Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
كتاب الجمعة
=
وقوله: (جلس) لعله يريد ثم قام بعد، أو كانت خطبة غير جمعة.
ويحيى المذكور في إسناده هو ابن أبي كثير، مات بعد المائة(١)،
وأخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود، وضعفه، قال: وفي الباب
عن ابن عمر ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم من الصحابة
وغيرهم، ولا يصح في هذا الباب عن رسول الله شيء(٢).
وأما حكم الباب: فالسنة أن يقبل الخطيب على القوم في جميع
خطبته ولا يلتفت في شيء منها، ولا يفعل ما يفعله الخطباء يمنة
ويسرة في الصلاة على رسول الله وَليه، فإنه لا أصل له، واتفقوا على
كراهة الالتفات، وهو معدود في البدع المنكرة، ونقل الشيخ أبو
حامد عن أبي حنيفة أنه يلتفت يمينًا وشمالًا في بعض الخطبة كما في
الأذان.
ويستحب للقوم الإقبال بوجوههم عليه، وفيه أحاديث كثيرة؛ ولأنه
مقتضى الأدب وأبلغ في الوعظ، وهو إجماع.
وسبب ذلك أنه يخاطبهم، فلو استدبرهم قبح، وإن وقف في أخرياته
واستدبروه قبح أيضًا، وإن استقبلوه واستدبروا القبلة، فاستدبار واحد
واستقبال الجميع أولى من عكسه، فلو خالف الخطيب فاستدبرهم
واستقبل القبلة كره، وصحت، وفيه وجه شاذ، لكن الاتباع يقويه.
وباستقبال القوم الإمام قال به أيضًا شريح وعطاء، وأبو إسحاق
عمرو بن أبي صعصعة ومالك والأوزاعي والثوري وسعيد بن عبد
العزيز وابن جابر ويزيد بن أبي مريم والشافعي وأحمد وإسحاق،
(١) ورد بهامش الأصل: ١٢٩ سنة في ((الكاشف)).
(٢) (سنن الترمذي)) (٥٠٩) في الجمعة، باب: ما جاء في استقبال الإمام إذا خطب.

٥٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقبلهم طاوس ومجاهد وسالم والقاسم وزاذان، وعمر بن عبد العزيز،
وقال: الواعظ قبلة، والشعبي والنضر بن أنس وإبراهيم. قال ابن المنذر:
وهذا كالإجماع(١).
وفي ((المغني)) روي عن الحسن أنه استقبل القبلة ولم ينحرف إلى
الإمام، وكان سعيد بن المسيب لا يستقبل هشام بن إسماعيل إذا
خطب، فوكل به هشام الشرط يعطفه إليه. وقال الأثرم: قلت لأبي
عبد الله: يكون الإمام عن يميني متباعدًا، وإذا أردت أن أنحرف إليه
حولت وجهي عن القبلة. فقال: نعم تنحرف إليه (٢).
وفي ((المبسوط)) من كتب الحنفية: إن القوم الآن يستقبلون القبلة
بوجوههم في حال الخطبة للحرج من تسوية الصفوف ولكثرة الزحام(٣).
فرع :
من فاته الخطبة لاتفوته الجمعة خلافًا لعطاء ومكحول ومجاهد
وطاوس(٤)، دليل الجمهور: الحديث السالف: ((من أدرك ركعة من
الصلاة فقد أدرك الصلاة»(٥) وهو عام في جميع الصلوات.
(١) ((الأوسط)) ٧٤/٤ - ٧٥.
(٢) ((المغني)) ١٧٢/٣ - ١٧٣.
(٣) ((المبسوط)) ٣٠/٢.
(٤) روى عنهم هُذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٤٦٠ (٥٣٢٥: ٥٣٢٨) كتاب: الصلوات،
باب: الرجل تفوته الخطبة.
(٥) سلف برقم (٥٨٠). ورواه مسلم (٦٠٧) من حديث أبي هريرة وأخرجه البخاري في
مواضع عدة.

٥٤٣
كتاب الجمعة
=
٢٩- باب مَنْ قَالَ في الْخُطْبَةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ: أَمَّا بَعْدُ
رَوَاهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َلُِّ.
٩٢٢ - وَقَالَ تَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي
فَاطِمَةُ بِنْتُ الْنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها
وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ قُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ. فَقُلْتُ: آيَّةٌ؟
فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ نَعَمْ. قَالَتْ: فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ وَ جِدًّا حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ وَإِلَى
جَنْبِي قِرْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَفَتَحْتُهَا فَجَعَلْتُ أَصُبُّ مِنْهَا عَلَى رَأْسِي، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ
وَّةٍ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَحَمِدَ اللهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ)).
قَالَتْ وَلَغِطَ نِسْوَةٌ مِنَ الأَنَّصَارِ، فَانْكَفَأْتُ إِلَيْهِنَّ لِأُسَكِّتَهُنَّ، فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا قَالَ؟
قَالَتْ: قَالَ: ((مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيِّتُهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ
وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ - أَوْ قَرِيبَ مِنْ - فِتْنَةٍ
الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَمَّا
الْمُؤْمِنَ - أَوْ قَالَ: الْمُوقِنُ. شَكَّ هِشَامٌ - فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ الهِ، هُوَ مُحَمَّدٌ وَل
جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَآمَنَّا وَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا وَصَدَّقْنَا. فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ
كُنَّا نَعْلَمُ إِنْ كُنْتَ لَتُؤْمِنُ بِهِ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ - أَوْ قَالَ: الْمُرْتَابُ. شَكَّ هِشَامٌ -
فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ
شَيْئًا فَقُلْتُهُ)). قَالَ هِشَامٌ: فَلَقَدْ قَالَتْ لِي فَاطِمَةُ: فَأَوْعَيْتُهُ، غَيْرَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ مَا يُغَلِّظُ
عَلَيْهِ. [انظر: ٨٦ - مسلم: ٩٠٥ - فتح: ٤٠٢/٢]
٩٢٣ - حَدَّثَنَا يُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ:
سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ أُنَّ بِمَالٍ أَوْ سَبْيٍ
فَقَسَمَهُ، فَأَغْطَى رِجَالًا وَتَرَكَ رِجَالًا، فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ أَثْنَى
عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَأَدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِي أَدَعُ
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ

