Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
- كتاب الجمعة
وفي ((الموطأ)) عن عمرو بن يحيى، عن ابن أبي سليط، عن عثمان
ابن عفان: صلى الجمعة بالمدينة وصلى العصر بملل. قال ابن أبي
سليط: وكنا نصلي الجمعة مع عثمان وننصرف وما للجدر ظل. قال
مالك: وذلك التهجير وسرعة السير (١).
وقال ابن حزم: بين المدينة وملل اثنان وعشرون ميلًا(٢)، ولا يجوز
البتة أن تزول الشمس ثم يخطب ويصلي الجمعة، ثم يمشي هذِه المسافة
قبل أصفرار الشمس، إلا من ركض ركض البريد(٣).
ولأن الجمعة عيد لقوله وقال: ((قد اجتمع في يومكم هذا عيدان))(٤)
ولقوله: ((إن هذا يوم جعله الله عيد المسلمين))(٥) فصار كالفطر
والأضحى، فیصح في وقتها، ولأنها جهر شابهته.
(١) ((الموطأ)) ص ٣٣.
(٢) ملل: بالتحريك ولامين، اسم موضع في طريق مكة بين الحرمين.
انظر: ((معجم البلدان)) ١٩٤/٥. و((معجم ما استعجم)) ١٢٥٦/٤.
(٣) ((المحلى)) ٣٤/٥.
(٤) رواه أبو داود (١٠٧٣) كتاب: الصلاة، باب: إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد،
وعبد الرزاق ٣٠٤/٣ - ٣٠٥ (٥٧٢٩) كتاب: صلاة العيدين، وابن الجارود ١/
٢٦٠ (٣٠٢) كتاب: الصلاة، باب: الجمعة، والحاكم ٢٨٨/١ - ٢٨٩ كتاب:
الجمعة، والبيهقي ٣١٨/٣ كتاب: صلاة العيدين، باب: اجتماع العيدين بأن
يوافق يوم العيد يوم الجمعة.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم فإن بقية بن الوليد لم يختلف في صدقه إذا
روى عن المشهورين، وهذا حديث غريب من حديث شعبة والمغيرة وعبد العزيز
وكلهم ممن يجمع حديثه. وقال الذهبي: صحيح غريب.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)» (٩٨٤).
(٥) رواه عبد الرزاق ١٩٧/٣ (٥٣٠١) كتاب: الجمعة، باب: الغسل يوم الجمعة
والطيب والسواك، والشافعي ١٣٣/١ (٣٩١) كتاب: الصلاة، باب: في صلاة
الجمعة، والبيهقي ٢٤٣/٣ و٣٤٥، كتاب: الجمعة.

٤٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
واحتج الجمهور بحديث أنس الأول: كان 385 يصلي الجمعة حين
تميل الشمس. وفي رواية: إذا مالت الشمس(١).
ورجح بعضهم حديثه هذا على حديثه الآخر بأمرين:
أحدهما: أن هذه الرواية أضافها أنس إلى زمنه ێ بخلاف الأخرى.
الثاني: أن قوله: (كنا نبكر). أي: نأتيها بكرة لأجل البدنة وما
بعدها، وكان يؤخر القيلولة إلى بعد صلاة الجمعة؛ لأنه لو قال قبلها
لفاتهم فضيلة البدنة، وهذا سبب إخراج البخاري له في هذا الباب.
واحتجوا أيضًا بحديث عائشة في الباب، وبحديث سلمة وجابر
السالف، وبحديث الزبير بن العوام: كنا نصلي مع رسول الله وَله
الجمعة ثم نبتدر الفيء فما يكون إلا موضع القدم أو القدمين. أودعه
الحاكم في ((مستدركه))، ثم قال: صحيح الإسناد(٢).
وروى ابن أبي شيبة، عن سفيان، عن عمرو، عن يوسف بن ماهك
قال: قدم معاذ مكة وهم يجمعون في الحجر، فقال: لا تجمعوا حتى
تفيء الكعبة من وجهها(٣).
ورواه الشافعي عن سفيان، وقال: وجهها الباب. يريد معاذ: حتى
تزول الشمس (٤).
(١) رواه أبو داود (١٠٨٤) كتاب: الصلاة، باب: في وقت الجمعة، وابن أبي شيبة
٤٤٥/١ (٥١٣٦) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقول: ومنها زوال الشمس
وقت الظهر، وأبو يعلى ٢٩٦/٧ (٤٣٢٩).
(٢) ((المستدرك)) ٢٩١/١ كتاب: الجمعة- ورواه أحمد ١٦٧/١. والبيهقي ٢٧١/٣
كتاب: الجمعة، استحباب التعجيل بصلاة الجمعة إذا دخل وقتها.
(٣) ((المصنف)) ٤٤٥/١ (٥١٤١) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقول: وقتها زوال
الشمس وقت الظهر.
(٤) ((الأم)) ١/ ١٩٤.

