Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب الأذان
=
قُلْتُ: ولا يقدح ذَلِكَ إِذَا كان الراوي عنه ثقة عند الجمهور خلافًا
للکرخي.
و(أبو معبد) اسمه: نافذ - بالذال المعجمة - مات سنة أربع أو تسع
ومائة(١)، والحديث دال عَلَى ما ترجم له.
ووجهه تقريره ◌َل﴿ ذَلِكَ من غير تكبر منه، وإن نقل عن مالك وعبيدة
أنه محدث، فالسلف على خلافه.
ووجه الجهر التعليم، ثمَّ ظاهره المداومة.
قَالَ الشافعي: وأختار للإمام والمأموم أن يذكر الله تعالى من الفراغ
من الصلاة ويخفيان ذَلِكَ، إلا أن يقصدا التعليم فيعلما ثمَّ يسرا(٢)، وفيه
أنه لم يكن يسمع جهر الصوت بتبليغ السلام، والذكر أعم من التكبير
وغيره، وإنما لم يحضر ابن عباس الجماعة لصغره.
وقول ابن عباس: (إن رفع الصوت بالذكر .. ) إلى آخره يدل أنه لم
يكن يفعل ذَلِكَ الصحابة حين حدث ابن عباس به، إذ لو كان يفعل ذَلِكَ
الوقت لم يكن، لقوله: (إن ذَلِكَ كان عَلَى عهد رسول الله وَّ). معنى،
وهذا كما كان أبو هريرة يكبر في كل خفض ورفع، ويقول: أنا أشبهكم
صلاة برسول الله وَ﴾. فالتكبير إثر الصلاة، مثل هذا مما لم يواظب
الشارع عليه طول حياته، وفَهِمَ أصحابه أن ذَلِكَ ليس بلازم فتركوه؛
خشية أن يظن أن من قصر علمه أنه مما لا تتم الصلاة إلا به، فلذلك
كرهه من كرهه من الفقهاء؛ قاله ابن بطال(٣).
(١) نافذ أبو معبد، حجازي، من أصدق موالي ابن عباس، انظر: ((الطبقات)) ٢٩٤/٥،
(التاريخ الكبير) ١٣٢/٨ (٢٤٥٥)، ((الجرح والتعديل)) ٥٠٧/٨-٥٠٨ (٢٣٢١)،
(الثقات)) لابن حبان ٤٨٤/٥.
(٢) ((الأم)) ١١٠/١.
(٣) (شرح ابن بطال)) ٤٥٨/٢.

٣٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الحديث الثاني:
حديث سمي، عن أبي صالح عن أبي هريرة: جَاءَ فقراء المهاجرين
إِلَى رسول الله رَِّ فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّنُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ
العُلَا ... الحديث بطوله.
وقد أخرجه مسلم أيضًا مطولًا، وفي رواية له أدرج قول أبي صالح:
ثمَّ رجع فقراء المهاجرين إلى آخره، وفي آخره يقول سهيل:
إحدى عشرة، إحدى عشرة، إحدى عشرة. فجمیع ذَلِكَ کله ثلاث
وثلاثون(١). وللبخاري في كتاب الأدعية: ((تسبحون في كل صلاة
عشرًا وتحمدون عشرًا وتكبرون عشرًا)) ثمَّ قَالَ: ورواه أبو صالح عن
أبي الدرداء(٢).
قُلْتُ: أخرجه النسائي(٣)، وفي الترمذي في الأول: ((والله أكبر أربعًا
وثلاثين، ولا إله إلا الله عشرًا)) ثمَّ قَالَ: حسن غريب (٤).
وفي أفراد مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((سبح الله عند دبر
كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين وكبر الله ثلاثًا وثلاثين،
فذلك تسعة وتسعون ثمَّ قَالَ تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه
(١) (صحيح مسلم)) (٥٩٥) كتاب: المساجد، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة
وبیان صفته.
(٢) سيأتي برقم (٦٣٢٩) كتاب: الدعوات، باب: الدعاء بعد الصلاة.
(٣) ((السنن الكبرى)) ٤٣/٦ (٩٩٧٥) كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: التسبيح
والتكبير والتهليل والتحميد دبر الصلوات.
(٤) الترمذي (٤١٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في التسبيح في أدبار الصلاة. وقال
الألباني في ((ضعيف الترمذي)): ضعيف الإسناد، والتهليل منكر.