٥٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وَالْهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى وَالْخَيْرِ، فِيهِمْ
عَمْرُوَ بْنُ تَغْلِبَ)). فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللهِ وَِّ حُمْرَ النَّعَمِ. تَابَعَهُ
يُونُسُ. [٣١٤٥، ٧٥٣٥ - فتح: ٤٠٣/٢]
٩٢٤ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
قَالَ: أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفٍ
اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي الْمسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاَتِهِ، فَأَضْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ
أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ الْسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ،
فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِوَِّ فَصَلَّوْا بِصَلاَتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ
حَتَّى خَرَجَ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا
بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَّيَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا
عَنْهَا)). تَابَعَهُ يُونُسُ. [انظر: ٧٢٩ - مسلم: ٧٦١، ٧٨٢ - فتح: ٤٠٣/٢]
٩٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ،
عَنْ أَبِ حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرِ قَامَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَتَشَهَّدَ
وَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ)). تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةً وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ
هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ◌ُمَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ)). تَابَعَهُ الْعَدَنُّ، عَنْ
سُفْيَانَ فِي: ((أَمَّا بَعْدُ)). [ ١٥٠٠، ٢٥٩٧، ٦٦٣٦، ٦٩٧٩، ٧١٧٤، ٧١٩٧ - مسلم: ١٨٣٢ - فتح:
٤٠٤/٢]
٩٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلَيِّ بْنُ
حُسَيْنٍ، عَنِ الْوَرِ بْنِ تَخْرَمَةً قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ:
((أَمَّا بَعْدُ)). تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّز [٣١١٠، ٣٧١٤، ٣٧٢٩، ٣٧٦٧، ٥٢٣٠، ٥٢٧٨ -
مسلم: ٢٤٤٩ - فتح: ٤٠٤/٢]
٩٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْغَسِيلِ قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةٌ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ◌َِّ المِنْبَرَ، وَكَانَ آخِرَ تَجْلِسٍ جَلَسَهُ
مُتَعَطِّفًا مِلْحَفَةً عَلَى مَنْكِبَيْهِ، قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسِمَةٍ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ

٥٤٥
كتاب الجمعة
ثُمَّ قَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِلَيَّ)». فَثَابُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ
الأَنْصَارِ يَقِلُّونَ، وَيَكْثُرُ النَّاسُ، فَمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ نَّهِ فَاسْتَطَاعَ أَنْ
يَضُرَّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعَ فِيهِ أَحَدًا، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيِّهِمْ)).
[٣٦٢٨، ٣٨٠٠ - فتح: ٤٠٤/٢]
ثم ذكر تعليقًا عن أسماء في الكسوف فقال: وَقَالَ مَحْمُودٌ، فذكره،
وفيه: ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ)).
ثم أسند من حديث عمرو بن تغلب وعائشة وأبي حميد، والمسور
بن مخرمة وابن عباس، وفيها كلها بعد الثناء على الله: ((أما بعد)).
الشرح:
أما حديث ابن عباس الأول فقد أسنده آخر الباب(١)، وأما حديث
أسماء فذكره مطولًا، ومختصرًا، وقد رواه في باب: من أجاب الفتيا
بإشارة الرأس واليد من كتاب العلم عن موسى بن إسماعيل(٢)، وفي
باب: من لم ير الوضوء إلا من الغشي عن إسماعيل(٣)، وسيأتي في
الكسوف(٤) والسهو(٥).
وأسماء جدة فاطمة بنت المنذر جدة أبيها، ومحمود هو ابن غيلان
المروزي الحافظ، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين.
وأخرجه مسلم أيضًا (٦)، وسياق البخاري هنا يؤذن أن أسماء روته
(١) حديث (٩٢٧).
(٢) سلف برقم (٨٦).
(٣) سلف برقم (١٨٤) كتاب: الوضوء.
(٤) برقم (١٠٥٣) باب: صلاة النساء مع الرجال في الكسوف.
(٥) وبرقم (١٢٥٣) باب: الإشارة في الصلاة.
(٦) (صحيح مسلم)) (٩٠٥) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ما عرض على النبي ◌َّ
في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار.