٤٨٣
كتاب الجمعة
=
وروى هشيم، عن منصور، عن الحسين قال: وقت الجمعة عند
الزوال(١). وعنه عن مغيرة عن إبراهيم قال: وقت الجمعة وقت
الظهر(٢). وبالآثار السالفة.
وقال ابن حزم: روينا عن ابن عباس: خرج علينا عمر حين زالت
الشمس، فخطب. يعني: للجمعة(٣).
وفي ((المصنف)) عن المغيرة، قال: وقت الجمعة وقت الظهر. وعن
بلال العبسي: أن عمارًا صلى بالناس الجمعة، والناس فريقان، بعضهم
يقول: زالت الشمس. وبعضهم يقول: لم تزل(٤).
وقال ابن عون: كانوا يصلون الجمعة في عهد عمر بن عبد العزيز
والفيء هنيهة.
وعن الحسن: وقت الجمعة عند زوال الشمس.
وعند ابن ماجه عن سعد القرظ قال: كان يؤذن على عهد رسول الله
** إذا كان الفيء مثل الشراك(٥)، وهو المعروف من فعل السلف
والخلف قاطبة.
قال الشافعي: صلى النبي ◌َّللر وأبو بكر وعمر وعثمان والأئمة
بعدهم كل جمعة بعد الزوال(٦)، وأما حديث جابر وما بعدها فكلها
(١) رواه ابن أبي شيبة ٤٤٥/١ (٥٤٣).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٤٤٦/١ (٥١٤٧). عن هشيم عن إبراهيم.
(٣) ((المحلى)) ٤٥/٥.
(٤) ((المصنف)) ٤٤٥/١ (٥١٤٣، ٥١٤٢، ٥١٤٠).
(٥) ((سنن ابن ماجه)) (١١٠١) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في وقت الجمعة.
وقال الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٢٢٧): ضعيف.
(٦) انظر: ((معرفة السنن والآثار)) ٣٣٥/٤.

٤٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
محمولة على شدة المبالغة في تعجيلها بعد الزوال من غير إبراد ولا غيره.
والإبراد بها ستعلمه بعد هذا إثر الباب.
وأما حديث سهل فلأنهم ندبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء
من ذلك قبلها خافوا فواتها أو فوات التبكير إليها، فكانوا يؤخرون
القيلولة والغداء في هذا اليوم إلى بعد الصلاة، وقد أسلفنا ذلك،
ويؤيده فعل عمر في حديث الطنفسة السالف، وأما الأثر عن أبي بكر
وعمر وعثمان فقد أسلفناها.
وادعى النووي الاتفاق على ضعفها قال: لأن ابن سيدان ضعيف
عندهم، كذا قال، وقد عرفت حاله. قال: ولو صح لكان متأولًا
لمخالفة الأحاديث الصحيحة(١).
وكأنه استند إلى قول ابن المنذر: الأثر عن أبي بكر وعمر وابن
مسعود في جواز صلاة الجمعة قبل الزوال لا يثبت (٢). وقال ابن
بطال: الآثار عن هؤلاء الصحابة لا تثبت (٣).
وكذا قال ابن التين، ثم الجمعة لا تخلو إما أن تكون ظهر اليوم
فوقتها لا يختلف، أو بدلًا عنها فكذلك؛ لأن الأبدال لا تتقدم
مبدلاتها، كالقصر في السفر لا يخرج الصلاة عن أوقاتها.
وقد أسلفنا أن البخاري إنما صدر الباب بالصحابة؛ لأنه قد روي
عنهم خلافه من طريق لا يثبت، وهو أولى من قول أبي عبد الملك؛
لأنه لم يجد من الشارع في وقت صلى فيه حديثًا (٤)؛ بل هو عجيب،
فقد ذکر فیه حديث أنس، وهو صريح فيه.
(١) ((المجموع)) ٣٨١/٤.
(٢) ((الأوسط)) ٣٥٥/٢.
(٤) انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر ٣٨٨/٢.
(٣) (شرح ابن بطال)) ٢/ ٤٩٧.

٤٨٥
كتاب الجمعة
=
١٧- باب إِذَا اشْتَذَ الحَرُّ يَوْمَ الجُمُعَةِ
٩٠٦- حَدَّثَنَا يُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ المُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةً قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ - هُوَ: خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ - قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ
وَلَّهِ إِذَا اشْتَدَّ البَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلاَةِ، وَإِذَا أَشْتَدَّ الَحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلاَةِ. يَغْنِي: الْجُمُعَةَ. قَالَ
يُونُسُ بْنُ بُكَثِرٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ فَقَالَ: بِالصَّلاَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمُعَةَ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ
ثَابِتٍ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الْجُمُعَةَ ثُمَّ قَالَ لِأَنَّسِ ﴾: كَيْفَ كَانَ
النَّبِيُّ ◌َهِ يُصَلِي الظُّهْرَ؟ [فتح: ٣٨٨/٢]
ذكر فيه حديث حرمي بن عمارة عن أبي خلدة خالد بن دينار:
سَمِعْتُ أَنَسَا يَقُولُ: كَانَ رسول الله وَّهِ إِذَا أَشْتَدَّ البَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلاَةِ،
وَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلاَةِ، يَعْنِي: الجُمُعَةَ. وقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ:
أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ فَقَالَ: بِالصَّلاَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الجُمُعَةَ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ
ثَابِتٍ: ثَنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الجُمُعَةَ ثُمَّ قَالَ لِأَنَسٍ ﴾:
كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ وَهِ يُصَلِّيِ الظّهْرَ؟
الشرح :
هذا الحديث انفرد به عن مسلم، وأخرجه النسائي (١) وفي روايةٍ أن
الحكم بن أيوب أخر صلاة الجمعة، فتكلم يزيد الضبي، ونادى أنس بن
مالك: يا أبا حمزة، شهدت الصلاة مع رسول الله وَلقر وشهدت الصلاة
معنا، فكيف كان يصلي؟ الحديث(٢).
وأخرجه الإسماعيلي كذلك بلفظ: الصلاة فقط. ثم أسند تعليق
يونس عن أبي الحسن الصوفي: ثنا أبو هشام عن يونس بلفظ: إذا
(١) ((سنن النسائي)) ٢٤٨/١ كتاب: المواقيت، باب: تعجيل الظهر في البرد.
(٢) رواه البيهقي ١٩١/٣ كتاب: الجمعة، باب: من قال: يبرد بها إذا اشتد الحر.

