Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
- كتاب العيدين
لم يترتب عليه مفسدة وخوف فتنة على الواعظ والموعوظ أو غيرهما.
وفيه: أن النساء إذا حضرن صلاة الرجال ومجامعهم يكن بمعزل
عنهم؛ خوفًا من فتنة ونحوها.
وفيه: أن صدقة التطوع لا تفتقر إلى إيجاب وقبول بل يكفي فيها
المعاطاة؛ لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال من غير كلام منهن
ولا من بلال ولا من غيره، وهو صحيح مذهب الشافعي وأكثر
العراقيين يفتقر إلى الإيجاب والقبول باللفظ كالهبة.
وفيه: جواز صدقة المرأة من مالها، وعن مالك: لا تجوز الزيادة
على ثلث مالها إلا برضا زوجها(١).
سادسها :
قوله: (يُلْقِينَ). كذا هو في ((الصحيح)) وهو جائز على لغة أكلوني
البراغيث. وفي مسلم: يلقين ويلقين مكرر، وهو صحيح، ومعناه:
یلقین کذا ويلقين كذا.
والخُرص - بضم الخاء المعجمة ثم راء ثم صاد مهملة- حلقة تكون
في الأذن. وفي ((البارع)): القرط، يكون فيه حبة واحدة، حكاه ابن
قرقول.
وقال ابن الأثير: الخرص -بالضم والكسر -: الحلقة الصغيرة من
الحلي، وهو من حلي الأذن(٢).
والسخاب -بسين مهملة، ثم خاء معجمة، ثم ألف ثم باء موحدة-
خيط ينضم فيه خرزات ويلبسه الصبيان والجواري، وقيل: هو قلادة
(١) ((الإعلام)) ٢٤٤/٤-٢٤٥.
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٢/٢.

١٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
تتخذ من قرنفل ومحلب وسك ونحوه، وليس فيها من اللؤلؤ والجوهر
شيءٌ. ونقل صاحب (المطالع)) عن البخاري أنه القلادة من طيب أو
مسك. وقال غيره: هو من المعاذات. وذكر في الزكاة بدل السخاب:
القلب، وهو: الخلخال، قاله الخطابي(١).
وقال ابن فارس والجوهري: القلب من السوار ما كان قلبًا
واحدًا(٢).
وحكى النحاس عن يحيى بن سليمان الجعفي أنه قَالَ: القلب:
السوار. ولم يزد على ذلك.
وقوله: (فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) أنعقد الإجماع كما قَالَ ابن بزيزة على أن
صلاة العيد ركعتان لا أكثر، إلا ما روي عن علي أنها في الجامع أربع،
فإن صليت في المصلى فهي ركعتان، كقول الجمهور كما تعلمه في
باب: إذا فاته العيد.
وفي الحديث جواز خروج النساء للعيدين، واختلف السلف في
خروجهن للعيدين، فرأى جماعة ذلك حقًّا عليهن، منهم أبو بكر
وعلي وابن عمر وغيرهم(٣).
وقال أبو قلابة: قالت عائشة: كانت الكواعب تخرج لرسول الله وَله
في الفطر والأضحى. وكان علقمة والأسود يخرجان نساءهم في العيد
ويمنعونهن الجمعة(٤).
(١) ((غريب الحديث)) ٨٩/٢.
(٢) انظر: ((الصحاح)) ٢٠٥/١، و((المجمل) ٧٣٠/٣.
(٣) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ٣ (٥٧٨٤: ٥٧٨٦) كتاب: الصلوات، باب: من
رخص في خروج النساء إلى العيدين.
(٤) ((المصنف)) ٣/٢ (٥٧٨٩)، وذكره ابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٦٢/٤.

١٠٣
كتاب العيدين
=
وروى ابن نافع عن مالك أنه لا بأس أن تخرج المتجالة إلى العيدين
والجمعة، وليس بواجب، وهو قول أبي يوسف (١). ومنهم من منعهن
ذلك، منهم عروة والقاسم والنخعي ويحيى الأنصاري(٢) ومالك وأبو
يوسف، وأجازه أبو حنيفة مرة ومنعه أخرى(٣)، وقول من رأى
خروجهن أصح لشهادة السنة الثابتة له.
والمسنة: التي بدلت أسنانها كما قَالَ الداودي، وقال غيره: هي
الثنية.
وقوله: ( (وَلَنْ تُوفِيَ أَوْ تَجْزِيَ)) ) وَفِيَ وأَوْفَى بمعنى، كذا جزئُ
وأجزئ، فجزى يجزي معنى قضى يقضي، وأجزأ يجزئ: كفاه وقام
مقامه مهموز، يقال: هذا يجزئ من هذا. أي: يغني منه وليس هو
هنا مهموزًا؛ لأن المهموز لا يستعمل معه عند العرب، إنما يقولون:
هذا يجزي من هذا. أي: يكون مكانه.
وفي ((الصحاح)): جزى بمعنى: قضى. وبنو تميم يقولون: أجزأ
يجزئ مهموز (٤).
(١) انظر: ((المبسوط)) ٤١/٢، ((بدائع الصنائع)) ٢٧٥/١، ((النوادر والزيادات))
٤٤٩/١.
(٢) رواها عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ٤ (٥٧٩٥: ٥٧٩٧) كتاب: الصلوات، باب: من كره
خروج النساء إلى العيدين، وذكرها ابن المنذر في ((الأوسط)) ٤/ ٢٦٣.
(٣) انظر: ((السرخسي)) ٤١/٢، ((بدائع الصنائع)) ٢٧٥/١، ((المدونة)) ١٥٥/١.
(٤) ((الصحاح)) ٢٣٠٢/٦.

١٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٩- باب مَا يُكْرَهُ
مِنْ حَمْلِ السِّلاَحِ في العِيدِ وَالْحَرَمِ
وَقَالَ الحَسَنُ: نُهُوا أَنْ يَحْمِلُوا السِّلاَحَ يَوْمَ عِيدٍ إِلاَّ أَنْ
يَخَافُوا عَدُوًّا.
٩٦٦- حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَخْيَى أَبُو السُّكَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا المُحَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا
◌ُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابن عُمَرَ حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الزُّمْحِ
فِي أَخْمَصِ قَدَمِهِ، فَلَزِقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ، فَتَزَّلْتُ فَتَزَّغْتُهَا، وَذَلِكَ بِمِنِّى، فَبَلَ الحَجَّاجَ
فَجَعَلَ يَعُودُهُ، فَقَالَ الَحَجَّاجُ: لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ. فَقَالَ ابن عُمَّرَ: أَنْتَ أَصَبْتَنِي. قَالَ:
وَكَيْفَ؟ قَالَ: حَمَلْتَ السَّلاَحَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ، وَأَدْخَلْتَ السَّلاَحَ الَرَمَ وَلَمْ
يَكُنِ السَّلاَحُ يُدْخَلُ الحَرَمَ. [٩٦٧ - فتح: ٤٥٤/٢]
٩٦٧- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
سَعِيدِ بْنِ العَاصِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلَ الحَجَّاجُ عَلَى ابن عُمَرَ وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ: كَيْفَ
هُوَ؟ فَقَالَ: صَالِحٌ. فَقَالَ: مَنْ أَصَابَكَ؟ قَالَ: أَصَابَنِي مَنْ أَمَرَ بِحَمْلِ السِّلاحِ فِي يَوْمِ لاَ
يَجِلُّ فِيهِ حَمْلُهُ. يَغْنِي: الحَجَّاجَ. [انظر: ٩٦٦ - فتح: ٢/ ٤٥٥]
وذكر فيه عن سعيد بن جبير قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابن عُمَرَ حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ
الرُّمْحِ فِي أَخْمَصٍ قَدَمِهِ. الحديث. وفي إسناده: المحاربي. وهو عبد
الرحمن بن محمد الكوفي، مات سنة خمس وتسعين ومائة.
وشيخ البخاري فيه: زكرياء بن يحيى أبو السكين بضم السين طائي
كوفي، مات سنة إحدى وخمسين ومائتين، انفرد به البخاري عن
الخمسة، وجده الأعلى خريم بن أوس، له صحبة. وروى البخاري أيضًا
عن زكريا بن يحيى بن صالح البلخي في الوضوء والتيمم والمزارعة،
مات بعد الثلاثين ومائتين، وفي طبقتهما : زكريا بن يحيى آخران:

١٠٥
كتاب العيدين
أحدهما: قضاعي مصري، أخرج له مسلم وحده.
وثانيهما: خياط السنة، روى عنه: النسائي ووثقه.
و(السنان): حديدة في الرمح. والأخمص: ما رَقَّ من أسفل القدم.
وقال يعقوب: المتجافي عن الأرض من بطن القدم. وقال
الخليل: (١) الأخمص: خصر القدم، والجمع: الأخامص، قدم
مخصرة ومخصورة: إذا كان في أرساغها تخصير، كأنه مربوط، أو فيه
یمن مستدير(٢).
وذكر فيه البخاري أيضًا عن أحمد بن يعقوب: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ
سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ بْنِ العَاصِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلَ الحَجَّاجُ
عَلَى ابن عُمَرَ وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ: كَيْفَ هُوَ؟ الحديث.
زاد الإسماعيلي: وذلك؛ لأن الناس نفروا عشية نفرة ورجل من
أصحاب الحجاج عارضٌّ حربته، فضرب ظهر قدم ابن عمر، فأصبح
وهنّا منها حَتَّى مات.
وأحمد شيخ البخاري روى عنه في المناقب أيضًا من أفراد
البخاري، يقال له: المسعودي، وهو كوفي. وإسحاق بن سعيد هو
أخو خالد بن سعيد، وابن عم إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد،
مات سنة سبعين ومائة، وقيل: ست وسبعين.
إذا عرفت ذلك فقول ابن عمر: حملت السلاح في يوم لم يكن
يحمل فيه. يدل أن حملها ليس من شأن العيد، وحملها في المشاهد
التي لا يحتاج إلى الحرب فيها مكروه؛ لما يخشى فيها من الأذى
(١) ((العين)) ٤/ ١٩١.
(٢) انظر: ((الصحاح)) ١٠٣٨/٣، و((لسان العرب)) ١٢٦٦/٣.