٥٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
عن عائشة، وهو خلاف ما ذكره في العلم والطهارة من رفعه عنها، ولعل
الصواب ما هنا .
وأما حديث عمرو بن تغلب فأخرجه في الخمس والتوحيد (١) وهو
من أفراده .
وعمرو (بن تغلب)(٢) صحابي خرج له البخاري والنسائي وابن
ما جه.
و(تغلب) بمثناة فوق ثم غين معجمة، قال المزي تبعًا لعبد الغني: لم
يرو عنه غير الحسن البصري فيما قاله غير واحد (٣)، ولعل المراد إذا في
((الصحيح)) وإلا فقد ذكر ابن عبد البر أن الحكم بن الأعرج روى عنه
أيضًا (٤) كما نبه عليه ا المزي(٥).
وأبو عاصم -شيخ شيخ البخاري فيه- هو النبيل، الضحاك بن
مخلد.
وأما حديث عائشة فسلف في باب: إذا كان بين الإمام وبين القوم
حائط أو سترة، ويأتي في الصوم(٦)، وقال هنا: (تابعه يونس) وهذه
(١) سيأتي برقم (٣١٤٥) كتاب: فرض الخمس، باب: ما كان النبي ◌ُّ له يعطي المؤلفة
قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه.
وبرقم (٧٥٣٥) كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿﴿ إِنَّ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا
(٢) في الأصل : ربعي.
(٣) ((تهذيب الكمال)) ٥٥٣/٢١ (٤٣٣٢).
(٤) ((الاستيعاب)) ٢٥٢/٣ (١٩٢٠).
(٥) ورد بهامش الأصل: قد ذكر ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) أن الحكم بن
الأعرج روى عنه، ذكره شيخنا العراقي.
(٦) سلف برقم (٧٢٩) كتاب: الأذان.
=

٥٤٧
=
كتاب الجمعة
المتابعة أخرجها مسلم، عن حرملة، عن ابن وهب، عنه(١) وأخرجها
النسائي، عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق، عن عبد الله بن الحارث،
عن يونس(٢).
وقوله: تابعه يونس أي: في قوله: ((أَمَّا بَعْدُ))، كذا قاله خلف وتابعه
المزي(٣)، واعتراض شيخنا قطب الدين عليه أنه روى عن الزهري جميع
الحديث فلا يختص بـ((أما بعد)) ليس بجيد؛ لأنه موضع التبويب فلذا
فسره به.
وأما حديث أبي حميد فهو بعض من حديث ذكره البخاري في
الزكاة، وترك الحيل، والاعتكاف، والنذور(٤): استعمل رسول الله
وَله رجلًا من الأزد يقال له: ابن (اللتبية)(٥)، على الصدقة، فلما قدم
= وسيأتي برقم (١١٢٩) باب: تحريض النبي على صلاة الليل والنوافل من غير
إيجاب.
(١) (صحيح مسلم)) ١٧٨ (٧٦١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الترغيب في قيام
رمضان وهو التراويح.
(٢) ((سنن النسائي)) ١٥٥/٤ كتاب: الصيام، باب: ثواب من قام رمضان وصامه إيمانًا
واحتسابًا والاختلاف على الزهري في الخبر في ذلك.
(٣) (تحفة الأشراف)) ١٤١/٨ (١٠٧١١).
(٤) سيأتي برقم (١٥٠٠) كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاَلْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾
وبرقم (٦٦٣٦) كتاب: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي ◌َّه.
وبرقم (٦٩٧٩) كتاب: الحیل، باب: احتیال العامل ليهدئ له، وليس فيه ذكر في
الاعتكاف. ولعلها كانت بالأصل الأيمان والنذور، فتحرفت إلى الاعتكاف لتشابه
الرسم، والله أعلم.
(٥) ورد بهامش الأصل: اللتبيّة بضم اللام وإسكان التاء، بعدها ياء موحدة أتى من
( ... ) الأزد بإسكان الزاي وبالدال، قال التقي: ( ... ) ويقال فيه ( ... ) وبفتح التاء
ويقال: ابن اللثبية بإسكان التاء وليستا بصحيحتين ( ... ) ما قدمته يفي أنه الضبط
.( ... )

٥٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قال: هذا لكم وهذا أهدي إليَّ فقام رسول الله ◌َّ على المنبر فقال: ((أما
بعد، فإني أستعمل الرجل منكم)) أخرجه مسلم في المغازي(١).
ثم قَالَ البخاري: تابعه أبو معاوية وأبو أسامة، عن هشام، عن أبيه،
عن أبي حميد، عن النبي ◌َّهِ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ)) تابعه العدني عن سفيان
في: ((أما بعد)).
أما متابعة أبي معاوية - واسمه محمد بن خازم الضرير، كوفي،
فأخرجها مسلم في المغازي، عن أبي كريب محمد بن العلاء، عن
أبي معاوية به(٢).
وأما متابعة أبي أسامة فتأتي -إن شاء الله- مسندة(٣)، وأخرجها
مسلم أيضًا (٤) واسمه حماد بن أسامة، ومتابعة سفيان -وهو ابن
عيينة- فذكرها بَعْدُ عن الزهري، عن عروة، عن أبي حميد (٥)،
وأخرجها مسلم عن العدني عن هشام (٦).
والعدني اسمه محمد بن يحيى احتج به مسلم(٧).
(١) (صحيح مسلم)) (١٨٣٢) كتاب: الإمارة، باب: تحريم هدايا العمال.
(٢) مسلم (٢٨/١٨٣٢) كتاب: الإمارة، باب: تحريم هدايا العمال.
(٣) ستأتي برقم (١٥٠٠) كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿ وَاَلْعَمِلِينَ عَلَيَّهَا﴾.
(٤) مسلم (٢٧/١٨٣٢) كتاب: الإمارة، باب: تحريم هدايا العمال.
(٥) ستأتي برقم (٢٥٩٧) كتاب: الهبة، باب: من لم يقبل الهدية.
(٦) مسلم (٢٨/١٨٣٢) كتاب: الإمارة، باب: تحريم هدايا العمال.
(٧) ابن أبي عمر العدني، أبو عبد الله نزيل مكة، وقد ينسب إلى جده، وقيل: إن أبا
عمر كنية أبيه يحيى، قال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا وكان به غفلة وكان صالحًا،
ذكره ابن حبان في ((الثقات)). روى له النسائي. مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
انظر: ((التاريخ الكبير)) ٢٦٥/١ (٨٤٧)، و((الجرح والتعديل)) ١٢٤/٨ (٥٦٠)،
و ((الثقات)) ٩٨/٩، و(تهذيب الكمال)» ٦٣٩/٢٦ (٥٦٩٢).