٤٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد بكّر بها. يعني: الظهر.
وأسنده البيهقي أيضًا من حديث عبيد بن يعيش عنه بلفظ الصلاة
فقط(١). ثم أسند تعليق بشر بن ثابت -أعني: الإسماعيلي - من حديث
إبراهيم بن مرزوق، عن بشر، عنه، عن أنس بلفظ: إذا كان الشتاء
يبكر بالظهر، وإذا كان الصيف أبرد بها، ولكن يصلي العصر
والشمس بيضاء نقية. وأخرجه البيهقي أيضًا(٢).
وأبو خلدة (خ.د.ت.س) بإسكان اللام، ثقة مأمون، روى له
البخاري هذا الحديث الواحد، مات سنة اثنتين وخمسين ومائة. ذكره
ابن نافع، وذكر عبد الغنى في ((الكمال)) أن أحمد بن حنبل قال:
شيخ ثقة(٣). وهذا إنما قاله في خالد بن دينار أبي الوليد فاعلمه.
وروى له ابن ماجه والبخاري في ((أفعال العباد)»، وبشر بن ثابت
بصري بزار ثقة، ذكره ابن حبان في ((ثقاته)). وقال أبو حاتم:
مجهول، ويونس بن بكير الكوفي الجمال احتج به مسلم، مات مع
(١) ((السنن الكبرى)) ١٩١/٣ - ١٩٢ كتاب: الجمعة، باب: من قال: يبرد بها.
(٢) ((السنن الكبرى)) ١٩١/٣ - ١٩٢.
(٣) هو خالد بن دينار التميمي السعدي، أبو خلدة البصرى الحناط.
قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: صالح وقال عثمان بن سعيد، عن
يحيى: ثقة.
قال أبو زرعة: أبو خلدة أحب إليَّ من الربيع بن أنس. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن
حجر : صدوق.
روى له الجماعة سوى مسلم وابن ماجه.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير» ١٤٧/٣ (٥٠٠). و((ثقات العجلي)) ٣٣٠/١
(٣٨٦). و((الجرح والتعديل)) ٣٢٧/٣ (١٤٧١). و(تهذيب الكمال)) ٥٦/٨
(١٦٠٦). و((التقريب)) (١٦٢٧).

٤٨٧
- كتاب الجمعة
عبد الله بن نمير سنة تسع وتسعين ومائة(١).
وهذا الباب في معنى الذي قبله: أن وقتها وقت الظهر، وأنها تصلى
بعد الزوال، ويبرد بها في شدة الحر، ولا يكون الإبراد إلا بعد تمكين
الوقت، والإبراد بها وجه قوي، وإن كان المشهور في المذهب
خلافه(٢).
وقد أسلفنا في الباب قبله بأن الأحاديث السالفة محمولة على
المبالغة في التعجيل من غير إبراد ولا غيره.
وقال ابن قدامة في ((المغني)): لا فرق في استحباب إقامتها عقب
الزوال بين شدة الحر وبين غيره، فإن الجمعة يجتمع لها الناس، فإذا
أنتظروا غيرهم شق عليهم، وكذلك كان ◌َّ و يصليها إذا زالت الشمس
شتاءً وصيفًا على ميقات واحد(٣).
(١) هو بشر بن ثابت البصرى، أبو محمد البزار روى عنه، إبراهيم بن مرزوق البصري.
قال ابن أبي حاتم: بشر بن ثابت، سئل أبى عنه فقال: مجهول. وقال بشر بن آدم
حدثنا بشر بن ثابت، وكان ثقة. وذكره أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات. وقال
ابن حجر: صدوق من التابعة. أنظر: ((الجرح والتعديل)) ٣٥٢/٢ (١٣٣٨).
و ((الثقات)) ١٤١/٨. و((تهذيب الكمال)) ٩٧/٤ (٦٨٠) و((إكمال مغلطاي)) ٣٩١/٢
(٧٢٣) وقال ابن حجر في ((التقريب)) (٦٧٨)
(٢) انظر: ((المجموع)) ٦٣/٣، ((الإعلام)» ٣٥٨/٣.
(٣) ((المغني)) ١٥٩/٣.

