Indexed OCR Text

Pages 1-20

يُح
2
التَّوَّهِ
لِشَرْح
الخَامِعِ الصَّحِيع
تَصْنیف
◌ِرَاجِالدِّينِ أَبِي حَقْصٍ عُمَرَيْنِ عَلِّبْن أَحْدِ الأَنصَارِيِّ الشَّافِيِّ
المعْرُوف بـ ابن المُلقّن
(٧٢٣ - ٨٠٤ هـ )
المَجَلَدُ التّاسِعَ
تحقيق
دار الفلاح
لِلِبَحْثِ العِلمِّ وَتَحَقِيْق التّاث
بإشراف
جَمعَةُ فَتَخِى
خَالِدُ الرَّاتِ
تَقْدِيمُ
فَضِيْلَةٍ الأسْتَّاذ الدّكتور
أحمد عبد عبد الكريم
أستاذ الحديث بجامعة الأزهر
إصدارات
وَزَارَةُ الأَوْقَافِ وَالشُّؤُوْرَاِ سْلاَمِيّةُ
إِدَارَةُ الشّؤُوْنِ الْإِسْلَامِيَّةِدَوْلةِقَطَرْ

13
13
1

التَّوْصِيحُ

حُقُوق الطَّيْع مَحَفُوظَة
لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية
دولة قطر
الطبعة الأولى / ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨م
قامت بعمليات الاخراج الفني والطباعة
دَارُ التَّوَارِ.
نُورُ الرَّشْطَالتْ
لصاحبها ومديرها العام
سوريا - دمشق - ص. ب : ٣٤٣٠٦
لبنان - بَيروت - ص.ب: ١٤/٥١٨٠
هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ ١١ ٠.٩٦٣- فاكس: ٢٢٢٧٠١١ ١١ ٠٠٩٦٣
www.daralnawader.com

٠
فريق العمل في تحقيق واخراج
كِتَابُ التوضيح
دارالفلاح
الفَيُّوم
بإشراف
جمعَة فتحى عبد الحليم
خالد محمود الربّاط
التّحْقيق وَالمقابلة والتّعليق
وائل امام عبدالفقّدح أحمَد فوزي إبراهيم
خالد مصطف توفيق
حِهام كمال توفيق
عبد الله أحمَدٌ فؤاد
عصام حمدي محمد
أحمَدْ رولي عبدالعظيم
رِيْعُ محمَّد عوض الله
هافى رمضانْ هاشم
أحمد عويسن جنيد
محمد زكريا يوسف - سَامح محمد عيد - سَعِيْدُ عزّتُ عيد
عادل أحمد محمود طلّ مصطفى أمين عماد مصطفى أمين
محمّعبد الصَّحِ عَليْ محمد أحمد عبدالتَّابُ مصطفى عبدالحميد الصلابي
*
on

+
+
+
+
+
+
+
+
+
١٩
التَّهَخُّدُ

١٩ - التَّهَعَدُ
(١)
١- باب التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ
وَقَوْلِهِ رَّ: ﴿وَمِنَ الَّتِّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩].
١١٢٠ - حَذَّثَنَا عَلَىَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي
مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، سَمِعَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ََّ إِذَا قَامَ مِنَ
اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ،
وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُلَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُلَ حَقٌّ ،
وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ أَ حَقٌّ ،
وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ،
وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ
وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لَا إله إِلَّا أَنْتَ)) أَوْ ((لا إله غَيْرُكَ)). قَالَ
(١) من ((اليونينة)).