٥٤٩
كتاب الجمعة
=
واسم أبي حميد عبد الرحمن(١)، وقيل: المنذر بن عمرو بن سعد
بن مالك بن خالد بن ثعلبة، مات في خلافة معاوية.
وأما حديث علي بن حسين عن المسور بن المخرمة فهو من حديث:
أنه وَ لّ خطب وقال: ((إن عليًّا خطب بنت أبي جهل، وإنما فاطمة بضعة
مني) الحديث. ويأتي في الفضائل إن شاء الله (٢). وأخرجه مسلم أيضًا(٣).
وتابعه ابن سيرين، أخرجه الرهاوي من طريقه عن المسور بن
مخرمة: كان رسول الله وَ﴿ إذا خطب قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ).
والمسور هذا قدم المدينة سنة ثمان من الهجرة، فسمع وحفظ، أمه
عاتكة بنت عوف، قتل أيام ابن الزبير بالمنجنيق سنة أربع وستين.
ومتابعة الزبيدي لا يحضرني من أسندها (٤).
وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضًا في علامات النبوة، وفضائل
الصحابة(٥)، وأخرجه الترمذي في ((شمائله))(٦).
وابن الغسيل المذكور في إسناده هو أبو سليمان عبد الرحمن بن
سليمان بن حنظلة ابن الغسيل.
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في ((التجريد)): أبو حميد اسمه
عبدالرحمن بن عمرو بن سعد، وقيل: المنذر بن سعد.
(٢) سيأتي برقم (٣٧٢٩) باب: ذكر أصهار النبي ◌َّ.
(٣) مسلم (٢٤٤٩) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة.
(٤) قلت: أسندها الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ٥١٥/١٢ (٤٩٨٩)، والطبراني
في ((مسند الشاميين)) ١٤/٣ (١٧٠٧).
(٥) سيأتي برقم (٣٦٢٨) كتاب: المناقب، وبرقم (٣٨٠٠) كتاب: مناقب الأنصار،
باب: قول النبي ◌َّله: ((اقبلوا من محسنهم)).
(٦) ((الشمائل)) (١١٩) باب: ما جاء في عمامة النبي ◌َّر.

التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قيل: عاش مائة وستين سنة، ذكره ابن التين، وقيل: إنما سمي
والده بذلك؛ لأنه غسلته الملائكة يوم أحد(١).
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام على ذَلِكَ من أوجه:
أحدها :
هذه الأحاديث دالة لما ترجم له، وهو ذِكْرُ هذه اللفظة في الخطبة
بعد الثناء، وهي من فصيح الكلام، وهو فصل بين الثناء على الله وبين
ابتداء الخبر الذي يريد الخطيب إعلام الناس به، وهو فصل الخطاب
الذي أوتيه داود ◌َّير؛ لأنها فصل ما تقدم من كلام المتكلم، وقال
الحسن: هي فصل القضاء، وقيل: البينة على المدعي واليمين على
من أنكر (٢). وهو المبتدئ بها على أحد الأقوال، ورواه النحاس من
حديث بلال بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى أنه وَّ أول من
قالها، وأنه فصل الخطاب، وكذا ذكره عبد في («تفسيره))، عن
الشعبي، وزياد بن أمية.
ثانيها: أنه كعب بن لؤي جد سيدنا رسول الله وَ ل.
ثالثها: قُس بن ساعدة، قاله ابن الكلبي.
رابعها: يعرب بن قحطان.
(١) قال يحيى بن معين: ثقة، ليس به بأس، صويلح، وقال أبو زرعة، والنسائي،
والدارقطني: ثقة، وقال النسائي في موضع آخر: وليس بالقوى، ليس به بأس،
قال ابن حجر في ((مقدمة فتح الباري)): تضعيفهم له بالنسبة إلى غيره ممن هو أثبت
منه من أقرانه، وقد احتج به الجماعة سوى النسائي.
انظر: ((تاريخ بغداد)) ٢٢٥/١٠ (٥٣٥٧)، و((تهذيب الكمال)) ١٥٤/١٧
(٣٨٤٠)، و«مقدمة فتح الباري» ص٤١٧.
(٢) انظر: ((تفسير الطبري)) ٥٦٤/١٠-٥٦٥ (٢٩٨١٣-٢٩٨٢٥).

