٣ (٤٨٣٠٩) كتاب: الصلاة، باب: التطوع قبل الصلاة
وبعدها.
(٥) رواه ابن أبي شيبة عن ابن عون عن الحسن ٢٠/٢ (٥٩٨٥) كتاب: الصلوات،
باب: في الركعتين قبل العصر.

١٧٧
- كتاب التَّمَجُّدِ
ابن عمر: (فأما المغرب والعشاء في بيته). فقد اختلف في ذلك، فروى
قوم من السلف منهم زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن عوف أنهما كانا
يركعان الركعتين بعد المغرب في بيوتهم(١).
وقال العباس بن سهل بن سعد: لقد أدركت زمن عثمان وإنه ليسلم
من المغرب فما أرى رجلًا واحدًا يصليهما في المسجد، كانوا يبتدرون
أبواب المسجد يصلونها في بيوتهم (٢).
وقال ميمون بن مهران: كانوا يحبون الركعتين بعد المغرب، وكانوا
يؤخرونها حَتَّى تشتبك النجوم(٣).
وروي عن طائفة أنهم كانوا يتنفلون النوافل كلها في بيوتهم دون
المسجد. روي عن عبيدة أنه كان لا يصلي بعد الفريضة شيئًا حَتَّى
يأتي أهله(٤).
وقال الأعمش: ما رأيته متطوعًا حياته في مسجد إلا مرة صلى بعد
الظهر ركعتين، وكانت طائفة لا تتنفل إلا في المسجد، روى عبيد الله،
عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يصلي سُبحته مكانه(٥)، وكان أبو مجلز
يصلي بين الظهر والعصر في المسجد الأعظم. وروى ابن القاسم عن
مالك قال: التنفل في المسجد هو شأن الناس في النهار، وبالليل في
بيوتهم (٦)، وهو قول الثوري، وحجة ذلك حديث حذيفة: صليت مع
(١) رواه ابن أبي شيبة ٥٣/٢ (٦٣٧١) كتاب: الصلوات، باب: من كان يصلي
الركعتين بعد المغرب في بيته.
(٢) المصدر السابق برقم (٦٣٧٣).
(٣) المصدر السابق برقم (٦٣٧٦) باب: من قال: يؤخر الركعتين بعد المغرب.
(٤) السابق ٥٢/٢ - ٥٣ (٦٣٦٧ - ٦٣٦٩) باب: من كان لا يتطوع في المسجد.
(٥) المصدر السابق رقم (٢٠١٥) باب: من رخص أن يتطوع مكانه.
(٦) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٥٢٥/١، ((البيان والتحصيل)) ٢٦١/١.

١٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
رسول الله ◌َ﴿ العشاء الآخرة، ثم صلى حَتَّى لم يبق في المسجد أحد.
وعن سفيان بن جبير قَالَ: كان النبي وَل﴾ يصلي بعد المغرب
ركعتين، ويصليهما حين ينصدع أهل المسجد، وإنما كره الصلاة في
المسجد لئلا يرى جاهل عالمًا يصليها فيه فيراها فريضة، أو كراهة أن
يخلي منزله من الصلاة فيه، أو حذرًا من الرياء، أو عارض من
خطرات الشيطان، فإذا سلم من ذلك فإن الصلاة فيه حسنة، وقد بين
بعضهم علة كراهة من كرهه: لا يرونكم الناس فيرون أنها سنة.
قَالَ الطبري: والذي يقول: إن حديث حذيفة، وسفيان بن جبير.
وقوله: (صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة)» (١) هي صحاح كلها، لا
يدفع شيءٌ منها شيئًا، وذلك نظير ما ثبت أنه سير كان يعمل العمل؛
ليتأسى به فيه، ثم يعمل بخلافه في حال آخر؛ ليعلم بذلك من فعله
أن أمره بذلك على وجه الندب، وأنه غير واجب العمل به(٢).
(١) سلف برقم (٧٣١) كتاب: الأذان، باب: صلاة الليل.
(٢) بهامش الأصل: ثم بلغ في السابع بعد التسعين. كتبه مؤلفه غفر الله له.
آخره ١٠ وهو آخر الجزء ٤ من تجزئة المصنف.

١٧٩
كتاب التَّهَجُّدِ
٣٠- باب مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعُ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ
١١٧٤- حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ
أَبَا الشَّغْثَاءِ جَابِرًا قَالَ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسِ ضُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلِ ثَانِيًّا
جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا. قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّغْثَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ العَصْرَ، وَعَجَّلَ
العِشَاءَ وَأَخَّرَ المَغْرِبَ. قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّهُ. [انظر: ٥٤٣ - مسلم: ٧٠٥ - فتح: ٥١/٣]
ذکر فیه حديث ابن عباس :
صَلَّيْتُ مَعَ النبيِ نَِّ ثَمَانِيَا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا. قُلْتُ: يَا أَبَا
الشَّعْنَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ العَصْرَ، وَعَجَّلَ العِشَاءَ وَأَخَّرَ
المَغْرِبَ. قَالَ: وَأَنَا أَظُهُ.
الشرح :
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا(١). وفي رواية للبخاري: قَالَ
أيوب: لعله كان في ليلة مطيرة، قَالَ: عسى(٢).
قَالَ الداودي: وليس فيه أنه لم يصلِ قبل الظهر ولا بعد العشاء،
ولا أنه صلى.
قَالَ مالك: أرى ذلك بعذر المطر(٣).
قلتُ: في مسلم: ولا مطر. وما قاله مالك في المطر مشهور مذهبه
في غير المغرب والعشاء خلافه. وقيل: إنه لا يمنعه، وإنما كره أن يقدم
العصر على وقتها المختار.
(١) ((صحيح مسلم)) (٧٠٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الجمع بين الصلاتين في
الحضر.
(٢) سبقت برقم (٥٤٣) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: تأخير الظهر إلى العصر.
(٣) («الموطأ)) ص١٠٩.

١٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال ابن الماجشون: لو فعله فاعل لغير حاجة جاز؛ لأنه يصلي كل
صلاة في وقتها. يعني: في الظهر والعصر. أي: والمغرب والعشاء مثله،
إلا أن يريد أن وقت المغرب عند الغروب فيه خلاف عندهم.
وقال ابن بطال: إنما ترك التنفل فيه؛ لأن السنة عند جميع الصلوات
ترك التنفل، فأراد : أن يعلم أمته أن التطوع ليس بلازم لا يسع تركه؛
ولذلك كان ابن عمر لا يتنفل في السفر(١).
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٦٤/٣ - ١٦٥.