١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
سُفْيَانُ: وَزَادَ عَبْدُ الكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ: ((وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ)). قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ
سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِم: سَمِعَهُ مِنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيّ
صَلىالله. [٦٣١٧، ٦٣٨٥، ٧٤٤٢، ٧٤٩٩ - مسلم: ٧٦٩ - فتح: ٣/٣]
ذكر فيه حديث ابن عباس: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ
قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ... ))
الحدیث بطوله.
الشرح :
التهجد عند العرب - كما نقله ابن بطال -: التيقظ والسهر بعد نومة
من الليل، قال: والهجود أيضًا: النوم، يقال: تهجد، إذا سهر، وهجد
إذا نام(١). قَالَ الجوهري: هجد وتهجد أي: نام ليلا، وهجد وتهجد
سهر، وهو من الأضداد، ومنه قيل لصلاة الليل: التهجد(٢).
وقال ابن فارس: المتهجد: المصلي ليلاً(٣). كما ذكر البخاري، وفي
بعض نسخ البخاري، أي: أسهر به، وعليه مشى ابن التين وابن بطال
أي: أسهر نافلة لك (٤). وقيل له: تهجد؛ لإلقاء الهجود عن نفسه. ونقل
ابن التين عن علقمة والأسود: التهجد بعد النوم، وهو في اللغة السهر،
ونقل النووي عن العلماء أنَّ التهجدَ أصلُه: الصلاة في الليل بعد النوم(٥).
ثم قيام الليل سنة مؤكدة، وادعى بعض السلف - كما حكاه
القاضي- أنه يجب على الأمة من قيام الليل ما يقع عليه الاسم ولو
قدر حلب شاة، وهو غَلَظٌ مردود، ولا شك أنَّ التطوع المطلق الذي
لا سبب له ليلًا أفضل منه نهارًا؛ لقوله ◌َّ: ((أفضل الصلاةِ بعد
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٠٨/٣.
(٣) ((مجمل اللغة)) ٨٩٩/٢.
(٥) ((المجموع)) ٥٣٤/٣.
(٢) ((الصحاح)) ٥٥٥/٢.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ١٠٧/٣.

١١
كتاب التَّهَجُّدِ
=
الفريضة صلاة الليل)) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (١).
ولأنها تُفْعَل في وقت الغفلة فكانت أهم، فإن قسم الليل نصفين
فالثاني أفضل، أو ثلاثًا فالثلث الأوسط أفضل، أو أسداسًا فالسدس
الرابع والخامس أفضل؛ لقصة داود في ((الصحيح)): ((كان ينام نصف
الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه))(٢).
ويكره قيام كل الليل دائمًا؛ للحديث الصحيح فيه: ((وإن لجسدك
عليك حقا)) قاله لعبد الله بن عمرو (٣).
لا يكره إحياء بعض الليالي سيما العشر الأواخر فيستحب، وكذا
ليلتا العيدين، فقد ورد أن من أحياهما لم يمت قلبه يوم تموت
(٤)
القلوب (٤).
(١) مسلم (١١٦٣) كتاب: الصيام، باب: فضل صوم المحرم.
(٢) سيأتي هذا الحديث برقم (١١٣١) كتاب: التهجد، باب: من نام عند السحر.
(٣) سيأتي هذا الحديث برقم (١٩٧٥) كتاب: الصوم، باب: حق الجسم في الصوم.
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: حديث ((من أحيا ليلة العيد لم يمت قلبه يوم تموت
القلوب)) ذكره الدارقطني من رواية مكحول، عن أبي أمامة. قال: ورواه ثور عن
مكحول وأسنده معاذ بن جبل، والمحفوظ أنه موقوف على مكحول وفي رواية:
(من قام لیلتی العیدین محتسبًا لله)» بمثله. رواه ابن ماجه هکذا من رواية ابن عباس
مرفوعًا، وفيه عنعنة بقية. قاله المؤلف. بمعناه في مصنف آخر.
قلت: روى ابن ماجه (١٧٨٢) من حديث أبي أمامة، عن النبي ◌َّ قال: ((من قام
ليلتي العيد محتسبًا لله لم يمت قلبه يوم تموت القلوب))، ورواه ابن الجوزي في
((العلل المتناهية)) ٥٦/٢ (٨٩٨) بلفظ: ((من أحيا ليلة الفطر أو ليلة الأضحى لم
يمت قلبه إذا ماتت القلوب)) ثم قال: قال الدارقطني: ورواه عمر بن هارون عن
جرير عن ثور عن مكحول، وأسنده عن معاذ بن جبل عن النبي ◌َّ والمحفوظ أنه
موقوف علی مکحول ا.هـ
قال البوصيري في ((الزوائد)): إسناده ضعيف؛ لتدليس بقية. اهـ وضعف العراقي
إسناده في ((تخريج الإحياء)) ٣٤٢/١ (١٢٩٧)، وقال الألباني: ضعيف جدًّا =