٥٥١
كتاب الجمعة
=
خامسها: سحبان.
وفي ضبطها أربعة أوجه: ضم الدال وتنوينها، ونصبها وتنوينها(١).
وفي ((غرائب مالك)) للدار قطني بسند ضعيف: لما جاء ملك الموت
إلى يعقوب العَيْ، قَالَ يعقوب في جملة كلام: أما بعد، فإنا أهل بيت
موكل بنا البلاء .. الحديث.
قَالَ سيبويه: معناه: مهما يكن من شيءٍ (٢). وقال أبو إسحق: إذا
كان رجلٌ في حديثٍ وأراد أن يأتي بغيره قَالَ: أما بعد.
وفي ((المحكم)) معناها: أما بعد دعائي لك(٣). وفي ((الجامع)):
يعني: بعد الكلام المتقدم، أو بعد ما يبلغني من الخبر. ثم حذفوا
هذا وضموا على أصل ما ذكرناه، وذكر عبد القادر الرهاوي أن اثنين
وثلاثين من الصحابة رووا ذَلِكَ عن النبي ◌َّ في خطبه ومواعظه وكتبه.
ثانیھا :
معنى: (تَجَلَّانِي الْغَشْيُ): غطّاني وغشاني، وأصله: تجللني فأبدلت
إحدى اللامات ألفًا، قاله ابن الأثير، قَالَ: ويحتمل أن يكون معناه:
ذهب بقوتي وصبري، من الجلاء، أو ظهر بي وبان عليَّ(٤).
(١) وقد نظمها بعضهم فقال:
لها خمسُ أقوالٍ وداودُ أقربُ
جرى الخُلْفُ أما بعد من كان قائلًا
فقُسٌ فسحبانُ فکعبٌ فَيْعُربُ
وكانت له فصلَ الخطابٍ وبعده
انظر: ((حاشية الباجوري)) ١/ ٧.
(٢) ((الكتاب)) ٢٣٥/٤، ونص عبارته: وأما (أما) ففيها معنى الجزاء، كأنه يقول:
عبد الله مهما يكن من شيء من أمره، فمنطلق.
(٣) ((المحكم)) ٢/ ٢٥.
(٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) ٢٩١/١.

٥٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقولها: (وَلَغْطَ نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ). اللغط: الأصوات المختلفة التى
لا تفهم. قَالَ ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح الغين وبعضهم بكسرها،
وهو بالفتح عند أهل اللغة.
قولها: (وانْكَفَأْتُ). أي: ملت بوجهي ورجعت إليهن لأسكتهن.
أي: بالإشارة، وأصله: من كفأت الإناء: إذا أملته وكببته.
والفتنة أصلها: الاختبار، ولا فتنة أكبر من الفتنة المذكورة. منكر
-بفتح الکاف- کما قیده به ابن العربي، ونکیر -وقد ثبت فیھا أحادیث۔
أعاذنا الله منها.
وقوله: ( ((أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ في القبور)) ) أي: أتاه الملك
بذلك، وفيه: بيان أنه أعلم به في ذَلِكَ الوقت.
وقوله: ( ((حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ))) يعني: أنه رأى أمورًا عظامًا.
وقوله: ( ((من فِتْنَةِ الْمَسِيح الدَّجَّالِ))) يعني: ما يبلو به الله مت الناس
إذا خرج الدجال من الفتنة، فيضل الله به قومًا ويثبت المؤمنين، وقيل له:
المسيح؛ لأنه يمسح الأرض، أو لأنه ممسوح العين أعورها، وقد
أسلفنا ذَلِكَ مع روایة کسر الميم وتشديد السین.
والمنافق: الذي يظهر خلاف ما يبطن. والمرتاب: الشاك. قاله أبو
الوليد المالكي(١). وقال أبو جعفر: المنافق: المرتاب، ومعناهما
متقارب في الكفر، إلا أن قوله: ((سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ))
أقرب إلى نفي المرتاب، وفي بعض الروايات أنه إذا قَالَ: لا أدري.
قيل له: ((لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ))(٢). ومعنى تليت: اتبعت.
(١) ((المنتقى)) ٣٣١/١.
(٢) رواه أحمد ٣/٣-٤.

٥٥٣
= كتاب الجمعة
وقوله: ( ((أَمَّا الْمُؤْمِنُ)) ) أو ((الْمُوقِنُ)) الأظهر كما قَالَ ابن التين أنه
المؤمن؛ لقوله: ((قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنْ كُنْتَ لَتُؤْمِنُ بِهِ)) ولقوله: ((فَأَجَبْنَا)) ولم
يقل: فأيقنا. والنوم هنا: هو العود إلى ما كان عليه، ووصفه به وإن
كان مؤمنًا لما يناله من الراحة.
وقوله: ( ((فأوعيته)) )(١) قَالَ الدمياطي في حاشية ((الصحيح)) بخطه
ومنه نقلت الوجه: وعيته قَالَ تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنْ وَعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]
يقال: وعيت العلم، وأوعيت المتاع.
وقوله: (أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ بسَبْيٍ). وفي بعض النسخ: أو بشيء، وهو ما
في ((المستخرج)) لأبي نعيم، وفي كتاب الإسماعيلي: أتي بمالٍ من
البحرين.
وقوله: (أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ). كذا بخط الدمياطي، وقال شيخنا قطب
الدين: الذي في أصل روايتنا: (أن الذي ترك)، ونسخة: (أن الذين
ترك).
وقوله: (عتبوا) أي: وجدوا في أنفسهم كراهية لذلك.
وقوله: ( (لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ)) ) هذا من نظر القلب لا من نظر
العين.
و(الجزع) ضد الصبر، وهو شدة القلق، وقيل: القول السيء.
و(الهلع) شدة الجزع.
(١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قال في ((المطالع)) الوعي الحفظ للشيء، ووعيت
العلم وأوعيته: حفظته، وجمعته، وقال في ((الأفعال)): وعيت العلم فحفظته،
ووعيت الأذن: سمعت، وأوعى المال: جمعه في الوعاء. انتهى. فهذا الذي قاله
أولًا مخالف للدمياطي، وما نقله عن ((الأفعال)) موافق له وكذا قال في «الجمهرة»
على وفاق قول الدمياطي، وبذلك الدمياطي ( ... ) في الصحاح.