٤٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
١٨- باب الْمَشْيٍ إِلَى الْجُمُعَةِ
وَقَوْلِ اللهِ: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَمَنْ قَالَ:
السَّعْيُ: الْعَمَلُ وَالذَّهَابُ، لِقَوْلِهِ الله تَعَالَى: ﴿وَسَعَى لَهَا
سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: يَحْرُمُ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: تَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ: إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهْوَ مُسَافِرٌ فَعَلَيْهِ
أَنْ يَشْهَدَ.
٩٠٧ - حَدَّثَنَا عَلَيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ
أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ قَالَ: أَذْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ وَأَنَّا أَذْهَبُ إِلَى الْجُمُعَةِ
فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ: ((مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى
الثَّارِ)). [٢٨١١ - فتح: ٢ / ٣٩٠]
٩٠٨- حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ بَهِ. وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ
الهِ ◌َِّ يَقُولُ: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، عَلَيْكُمُ
السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُوا)). [انظر: ٦٣٦ - مسلم: ٦٠٢ - فتح:
٣٩٠/٢]
٩٠٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَليَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْبَارَكِ،
عَنْ يَجْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ- لاَ أَعْلَمُهُ إِلَّ عَنْ أَبِيهِ - عَنِ النَّبِيِّ
وَِّ قَالَ: ((لاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ)). [انظر: ٦٣٧ - مسلم: ٦٠٤ -
فتح: ٣٩٠/٢]
ثم ساق ثلاثة أحاديث:

٤٨٩
كتاب الجمعة
=
أحدها :
حديث يَزِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ثَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةً قَالَ: أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ
وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الْجُمُعَةِ فَقَالَ: سَمِعْتُ رسول اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((مَنِ اغْبَرَّتْ
قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ» .
ثانیھا :
حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ .. ))
الحدیث.
ثالثها :
حديث عبد الله بن أبي قتادة - أراه عن أبيه- مرفوعًا: ((لاَ تَقُومُوا حَتَّى
تَرَوْنِي، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ)).
الشرح:
السعي في لسان العرب: الإسراع في المشي والاشتداد فيه (١)، ومنه
حديث أبي هريرة، كذا ذكره الهروي وغيره (٢)، والعمل أيضًا. قال
تعالى: ﴿وَسَعَى لَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] وقال: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ
فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] وقال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَّةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:
١٠٧].
وقال ابن سيده: السعي: عدو دون الشد، سعى يسعى سعيًا،
والسعي: الكسب، وكل عمل من خير أو شر سعي (٣)، والفعل
كالفعل. وذهب مالك وما حكاه ابن التين إلى أن المشي والمضي
(١) ((لسان العرب)) ٢٠١٩/٤.
(٢) أنظر: ((غريب الحديث)) ٢٣٠/٢. و((النهاية)) ٣٦٩/٢ - ٣٧٠.
(٣) ((المحكم)) ١٥٩/٢.

٤٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
يسميان سعيًا من حيث شدته أو غيره فقد سعى، وأما السعي بمعنى
الجري فهو الإسراع، يقال: سعى إلى كذا. بمعنى: العدو والجري،
فيتعدى بـ (إلى)، وإن كان بمعنى العمل تعدى باللام، قال تعالى:
﴿وَسَعَى لَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] وإنما يتعدى سعي الجمعة بـ (إلى)
لأنه بمعنى المضي (١).
وقال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، وقد نهوا أن
يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنيات
والخشوع. وإلى هذا ذهب مالك وأكثر العلماء، وهو مذهب البخاري،
وكان عمر وابن مسعود يقرآن: (فامضوا إلى ذكر الله)(٢). قالا ولو
قرأناها: ﴿فَأَسْعَوْا﴾ لسعينا حتى يسقط رداؤنا(٣).
وقال عمر لأُبي وقرأ: ﴿فَأَسْعَوْا﴾: لا يزال يقرأ المنسوخ. كذا ذكر
ابن الأثير، والذي في ((تفسير عبد بن حميد)): قيل لعمر: إن أبيًّا يقرأ:
﴿فَأَسْعَوْا﴾. فقال عمر: أَبي أعلمنا بالمنسوخ. وكان يقرأ: (فامضوا)(٤).
وفي ((المعاني)) للزجاج: وقرأ أُبي وابن مسعود: (فامضوا).
وكذا ابن الزبير فيما ذكره ابن التين عن النحاس، وقد رويت عن عمر
-كما في ((الموطأ)) (٥)- لكن اتباع المصحف أولى ولو كان عند عمر
فامضوا لا غير، فغيرَّوا في المصحف.
(١) انظر: ((غريب الحديث)) ٢٣٠/٢. و((النهاية)) ٣٦٩/٢ - ٣٧٠.
(٢) (شواذ القرآن)) لابن خالويه ص ١٥٧.
(٣) رواه عبد الرزاق ٢٠٧/٣ (٥٣٤٩، ٥٣٥٠) كتاب: الجمعة، باب: السعي إلى
الصلاة، والطبراني ٩/ ٣٠٧. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٧/ ٢٦٤: رواه
الطبراني، وإبراهيم لم يدرك ابن مسعود، ورجاله ثقات.
(٤) انظر: ((تفسير الطبري)) ٩٤/١٢ (٣٤١٠٣).
(٥) ((الموطأ)) ص ٨٧.