٣٠٣
- كتاب الأذان
وإن كانت مثل زبد البحر))(١). وفي أفراده من حديث كعب بن عجرة
مرفوعًا: ((معقبات لا يخيب قائلهن -أو فاعلهن- دبر كل صلاة
مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع
وثلاثون تكبيرة)»(٢).
قَالَ الدارقطني: ورواه منصور وشعبة عن الحكم موقوفًا، وهو
الصواب، فلعل لأجل ذا لم يخرجه البخاري.
وفي ((جامع الترمذي)) -وقال: حسن صحيح - من حديث عبد الله بن
عمرو مرفوعًا: ((خصلتان -أو خلتان- لا يحافظ عليهما رجل مسلم إلا
دخل الجنة، وهما يسير. ومن يعمل بهما قليل)). قالوا: وما هما يا رسول
الله؟ قَالَ: ((أن يحمد الله ويسبحه ويكبره في كل صلاة عشرًا عشرً))(٣).
وفي ((صحيح ابن حبان)) (٤) من حديث ابن عمر أن رجلًا رأى فيما
يرى النائم: أي شيء أمركم نبيكم؟ قَالَ: أمرنا أن نسبح ثلاثًا وثلاثين ..
الحديث، فقال: سبحوا خمسًا وعشرين، واحمدوا خمسًا وعشرين،
وكبروا خمسًا وعشرين، وهللوا خمسًا وعشرين، فتلك مائة؛ فلما
أصبح ذكر ذَلِكَ لرسول الله وَّ، فقال: ((افعلوا كما قَالَ الأنصاري)).
وأخرجه ابن خزيمة والحاكم وقال: صحيح الإسناد (٥).
(١) مسلم (٥٩٧) كتاب: المساجد، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته.
(٢) مسلم (٥٩٦) كتاب: المساجد، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته.
(٣) الترمذي (٣٤١٠) کتاب: الدعوات، باب: (٢٥)، وقال: حديث حسن صحيح،
وقال الألباني في ((صحيح الترمذي)): صحيح.
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: وهو في النسائي من طريقين عن ابن عمر وزيد بن
ثابت ورجاله.
(٥) حديث ابن عمر رواه الطبراني في ((الدعاء)) ١١٣٤/٢ - ١١٣٥ (٧٣٠) وعزاه ابن
حجر في ((الإتحاف)) ٩/ ١٤٣ (١٠٧٣٠) للسراج. فقط، وأما الحديث الذي أخرجه =

٣٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
إِذَا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها :
(الدثور): بضم الدال. الأموال الكثيرة، واحدها (دثر) بالإسكان،
وحكي التحريك. قَالَ ابن سيده: لا يثنى ولا يجمع(١)، وخالفه أبو عمر
المطرز، وقال الداودي: الدثور: الغنى، والدثور الآندراس، وهو من
الأضداد.
والدرجات يجوز أن تكون حسية ومعنوية.
و(النعيم): ما يتنعم به. و(المقيم): الدائم. والسبقية يحتمل أن تكون
في المعنى أو الزمن.
وقوله: ((كل صلاة)) تشمل الفرض والنفل، وإن وقع التقييد في
حديث كعب بن عجرة بالمكتوبة.
وقوله: (فرجعت إليه) هو أبو صالح الراوي، عن أبي هريرة، وظاهر
الحديث أولى من تأويله كما قاله القاضي (٢).
الثاني :
فيه تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر، وهو أصح المذاهب
الخمسة فيه، وإن كان جمهور الصوفية عَلَى ترجيح الفقير الصابر؛
= ابن حبان وابن خزيمة والحاكم فهو من حديث زيدبن ثابت، رواه ابن حبان ٣٦٠/٥-
٣٦١ (٢٠١٧) كتاب: الصلاة، والحاكم ٢٥٣/١ كتاب: الصلاة، وقال: هذا حديث
صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ورواه الترمذي (٣٤١٣) كتاب: الدعوات،
باب: ما جاء في التسبيح، والنسائي ٧٦/٣ كتاب: السهو، باب: نوع آخر من
التسبيح، وابن حجر في ((نتائج الأفكار)) ٢٧٧/٢، وقال: هذا حديث صحيح.
(١) ((المحكم)) ١٨/١٠.
(٢) انظر: ((إكمال المعلم)» ٥٤٧/٢.