٥٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقوله: ( ((مِنَ الْغِنَى وَالْخَيْرِ))) أي: أتركهم مع ما وهب الله لهم من
غنى النفس فصبروا وتعففوا عن الطمع والشره.
و( ((حُمْرَ النَّعَم)) ) قيل: المراد: إهداءها أو الصدقة بها فيكون أجر
ذَلِكَ له، وهي كلمةَ تقولها العرب، وإلا فما كان يجب أن يكون له الدنيا
وما فيها(١).
وقوله: ( ((مُتَعَطِّقًّا))). أي: مترديًا، والتعطف التردي بالرداء،
ويسمى الرداء عطافًا؛ لوقوعه على عطفي الرجل، وهما ناحية عنقه،
ومنكب الرجل عطفه، وكذلك المعطف، ويعطف، ذكره الهروي(٢).
وفي ((المحكم)): والجمع: عُطف، وقيل: المعاطف: الأردية، لا
واحد لها(٣). والملحفة: بكسر الميم.
وقوله: (قد عصب رأسه بعصابة دسمة) وفي رواية: (دسماء). ذكرها
في اللباس(٤)، ضبط صاحب ((المطالع)): دسِمة بكسر السين، قيل:
كانت سوداء، وكان له 1 عمامة سوداء، والعصابة: العمامة.
ومنه الحديث: أمرنا أن نمسح على العصائب(٥). سميت بذلك؛
(١) في هامش الأصل: ثم بلغ في الرابع بعد الثمانين. كتبه مؤلفه.
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) ٢٥٧/٣.
(٣) ((المحكم)) ٣٤٦/١.
(٤) علقها البخاري قبل الرواية (٥٨٠٧) كتاب: اللباس، باب: التقنع، وأسندها -
فيما يأتي- برقم (٣٨٠٠) كتاب: مناقب الأنصار، باب: قول النبي ◌َّلقر: ((اقبلوا
من محسنهم». من حديث ابن عباس.
(٥) رواه أبو داود (١٤٦) كتاب: الطهارة، باب: المسح على العمامة، وأحمد ٥٪
٢٧٧، والطبراني في ((مسند الشاميين)) ٢٧٤/١ (٤٧٧)، والحاكم ١٦٩/١ كتاب:
الطهارة، والبيهقي ١/ ٦٢ كتاب: الطهارة، باب: إيجاب المسح على الرأس،
والبغوي في ((شرح السنة)) ٤٥٢/١ (٢٣٣-٢٣٤) كتاب: الطهارة، باب: المسح =

٥٥٥
= كتاب الجمعة
لأنها تعصب الرأس. أي: تربطه، قيل: لونها لون الدسم كالزيت
وشبهه، من غير أن يخالطها شيء من الدسم، وقيل: متغيرة اللون من
الطيب والغالية.
وقال أبو عبد الملك: ملونة بالصبغ، وقيل: الصفيقة، والدسمة في
اللغة: الوسخة.
وقال ابن دريد وغيره فيها سواد(١)، وقيل: الغليظة، وليس بشيء.
وزعم الداودي أنها على ظاهرها وأنه لما نالها من عرقه في المرض.
وقوله: (فَثَابُوا إِلَيْهِ). أي رجعوا بعضهم إثر بعض، وقيل: أي
اجتمعوا.
وقوله: ( ((إِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ يَقِلُّونَ)) ) وفي رواية: ((حتى
يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام))(٢) هو من معجزاته وإخباره
عن المغيبات، فإنهم الآن فيهم قلة.
وقوله: ( ((فَمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ)) ) فيه: دلالة على أن
الخلافة لا تكون في الأنصار؛ لأنه وصَّى بهم، ولو كانت فيهم لوصَّاهم.
وقوله: (((وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيِّئْهِم)) ) أي: في غير الحدود وحقوق
الآدميين، والمراد بالحي هنا المدينة وما حولها.
= على الخفين. من حديث ثوبان.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ إنما
اتفقا على المسح على العمامة بغير هذا اللفظ. وقال الألباني في ((صحيح أبي
داود» (١٣٤): صحيح.
(١) ((الجمهرة)) ٦٤٧/٢. (دسم).
(٢) ستأتي برقم (٣٦٢٨) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام.

