Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب التّهَجَّدِ
=
فرع :
من ظن أن الفجر طلع فركعهما، ثم علم أنه ركعهما قبل طلوعه
أعادهما، ذكره في ((المدونة))(١) وقال ابن الماجشون: لا يعيدهما،
وذكره عن ربيع والقاسم وسالم، وإن لم يعلم هل كان طلع: ففي
((المدونة)): أرجو أن لا بأس به، وقال أشهب: إذا ركعهما وهو لا
يوقن بالفجر لم تجزئاه(٢).
فرع:
ثبت في الصحيحين -كما سيأتي- من حديث أبي هريرة أنه لو كان
يخففهما حَتَّى إني لأقول: هل قرأ فيهما؟ ومشهور مذهب مالك أنه
لا يقرأ فيهما إلا بأم القرآن(٣)، وقيل: وسورة قصيرة(٤). وقيل:
﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِالَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وقيل: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوَا﴾ [آل
عمران: ٦٤] وسيأتي ذلك في بابه واضحًا.
(١) ((المدونة)) ١١٨/١.
(٢) ((النوادر والزيادات)) ١/ ٤٩٧.
(٣) ((المدونة)) ١١٨/١، ((التفريع)) ٢٦٨/١.
(٤) ((الذخيرة)) ٣٩٩/٢.

١٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٣- باب الضِّجْعَةِ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ
بَعْدَ رَكْعَتَي الفَجْرِ
١١٦٠- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي
أَبُوِ الأَسْوَدِ، عَنْ عُزْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ
選
إِذَا صَلَّى رَكْعَتَي الفَجْرِ، أَضْطَجَعَ عَلَى شِقْهِ الأَيْمَنِ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٢٤ - فتح:
٣/ ٤٣]
ذكر فيه حديث أبي الأَسْوَدِ، -وهو محمد بن عبد الرحمن يتيم
عروة- عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَىِ
الفَجْرِ، أَضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ.

١٤٣
كتاب التَّهَجُّدِ
٢٤- باب مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَضْطَجِعْ
١١٦١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الَحَكَمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالمٌ أَبُو النَّصْرِ، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَََّّ كَانَ إِذَا صَلَّى فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةٌ
حَدَّثَنِي، وَإِلَّ أَضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٤٣ - فتح: ٤٣/٣]
ذكر فيه حديث أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيِّ ◌َالمهد
كَانَ إِذَا صَلَّى فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةٌ حَدَّثَنِي، وَإِلَّا أَضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ
بِالصَّلاةِ.
الشرح :
أما حديثها الثاني فأخرجه مسلم أيضًا وأبو داود(١) والترمذي
وصححه ولفظه: كان إذا صلى ركعتي الفجر، فإن كانت له إليَّ حاجة
كلمني وإلا خرج إلى الصلاة. ثم قَالَ: وقد كره بعض أهل العلم
من الصحابة وغيرهم الكلام بعد طلوع الفجر حَتَّى يصلي
صلاة الفجر، إلا ما كان من ذكر الله أو مما لا بد منه، وهو قول
أحمد وإسحاق(٢).
ولفظ أبي داود: وكان إذا قضى صلاته من آخر الليل نظر، فإن كنت
مستيقظة حَدَّثَني، وإن كنت نائمة أيقظني وصلى الركعتين، ثم اضطجع
حَتَى يأتيه المؤذن فيؤذنه بصلاة الصبح، فيصلي ركعتين خفيفتين ثم يخرج
إلى الصلاة.
(١) ((صحيح مسلم)) (٧٤٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل وعدد ركعات
النبي ◌َلچ
(سنن أبي داود)) (١٢٦٢ - ١٢٦٣) كتاب: التطوع، باب: الاضطجاع بعدها.
(٢) (سنن الترمذي)) (٤١٨) في الصلاة، باب: ما جاء في الكلام بعد ركعتي الفجر.

١٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وراويه(١) عن أبي سلمة سالم أبو النضر، وراويه عن سفيان وهو ابن
عيينة.
قَالَ البيهقي: ورواه مالك خارج ((الموطأ)) عن سالم فذكر الحديث
عقب صلاة الليل، وذكر اضطجاعه بعد ركعتين قبل ركعتي الفجر،
وساق طريق أبي داود السالفة، ثم قَالَ: وهذا بخلاف رواية الجماعة
عن أبي سلمة. ثم ساق طريق مسلم عنها قالت: كان النبي ◌َّ- إذا
صلى من الليل ثم أوتر ثم صلى الركعتين، فإن كنت مستيقظة حَدَّثَني
وإلا اضطجع حَتَّى يأتيه المؤذن. ثم أخرج من طريق الحميدي: حَدَّثَنَا
سفيان، ثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة عنها كان رسول
الله قيم يصلي صلاته من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة، فإذا أراد
أن يوتر حركني برجله، وكان يصلي الركعتين فإن كنت مستيقظة
حَدَّثَني، وإلا اضطجع حَتَّى يقوم إلى الصلاة(٢).
قَالَ الحميدي: كان سفيان يشك في حديث أبي النضر ويضطرب
فيه، وربما شك في حديث زياد، ويقول: يختلط علي.
ثم قَالَ غير مرة: حديث أبي النضر كذا، وحديث زياد كذا، وحديث
محمد بن عمرو كذا، على ما ذكرت كل ذلك.
وأما حديثها الأول، فهو من أفراد البخاري، وأخرجه البيهقي من
حديث معمر، عن الزهري، عن عروة عنها، ثم قَالَ: أخرجه
البخاري وكذلك رواه الأوزاعي وجماعات عددهم عن الزهري،
وكذلك قاله أبو الأسود، عن عروة، عن عائشة.
(١) ورد في هامش الأصل: يعني: راوي حديث ((الصحيح)) الذي ساقه.
(٢) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٤٥/٣- ٤٦ كتاب: الصلاة، باب: ما ورد في الاضطجاع
بعد ركعتي الفجر.

١٤٥
كتاب التَّهَجُّدِ
=
قلتُ: هو طريق البخاري وخالفهم مالك، فذكر الاضطجاع بعد
الوتر، ثم ساقه وعزاه إلى مسلم، كذا قاله مالك، والعدد أولى
بالحفظ من الواحد، قَالَ: ويحتمل أن يكونا محفوظين، فنقل مالك
أحدهما ونقل الباقون الآخر، واختلف فيه أيضًا عن ابن عباس،
فروي عنه أنه كان إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع.
وروى كريب عنه ما دل على أن اضطجاعه كان بعد الوتر، قَالَ:
ويحتمل في ذلك ما أحتمل في رواية مالك(١). وذكر عن الذهلي أن
الصواب الاضطجاع بعد الركعتين.
وقال مسلم في ((التمييز)): وهم مالك في ذلك، وخولف فيه عن
الزهري، وسلف عن جماعة رووا عنه أن الاضطجاع بعدهما إذا
علمت ذلك.
واختلف العلماء في الضجعة بعد ركعتي الفجر، فذهبت طائفة إلى
أنها سنة يجب العمل بها، وعبارة ابن عبد البر: ذهب قوم إلى أن
المصلي بالليل إذا ركع ركعتي الفجر كان عليه أن يضطجع، وزعموا
أنها سنة، واحتجوا بحديث الباب وغيره مما ذكرناه، وقال: هكذا
قَالَ كل من رواه عن ابن شهاب، إلا مالك بن أنس فإنه جعل
الاضطجاع فيه بعد الوتر، واحتجوا أيضًا بحديث الأعمش، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة قَالَ رسول الله وَّه: ((إذا صلى أحدكم ركعتين
قبل الصبح فليضطجع على يمينه))(٢).
(١) (السنن الكبرى)) ٤٤/٣- ٤٥.
(٢) رواه أبو داود (١٢٦١) كتاب: الصلاة، باب: الاضطجاع بعدها، والترمذي
(٤٢٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وابن
حبان ٦/ ٢٢ (٢٤٦٨) كتاب: الصلاة، باب: النوافل. والبيهقي ٤٥/٣ كتاب : =

١٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وذهبت طائفة إلى أنها ليست سنة، وإنما كانت راحة لطول قيامه،
واحتجوا بالحديث الثاني عن عائشة، وقد قَالَ ابن القاسم عن مالك: إنه
لا بأس بها إن لم يرد بها الفضل. وقال الأثرم: سمعت أحمد يسأل عنها
فقال: ما أفعله أنا، فإن فعله رجل. ثم سكت، كأنه لم يعبه إن فعله. قيل
له: لمَ لمْ تأخذ به؟ قَالَ: ليس فيه حديث يثبت. قلتُ له: حديث
الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قَالَ: رواه بعضهم مرسلاً(١).
وقال ابن العربي: إنه معلول؛ لم يسمعه أبو صالح من أبي هريرة،
وبين الأعمش وأبي صالح كلام(٢).
وذكر البيهقي أن الأول في رواية أبي هريرة فكأنه فعله وَله؛ للرواية
التي هي عن محمد بن إبراهيم، عن أبي صالح سمعت أبا هريرة يحدث
مروان بن الحكم، أنه ◌ّهو كان يفصل بينها وبين الصبح بضجعة على شقه
الأيمن(٣).
وذكر الأثرم من وجوه عن ابن عمر أنه أنكره، وقال: إنها بدعة.
وعن إبراهيم(٤) وأبي عبيدة وجابر بن زيد، أنهم أنكروا ذلك،
ومشهور مذهب مالك أنها لا تسن(٥). وقال عياض في هذا الاضطجاع:
الاضطجاع بعد صلاة الليل وقبل ركعتي الفجر.
الصلاة، باب: ما ورد فى الاضطجاع عند ركعتي الفجر.
=
وصححه النووي -كما سيأتي، والألباني في ((صحيح أبي داود)) (١١٤٦) قائلًا:
إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٢) ((عارضة الأحوذي)) ٢١٧/٢.
(١)
أنظر: ((التمهيد)» ١٢٥/٨ - ١٢٦.
(٣) ((السنن الكبرى)) ٤٥/٣ الصلاة، باب ما ورد في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٥٤/٢ (٦٣٨٦) كتاب: الصلوات، باب: من كرهه ٥٥/٢
(٦٣٩٢).
(٥) أنظر: ((المنتقى)) ٢١٥/١.