١٠٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
والعقر عند تزاحم الناس، وقد قَالَ بَ لهو الذي رآه يحمل: «أمسك بنصالها
لا تعقرن بها مسلمًا))(١) فإن خافوا عدوًّا فمباح حملها(٢) كما قَالَ
الحسن، وقد أباح الله تعالى حمل السلاح في الصلاة عند الخوف.
وقوله: (وَلَمْ يَكُنِ السِّلاَحُ يُدْخَلُ الحَرَمَ). إنما ذلك للأمن الذي
جعله الله لجماعة المسلمين فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَا﴾
[آل عمران: ٩٧].
وقوله للحجاج: (أنت أصبتني). دليل على قطع الذرائع؛ لأنه لامه
على ما أداه إلى أذاه، وإن كان الحجاج لم يقصد ذلك.
وقوله: (لو نعلم من أصابك). أي: لعاقبته.
ثم فيه فوائد أخر: عيادة الأمير العالم، وتلطف الحجاج لابن عمر،
وإنكار ابن عمر على الحجاج إدخال السلاح الحرم، وأن يحمل في ذلك
اليوم. وسياق ذكر منى يدل على أنه العيد، وهو مطابق لترجمة البخاري.
وأثر الحسين صريح، وأن من سن سنة كان عليه كفل منها.
قَالَ البيهقي: ورويناه عن الضحاك بن مزاحم، عن رسول الله وَالول
-مرسلاً - أنه نهى أن يخرج يوم العيد بالسلاح(٣).
(١) سبق برقم (٤٥١) كتاب: الصلاة، باب: يأخذ نصول النبل إذا مر في المسجد،
بلفظ: مر رجل في المسجد ومعه سهام فقال له رسول الله وير أمسك بنصالها. عن
جابر.
ورواه مسلم (٢٦١٤) كتاب: البر والصلة، باب: أمر من مر بسلاح في مسجد أو
سوق أو غيرهما أن يمسك بنصالها، وأحمد ٣٠٨/٣.
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: يستحب حمل السلاح في أنواع صلاة الخوف.
وفي قول: يحب.
(٣) ((السنن الكبرى)) ٢٨٥/٣ كتاب: صلاة العيدين، باب: حمل العنزة أو الحربة بين
يدي الإمام يوم العيد.

=
١٠٧
كتاب العيدين
١٠- باب التَّبْكِيرِ للعيد(١)
[وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ بُسْرٍ: إِنْ كُنَّا فَرَغْنَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ،
وَذَلِكَ حِينَ التَّسْبِيحِ].
٩٦٨- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنِ
البَرَاءِ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ◌َّهِ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هذا أَنْ
نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَتَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ
يُصَلِّيَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ». فَقَامَ خَالِيٍ أَبُو
بُزْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَّا ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلَِّ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ
مُسِنَّةٍ. قَالَ: ((اجْعَلْهَا مَكَانَهَا - أَوْ قَالَ: أَذْبَحْهَا- وَلَنْ تَجْزِيَ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ
بَعْدََكَ)). [٩٥١- مسلم: ١٩٦١ - فتح: ٤٥٦/٢]
(وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ بُسْرٍ: إِنْ كُنَّا فَرَغْنَا فِي هُذِهِ السَّاعَةِ، وَذَلِكَ حِينَ
التَّسْبِيح.) هذا أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث يزيد بن خمير
الرحبي قَالَ: خرج عبد الله بن بسر صاحب رسول الله وَّر مع الناس
في يوم عيد فطرٍ أو أضحى فأنكر إبطاء الإمام وقال: إن كنا قد فزعنا
في هُذِه الساعة، وذلك حين التسبيح. ولفظ ابن ماجه: وقال: إنا كنا
فزعنا ساعتنا هذِه. وللبيهقي: وقال: إن كنا مع رسول الله وَله: (٢).
(١) ورد في هامش الأصل: في نسخة: إلى العيد.
(٢) أبو داود (١١٣٥)، ابن ماجه (١٣١٧)، البيهقي ٢٨٢/٣.
ورواه أيضاً الحافظ في ((التغليق)) ٢ / ٣٧٥-٣٧٦ جميعًا من طريق صفوان بن
عمرو، عن يزيد بن خمير، به فقال: أما الحديث فصحيح الإسناد؛ لا أعلم له
علة، وأما كونه على شرط البخاري فلا؛ فإنه لم يخرج ليزيد بن خمير في
((صحیحه)) شيئاً. والله أعلم اهـ
وصححه عبد الحق في «أحكامه)) ٢/ ٧٤. وقال النووي في ((الخلاصة)) ٢/ ٨٢٦ - =

١٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
واستدركه الحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري(١).
وعبد الله بن بُسر، بالسين المهملة، السلمي، مات فجأة وهو يتوضأ
سنة ثمانٍ وثمانين. وقيل: بعد ذلك، وهو آخر من مات من الصحابة
بالشام(٢).
ثم ذكر حديث زُبَيْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ البَرَاءِ: خَطَبَنًا رسول الله وَل
يَوْمَ النَّحْرِ .. الحديث. وقد سلف.
أما حكم الباب، فالإجماع قائم على أن العيد لا يصلى قبل طلوع
الشمس. قَالَ ابن بطال: ولا عند طلوعها(٣). وفيه نظرٌ، فمذهبنا يدخل
بطلوعها، وهو ما حكاه ابن التين عن الشيخ أبي القاسم في تعريفه،
وفسر تأخيرها بارتفاعها قدر رمح، ألا ترى إلى قول عبد الله بن
بسر: وذلك حين التسبيح. أي: حين الصلاة، فدل على أن صلاة
العيد سبحة ذلك اليوم، فلا تؤَخر عن وقتها لقوله وَلّى: ((أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ
بِهِ فِي يَوْمِنَا هذا أَنْ نُصَلَّيَ)) ودل ذلك على التبكير بصلاة العيد كما
ترجم له البخاري، نعم تؤخر في الفطر وتعجل في الأضحى؛ لورود
السُّنَّة به.
واختلفوا في وقت الغدو إلى العيد، فكان ابن عمر يصلي الصبح ثم
= ٨٢٧ (٢٩١٤)، والحافظ ابن كثير في ((إرشاد الفقيه)) ٢٠٣/١، والألباني في
((صحيح أبي داود))، وفي ((الإرواء)) ١٠١/٣: إسناده صحيح على شرط مسلم.
(١) ((المستدرك)) ٣٩٥/١.
قلت: تعقبه الحافظ في التغليق.
(٢) أنظر: ((معرفة الصحابة)) ١٥٩٥/٣ (١٥٧٧)، و((الاستيعاب)) ١٠/٣ (١٤٩٠)،
و((أسد الغابة)) ١٨٦/٣ (١٨٣٧)، و((الإصابة)) ٢٨١/٢ (٤٥٦٤).
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٢/ ٥٦٠.

١٠٩
كتاب العيدين
=
يغدو كما هو إلى المصلى. وفعله سعيد بن المسيب. وقال إبراهيم: كانوا
يصلون الفجر وعليهم ثيابهم يوم العيد(١). وعن أبي مجلز مثله (٢). وعن
رافع بن خديج أنه كان يجلس في المسجد مع بنيه فإذا طلعت الشمس
صلى ركعتين، ثم يذهبون إلى الفطر والأضحى(٣). وكان عروة لا يأتي
العيد حَتَّى يستقبل الشمس، وهو قول عطاء والشعبي(٤)
وفي ((المدونة)) عن مالك: يغدو من داره أو من المسجد إذا طلعت
الشمس(٥). وقال علي بن زياد عنه ومن غدا إليها قبل الطلوع فلا بأس،
ولكن لا يكبر حتى تطلع الشمس. ولا ينبغي للإمام أن يأتي المصلى
حتى تحين الصلاة (٦) وقال الشافعي: يأتي في المصلى حين تبرز
الشمس في الأضحى، ويؤخر الغدو في الفطر عن ذلك قليلاً(٧).
وحديث البراء دالُّ أنه لا يجب أن يشتغل بشيءٍ غير الأهبة له
والخروج إليه، وأن لا يُفعل قبل الصلاة شيءٌ غيرها.
(١) روى ذلك ابن أبي شيبة ١/ ٤٨٦ (٥٦٠٩)، (٥٦١٠)، (٥٦١٢) كتاب:
الصلوات، باب: الساعة التي يتوجه فيها إلى العيد أية ساعة.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٨٧ (٥٦١٣) كتاب: الصلوات، باب: الساعة التي يتوجه
فيها إلى العيد أية ساعة.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٨٧ (٥٦١٦).
(٥) ((المدونة)) ١٥٤/١.
(٤)
رواهما ابن أبي شيبة ١/ ٤٨٧ (٥٦١٤-٥٦١٥).
(٦) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٩٨/١، ((عمدة القاري)) ٣٩٠/٥.
(٧) انظر: ((المجموع)) ٧/٥.

١١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١١- باب فَضْلِ العَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ
وقَّالَ ابن عَبَّاسٍ: وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ: أَيَّامُ العَشْرِ،
وَالأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. وَّكَانَ ابن عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةً
يَخْرُ جَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ
بِتَكْبِيرِهِمَا. وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ.
٩٦٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَزْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُسْلِم
البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ أَنَّهُ قَالَ: «مَا العَمَلُ فِيَ
أَيَّامِ العَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ العَمَلِ فِي هذِه)». قَالُوا: وَلاَ الجِهَادُ قَالَ: ((وَلاَ الجِهَادُ،
إِلَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ)). [فتح: ٢/ ٤٥٧]
وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامِ مَعْلُومَاتٍ: أَيَّامُ العَشْرِ،
وَالأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ.
كذا في كثير من نسخ البخاري: (معلومات).
والتلاوة: ﴿مَّعْدُودَاتٍ﴾.
وقد رواه عبد بن حميد في ((تفسيره)) عن قبيصة عن سفيان عن ابن
جريج عن عروة بن دينار قَالَ: سمعت ابن عباس يقول: واذكروا الله في
أيام معدودات الله أكبر. اذكروا الله في أيام معدودات، الله أكبر. ثم ذكر
تفسيرها كما سلف.
ثم قَالَ البخاري: وَكَانَ ابن عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُ جَانٍ إِلَى السُّوقِ فِي
أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِ هِمَا.
قلت: أخرجه الشافعي عن إبراهيم بن محمد، أخبرني عبيد الله، عن
نافع عن ابن عمر أنه كان يغدو إلى المصلى يوم الفطر إذا طلعت الشمس
فيكبر حَتَّى يأتي المصلى يوم العيد ثم يكبر بالمصلى، حَتَّى إذا جلس