٥٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ثالثها : في فوائده:
فيه: الخروج إلى المسجد جوف الليل.
وفيه: صلاته النافلة جماعة.
وفيه: الفرار من القدر إلى القدر وليس ذَلِكَ ناج من القدر.
وفيه: أنه * كان إذا أراد المبالغة في الموعظة طلع المنبر فيتأسى به.
وفيه: الخطبة بالوصية، والخطبة بما قل من الثياب، وفيه: فضيلة
الأنصار .
وفيه: قبول خبر المرأة، وخبر المرأة عن المرأة، ورواية الرجل عن
المرأة، وعن امرأته.
وفيه: استجازة أسماء سؤال المصلي، ومخاطبته باليسير الذي لا
يشغله؛ لأنه مباح له الإشارة، حسبما صنعت عائشة.
وفيه: أن حكم النساء كان عندهم.
وفيه: الافتتان في القبر، وهو بمنزلة التكليف والعبادة، ومعناه:
إظهار العمل وإعلام بالمآل؛ لأن العمل والتكليف انقطع بالموت.
وفتنة الدجال بمعنى: التكليف والتعبد، وشبهها بها؛ لصعوبتها
وعظم المحنة بها وقلة الثبات.
وفيه: الخطبة للكسوف، وهو حجة لأبي حنيفة والشافعي(١)، وأبعد
(١) وهذا فيه نظر؛ فإن مذهب الأحناف أنه ليس في الكسوف خطبة، أنظر: ((الهداية))
٢٩٥/١، (بدائع الصنائع)) ٢٨٢/١، ((الاختيار)) ٩٦/١، (تبين الحقائق)) ١/
٢٢٩، (البناية)) ١٧١/٣، ((البحر الرائق)) ٢٩٢/٢، ((ملتقى الأبحر)) ١٢١/١،
((مجمع الأنهر)) ١٣٩/١، ((حاشية ابن عابدين)) ١٩٧/٢.
وانظر مذهب الشافعية في ((المهذب)) ٤٠٢/١، ((الوسيط)) ٣٤١/١، ((حلية
العلماء)» ٢٦٩/٢، ((البيان)) ٦٦٨/٢.

٥٥٧
- كتاب الجمعة
من قال: إنما استفتح كلامه بالحمد، وليس بخطبة والصلاة لها.
وفيه: أخذ المصلي الماء من جانبه، وصبه إياه على رأسه؛ وقال أبو
عبد الملك: قد يكون ذَلِكَ بعد فراغها.
وفيه: انصراف الإمام إذا تجلت الشمس.
وفيه: البداءة بالحمد والثناء.
وفيه: ما كان * من الرأفة بالمؤمنين، وائتلافه إياهم بالعطاء؛
ليحبب إليهم الإيمان، ولما له في ذَلِكَ من الأجر الجزيل.
وفيه: حلف الصادق ليؤكد.
وفيه: خطبة المريض إذا خاف الموت.
وفيه - كما قَالَ أبو جعفر -: لباس العصابة الدسمة، لما ينالها مما
يكون بالمريض من العرق، فهذه أربع وعشرون فائدة.
وفيه: أيضًا أن الموعظة تكون بعد الصلاة عشية.
واختلف العلماء في الخطبة: هل هي شرط لصحة الصلاة أو ركن
من أركانها أم لا؟ فعند عطاء والنخعي وقتادة وأبي حنيفة والشافعي
وأحمد والثوري وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي هي شرط في
الجمعة لا تصح بدونها(١).
قَالَ ابن قدامة في ((المغني)): ولا نعلم فيه مخالفًا إلا الحسن
البصري، فإنه قَالَ: تجزئهم جمعتهم (٢) خطب الإمام أو لم يخطب؛
لأنها صلاة عيدٍ، فلم يشترط لها الخطبة كصلاة الأضحى(٣).
(١) انظر: ((الأوسط)) ٥٩/٤-٦٠، ((المعونة)) ١٦٠/١، ((المغني)) ١٧٠/٣-١٧١.
(٢) كتب فوقها في الأصل: بيان جمعتهم.
(٣) («المغني)) ١٧١/٣.

٥٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قُلْتُ: وحكى ابن المنذر عن داود وعبد الملك المالكي مثل قول
الحسن، قَالَ القاضي: وروي ذَلِكَ عن مالك أيضًا (١)، وحكاه ابن
حزم أيضًا عن ابن سيرين.
قَالَ ابن حزم: وليست الخطبة فرضًا، فلو صلاها إمام دون خطبة
صلاها رکعتین جھرًا ولا بد.
وقال عطاء وطاوس ومجاهد: من لم يدرك الخطبة يوم الجمعة لم
يصلها. وقد أسلفنا ذَلِكَ؛ قَالَ: وروينا من طريق عبد الرزاق، عن
الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب قَالَ: الخطبة
موضع الركعتين، فمن فاتته الخطبة صلى أربعًا (٢).
احتج الجمهور بالاتباع، فإنه لو كان يخطب خطبتين. رواه جابر
وابن عمر(٣)، وقد قَالَ: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (٤)، ولأن كل
خطبة قيمت مقام ركعة إذا قلنا أنها تدل على الركعتين.
فرع: أركانها عند الشافعي خمسة: حمد لله، والصلاة على نبيه،
ولم أرَ هذا في خُطَبِهَ بَّه بعد الفحص، نعم رأيت في ((دلائل النبوة))
للبيهقي في باب المعراج من حديث عيسى بن ماهان، عن الربيع بن
(١) ((التفريع)) ٢٣٠/١، ((الذخيرة)) ٣٤١/٢، ((المنتقى)) ١٩٨/١.
(٢) ((المحلى)) ٥٧/٥- ٥٨.
(٣) سلف برقم (٩٢٠) كتاب: الجمعة، باب: الخطبة قائمًا. من حديث ابن عمر،
وحديث جابر بن سمرة رواه أحمد ٩١/٥ - ٩٢ بلفظ: كان رسول الله صل* يخطب
خطبتين، يخطب ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، وكانت خطبة رسول الله وَله
وصلاته قصدًا، والطبراني ٢٢٥/٢ (١٩٣٠)، ورواه مسلم مختصرًا (١٦٦)
كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة.
(٤) سبق برقم (٦٣١) كتاب: الأذان، باب: الأذان للمسافر، إذا كانوا جماعة،
والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع.