٣٠٥
كتاب الأذان
لسبقه قبل الأغنياء بخمسمائة عام، وهم مسئولون(١).
الثالث :
فيه فضل الذكر أدبار الصلوات، فإنه وقت فاضل، وفيه غير ذَلِكَ
كما أوضحته في ((شرح العمدة)) (٢)، فراجعه منه، وستكون لنا عودة
إليه في كتاب الرقاق وغيره إن شاء الله تعالى.
(١) انظر: ((الإعلام)) ٥٤/٤-٦٠، ((إحكام الأحكام)) ص٣٣٦-٣٣٧، قال شيخ
الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قد كثر تنازع الناس: أيهما أفضل الفقير الصابر، أو
الغني الشاكر؟ وأكثر كلامهم فيها مشوب بنوع من الهوى، أو بنوع من قلة
المعرفة، والنزاع فيها بين الفقهاء والصوفية، والعامة والرؤساء وغيرهم. وقد ذكر
القاضي أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى في كتاب ((التمام لكتاب الروايتين
والوجهين)) لأبيه فيها عن أحمد روايتين:
أحدهما: أن الفقير الصابر أفضل. وذكر أنه اختار هذه الرواية أبو إسحاق بن
شاقلا، ووالده القاضي أبو يعلى، ونصرها هو.
الثانية: أن الغني الشاكر أفضل، اختاره جماعة منهم ابن قتيبة.
والقول الأول يميل إليه كثير من أهل المعرفة والفقه والصلاح. من الصوفية
والفقراء. ويحكى هذا القول عن الجنيد وغيره والقول الثاني يرجحه طائفة منهم
كأبي العباس بن عطاء وغيره.
وربما حكى بعض الناس في ذلك إجماعًا، وهو غلط.
وفي المسألة قول ثالث: وهو الصواب أنه ليس هذا أفضل من هذا مطلقًا، ولا هذا
أفضلٍ من هذا مطلقًا بل أفضلهما أتقاهما. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ
أَنْقَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وقال عمر بن الخطاب: الغنى والفقر مطيتان لا أبالي
أيتهما ركبت. وقد قال تعالى: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيْرًا فَللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّ﴾ [النساء:
١٣٥] وهذا القول اختيار طائفة منهم الشيخ ابن حفص السهروردي، وقد يكون
هذا أفضل لقوم، وفي بعض الأحوال. وهذا أفضل لقوم وفي بعض الأحوال، فإن
استويا في سبب الكرامة استويا في الدرجة، وإن فضل أحدهما الآخر في سببها
ترجح عليه، هذا هو الحكم العام. ((مجموع الفتاوى)) ١٢٢/١١-١٢٥.
(٢) ((الإعلام)) ٤/ ٥٤.

٣٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ، ---
الحديث الثالث :
حديث سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن وراد، عن المغيرة بن
شعبة أنه ◌َّ﴿ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ((لا إله إِلَّ اللهُ .. ))
الحدیث.
وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بهذا، وَعَنِ الحَكْمِ، عَنِ القَّاسِمِ بْنِ
مُخَيْمِرَةَ، عَنْ وَرَّادٍ بهذا. وَقَالَ: الجَدُّ غِنَّى.
وذكره في الدعوات والرقاق والاعتصام وغيرها كما ستعلمه (١).
وأخرجه مسلم: كان إِذَا فرغ من الصلاة وسلم قَالَ ذَلِكَ(٢)، وفي
أخرى للبخاري: كان يقولها في دبر كل صلاة (٣). ولم يقل: مكتوبة.
وأدخله البخاري في كتاب القدر(٤)، وكذا مالك لأجل: ((لا مانع لما
أعطيت .. )). إلى آخره(٥).
والقاسم هذا احتج به مسلم والأربعة، واستشهد به البخاري كما
تری.
والتعليقان أخرجهما السراج في ((مسنده)) بإسناد صحيح، قَالَ في
الأول: حَدَّثَنَا معاذ بن المثنى، حَدَّثَنِي أبي، ثنا أبي، عن عبد الملك (٦).
(١) سيأتي برقم (٦٣٣٠) كتاب: الدعوات، باب: الدعاء بعد الصلاة، و(٦٤٧٣)
كتاب: الرقاق، باب: ما يكره من قيل وقال، و(٦٦١٥) كتاب: القدر، باب:
لا مانع لما أعطى، و(٧٢٩٢) كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال
وتكلف مالا يعنيه.
(٢) مسلم (٥٩٣) كتاب: المساجد، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته.
(٣) سيأتي برقم (٦٣٣٠).
(٤) سيأتي برقم (٦٦١٥).
(٥) رواه مالك في ((الموطأ)) ٢/ ٩٠٠- ٩٠١ رواية يحيى الليثي.
(٦) ((مسند السراج)) (ق٢/٧٦)، وانظر: ((حديث السراج)) للشحامي ١٥٤/٢.