١١١
- كتاب العيدين
الإمام ترك التكبير. وزاد في ((المصنف)): ويرفع صوته حَتَّى يبلغ
الإمام(١).
قَالَ البيهقي: ورواه عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا
إلى النبي ◌ّيهر في رفع الصوت بالتهليل والتكبير حَتَّى يأتي المصلى.
وروي في ذلك عن عليٍّ وغيره من الصحابة(٢).
ثم قال البخاري: وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ. محمد هذا هو
أبو جعفر. قَالَ البيهقي: وكان أبو جعفر محمد بن علي يكبر بمنى أيام
التشريق خلف النوافل(٣). قال ابن التين: ولم يتابعه عليه أحد.
ثم ساق البخاري حديث ابن عباس عن النبي ◌َّ* قَالَ: «مَا العَمَلُ فِي
أَيَّامِ أَفْضَلَ منها فِي هذِه)) .. الحديث.
وهو من أفراده، وأخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال:
حسن صحيح غريب. وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة وعبد الله
ابن عمرو وجابر (٤).
وسليمان المذكور في إسناده هو الأعمش، وما ذكره من تفسير ابن
عباس: (المعلومات) (والمعدودات)، وهي ثلاثة بعد النحر، هو قول
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١/ ٤٨٧ (٥٦١٨) كتاب: الصلوات، باب: في التكبير إذا
خرج إلى العيد.
(٢) (سنن الكبرى)) ٢٧٩/٣ كتاب: صلاة العيدين، باب: التكبير ليلة الفطر ويوم
الفطر وإذا غدا إلى صلاة العيدين.
(٣) ((السنن الكبرى)) ٣١٦/٣ كتاب: صلاة العيدين، باب: سنة التكبير للرجال
والنساء والمقيمين والمسافرين.
(٤) ((سنن أبي داود)) (٢٤٣٨) كتاب: الصيام، باب: في صوم العشر.
و (سنن الترمذي)) (٧٥٧) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في العمل في أيام العشر.
و ((سنن ابن ماجه)) (١٧٢٧).

١١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
النخعي والشافعي وعطاء ومجاهد وإبراهيم والضحاك، وهو قول أهل
الكوفة(١).
قَالَ النحاس: لا أعلم فيه اختلافًا. وحكاه الكرخي عن أبي حنيفة،
وهو قول الحسن وقتادة. وروي عن عليٍّ وابن عمر أن المعلومات هي
ثلاثة أيام: النحر ويومان بعده، والمعدودات أيام التشريق(٢)، وهذا
قول صاحبيه، وبه قَالَ مالك، سميت معدودات لقلتهن، ومعلومات
لحرص الناس على علمها لأجل فعل المناسك في الحج، ولأنها
معلومة للذبح فيتوخى المساكين القصد فيها فيعطون.
قَالَ الطحاوي: وإليه أذهب للآية، وهي أيام النحر، وعامة العلماء
في المعدودات يقول بقول ابن عباس. وقيل: سميت معدودات؛ لأنه إذا
زيد عليها في البقاء كان حصرًا لقوله وَلفيه: ((لا يبقين مهاجر بمكة بعد
قضاء نسكه فوق ثلاث))(٣) وقيل: معناه محصنات أُمروا بالتكبير فيها
أدبار الصلوات وعند رمي الجمار. قال أبو عبيد: سميت أيام
التشريق؛ لأن التشريق صلاة العيد؛ لأن وقتها من حين الشروق،
ومنه حديث: (من ذبح قبل التشريق أعاد)) فسميت الأيام كلها أيام
التشريق؛ وقبل: لأن لحوم الأضاحي تشرق للشمس فيها. وقيل:
تفرد. وقيل: لقولهم: أَشْرِقْ ثبيرُ كيما نُغِير. وأنكر مالك أن يقال: أيام
التشريق، وقال: يقول الله: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ و﴿مَّعْلُومَنٌ﴾.
(١) رواها الطبري في ((تفسيره)) ٣١٥/٢ (٣٨٩٦، ٣٩٠٣، ٣٩١١).
وذكرها ابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٩٧/٤-٢٩٨.
(٢) ذكرهما ابن المنذر في ((الأوسط)) ٤/ ٢٩٧-٢٩٨.
(٣) سيأتي برقم (٣٩٣٣) كتاب: مناقب الأنصار، باب: إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء
نسكه. بلفظ ((ثلاث للمهاجر)).

١١٣
- كتاب العيدين
والعمل في أيام التشريق هو التكبير المسنون، وهو أفضل من صلاة
النافلة كما قَالَ المهلب؛ لأنه لو كان هذا الكلام خطأ على الصلاة
والصيام في هذِه الأيام يعارض قول: (أيام أكل وشرب))(١).
وقد نهي عن صيام هذه الأيام، وهو دال على تفريغها للأكل والشرب
واللذة، فلم يبق تعارض إذا عنى بالعمل التكبير، وهو الذي ذكره على
تأويل قوله: (أفضل منها في هذه الأيام)) أن المراد بهذا الضمير أيام
التشريق. والمراد أيام العشر. كما ورد مصرحًا به في الترمذي من حديث
ابن عباس أيضًا: ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحبُّ إلى الله من هذِه
الأيام العشر)) قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد ؟ الحديث. ورواه أبو داود
وابن ماجه أيضًا(٢)، وفي روايتهما: يعني: العشر. أوردوه في الصيام،
فعلى هذا لا مناسبة في الحديث للترجمة والمبوب عليه قول ابن عباس،
نعم يوم العيد معلوم کما ذكره ابن عباس.
قوله: ( (وَلاَ الجِهَادُ)) ) أي: ليس مطلق الجهاد كله بموجب، بل
الموجب ما ذكر من المخاطرة بالنفس والمال ففضله لا يحاط به.
قَالَ الداودي: ولم يرد هنا أن هذِه الأيام خير من يوم الجمعة لأنه
قد يكون فيها يوم جمعة، وفيه نظرٌ؛ لأنه إذا كان فيها زاد الفضل.
ومعنى: ایخاطر بنفسه)» : يكافح العدو بنفسه وسلاحه وجواده فيسلم
من القتل أو لا يسلم منه، فهذِه المخاطرة، وهذا العمل أفضل منه في
هُذِهِ الأيام وغيرها مع أن هذا العمل لا يمتنع صاحبه من إتيان التكبير
والإعلان به.
(١) سلف برقم (٩٥٥).
(٢) سبق تخريجه. وأصله حديث الباب.