١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وحقيقة التهجد عندنا أن يصلي من الليل شيئًا وإن قل.
وهل يسمى الوتر تهجدًا، أو هو غيره؟ اضطرب عندنا فيه. وفي
((الأم)) للشافعي أنه يسمى تهجدًا(١).
وقوله: ﴿نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] تعني: فضلًا لك عن فرائضك.
وقال قتادة: تطوعًا وفضيلة(٢).
((الضعيفة)) (٥٢١).
=
وروى الطبراني في «الأوسط)) ١/ ٥٧ (١٥٩) بسنده إلى عبادة بن الصامت أن
رسول الله وَير قال: ((من صلى ليلة الفطر والأضحى، لم يمت قلبه يوم تموت
القلوب)) ثم قال: لم يُرْوَ هُذا الحديث عن ثور إلا عمر بن هارون، تفرد به
جریر.اهـ
قلت: أخرجه الديلمي في ((الفردوس)) ٦١٩/٣ (٥٩٣٦)، وأورده الهيثمي في
(«مجمع الزوائد)) ١٩٨/٢ (٣٢٠٣) كتاب: الصلاة، باب: إحياء ليلتي العيد، ثم
قال: رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) وفيه: عمر بن هارون البلخي،
والغالب عليه الضعف، وأثنى عليه ابن مهدي وغيره، لكن ضعفه جماعة كثيرة
والله أعلم.اهـ وحكم عليه الألباني بالوضع ((الضعيفة)) (٥٢٠).
وروى الشافعي بسنده عن أبي الدرادء قال: من قام ليلتي العيد لله محتسبًا فلم
يمت قلبه حتى تموت القلوب. رواه البيهقي في ((السنن)) ٣١٩/٣ (٦٢٩٣)
و((الشعب)) ٣٤١/٣ (٣٧١١)، وذكر النووي لفظي: ((من أحيا)) و((من قام .. )) ثم
قال: رواه الشافعي، وابن ماجه من رواية أبي أمامة مرفوعًا وموقوفًا، وعن أبي
الدرداء موقوفًا والجميع ضعيف. اهـ ((الخلاصة)) ٢/ ٨٤٧.
هذا وقد روى المروزي بسنده في ((البر والصلة)) ص٣٣ (٦٣) عن الحسين بن
الحسن قال: سمعت ابن المبارك يقول: بلغني أنه من أحيا ليلة العيد أو العيدين لم
يمت قلبه حين تموت القلوب. قال ابن القيم في ((زاد المعاد)) ٢٤٧/٢: ولا يصح
عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء. اهـ. وانظر: ((الضعيفة)) (٥١٦٣).
(١) ((الأم)) ٦٩/١، ١٤٢/١.
(٢) رواه عنه الطبري في ((تفسيره)) ١٣٠/٨ (٢٢٦٢٠)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره))
٢٣٤٢/٧ (١٣٣٦٦).