١٤٧
= كتاب الثَّهَجُّدِ
وفي الرواية الأخرى عنها، أنه كان ◌َّله يضطجع بعد ركعتي الفجر.
وفي حديث ابن عباس أن الاضطجاع كان كالأول(١) قَالَ: وهذا فيه رد
على الشافعي وأصحابه، في أن الاضطجاع بعدها سنة.
قَالَ: وذهب مالك وجمهور العلماء وجماعة من الصحابة إلى أنها
بدعة، وأشار إلى أن رواية الاضطجاع مرجوحة، ولم يقل أحد في
الاضطجاع قبلها أنه سنة، فكذا بعدهما(٢).
وقالت عائشة: فإن كنت مستيقظة حَدَّثَني، وإلا اضطجع. فهذا يدل
على أنه ليس بسنة، واعترض النووي فقال: الصحيح -أو الصواب إن
شاء الله- أن الاضطجاع بعد سنة الفجر سنة، لحديث أبي هريرة
السالف: ((إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه)). رواه
أبو داود والترمذي بإسناد صحيح على شرط الشيخين. وقال الترمذي:
حسن صحيح، قَالَ: فهذا صحيح صريح في الأمر بالاضطجاع (٣).
وأما حديث عائشة بالاضطجاع بعدها وقبلها، وحديث ابن عباس
قبلها، فلا يخالف هذا، فإنه لا يلزم من الاضطجاع قبلها ألا يضطجع
بعدها ولعله القديمة ترك الاضطجاع بعدها في بعض الأوقات بيانًا للجواز
لو ثبت الترك فلعله كان يضطجع قبل وبعد (٤).
وقال القرطبي: هذِه ضجعة الاستراحة، وليست بواجبة عند
الجمهور، ولا سنة خلافًا لمن حكم بوجوبها من أهل الظاهر، ولمن
(١) سبق برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: قراءة القرآن بعد الحدث وغيره .
(٢) انظر: ((المجموع)) ٥٢٣/٣- ٥٢٤.
(٣) ((المجموع)) ٥٢٣/٣- ٥٢٤.
(٤) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٩/٦ - ٢٠.

١٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
حكم بسنتها، وهو الشافعي. وذكر حديث عائشة: فإن كنت مستيقظة
حَدَّثَنِي ... الحديث(١).
وذكر البيهقي عن الشافعي أنه أشار إلى الاضطجاع للفصل بين
النافلة والفريضة. ثم سواء كان ذلك الفصل بالاضطجاع، أو
التحديث، أو التحول عن ذلك المكان أو غيره، والاضطجاع غير
متعين لذلك(٢).
ولما ذكر ابن بطال أن هذِه الضجعة سنة يجب العمل بها أنه فعلها
أنس، وأبو موسى الأشعري، ورافع بن خديج، ورواية ضعيفة عن ابن
عمر ذكرها ابن أبي شيبة(٣)، وروى مثله عن ابن سيرين، وعروة(٤).
قلتُ: وحكاها ابن حزم عن جماعة: سعيد بن المسيب، والقاسم
بن محمد، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد
الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، وأبي موسى الأشعري،
وأصحابه، وأبي الدرداء، وأبي رافع، كذا قَالَ، وإنما هو رافع بن
خديج، قَالَ : -يعني ابن بطال- وذهب جمهور العلماء إلى أن هذِه
الضجعة إنما كان يفعلها للراحة من تعب القيام وكرهوها، وممن
كرهها النخعي.
وذكر ابن أبي شيبة قَالَ: قَالَ أبو الصديق الناجي: رأى ابن عمر
قومًا قد أضطجعوا بعد ركعتي الفجر، فأرسل إليهم فنهاهم، فقالوا :
(١) أنظر: ((المفهم)) ٣٧٣/٢ - ٣٧٤.
(٢) ((السنن الكبرى)) ٤٦/٣- ٤٧.
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٤/٢ كتاب: الطهارة، باب: الاضطجاع بعد ركعتي
الفجر.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ١٥١/٣.
۔