١١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: ( (فلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ)) ) يحتمل أن لا يرجع بشيءٍ من ماله
ويرجع هو، ويحتمل أن لا يرجع هو ولا ماله فيرزقه الله الشهادة،
وقد وعد عليها الجنة.
وأما خروج ابن عمر وأبي هريرة إلى السوق وتكبير الناس
بتكبيرهما، فقد قالت طائفة به.
قَالَ أبو جعفر الحنفي: كان مشايخنا يرون التكبير في الأسواق في
أيام العشر، والفقهاء لا يرون ذلك كما نقله عنهم ابن بطال، وإنما
التكبير عندهم من وقت رمي الجمار؛ لأن الناس فيه تبع لأهل
مني(١)، والمختار عندنا أنه يكبر من صبح منى ويختم بعصر آخر
(أيام)(٢) التشريق، خلف كل صلاة مفعولة في هذِه الأيام قضاء،
وأداء، فرض عين، أو كفاية، أو سنة(٣)، ويستحب عندنا التكبير في
الأيام المعلومات إذا رأى شيئا من بهيمة الأنعام.
وفي فعل ابن عمر وأبي هريرة هذا خروج العلماء إلى السوق
يذكرون الناس في الأوقات التي يصلح الذكر فيها، وأما تكبير أبي
جعفر خلف النافلة فهو قول الشافعي (4).
قَالَ البيهقي: روينا عن النبي ◌َِّ أنه قَالَ: ((أيام التشريق أيام أكل
وشرب وذكر الله))(٥) وسائر الفقهاء كما قَالَ ابن بطال: لا يرون
((شرح ابن بطال)) ٣/ ٥٦٣.
(١)
(٣) فيه ثلاثة أقوال انظر: ((البيان)) ٦٥٤/٢-٦٥٩، ((العزيز)) ٣٦٥/٢-٣٦٧.
(٢)
من (ج).
(٤) أنظر: ((المجموع)) ٤٢/٥.
(٥) ((السنن الكبرى)) ٣١٢/٣ كتاب: صلاة العيدين، باب: من قال: يكبر في
الأضحى خلف صلاة الظهر من يوم النحر.

١١٥
- كتاب العيدين
التكبير إلا خلف الفريضة(١).
وقال ابن التين: لم يتابعه أحد عليه؛ لأن في تخصيص الخمس
بذلك تعظيمًا لها. قَالَ: ولأنه ذكر واجب فوجب أن يختص بالواجب،
وهو المشهور من مذهب مالك(٢). أعني: تخصيصه بالفرائض.
قَالَ ابن المنذر: التكبير في المكتوبة في الجماعة مذهب ابن
مسعود، وكان ابن عمر إذا صلى وحده لا يكبر، وبه قَالَ أبو حنيفة
والثوري، وهو المشهور عن أحمد. وقال صاحباه ومالك والشافعي
والأوزاعي: يكبر المنفرد(٣). والصحيح من مذهب أبي حنيفة أن
التكبير واجب(٤). وفي ((فتاوى قاضي خان)) و((التجريد)) أنه سنَّةٌ.
قَالَ أبو محمد بن حزم(٥): التكبير دبر كل صلاة وفي الأضحى وأيام
التشريق ويوم عرفة حسن كله؛ لأن التكبير فعل خير، وليس هاهنا أثر عن
رسول الله وقل بتخصيص الأيام المذكورة دون غيرها، روينا عن الزهري
وأبي وائل وأبي يوسف استحباب التكبير غداة عرفة إلى آخر أيام التشريق
عند العصر، وكان ابن مسعود يكبر في صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة
العصر يوم النحر(٦)، وعن ابن عمر: من يوم النحر إلى صلاة الصبح آخر
أيام التشريق(٧).
(شرح ابن بطال)) ٢ / ٥٦٣.
(١)
(٢) ((المدونة)) ١٥٧/١ وله رواية أخرى أنه يكبر بعد النافلة ((الذخيرة)) ٤٢٦/٢.
(٣)
((الأوسط)) ٣٠٥/٤-٣٠٦.
(٤) انظر: ((الفتاوى التاتارخانية)) ١٠٤/٢.
(٥)
((المحلي)) ٨٩/٥.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٤٨٨/١ (٥٦٣٢) كتاب: الصلوات، باب: التكبير من أي يوم
هو إلى أي ساعة.
(٧) السابق ١ /٤٨٨ (٥٦٣٩).