٤٩١
كتاب الجمعة
=
والدليل على أن معنى السعي: التصرف في كل عمل قوله تعالى:
[النجم: ٣٩] فلا اختلاف في أن
﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى
معناه: وأن ليس للإنسان إلا ما عمل. وعن ابن عباس: ليس السعي
إليها بالرجلين ولكن نقول: امضوا إليها(١).
والذكر: صلاة الجمعة. وفي ((تفسير أبي القاسم الجوزي)) المسمى
((بالإفصاح)): ﴿فَأَسْعَوْا﴾ أي: (٢) فاقصدوا إلى صلاة الجمعة.
قال ابن التين: ولم يذكر أحد من المفسرين أنه: الجري. واحتج به
الزهري لما سأله مالك عن معنى الآية(٣).
واحتج بها الزهري، وإن لم تكن في المصحف؛ لأنها تجري عن
جماعة من الأصوليين مجرى خبر الآحاد سواء أسندها القارئ أو لم
يسندها، وذهبت طائفة إلى أنها لا تجري مجرى خبر الآحاد إلا إذا
أسندت للشارع، وذهب القاضي أبو بكر إلى أنه لا يجوز القراءة بها
ولا العمل بمتضمنها، وهو أبین.
وللسعي وقتان: مستحب، وقد سلف، وواجب، وهو وقت النداء،
وينبغي أن يقال: إن قلنا حضور الخطبة واجب فيجب رواحه بعدما يعلم
أنه يحصل؛ ليحضرها، وإن قلنا: غير واجب. راح بقدر ما يدرك
الصلاة، ذكره ابن التين نصًّا، قال: ونحوه للشيخ أبي إسحاق.
وقوله: (﴿مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾﴾ [الجمعة: ٩] أي: في يومها.
وأما أثر ابن عباس: (يحرم البيع حيننذٍ) فقال ابن حزم: رويناه من
(١) أخرجه عبد بن حميد كما في ((الدر المنثور)) ٣٢٩/٦.
(٢) في الأصل: أن.
(٣) ((الموطأ)) ص ٨٧.

٤٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
طريق عكرمة عنه: لا يصلح البيع يوم الجمعة حين ينادى بالصلاة، فإذا
قضيت الصلاة فاشتر وبع(١).
وأما أثر عطاء: (تحرم الصناعات كلها) فأخرجه عبد بن حميد
الكشي في ((تفسيره الكبير)) عن روح، عن ابن جريج قال: قلت
لعطاء: هل من شيء يحرم إذا نودي بالأولى سوى البيع؟ فقال عطاء:
إذا نودي بالأولى حرم اللهو والبيع، والصناعات كلها بمنزلة البيع،
وأن يأتي الرجل أهله، وأن يكتب كتابًا(٢).
وأما أثر الزهري فأخرج أبو داود في («مراسيله)) من حديثه أنه خرج
السفر يوم الجمعة من أول النهار، فقيل له في ذلك فقال: إن النبي وَّل
خرج لسفر يوم الجمعة من أول النهار(٣). وهذا منقطع.
ورواه ابن أبي شيبة من طريقه بغير واسطة بين ابن أبي ذئب وبينه(٤)،
خلاف رواية أبي داود، وقال ابن المنذر: اختلف فيه عن الزهري وقد
روي عنه مثل قول الجماعة أنه لا جمعة على مسافر(٥). وحكاه ابن بطال
عنه وقال: أكثر العلماء أنه لا جمعة عليه(٦).
وحكاه ابن أبي شيبة عن علي وابن عمر ومكحول وعروة بن
المغيرة(٧). وغيره من أصحاب عبد الله وأنس وعبد الرحمن بن سمرة
(١) ((المحلى)) ٨١/٥.
(٢) رواه عبد بن حميد كما في ((الدر المنثور)) ٦/ ٣٣٠.
(٣) ((مراسيل أبي داود)) ص ٢٣٧ (٣١٠) باب: في فضل الجهاد.
(٤) ((المصنف)) ٤٤٣/١ (٥١١٣) كتاب: الصلوات، باب: من رخص في السفر يوم
الجمعة.
(٥) («الأوسط)) ٢٠/٤ - ٢١.
(٦) (شرح ابن بطال)) ٢/ ٤٩٠.
(٧) ((المصنف)) ٤٤٢/١ (٥٠٩٥- ٥٠٩٨، ٥١٠٥) كتاب: الصلوات، باب: من قال
ليس على المسافر جمعة.

٤٩٣
كتاب الجمعة
وإبراهيم النخعي وعبد الملك بن مراون وابن مسعود والشعبي وعمر بن
عبد العزيز.
وقال ابن التين في قول الزهري السالف: إن أراد وجوبها عليه فهو
قول شاذ.
وأما حديث أبي عبس فيأتي -إن شاء الله تعالى- في أوائل الجهاد
أيضًا(١)، وأخرجه النسائي(٢) والترمذي فيه وقال: حسن صحيح
غريب(٣). وأبو عبس (خ.ت.س) اسمه عبد الرحمن بن جبر، وفي
الباب عن أبي بكر ورجل من أصحاب رسول الله وَله. ويزيد بن أبي
مريم شامي(٤)، وبريد بن أبي مريم كوفي، أبوه من أصحاب رسول
الله وَل﴾، واسمه مالك بن ربيعة(٥).
(١) برقم (٢٨١١) باب: من أغبرت قدماه في سبيل الله.
(٢) ((السنن الكبرى)) ١١/٣ (٤٣٢٤) كتاب: الجهاد، باب: ثواب من أغبرت قدماه
في سبيل الله.
(٣) سنن الترمذي (١٦٣٢) .
(٤) يزيد بن أبي مريم بن أبي عطاء، ويقال يزيد بن ثابت بن أبي مريم بن أبي عطاء،
الشامي.
قال عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين وعن دحيم: ثقة. وقال أبو
زرعة: لا بأس به. وقال الدارقطني: ليس بذاك. وذكره ابن حبان في كتاب
((الثقات)). وقال ابن حجر في ((مقدمة فتح الباري)): هذا جرح غير مفسر فهو مردود
وليس له في البخاري سوى حديث واحد أخرجه في الجهاد والجمعة من رواية
الوليد بن مسلم ويحيى بن حمزة: كلاهما عن يزيد بن أبي مريم عن عباية بن رافع
عن أبي عيسى بن جبر في فضل من أغبرت قدماه في سبيل الله ساعة.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير» ٣٦١/٨ (٣٣٣٩). و ((الحرج والتعديل)) ٢٩١/٩
(١٢٤٣). و((الثقات)) لابن حبان ٥٣٦/٥. و((تهذيب الكمال)) ٢٤٣/٣٢ (٣٠٤٩).
هدي الساري ص ٤٥٣.
(٥) بريد بن أبي مريم، واسمه مالك بن ربيعة السلولي البصري. وقال أبو بكر بن أبي =