١٤٩
كتاب التَّهَجُّدِ
=
نريد السنة. قَالَ ابن عمر: ارجع إليهم فأخبرهم أنها بدعة(١). ورواه
البيهقي أيضًا(٢).
وعن ابن المسيب قَالَ: رأى ابن عمر رجلًا اضطجع بعد الركعتين،
فقال: أحصبوه.
وقال أبو مجلز: سألت -أعني: ابن عمر- عنها فقال: يتلعب بكم
الشيطان.
وعن مجاهد: صحبت ابن عمر في السفر والحضر فما رأيته
اضطجع بعد ركعتي الفجر. وعن إبراهيم قَالَ: قَالَ عبد الله: ما بال
الرجل إذا صلى الركعتين يتمعك كما تتمعك الدابة والحمار، إذا سلم
فقد فصل. ونحوه عن ابن جبير، وعن الحسن بن عبيد الله قَالَ: كان
إبراهيم يكره الضجعة المذكورة. وعنه أنها ضجعة الشيطان، وعن
الحسن کراهتها.
وقال ابن جبير: لا يضطجع بعد الركعتين قبل الفجر، واضطجع
بعد الوتر -وكل هُذِه الآثار في كتاب ابن أبي شيبة- وعن عبد الكريم
أن عروة دخل المسجد والناس في الصلاة فركع ركعتين، ثم أمَسَّ
جنبه الأرض، ثم قام فدخل مع الناس في الصلاة. وعن ابن عون،
عن محمد كان إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع. وعن أبي هريرة
الأمر بها(٣).
وفي أبي داود عن أبي بكرة قَالَ: خرجت مع النبي ◌َّ لصلاة
(١) ((المصنف)) ٥٥/٢ (٦٣٩٤) وانظر ((شرح ابن بطال)) ١٥١/٣.
(٢) ((السنن الكبرى)) ٤٦/٣.
(٣) ((المصنف)) ٥٤/٢ - ٥٥ (٦٣٧٨ - ٦٣٩٦) كتاب: الصلوات، باب: الاضطجاع
بعد ركعتي الفجر، ومن كرهه.

١٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الصبح، وكان لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة أو حركه برجله(١)، فيه
أبو الفضل الأنصاري، وهو غير مشهور. وقال المهلب: هذِه الضجعة
منه إنما كانت في الغِبِّ؛ لأنه كان أكثر عمله أن يصليها إذا جاء
المؤذن للإقامة. وقال ابن قدامة: إنها سنة على جنبه الأيمن. وأنكره
ابن مسعود. وكان القاسم وسالم (يفعلونه)(٢). واختلف فيه عن ابن
عمر. وروي عن أحمد أنه ليس بسنة؛ لأن ابن مسعود أنكره(٣).
وحكمة الاضطجاع على الأيمن أن لا يستغرق في النوم؛ لأن القلب
في جهة اليسار، فيتعلق حينئذٍ فلا يستغرق، بخلاف ما إذا نام على يساره
فإنه في دعة واستراحة فيستغرق.
قَالَ ابن بطال: والحديث الثاني يبين أن الضجعة ليست بسنة، وأنها
للراحة، من شاء فعلها، ومن شاء تركها. ألا ترى قول عائشة: (فإن كنت
مستيقظة حَدَّثَني، وإلا أضطجع). فدل أن اضطجاعه إنما كان يفعله إذا
عدم التحديث معها؛ ليستريح من نصب القيام.
وفي سماع ابن وهب: قيل: فمن ركع ركعتي الفجر، أيضطجع على
شقه الأيمن؟ قَالَ: لا. يريد: لا يفعله استنانًا؛ لأنه وَّي لم يفعله استنانًا،
وكان ينتظر المؤذن حتَّى يأتيه (٤).
وإنما ترك الشارع الاستغفار وحدثها، وقد مدح تعالى المستغفرين
بالأسحار؛ لأن السحر يقع على ما قبل الفجر كما يقع على ما بعده. ومنه
(١) ((سنن أبي داود)) (١٢٦٤) كتاب: الصلاة، باب: الاضطجاع بعدها.
وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٢٣٤).
(٢) في الأصل عليها (كذا).
(٣) ((المغني)) ٥٤٢/٢.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ١٥٢/٣.