١١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٢- باب التّكْبِيِ أَيَّامَ مِنَّى وَإِذَا غَدَا إِلَى عَرَفَةَ
وَكَانَ عُمَرُ رضي الله عنه يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنَى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ
المَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنَّى
تَكْبِيرًا. وَكَانَ ابن عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنَى تِلْكَ الأَيَّامَ وَخَلْفَ
الصَّلَوَاتِ، وَعَلَىْ فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ، وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ
تِلْكَ الأَيَّامَ جَمِيعًا. وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ. وَكُنَّ
النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزَ
لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي المَسْجِدِ.
٩٧٠- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي
بَكْرِ الثَّقَفِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَّسًا وَنَحْنُ غَادِيَانِ مِنْ مِنَى إِلَى عَرَفَاتٍ عَنِ الَّلْبِيَّةِ كَيْفَ
كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ؟ قَالَ: كَانَ يُلَبِّي المُلَِّي لاَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ فَلاَ
يُنْكَرُ عَلَيْهِ. [١٦٥٩- مسلم: ١٢٨٥ - فتح: ٢ / ٤٦١]
٩٧١- حَدَّثَنَا نُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ
حَقْصَةَ، عَنْ أُمُّ عَطِيَّةً قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ العِيدِ، حَتَّى تُخْرِجَ الِبِكْرَ مِنْ
خِذْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الْخُيَّضَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيِرِهِمْ، وَيَدْعُونَ
بِدُعَائِهِمْ يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ وَطُهْرَتَهُ. [انظر: ٣٢٤ - مسلم: ٨٩٠ - فتح: ٢/ ٤٦١]
(وَكَانَ عُمَرُ رضي الله عنه يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنَّى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ المَسْجِدِ،
فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنَّى تَكْبِيرًا).
وهذا رواه البيهقي من حديث عطاء عن عبد الله بن عمر أن عمر كان
يكبر، وفيه: ليسمعه أهل السوق فيكبرون(١).
(١) ((السنن الكبرى)) ٣١٢/٣ صلاة العيدين، باب: من قال: يكبر في الأضحى.

١١٧
- كتاب العيدين
ومعنى: (ترتج منى): تتحرك وتضطرب، فهو شبه الزلزلة، وهو
مجاز. والمعنى: يرتج الحاضرون بهم. وهذا عبارة عن كثرة المكبرين
ورفع أصواتهم.
ذكر هذا في ((الموطأ)) عن عمر فقال: خرج عمر الغد من يوم النحر
حين أرتفع النهار شيئًا فكبّر وكَبَّر الناس معه، ثم خرج الثانية بعد ارتفاع
النهار فكَبَّر وكبّر الناس معه بتكبيره، ثم خرج حين زاغت الشمس فكبّر
وكَبَّر الناس معه، حَتَّى بلغ البيت فتعرفت أن عمر خرج يرمي(١). وهذا
منه على وجه التذكير للناس على ذكره لما روي أنه وَ لّ قَالَ: ((أيام منى
أيام أكل وشرب وذكر الله))(٢) وخاف الغفلة على الناس عن ذكر الله
تعالى، وقد قَالَ ابن حبيب: ينبغي لأهل منى أن يكبروا أوَّل النهار،
وإذا ارتفع، ثم إذا زالت الشمس، ثم بالعشي. وكذا فعل عمر رضي
الله عنه(٣).
ثم قَالَ البخاري: (وَكَانَ ابن عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنّى تِلْكَ الأَيَّامَ
وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ، وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ
(١) ((الموطأ)) ٥٤١/١ (١٤٠٥) كتاب: المناسك، باب: باب: تكبير أيام التشريق.
(٢) رواه ابن ماجه (١٧١٩) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في النهي عن صيام أيام
التشريق، وأحمد ٢٢٩/٢، ٢٨٧، ٥١٣، ٥٣٥، وأبو يعلى في («مسنده))
١٠/ ٣٢٠ (٥٩١٣)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢/ ٢٤٥، وابن حبان في
((صحيحه)) ٣٦٦/٨-٣٦٧ (٣٦٠١)، (٣٦٠٢) كتاب: الصوم، باب: صوم أيام
التشريق، وصححه البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) (٥٨٣) على شرط الشيخين.
وقال الألباني في ((صحيح ابن ماجه)): حسن صحيح.
ورواه مسلم. من حديث نبيشة الهذلي بلفظ: ((أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر
لله)). (١١٤١) .
(٣) سبق تخريجه.