٤٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قلت: ويزيد بالمثناة تحت في أوله لا بالباء الموحدة، ذاك ليس في
الصحيحين، بل في السنن الأربعة، تابعي ثقة كوفي، وهذا شامي، مات
الشامي سنة أربع وأربعين ومائة.
وأبعد من قال: اسم أبي عبس عبد الله. وقيل: كان اسمه في
الجاهلية: عبد العزى. فسمي في الإسلام عبد الرحمن، شهد بدرًا
وما بعدها، وهو أنصاري أوسي، وعنه: ابنه زيد والدميمون، وابن
ابنه أبو عبس بن محمد بن أبي عيسى بن جبر، وهو الذي قتل كعب
ابن الأشرف فيمن معه، مات سنة أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان
ابن عفان وهو ابن سبعين سنة، ودفن بالبقيع. وقيل: كان يكتب
بالعربية قبل الإسلام، انفرد به البخاري، وكان من كتاب الصحابة.
وشيخ البخاري فيه هو ابن المديني، وقد روى البخاري أيضًا عن
علي بن عبد الله بن إبراهيم، ولكن ذاك إنما روى له حديثًا واحدًا في
النكاح(١)، وهو دال على أن المشي للجمعة أفضل، وكذلك الأعمال
الصالحة إذا أريد بها وجه الله فكلها في سبيله، فإن منعه ماءٌ أو طين
كان له حينئذٍ أن يركب إليها إذا شاء.
وكان أبو هريرة يأتى الجمعة ماشيًا من ذي الحليفة، وكان عبد الله
ابن رواحة يأتيها ماشيًا، فإذا رجع إن شاء ماشيًا، وإن شاء راكبًا.
وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون الركوب إلى الجمعة والعيدين،
خيثمة عن يحيى بن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقةٌ. وقال أبو حاتم: صالح.
=
((التاريخ الكبير)) ١٤٠/١ (١٩٧٥). و((الجرج والتعديل)) ٤٢٦/٢ (١٦٩٣).
((الثقات)) ٤/ ٨٢. وتهذيب الكمال ٥٢/٤ (٦٦٠).
(١) يأتي هذا الحديث برقم (٥١٧٩) كتاب: النكاح، باب: إجابة الداعي في العرس
وغيره.

٤٩٥
كتاب الجمعة
=
ذكره ابن أبي شيبة(١).
وفي ((الفضل)) لحميد بن زنجويه حديث من طريق الصديق: إن
المشي إليها بكل قدم كعمل عشرين سنة، فإذا فرغ من الجمعة أجير
بعمل مائتي سنة.
وأما حديث أبي هريرة فسلف في باب: ما أدركتم فصلوا(٢). وإنما
ذكره هنا لأجل قوله: (وأنتم تسعون)، وإن السعي هو المشي لا العدو،
فيكون مفسرًا للآية، كذا قاله شيخنا قطب الدين في ((شرحه))، وليس
بجيدٍ، والظاهر أن المراد بالسعي هنا: العدو.
وكذا فسره ابن بطال في ((شرحه)) قال: وممن كان يسعى إذا سمع
أنس بن مالك(٣)، وكذا قال ابن التين: السعي هنا الجري. منع منه
في الإتيان؟ لما فيه من ترك الوقار والشروع فيها. أما ما لا ينافي
الوقار لمن خاف فوت بعض الصلاة، فهو مندوب إليه.
وقال مالك: فيمن سمع مؤذن الحرس يحرك قدميه للإدراك: لا بأس
به. ومعناه أن يسرع دون جري يخرج عن حد الوقار، ودليل ذلك حديث
((الموطأ)) أن ابن عمر سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي إلى
المسجد (٤). هذا قول القاضي أبي الوليد.
وقال الداودي الخطا تكثر مع السكينة وتترك مع السرعة، كما جاء
في الحديث الآخر: ((يكتب بكل خطوة حسنة ويمحى عنه سيئة وترفع له
درجة»(٥).
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٦٧ (٥٤٠٦) كتاب الصلوات، باب: من كان يحب أن يأتي
الجمعة ماشيًا.
(٢) برقم (٦٣٦) كتاب: الأذان.
(٤) ((الموطأ)» ص ٦٨.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٤٩٩/٢.
(٥) رواه أحمد ٢٨٣/٢.