١٣
كتاب التَّهَجُدِ
=
والنافلة في اللغة: الزيادة. واختلف في المعنى الذي من أجله خص
بذلك الشارع ◌َّر، فقال بعضهم: لأنها كانت عليه فريضة ولغيره تطوع،
فقال: أتمها نافلة لك، قاله ابن عباس؛ كما نقله ابن بطال(١).
ومنهم من قَالَ بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه ثم نسخت؛
فصارت نافلة، أي: تطوعًا.
وقال مجاهد: إنما قيل له ذلك؛ لأنه لم يكن فعله ذلك يكفر عنه
شيئًا في الذنوب؛ لأن الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر،
فكان له نافلة فضلٍ وزيادة، وأما غيره فهو كفارة له وليس له نافلة(٢)،
وهذا خاص به.
ومن قَالَ بأنه كان واجبًا عليه قَالَ معنى قوله: (نافلة له) على
التخصيص. أي: فريضة لك زائدة على الخمس، خصصت بها من
بين أمتك.
وصوب الطبري الأول؛ لأنه وّلّ خصه الله بما فرضه عليه من قيام
الليل من بين أمته، ولا معنى لقول مجاهد؛ لأنه ◌َ ◌ّ كان أشد استغفارًا
لربه بعد نزول آية الغفران (٣)، وذلك أن هذِه السورة نزلت عليه بعد
منصرفه من الحديبية، وأنزل عليه ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
ج
[النصر: ١] عام قبض وقيل له فيها: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ﴾
[النصر: ٣] وكان يعد استغفاره في المجلس الواحد مائة مرة(٤). قَالَ:
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٠٨/٣.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٣٠/٨ (٢٢٦١٨).
(٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.
(٤) روى أبو داود (١٥١٦)، والترمذي (٣٤٣٤)، وابن ماجه (٣٨١٤) عن ابن عمر
قال: إن كنا لنعد لرسول الله وَّ في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر لي وتب
علي إنك أنت التواب الرحيم. وهذا لفظ أبي داود.
=

١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ومعلوم أن الرب تعالى لم يأمره أن يستغفره إلا بما يغفر له باستغفاره.
قَالَ: فبان فساد قول مجاهد(١).
وحديث ابن عباس أخرجه مسلم(٢) والأربعة.
وشيخ البخاري فيه (علي بن عبد الله) هو ابن المديني.
و(سفيان) هو ابن عيينة. ورواه مالك في ((الموطأ)) عن أبي الزبير،
عن طاوس، عن ابن عباس، كذا رواه جماعة (الموطأ))(٣)، ورواه
بعض من جمع حديث مالك، فذكره عن مالك، عن أبي الزبير، عن
عطاء، عن ابن عباس، كما رواه يحيى (٤).
وقول البخاري: (قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ عَبْدُ الكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ: ((وَلَا حَوْلَ
وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ)) ) يعني: أن عبد الكريم زاد عن طاوس هذِه الزيادة.
في كتاب أبي نعيم الأصبهاني. قَالَ سفيان: كنت إذا قلتُ له:
-يعني: لعبد الكريم أبي أمية- آخر حديث سليمان -يعني: ابن أبي
مسلم الراوي عن طاوس -: ((ولا إله غيرك)) قَالَ: ((ولا حول ولا قوة
إلا بالله)) قَالَ سفيان: وليس هو في حديث سليمان.
وليس لعبد الكريم هذا في كتاب البخاري غير هذا الموضع، وهو أبو
= وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٣٥٧)، و((الصحيحة)) (٥٥٦).
وروى مسلم في («صحيحه» (٢٧٠٢) عن الأغر المزني مرفوعًا: إنه ليغان على
قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة.
(١) ((تفسير الطبري)) ١٣٠/٨.
(٢) مسلم برقم (٢٢٢٧) في الصلوات، باب ذكر الخبر المبين دعاء النبي وَّر.
(٣) ((موطأ مالك)) ص ١٠٥، ((رواية يحيى)) ٢٤٦/١، رواية أبي مصعب، باب: ما جاء
في الدعاء.
(٤) ((موطأ مالك)) ص١٥٠ وهو عنده كما عند جماعة ((الموطأ)) ولم يذكر الداني في
((أطراف الموطأ)) ٢/ ٥٥٠ الطريق المذكورة (عن عطاء) بل ذكر (طاوس).