٥٥٩
=
= كتاب الجمعة
أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة، عن النبي وُّل عن ربه جل جلاله
في جمل أوصافه التي منحها تعالى له: ((وجعلت أمتك لا تجوز عليهم
خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي))(١).
وروى فيه في باب: أول خطبة خطبها حين قدم المدينة من حديث
أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قَالَ: كانت أول خطبة خطبها رسول
الله ﴿ بالمدينة. فذكرها، وقال في آخرها: ((والسلام على رسول الله
ورحمة الله وبر كاته))(٢).
وقراءة آية في إحداهما على الأصح والوصية بالتقوى والدعاء
للمؤمنين في الثانية على الأصح، ووقع في كلام ابن التين عن
الشافعي: أن يحمد الله ويسبح. ولم أر هذا في كلامه ولا كلام أحد
من أصحابنا
عنه فاحذره.
وقال أبو حنيفة: إن اقتصر على ذكر الله جاز(٣). وعن الشعبي أنه
كان يخطب بأقل أو أكثر (٤)، وفي ((قاضي خان)): التسبيحة الواحدة
تجزي في قول أبي حنيفة.
الآخر: وهو قول أبي يوسف الآخر إلا أنه يكون مسيئًا بغير عذر
لترك السنة، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يخطب خطبة خفيفة،
يحمد الله ويثني عليه، ويتشهد ويصلي على رسوله، ويعظ الناس
ويذكرهم، ويقرأ سورة(٥).
(١) ((دلائل النبوة)) ٣٩٧/٢ - ٤٠٢ وهي قطعة من حديث طويل.
(٢) ((دلائل النبوة)) ٥٢٤/٢.
(٣) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٣٦، ((المبسوط)) ٢/ ٣٠، ((بدائع الصنائع)) ٢٦٢/٢.
(٤) رواه عبد الرزاق ٢٢٢/٣ (٥٤١٢) كتاب: الجمعة، باب: وجوب الخطبة. وفيه :
ما قل أو كثر.
(٥) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٤٤/١-٣٤٥.

٥٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وعن مالك: إن سبح وهلل وصلى على نبيه فلا إعادة عليه، وعنه:
إن سبح فقط أعاد ما لم يصل، فإن صلى أجزا (١)، وعنه: يسبحون
واحدة، وهو قول الأوزاعي وأبي يوسف ومحمد وإسحاق وأبي ثور(٢).
قَالَ ابن حبيب: ولو لم يتم الأولى وتكلم بما خف من الثناء على الله
وعلى نبيه أجزا(٣).
وعن مالك: إن لم يخطب من الثانية ماله بال لم يجزءوا وأعادوا (٤)،
واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] ذكره
مطلقًا من غير قيد فأجزأ ما يسمى ذكرا.
قُلْتُ: الاتباع أولى، والشرط أن يكون عنده على قصد الخطبة حتى
لو عطس فقال: الحمد لله، على عطاسه لا ينوب عن ذَلِكَ، وحديث
الرجل الذي قَالَ: علمني عملًا أدخل به الجنة فقال: ((لئن أقصرت
في الخطبة لقد أعرضت في المسألة))(٥). لا دلالة فيه، وكذا ما ذكره
(١) انظر: ((عيون المجالس)) ٤٠٨/١، ((الذخيرة)) ٣٤٤/٢.
(٢) وهُذِه النسبة فيها نظر؛ لأنه عند أبي يوسف ومحمد لا يجزئ إلا ما يقع عليه اسم
الخطبة، قال النووي رحمه الله في ((المجموع)) ٤/ ٣٩٢: وقال الأوزاعي واسحاق
وأبو ثور وابن القاسم المالكي وأبو يوسف ومحمد ودواد: الواجب ما يقع عليه
أسم الخطبة.
وانظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٤٤/١، ((المبسوط)) ٣٠/٢، ((الهداية» ١/
٨٩، ((الأوسط)) ٦١/٤، ((حلية العلماء)) ٢٣٥/٢.
(٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٧٣/١.
(٤) أنظر: ((المدونة الكبرى)) ١٤٥/١، ((عيون المجالس)) ٤٠٩/١، ((الذخيرة)) ٢/
٣٤٤.
(٥) رواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده) ١٠٤/٢ (٧٧٥) وأحمد ٢٩٩/٤، والبخاري
في ((الأدب المفرد)) ص ٣٧ (٦٩) باب: فضل من يصل ذا الرحم الظالم، وابن
حبان في (صحيحه)) ٩٧/٢-٩٨ (٣٧٤) كتاب: البر والإحسان، باب: ما جاء في =