٤٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: ( ((فما أدركتم فصلوا)) ) يقتضي الدخول مع الإمام على الهيئة
التي يوجد عليها وإن كان مما لا يعتد به كالسجدة التي فاتت ركعتها،
فإنه مما أدرك فعله.
وقوله: ( (فأتموا)) ). كذا رواها الأكثرون عن الزهري، وروى ابن
عيينة عنه: ((فاقضوا)) ويبنى عليهما ما أدركه المسبوق هل هو أول صلاته
أم لا؟ وقد سلف في موضعه.
وأما حديث أبي قتادة فتقدم في باب: متى يقوم الناس إذا رأوا
الإمام عند الإقامة من حديث أبي قتادة من غير ظن (١)؛ فإنه قال هنا:
أراه عن أبيه.
وشيخ شيخ البخاري فيه أبو قتيبة، وهو سلم بن قتيبة، انفرد به
البخاري، بصري، مات هو وحرمي بن عمارة وأبو أسامة سنة إحدى
ومائتين، كذا بخط الدمياطي عن ابن أبي عاصم. وقال المزي: سنة
مائتين
(٢)
وفيه قول ثالث، وهو قول ابن قانع: سنة اثنتين ومائتين.
ووقع في ((الكمال)) وتبعه ((التهذيب))(٣): نسبة سلم هذا الفريابي
وصوابه: العرماني بعينٍ وراءٍ مهملتين، ثم ميم، ثم ألف ثم نون،
كما نبه عليه الرشاطي، نسبة إلى عرمان بن عمرو بن الأزد(٤).
قال الداودي: فيه أن الصلاة تقام والإمام في داره إذا كان يسمع
الإقامة، وفيه: أن يقام إلى الصلاة بالسكينة كما يفعل فيها.
(١) برقم (٦٣٧) كتاب: الأذان.
(٢) ((تهذيب الكمال)) ٢٣٢/١١ - ٢٣٥ (٢٤٣٣).
(٣) ((تهذيب الكمال)) ٢٣٢/١١ (٢٤٣٣).
(٤) قاله مغلطاي في «إکمال تهذيب الكمال)) ٤٣٢/٥.

٤٩٧
كتاب الجمعة
=
وقوله: ( ((حتى تروني))) يريد: لأنه قد يبطئ لوضوء يجدده أو
غيره، فكره أن ينتظروه قيامًا. وقال أبو عبد الملك: إنهم إذا قاموا
عنوة للإحرام، وذهب التوقير الذي أمروا به. قال مالك: ليس لقيام
الناس عند الإقامة حد، منهم الثقيل والخفيف(١).
وقال الشافعي: يقومون إذا قال: قد قامت الصلاة. وحكاه ابن
حبيب عن ابن عمر، كذا حكاه ابن التين عن الشافعي، ومشهور
مذهبه خلافه (٢).
إذا تقرر ذلك فالكلام على ما ذكره فيه من الأحكام من أوجه:
أحدها :
في البيع وقت النداء، فعندنا: يحرم على من تجب عليه الجمعة
التشاغل بالبيع وغيره بعد الشروع في الأذان بين يدي الخطيب، فإن
باع صح، ويكره قبل الأذان بعد الزوال(٣).
وعبارة الزجاج: البيع من وقت الزوال من يوم الجمعة إلى انتفاء
الصلاة كالحرام.
وقال الفراء: إذا أذن المؤذن حرم البيع والشراء، لأنه إذا أمر بترك
البيع فقد أمر بترك الشراء؛ لأن المشتري والبائع يقع عليهما البيعان.
(١) انظر: ((الاستذكار)) ١٠٠/٣.
(٢) لم نقف على هذا القول، ومذهب الشافعية أن المأموم لا يقوم حتى يفرغ المؤذن
من الإقامة.
انظر: ((حلية العلماء)) ٦٩/٢، ((البيان)) ١٥٩/٢، ((المجموع)) ٢٣٣/٣.
لكن قال الماوردي رحمه الله :
ينبغي لمن كان منهم شيخًا بطيء النهضة أن يقوم عند قوله: قد قامت الصلاة، ومن
كان شابا سريع النهضة أن يقوم بعد فراغه من الإقامة. ((الحاوي)) ٥٩/٢.
(٣) انظر: ((حلية العلماء)) ٢٢٨/٢ - ٢٢٩، ((المجموع)) ٣٦٦/٤.

٤٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفي ((تفسير إسماعيل بن زياد الشامي)) عن محمد بن عجلان عن
أبي الزبير عن جابر مرفوعًا: ((تحرم التجارة عند الأذان، ويحرم الكلام
عند الخطبة، ويحل الكلام بعد الخطبة، وتحل التجارة بعد الصلاة))
الحدیث.
وذكر عند سبب نزول الآية الكريمة أن رجلين من الصحابة كانا
يختلفان في تجارتهما إلى الشام، فربما قدما يوم الجمعة ورسول الله
وَ﴾، يخطب، فيدعانه ويقومان فيما هما إلا بيعًا حتى تقام الصلاة،
فأنزل الله: ﴿وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فحرم عليهما ما كانا قبل
ذلك (١). رواه عن عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عبيدة، عن
محمد بن كعب القرظي، فذكره.
وعن قتادة: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة حرم البيع والشراء (٢).
وعن الضحاك: إذا زالت الشمس(٣). وعن عطاء والحسن مثله (٤).
وعن أيوب: لأهل المدينة ساعة يوم الجمعة ينادون: حرم البيع.
وذلك عند خروج الإمام.
وعن ميمون بن مهران: كان ذلك إذا أذن المؤذن. وابتاع أهل القاسم
بن عطاء شيئًا، وخرج القاسم إلى الجمعة فوجد الإمام قد خرج، فلما
رجع أمرهم أن يتناقضوه.
(١) عزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٢٩/٦ لعبد بن حميد من رواية محمد بن كعب.
(٢) رواه عبد الرزاق ١٧٨/٣ (٥٢٢٥) كتاب: الجمعة، باب: وقت الجمعة.
(٣) رواه عبد الرزاق ١٧٧/٣ (٥٢٢٣) كتاب: الجمعة، باب: وقت الجمعة.
وابن أبي شيبة ١/ ٤٦٥ (٥٣٨٥) كتاب: الصلوات، باب: الساعة التي يكره فيها
الشراء والبيع.
(٤) رواهما ابن أبي شيبة ٤٦٥/١ (٥٣٨٦).