١١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
تِلْكَ الأَيَّامَ جَمِيعًا) وهذا أيضًا ذكره البيهقي فقال: ويذكر عن ابن عمر.
إلى آخره(١).
والفسطاط: بيت من شعر، فيه ثلاث لغات حكاها في ((الصحاح)):
فسطاط، وفستاط، وفساط. قَالَ: وكسر الفاء لغة فيهن(٢)، وهو عند ابن
فارس: ضرب من الأبنية(٣).
ثم قَالَ البخاري: (وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ) وهذا أيضًا ذكره
البيهقي أيضاً هكذا، وذكر أيضًا قوله في البخاري: (وَكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ
خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزَ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي
المَسْجِدِ)
قَالَ البيهقي: وكان الشعبي وإبراهيم النخعي يقولان هذا القول(٤).
ثم ساق البخاري حدیثین :
أحدهما :
حديث محمد بن أبي بكر الثقفي(٥) قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا وَنَحْنُ غَادِیَانِ
مِنْ مِنَّى إِلَى عَرَفَاتٍ عَنِ التَّلْبِيَةِ .. الحديث.
ويأتي في الحج إن شاء الله تعالى أيضًا (٦).
(١) ((السنن الكبرى)) ٣١٢/٣ كتاب: صلاة العيدين، باب: من قال: يكبر في
الأضحى.
(٢) ((الصحاح)) ٣/ ١١٥٠.
(٣) ((المجمل)) ٧٢٠/٢.
(٤) ((السنن الكبرى)) ٣١٦/٣ كتاب: صلاة العيدين، باب: سنة التكبير للرجال
والنساء.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: شيخه في حديث محمد بن أبي بكر الثقفي هذا أبو
نعيم، وهناك عبد الله بن يوسف كلاهما عن مالك.
(٦) سيأتي برقم (١٦٥٩) باب: التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة.

١١٩
كتاب العيدين
وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه أيضًا(١).
ومحمد (خ.م.س.ق) هذا هو ابن أبي بكر بن عوف بن رباح
حجازي، وهذا التكبير يحتمل أن يكون نوعًا من الذكر أدخله الملبي
في خلال تلبيته من غير ترك التلبية؛ لأن المروي عن الشارع أنه لم
يقطع التلبية حَتَّى رمى جمرة العقبة، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك: يقطع إذا زالت الشمس. وقال مرة أخرى: إذا وقف.
وقال أيضًا: إذا راح إلى مسجد عرفة. وهو قريب من قولهم: إذا زالت.
الثاني: قَالَ البخاري :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: ثَّنَا أَبِي، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ
حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ العِيدِ .. الحديث.
هكذا في البخاري: حَدَّثَنَا محمد، ثنا عمر بن حفص. قَالَ الجياني :
هكذا رواه أبو ذر. وكذلك خرجه أبو مسعود الدمشقي في كتابه عن محمد
عن عمر بن حفص فقال: وفي روايتنا عن أبي علي بن السكن وأبي أحمد
وأبي زيد: ثنا عمر بن حفص. لم يذكروا محمدًا قبل عمر، ويشبه أن
يكون محمد بن يحيى الذهلي، وإليه أشار الحاكم في هذا
الموضع(٢). وأما خلف والطرقي فذكرا أن البخاري رواه عن عمر بن
حفص، لم يذكر محمدًا قبل عمر، وكذا ذكر أبو نعيم أن البخاري
رواه عن عمر بن حفص. وذكر ابن عساكر أن عمر بن حفص هذا
(١) ((صحيح مسلم)) (١٢٨٥) كتاب: الحج، باب: التلبية والتكبير في الذهاب من
منى إلى عرفات في يوم عرفة، وأبو داود (١٨١٦) كتاب: المناسك، باب: من
يقطع التلبية- لكن حديث أبي داود عن ابن عمر عن أبيه- وابن ماجه (٣٠٠٨)
كتاب: المناسك، باب: الغدو من منى إلى عرفات.
(٢) ((تقييد المهمل)) ١٠٤٤/٣.

١٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
روى عنه البخاري ومسلم، ورويا عن رجلٍ عنه، وسلف هذا الحديث
في باب: شهود الحائض للعيدين من كتاب الطهارة(١). وترجم له في
الباب: خروج الحيض إلى المصلى واعتزال الحيض المصلى كما
ستعلمه(٢).
قولها: (كُنَّا نُؤْمَرُ). هو مرفوع كما سلف، وقد جاء ذلك صريحًا كما
ستعلمه، وفيه دليل على تساوي النساء في ذلك بالرجال، وحمل على
الندب، بدليل الأمر للحيض بالخروج. والحيض بضم الحاء وفتح
الياء المشددة جمع حائض. والخدر: السرير المضروب عليه القبة.
وفي ((الصحاح)): الخدر: الستر. يقال: جارية مخدرة. إذا لزمت الخدر (٣).
.
قولها: (يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ اليَوْم). هكذا شأن المؤمن يرجو عند
العمل ولا يقطع ولا يدري ما يحدث له. قَالَ تعالى: ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَحِلَةٌ﴾.
[المؤمنون: ٦٠] أي: خائفة مشفقة.
وقولها: (وَطُهْرَتَه). تعني: من الذنوب.
وقولها: (فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ). فيه تأخرهن عن الرجال. قَالَ
المهلب: أيام منى هي أيام التشريق.
وتأول العلماء فيها قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَّكُمْ﴾
[البقرة: ١٨٥] ومعنى التكبير في هذا: الفضل -والله أعلم- لأنه فضل
الذبائح لله تعالى، وكانت الجاهلية تذبح لطواغيتها ونصبها، فجعل
التكبير استشعارًا للذبح لله حَتَّى لا يذكر في أيام الذبح غيره، ومعنى
ذكر التسمية على الذبح الاختصاص به، والإعلان بذكره؛ لتنسى
(١) سلف برقم (٣٢٤) كتاب: الحيض.
(٢) انظر: حديث (٩٧٤).
(٣) ((الصحاح)) ٦٤٣/٢.