١٥
- كتاب التَّهَجُّدِ
أمية عبد الكريم بن أبي المخارق قيس -ويقال: طارق - المعلم البصري
نزيل مكة، روى عن أنس بن مالك وغيره، وعنه أبو حنيفة ومالك، وهو
واهٍ، وقد بين مسلم جرحه في مقدمته(١)، ولم ينبه البخاري على شيء من
أمره، فهو محتمل عنده، كما قَالَ في «تاريخه)»: كل من لم أبين جرحه فهو
على الاحتمال، وإذا قلتُ: فيه نظرٌ، فلا يحتمل. (٢)
ووهم ابن طاهر فادَّعى أنهما أخرجا له في الحج حديثًا واحدًا(٣)،
والذي أخرجا له ذلك هو عبد الكريم الجزري(٤) كما خرجا به، مات
سنة سبع وعشرين ومائة، أفاده ابن الحذاء، وأهمله المزي(٥) تبعًا
(٦)
لعبد الغني (٦).
وقوله: (قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ: سمعته مِنْ طَاوُسٍ،
عَنِ ابْن عَبَّاسٍ عَنِ رسول الله وَّ﴾﴾ مقصوده بهذا أن سليمان سمعه من
طاوس، فإن في السند الأول أتى عنه بالعنعنة، وعبارة أبي نعيم
(١) ((صحيح مسلم)) المقدمة ص ١٦ - ١٧.
(٢) لم نجد قول البخاري هذا في المطبوع من التاريخ، ولم يقف عليه أحد من
الباحثين فيما نعلم، أفاده د.أحمد معبد، ونقل هذا النص أيضا المزي في ((تهذيب
الكمال)» ٢٦٥/١٨ ولو ثبت هذا عن البخاري لكان قاعدة يهرع إليها في الحكم
على الرجال المسكوت عنهم في ((التاريخ)).
(٣) ((الجمع بين رجال الصحيحين)) ٣٢٤/١.
(٤) هو عبد الكريم بن مالك الجزري. أبو سعيد الحراني، مولى عثمان بن عفان
ويقال: مولى معاوية بن أبي سفيان، رأى أنس بن مالك، عن أحمد بن حنبل:
ثقة، ثبت. وعن يحيى: حديث عبد الكريم عن عطاء رديء. وقال ابن حجر: لم
يخرج البخاري من روايته عن عطاء إلا موضعًا واحدًا معلقًا، واحتج به الجماعة.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٨٨/٦ (١٧٩٤)، و(تهذيب الكمال)) ٢٥٢/١٨.
(٥) ((تهذيب الكمال)) ٢٥٩/١٨ (٣٥٠٦).
(٦) ورد بهامش الأصل: وكذلك الذهبي تبعًا للمزي.

١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الأصبهاني: وقال سفيان: كان سليمان بن أبي مسلم سمعه من طاوس،
عن ابن عباس، عن رسول الله وَالله.
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من وجهين :
أحدهما :
قوله: (كان إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ)))
فيه: تهجده وَّله، وأنه كان يدعو عند قيامه، ويخلص الثناء على الله
بما هو أهله، والإقرار بوعده ووعيده.
وفيه: الأسوة الحسنة. وفي رواية ابن عباس السالفة حين بات عند
ميمونة أنه ول﴾ لما استيقظ تلا العشر الآيات من آخر آل عمران، فبلغ ما
شهده، أو بلغه، وقد يكون كله في وقت واحد وسكت هو عنه أو نسيه الناقل.
ثانيهما :
في معاني الدعاء الواقع فيه: قوله: (((أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)))
كذا في أصل الدمياطي، وفي بعضها بحذف: ((أَنْتَ)) وفيه لغات(١):
قيام، وقيوم، وقيم، وفي ((الموطأ)): ((أنت قيام)) (٢) وهما من صفاته
تعالى. والقيوم بنص القرآن، وقائم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَمَّنْ هُوَ قَابِئُ
عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] قَالَ الهروي: ويقال: قوَّام. قَالَ
مجاهد وأبو عبيد: القيوم: القائم على كل شيء(٣). أي: مدبر أمر
خلقه. وقال ابن عباس: هو الذي لا يزول.
وقرأ علقمة: (الحي القيم). وقرأ عمر: (القيام) (٤).
(١) فوقها في الأصل: (ثلاث) ولم يعلم عليها بشيء، بعلامة اللحق.
(٢) ((الموطأ)) ص ١٥٠ باب: ما جاء في الدعاء. رواية أبي مصعب.
(٣) رواه ابن جرير في ((تفسيره)) ٧/٣ (٥٧٦٧).
(٤) أنظر: ((المحتسب)) ١٥١/١.