٤٩٩
كتاب الجمعة
=
وفي ((المصنف)) عن مسلم بن يسار: إذا علمت أن النهار قد انتصف
يوم الجمعة، فلا تبتاعنَّ شيئًا.
وكان عمر بن عبد العزيز يمنع الناس البيع يوم الجمعة إذا نودي
بالصلاة. وعن مجاهد: من باع شيئًا بعد الزوال يوم الجمعة، فإن بيعه
مردود. وعن برد: قلت للزهري: متى يحرم البيع والشراء يوم
الجمعة؟ فقال: كان الأذان عند خروج الإمام. فأحدث عثمان التأذينة
الثالثة، فأذن على الزوراء ليجمع الناس، فأرى أن يترك البيع والشراء
عند التأذينة، وعن الشعبي في الساعة التي ترجى في الجمعة قال:
فيما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل(١).
وفي ((الهداية)) للحنفية: إذا أذن المؤذن الأذان الأول ترك الناس
البيع وتوجهوا إلى الجمعة للآية، ولا اعتبار بالأذان قبل الزوال، وفي
النافع لهم إن كان أذان يكون قبل الزوال، فذاك غير معتبر، والمعتبر
الأذان بعد الزوال(٢).
وذكر الرازي عن مسروق والضحاك، ومسلم بن يسار أن البيع يحرم
بالزوال. وروي ذلك عن عطاء والقاسم، والحسن، ومجاهد، وقالت
طائفة: عند النداء الثاني والإمام على المنبر. رواه ابن القاسم عن
مالك، وأنكر منع الناس البيع قبل ذلك(٣).
ثم اختلفوا في جواز البيع وقت النداء، فقال أبو حنيفة وصاحباه
وزفر والشافعي: يجوز مع الكراهة. وهو قول الجمهور، كذا حكي
(١) ((المصنف)) ٤٦٥/١ - ٤٦٦ (٥٣٩١، ٥٣٨٩، ٥٣٨٨، ٥٣٨٣) كتاب: الصلوات،
باب: الساعة التي يكره فيها الشراء والبيع.
(٢) ((الهداية)) ١/ ٩١.
(٣) أنظر: ((المدونة)) ١٤٤/١، ((النوادر والزيادات)) ٤٦٨/١.

٥٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
عن الشافعي، ولعل المراد بها التحريم، وبالصحة قال أبو حنيفة
وأصحابه أيضًا (١). وقال أحمد وداود والثوري ومالك في رواية عنه:
(٢)
لا يصح(٢).
قال الثوري: البيع صحيح، وفاعله عاص؛ لأن النهي لم يقع على
البيع، وإنما جرى ذلك البيع لأنهم كانوا يشتغلون بالتجارة عن الجمعة،
والمعنى المقصود من ذلك: كل ما منع من إتيانها فالإجماع قائم على أن
المصلي لا يحل له في صلاته بيعٌ ولا شراء، فإن خالف صح وكان
عاصيًا. أي: وتبطل إن كان بلفظ الخطاب.
وروى ابن القاسم عن مالك أن البيع مفسوخ، وهو قول أكثر
المالكية، کما حكاه ابن التین، وروى عنه ابن وهب وعلي بن زياد:
بئس ما صنع وليستغفر الله(٣). وقال عنه علي: ولا أرى الربح فيه حرامًا.
قال ابن القاسم: لا يفسخ ما عقد حينئذٍ من النكاح ولا تفسخ الهبة
والصدقة والرهن والحمالة. وقال أصبغ: يفسخ النكاح(٤).
قال: ابن التين: كل من لزمه النزول للجمعة يحرم عليه ما يمنعه منه
من بيع، أو نكاح، أو عمل. قال: واختلف في النكاح والإجازة قال:
(١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٦٢/٣، ((البناية)) ٢٨٠/٧، ((البحر الرائق)» ٦/
١٦٥، ((الأم)) ١٧٣/١، ((حلية العلماء)) ٢٢٨/٢، ((البيان)) ٥٥٨/٢، ((المجموع))
٤/ ٣٦٧.
(٢) انظر: ((المدونة)) ١٤٣/١، ((التفريع)) ٢٣٣/١، ((المعونة)) ١٦٦/١، ((المستوعب))
١٨/٣، (المغني)) ١٦٣/٣، ((فتح الباري)) لابن رجب ١٩٤/٨.
(٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٦٩/١ - ٤٧٠، ((المنتقى)) ١٩٥/١، ((حاشية
الدسوقي» ٣٨٨/١.
(٤) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٦٩/١، ((الأخيرة)) ٣٥٢/٢، ((مواهب الجليل)) ٢/
٥٥٦.