١٥١
كتاب التَّهَجُّدِ
قيل للسحور: سحور؛ لأنه طعام في السحر قبل الفجر، وقد كان وَّهـ
أخذ بأوفر الحظ من القيام، واستغفار الملك العلام. وقد سلف أنه
قبل الفجر مطلوب، لقوله: ((من يستغفرني فأغفر له؟))(١) والتكلم في
أثنائه من شأن يصلحه، وعلم ينشره لا يخرجه عن الأسم المرغوب.
واختلف السلف في الكلام بعد ركعتي الفجر، فقال نافع: كان ابن
عمر ربما تكلم بعدهما. وقال إبراهيم: لا بأس أن يسلم ويتكلم
بالحاجة بعدهما. وعن الحسن وابن سيرين مثله. وكره الكوفيون
الكلام قبل صلاة الفجر إلا بخير (٢). وكان مالك يتكلم في العلم
بعد ركعتي الفجر، فإذا سلم من الصبح لم يتكلم مع أحد حَتَّى
تطلع الشمس.
قال مالك: لا يكره الكلام قبل الفجر وإنما يكره بعده إلى طلوع
(٣)
الشمس(٣).
وممن كان لا يرخص في الكلام بعد ركعتي الفجر: قَالَ مجاهد:
رأى ابن مسعود رجلًا يكلم آخر بعد ركعتي الفجر فقال: إما أن تذكر
الله، وإما أن تسكت. وعن سعيد بن جبير مثله. وقال إبراهيم: كانوا
يكرهون الكلام بعدهما، وهو قول عطاء. وسُئل جابر بن زيد: هل
تفرق بين صلاة الفجر وبين الركعتين قبلهما بكلام؟ قَالَ: لا، إلا أن
يتكلم بحاجة إن شاء. ذكر هذِه الآثار ابن أبي شيبة(٤).
(١) سلف برقم (١١٤٥).
(٢) انظر: ((الأصل)) ١٥٨/١، ((المبسوط)) ١٥٧/١.
(٣) ((المدونة)) ١١٩/١.
(٤) ((المصنف)) ٥٥/٢ - ٥٦ (٦٣٩٧ - ٦٤١٠) كتاب: الصلوات، باب: الكلام بعد
ركعتي الفجر، وباب: من كان لا يرخص في الكلام بينهما.

١٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
والقول الأول أولى؛ لشهادة السنة الثابتة له، ولا قول لأحد مع
السنة.
واختلفوا في التنفل بعد طلوع الفجر. وكرهت طائفة الصلاة بعد
الفجر إلا ركعتي الفجر، وروي ذلك عن عمر، وابن عباس،
وابن المسيب، ورواية عن عطاء(١). وحجتهم حديث موسى بن عقبة،
عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ◌َ﴿ قَالَ: ((لا صلاة بعد طلوع الفجر
إلا ركعتي الفجر))(٢).
ويروى أيضًا من مرسلات ابن المسيب، عن رسول الله وَال﴾ (٣).
وأجاز ذلك آخرون، روي هذا عن طاوس، والحسن البصري،
ورواية عن عطاء قالوا: إذا طلع الفجر صل ما شئت. ذكر هذا
عبد الرزاق(٤). وعندنا كراهته إلا بعد فعل الفرض.
(١) روى من هذِه الآثار عبد الرزاق ٥١/٣- ٥٢ (٤٧٥٣) كتاب: الصلاة، باب:
الصلاة بعد طلوع الفجر، وابن أبي شيبة ١٣٧/٢ (٧٣٦٨ - ٧٣٧٠) كتاب:
الصلوات، باب: من كره إذا طلع الفجر أن يصلي أكثر من ركعتين.
(٢) رواه عبد الرزاق ٥٣/٣ (٤٧٦٠) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة بعد طلوع الفجر.
(٣) المصدر السابق ٣/ ٥٣ (٤٧٥٦).
ورواه البيهقي ٤٦٦/٢ كتاب: الصلاة، باب: من لم يصل بعد الفجر إلا ركعتي
الفجر ثم بادر بالفرض، ثم قال: وروي موصولًا بذكر أبي هريرة فيه، ولا يصح
وصله.
وانظر: ((شرح ابن بطال)) ١٥٢/٣: ١٥٤.
(٤) ((مصنف عبد الرزاق)) ٥٣/٣ - ٥٤ (٤٧٥٩، ٤٧٦١، ٤٧٦٢) كتاب: الصلاة،
باب: الصلاة بعد طلوع الضحى.

١٥٣
كتاب التَّمَجُّدِ
٢٥- باب مَا جَاءَ في التّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى
وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عَمَّارٍ وَأَبِي ذَرِّ وَأَنَسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ
وَعِكْرِمَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ الأَنْصَارِيُّ:
مَا أَدْرَكْتُ فُقَهَاءَ أَرْضِنَا إِلَّا يُسَلِّمُونَ فِي كُلِّ أَثْنَتَيْنِ مِنَ صلاة
النَّهَارِ.
١١٦٢- حَذَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي المَوَالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يُعَلِّمُنَا
الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ يَقُولُ: ((إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ
فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ،
وَأَسْتَقْدِرَُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ
وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّمُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هذا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي
دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: عَاجِلٍ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ
لِي، ثُمَّ بَارِْك ◌ِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هذا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي
وَعَاقِيَةٍ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ،
وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي - قَالَ :- وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ)). [٦٣٨٢، ٧٣٩٠-
فتح: ٤٨/٣]
١١٦٣ - حَذَّثَنَا الَكْيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِيِّ، سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ الأَنَّصَارِيَّ ◌َ﴾ قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلَّيَ رَكْعَتَيْنِ)).
[٤٤٤- مسلم: ٧١٤ - فتح: ٤٨/٣]
١١٦٤- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ
ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴾ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ وََّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ
أَنْصَرَفَ. [انظر: ٣٨٠ - مسلم: ٦٥٨ - فتح: ٤٨/٣]

١٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١١٦٥- حَدَّثَنَا [يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِي سَالمٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَالم
رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ،
وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ. [انظر: ٩٣٧- مسلم: ٧٢٩، ٨٨٢ - فتح: ٤٨/٣]
١١٦٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُغْبَةُ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ وَهُوَ يَخْطُبُ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِمَامُ
يَخْطُبُ - أَوْ قَدْ خَرَجَ - فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنٍ)). [انظر: ٩٣٠ - مسلم: ٨٧٥ - فتح: ٤٩/٣]
١١٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ المَكْيُّ، سَمِعْتُ نُجَاهِدًا
يَقُولُ: أُنَّ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما في مَنْزِلِهِ، فَقِيلَ لَهُ: هذا رَسُولُ اللهِلَ قَدْ دَخَلَ
الكَعْبَةَ. قَالَ: فَأَقْبَلْتُ فَأَجِدُ رَسُولَ اللهِ وََّ قَدْ خَرَجَ، وَأَجِدُ بِلَالًا عِنْدَ البَابِ قَائِمًا،
فَقُلْتُ: يَا بِلَالُ، صَلَّى رَسُولُ اللهِ تَّهِ فِي الكَعْبَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَأَيْنَ؟ قَالَ: بَيْنَ
هَاتَيْنِ الأُسْطُوَانَتَيْنِ. ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الكَعْبَةِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ
أَبُو هُرَيْرَةَ : أَوْصَانِي النَّبِيُّ ◌َّ بِرَكْعَتَي الضُّحَى. وَقَالَ عِثْبَانُ: غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ
وَلَّهِ وَأَبُو بَكْرِ عُه بَعْدَ مَا آَمْتَدَّ النَّهَارُ، وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ. [انظر: ٣٩٧-
مسلم: ١٣٢٩ - فتح: ٤٩/٣]
ذكر فيه أحاديث :
أحدها :
حديث أنس بن مالك قال: صلى بنا رسول الله وَ ل ركعتين ثم
أنصرف.
وهو ثابت في بعض النسخ، وفي أصل الدمياطي أيضًا. نعم ذكره
بعد حديث أبي قتادة، وهو مختصر من حديث تقدم في باب الصلاة
على الحصير (١).
(١) سبق برقم (٣٨٠) كتاب: الصلاة.

١٥٥
كتاب التّمَجُّدِ
الحديث الثاني :
حديث جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صل* يعلمنا الاستخارة.
الحديث
ويأتي في الدعوات في باب الدعاء عند الاستخارة (١)، والتوحيد في
باب: ﴿قُلّ هُوَ الْقَادِرُ﴾(٢) [الأنعام: ٦٥]. وأخرجه الأربعة في الصلاة(٣)
خلا النسائي ففي النكاح، والنعوت، واليوم والليلة(٤). قَالَ الترمذي:
حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموالي، وهو
مدني ثقة. قَالَ: وفي الباب عن ابن مسعود، وأبي أيوب(٥).
ثم الكلام عليه من أوجه:
أحدها :
قوله: (يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن). فيه ما كان
من شفقته بأمته، وإرشادهم إلى مصالحهم دينًا ودنيا، فكان يعلمهم
هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن؛ لشدتهم في الحالات كلها
كشدة حاجتهم إلى القراءة في كل الصلوات. والاستخارة مشتقة من
سؤال الخير.
(١) برقم (٦٣٨٢).
(٢) برقم (٧٣٩).
(٣) رواه أبو داود (١٥٣٨) كتاب: الوتر، باب: في الاستخارة، والترمذي (٤٨٠)
كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الاستخارة، وابن ماجه (١٣٨٣) كتاب:
إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الاستخارة.
(٤) رواه النسائي ٦/ ٨٠ - ٨١ كتاب: النكاح، باب: كيف الاستخارة، وفي ((السنن
الكبرى)) ٤١٢/٤ (٧٧٢٩) كتاب: النعوت، باب: علام الغيوب، و١٢٨/٦
(١٠٣٣٢) كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: يقول إذا هم بالأمر.
(٥) ورد في هامش الأصل: من خط الشيخ: رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان.

١٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقوله: ( ((فليركع ركعتين من غير الفريضة)) ) فيه استحباب ذلك.
ويفعل في كل وقت عندنا إلا وقت الكراهة على الأصح؛ لأن سببها
متأخر. وفيه تسمية ما يتعين فعله من العبادات فرائض. ولا يسمى به
المندوب وإن كان فيه معنى الفرض، وهو التقدير، ولكنه أمر خص به
المكتوبة حتمًا في لسان الشارع.
ثانیھا :
معنى: ((أستخيرك)) استعمل في لسان العرب على معانٍ منها سؤال
الفعل، فالتقدير: أطلب منك الخير فيما هممت به. والخير هو كل معنى
زاد نفعه على ضره. ومعنى: ((وأستقدرك بقدرتك)): أسألك تهيئة الخير
والقدرة. وفيه: دلالة على أن العبد لا يكون قادرًا إلا مع الفعل، لا قبله،
كما يقول القدرية، فإن البارئ هو خالق العلم بالشيء للعبد، والهم به،
والقدرة عليه، والفعل مع القدرة، وذلك كله موجود بقدرة الله.
قَالَ ابن بطال: والقادر والقدرة من صفات الذات، والقدرة والقوة
بمعنى واحد مترادفات، فالبارئ تعالى لم يزل قادرًا قويًّا ذا قدرة وقوة،
قَالَ: وذكر الأشعري أن القدرة والقوة والاستطاعة اسم لا يجوز أن
يوصف به مستطيع لعدم التوقف بذلك، وإن كان قد جاء القرآن
بالاستطاعة فقال: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة: ١١٢] وإنما هو خبر
عنهم ولا يقضي إثباته صفة له تعالى ثابتة لهم عقب هذا، وقراءة من
قرأ: (هل تستطيع ربك) بمعنى: هل تستطيع سؤاله. قال: وقد أخطئوا
في الأمرين جميعهم لاقتراحهم على نبيهم وخالقهم ما لم يأذن فيه
ربهم تعالى(١).
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤١٨/١٠.

١٥٧
كتاب التّھَجُّدِ
-
وقوله: ( ((وأسألك من فضلك العظيم)) ) كل عطاء الرب جل جلاله
فضل، فإنه ليس لأحد عليه حق في نعمة ولا في شيء، فکل ما یھب فهو
زيادة مبتدأة من عنده لم يقابلها منَّا عوض فيما مضى، ولا يقابلها فيما
يستقبل، فإن وفق للشكر والحمد فهو نعمة سؤل وفضل يفتقر أيضًا إلى
حمد وشكر هكذا إلى غير نهاية، خلاف ما تعتقده المبتدعة التي تقول:
إنه واجب على الله أن يبتدئ العبد بالنعمة، وقد خلق له القدرة، وهي
باقية فيه، دائمة له أبدًا يعصي ويطيع.
وقوله: ( ((فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم)) ) فيه تصريح بعقيدة
أهل السنة، فإنه نفى العلم عن العبد والقدرة وهما موجودان، وذلك
يناقض في بادئ الرأي، والحق والحقيقة فيه الاعتراف بأن العلم لله
والقدرة لله، ليس للعبد من ذلك شيء إلا ما خلق له يقول: فأنت يا
رب تقدر قبل أن تخلق فيَّ القدرة، وتقدر مع خلقها، وتقدر بعدها.
وأما على الحقيقة في الأقوال كلها مصرف لك ومحل لمقدوراتك
وكذلك في العلم.
وقوله: ( ((وأنت علام الغيوب)) ) المعنى: أنا أطلب مستأنفًا لا يعلمه
إلا أنت، فهب لي منه ما ترى أنه خير لي في ديني ومعاشي، وعاجل
أمري وآجله، وهي أربعة أقسام: خیر یکون له في دینه دون دنياه،
وهذا هو المقصود للإبدال، ولا صبر على عموم الخلق فيه.
ثانيها: خير له في دنياه خاصة ولا يعرض على دينه، فذلك حظ
حقیر.
ثالثها: خير في العاجل، وذلك يحصل في الدنيا ويحتمل للابتداء،
ويكون في الآخرة أولى.

١٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
رابعها: خير في الانتهاء، وذلك أولاه وأفضله، ولكن إذا جمع
الأربعة فذلك الذي ينبغي للعبد أن يسأل ربه، ومن دعاء النبي تَّى:
((اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي
فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة
لي في كل خير، والموت راحة لي من كل شر، إنك على كل شيء
قدیر))(١).
وقوله: ((وبارك لي فيه)) أي: أدمه وضاعفه.
وقوله: ( ((وعاقبة أمري - أو قَالَ: عاجل أمري وآجله)) ) شك أي
الكلمتين قَالَ.
وقوله: ( ((واصرفه عني واصرفني عنه)) ) أي: لا تعلق بالي به
وبطلبه. ومن دعاء بعض أهل الطريق: اللهم لا تتعب بدني في طلب
ما لم تقدره لي.
وقوله: ( ((واقدر لي الخير)) ) أي: أقضه، قَالَ الشيخ أبو الحسن:
أهل المشرق يضمون الدال منه، وأهل بلدنا يكسرونها، ولا أدري كيف
قرأه أبو زيد.
وقوله: (ثم أرضني)) كذا في البخاري، وفي الترمذي زيادة: ((به))(٢)
ولأبي داود: ((ثم رضني به))(٣) أي: اجعلني راضيًا به إن وجد، أو بعدمه
إن عدم. والرضى: سكون النفس إلى القدر والقضاء.
(١) رواه مسلم (٢٧٢٠) كتاب: الذكر والدعاء، باب: التعوذ من شر ما عمل ومن شر
ما لم يعمل.
(٢) حديث (٤٨٠).
(٣) حديث (١٥٣٨).

١٥٩
كتاب التَّهَجُّدِ
=
ففيه: أنه يجب على المؤمن رد الأمور كلها إلى الله، وصرف
أزمنتها، والتبرء من الحول والقوة، وأن لا يروم شيئًا من دقيق الأمور
ولا جليلها حَتَّى يسأل الله فيه، ويسأله أن يحمله فيه على الخير
ويصرف عنه الشر إذعانًا بالافتقار إليه في كل أمره والتزامًا لذلة
العبودية له، وتبركًا لاتباع سنة سيد المرسلين في الاستخارة، وربما
قدر ما هو خير ويراه شرًا نحو قوله: ﴿وَعَسَّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ
لَّعـ
[البقرة: ٢١٦].
كم
وفي قوله: ((وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي)) حجة على القدرية
الذين يزعمون أن الله لا يخلق الشر- تعالى الله عما يفترون- فقد أبان في
هذا الحديث أن الله هو المالك للشر والخالق له، وهو المدعو لصرفه
عن العبد؛ لأن محالًا أن يسأله العبد صرف ما يملكه العبد من نفسه
وما يقدر على اختراعه دون تقدر الله عليه.
وقوله: ( ((ويسمي حاجته)) ) أي: إما بلسانه أو بقلبه لأنه من الدعاء
والعمل الذي يتقرب به إلى الله.
((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنٍ)).
وقد سلف في باب: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين (١).
الحدیث الرابع: حديث ابن عمر:
صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظَّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بعدها.
الحدیث.
وقد سلف في باب: الصلاة بعد الجمعة(٢)، ويأتي في: التطوع بعد
(١) سبق برقم (٤٤٤) كتاب: الصلاة.
(٢) سبق برقم (٩٣٧) كتاب: الجمعة.

١٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
المكتوبة(١)، وأخرجه مسلم وأبو داود مختصرًا، والترمذي مطولًا(٢).
الحدیث الخامس:
حديث شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَهُوَ يَخْطُبُ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ
-أَوْ قَدْ خَرَجَ- فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنٍ)).
وقد سلف في باب: صلاة الجمعة(٣)، وأخرجه مسلم والأربعة(٤).
قَالَ الأصيلي: خالف شعبةَ فيه أصحابُ عمرو بن دينار: ابن جريج،
وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة فرووه عن عمرو عن جابر في قصة
سليك، وكذلك روى أبو الزبير عن جابر، فانفرد شعبة بما لم يتابع
عليه، لم تكن زيادة زادها الحافظ على غيره؛ بل هي قصة منقلبة عن
وجهها. وقال يحيى بن معين: أحق أصحاب عمرو بن دينار بحديثه
سفيان بن عيينة (٥).
وقال الداودي: أراه إنما روى الحديث على تأويله الذي روي أن
(١) سيأتي برقم (١١٧٢) كتاب: التهجد.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٧٢٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل السنن الراتبة قبل
الفرائض وبعدهن، و(٨٨٢) كتاب: الجمعة، باب: الصلاة بعد الجمعة، ((سنن
أبي داود)) (١٢٥٢) كتاب: الصلاة، باب: تفريغ أبواب التطوع، و(١١٣٢)
كتاب: الصلاة، باب: الصلاة بعد الجمعة، ((سنن الترمذي)) (٤٣٤) كتاب:
الصلاة، باب: ما جاء أنه يصليهما في البيت.
(٣) سلف برقم (٩٣٠) كتاب: الجمعة، باب: التحية والإمام يخطب.
(٤) (صحيح مسلم)) (٨٧٥) كتاب: الجمعة، باب: إذا رأى الإمام رجلًا جاء وهو
يخطب.
أبو داود (١١١٥)، والترمذي (٥١٠) والنسائي ١٠٣/٣ وابن ماجه (١١١٢).
(٥) انظر: ((تاريخ عثمان الدارمي)) ص ٥٥ (٦٧).