١٧
كتاب التَّوَدُّ
واختلف في معناه فقيل: القائم بخلقه المدبر لهم. وقيل: الذي
لا يزول. كما تقدم، وأصله: قَيْوِم على وزن فيعل مثل صيِّب، وهذا
قول البصريين.
وقال الكوفيون: أصل قيم: قويم، قَالَ ابن كيسان: ولو كان كذلك
ما جاز تغييره، كما لم يغير سويق وطويل.
وقال ابن الأنباري: أصل القيوم: القَيْووم، فلما اجتمعت الياء
والواو والسابق ساكن جعلنا ياءً مشددة، وأصل القيام: القَيْوَامِ. قَالَ
الفراء: وأهل الحجاز يصرفون الفعال إلى الفيعال، ويقولون للصواغ:
صياغ (١). وقيل: (قيام). على المبالغة من (قام) بالشيء: إذا هيأ له ما
يحتاج إليه. وقيل فيهما: خالقهما وممسكهما أن يزولا.
وقوله: ( ((وَمَنْ فِيهِنَّ)) ) أي: أنت القائم على كل نفسٍ بما كسبت
وخالقها ورازقها ومميتها ومحييها. وقيل في معنى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِهُ عَلَى
كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] أفمن هو حافظ على كل نفس لا يغفل
ولا يمل، فالمعنى: الحافظ لهما ومن فيهن (٢).
وقوله: ( ((أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ومن فيهن)) ) أي: بنورك
يهتدي من في السموات والأرض. قاله ابن بطال(٣).
وقال ابن التين: يحتمل أن يكون من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ
وَاْلْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] قيل: معناه: ذو نور السموات والأرض. وروي عن
ابن عباس معناه: هادي أهلهما (٤).
(١) ((معاني القرآن)) للفراء ١٩٠/١.
(٢) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الرابع والتسعين كتبه مؤلفه.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ١٠٩/٣.
(٤) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٩/ ٣٢٠ (٢٦٠٨٥).

١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وروي عنه أيضًا وعن مجاهد: معناه: مدبرهما، شمسهما وقمرهما
ونجومهما(١). وقال ابن عرفة: ﴿نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [النور: ٣٥] أي:
منيرهما(٢). فعلى قول من قَالَ: معناه: ذو نور، فنوره القرآن. وقال
كعب: محمد(٣). فهو يعود إلى أنه ذو النور الذي هدئ به أهل
السموات والأرض. ويحتمل على هذا الوجه أن يكون معناه: ذو
النور الذي أضاءت السموات والأرض به. وإن قلنا: معناه: هادي
أهلهما. فيحتملی أن یکون معناه: أن الهدى الذي يهدي به منیر، نیر
في نفسه، ويحتمل أن يريد أنه ينير قلوب المؤمنين.
وإذا قلنا: معناه: مدبرهما، فمعناه به يكون ومن خلقه وتدبيره
الشمس والقمر والنجوم التي هي تنيرهما، ويحتمل أن يكون: النور
الذي بمعنى: الهداية، وأنه بتدبيره تعالى يهتدون، وقرئ: (الله نَوَّر
السموات والأرض). بفتح النون والواو مشددة. وقيل: منزه فيهما من
كل عيب، ومبرأ من كل ريبة. وقيل: إنه اسم مدح، يقال: فلان نور
البلد وشمس الزمان. وقال أبو العالية: مزينهما بالشمس والقمر
والنجوم، ومزين الأرض بالأنبياء والأولياء والعلماء(٤).
وقوله: ( ((أنت مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) ) أي: مالكهما ومالك من
فيهما، وخالقهما وما فيهما، وهو تكذيب لمن قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ
أَغْنِيَآءُ﴾ [آل عمران: ١٨١].
وقوله: ( ((أَنْتَ الحَقُّ)) ) هو أسم من أسمائه وصفة من صفاته،
(١) ((تفسير الطبري)) ٣٢٠/٩- ٣٢١ (٢٦٠٨٥).
(٢) ((تفسير البغوي)) ٣٤٥/٣، و((تفسير القرطبي)) ٢٥٧/١٢.
(٣) ((تفسير الطبري)) ٩/ ٣٢٢ (٢٦٠٩٣).
(٤) (تفسير القرطبي)) ٢٥٧/١٢.

١٩
كتاب التَّهَجُّدِ
=
ومعناه: المحقق وجوده، و کل شيء صح وجوده وتحقق فهو حق، ومنه
قوله تعالى: ﴿اَلْحَقَّةُ ﴾﴾ [الحاقة: ١] أي: الكائنة حقًا بغير شك.
وهذا الوصف للرب جل جلاله بالحقيقة والخصوصية لا ينبغي لغيره
إذ وجوده لنفسه، فلم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم، وما عداه مما يقال عليه
ذلك فهو بخلافه.
وقال ابن التين: ((أَنْتَ الحَقُّ)) يحتمل أن يريد أنه أسم من أسمائه،
ويحتمل أن يريد أنه الحق ممن يدعي المشركون أنه إله من قوله تعالى:
﴿َذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠] وظاهر
قوله في هذا: الحق، يعود إلى الصدق، ويتعلق تسميته إلهًا. بمعنى أن
من سمَّاه إلهًا قَالَ الحق. من سمَّى غيره: إلهًا. كذب.
وقوله: ( ((وَوَعْدُلَكَ الحَقُّ)) ) يعني: إنه متحقق لا شك فيه، ولا يَخْلِف
ولا يُخلف الميعاد؛ ﴿لِيَجْرِىَ الَّذِينَ أَسْئُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ إلا ما تجاوز عنه
﴿وَجْزِيَ اُلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] وقيل في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ
وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِ﴾ [إبراهيم: ٢٢] أي: وعد الجنة من أطاعه، ووعد
النار من كفر به؛ وفاءً بوعده، وكان عائدًا إلى معنى الصدق،
ويحتمل أن يريد به أن وعده حق بمعنى: إثبات أنه قد وعد بالبعث
والحشر والثواب والعقاب؛ إنكارًا لقول من أنكر وعده بذلك وكذب
الرسل فيما بلغوه من وعده ووعيده.
وقوله: ( ((وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ)) ) أي: البعث، وقيل: الموت؛ وفيه
ضعف، فأنت المميت لسائر الخلق وناشرهم للقاء والجزاء.
وقوله: ( ((وَقَوْلُكَ حَقٌّ)) ) أي: صدق وعدل. وقال ابن التين: يقول:
ووعدك صدق.

٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: ( ((وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ))) فيه: الإقرار بهما وبالأنبياء كما
سيأتي.
وقال ابن التين: فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن خبره بذلك لا يدخله كذب ولا تغيير.
ثانيها: أن خبر من أخبر عنه بذلك وبلغه حق.
ثالثها: أنهما قد خلقتا.
وقوله: (((وَالنَّبُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ وَّهِ حَقٌّ)) ) يقول: إنهم رسل الله،
وأعيد ذكر نبينا ولخصوصيته، كما قَالَ: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨].
وقوله: ( (وَالسَّاعَةُ حَقٌّ)) ) يحتمل الوجهين السابقين في الجنة
والنار، فهي محققة، وفيه: الإقرار بهُذِه الأمور كلها، و(السَّاعة):
القطعة من الزمان؛ لكن لما لم يكن هناك كواكب تقدر فيها بالأزمان
سميت بالساعة. يعني: يوم القيامة.
وقوله: ( ((اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ)) ) أي: استسلمت وانقدت لأمرك
ونهيك، وسلمت ورضيت وأطعت، من قولهم: أسلم فلان لفلان. إذا
أنقاد وعطف عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِيِنِ
[الصافات: ١٠٣].
وقوله: ( ((وَبَِكَ آمَنْتُ)) ) أي: صدقت بك، وبما أنزلت من أخبار
وأمر ونهي. وظاهره أن الإيمان ليس بحقيقة الإسلام، وإنما الإيمان
التصديق. وقال القاضي أبو بكر: الإيمان المعرفة بالله. والأول أشهر
في كلام العرب. قَالَ تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي:
بمصدق. إلا أن الإسلام إذا كان بمعنى الانقياد والطاعة فقد ينقاد
المكلف بالإيمان فيكون مؤمنًا مسلمًا، وقد ينقاد بغير الإيمان فيكون