٣٠٧
- كتاب الأذان
وقال في الثاني: حَدَّثَنَا أبو المثنى، حَدَّثَنِي أبي، عن شعبة، حَدَّثَنِي
الحكم بن عتيبة (١).
و(سفيان) السالف هو: الثوري. كما قاله خلف والبيهقي، ولابن
خزيمة: لا إله إلا الله. ثلاث مرات(٢).
وفي الباب حديث ابن الزبير في مسلم(٣)، وغير ذَلِكَ مما محله
((عمل اليوم والليلة)) للنسائي(٤)، وأبي نعيم(٥)، وغيرهما (٦).
و(دُبُر): بضم الدال والباء، وتسكن.
و(الجد): بفتح الجيم عَلَى الأشهر: الغنى والحظ، وحكي الكسر
فيهما، أي: الاجتهاد في الدنيا.
و(منك): عَلَى بابها، لا بمعنى: البدل، ولا بمعنى: عندك، كما
في ((الصحاح))، المعنى: لا ينفع ذا المال ماله إن أنت أردته بسوء، وقد
أوضحت الكلام عليه في ((شرح العمدة)»، فليراجع منه أيضًا(٧).
(١) ((مسند السراج)) (ق٢/٧٧)، وانظر: ((حديث السراج)) للشحامي ٣٢٩/٢.
(٢) ابن خزيمة ٣٦٥/١ (٧٤٢) كتاب: الصلاة، باب: التهليل والثناء على الله بعد
السلام.
(٣) مسلم (١٣٩/٥٩٤).
(٤) ((عمل اليوم والليلة)) للنسائي (١٢٨).
(٥) ورواه أبو نعيم في ((المستخرج على مسلم)) ٢/ ١٩٢ (١٣١٨).
(٦) ورواه أيضًا أبو داود (١٥٠٦)، وأحمد ٥/٤.
(٧) ((الإعلام)) ٢٢/٤-٢٣.

٣٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٥٦- باب يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ النَّاسَ إِذَا سَلّمَ
٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا
أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ََّ إِذَا صَلَّى صَلَاَةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا
بِوَجْهِهِ.[١١٤٣، ١٣٨٦، ٢٠٨٥، ٢٧٩١، ٣٢٣٦، ٣٣٥٤، ٤٦٧٤، ٦٠٩٦، ٧٠٧٤ - مسلم: ٢٢٧٥ -
فتح: ٣٣٣/٢]
٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَشْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيُّ أَنَّهُ قَالَ:
صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ صَلَاةَ الصُّنْحِ بِالْحَدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ،
فَلَمَّا أَنْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟)). قَالُوا:
اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا
بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي، وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ
كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي، وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبٍ)). [١٠٣٨، ٤١٤٧، ٧٥٠٣ - مسلم: ٧١ -
فتح: ٣٣٣/٢]
٨٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، سَمِعَ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ
اللهِ وَِّ الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا
بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ((إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا
آَنْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ)). [انظر: ٥٧٢ - مسلم: ٦٤٠ - فتح: ٣٣٤/٢]
ذکر فیه أحادیث:
أحدها :
حديث جرير بن حازم عن أبي رَجَاءٍ عمران بن ملحان، عَنْ
سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ بِّهِ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا
بِوَ جْهِهِ.
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الجنائز، والبيوع، وبدء

٣٠٩
كتاب الأذان
==
الخلق، والجهاد، والأدب، وصلاة الليل(١)، وأخرجه مسلم أيضًا
وفيه: إِذَا صلى الصبح(٢). ولأبي نعيم والإسماعيلي: الغداة.
و(جرير) هُذا ثقة، ولما اختلط حجبه ولده. وقال ابن التين: هو
ثقة، لكنه قيل: يغلط. والبخاري لا يدخل ما غلط فيه، وذكره
البخاري أيضًا في باب: ما قيل في أولاد المشركين. وفي بعض
النسخ: لما ذكر أولاد المشركين. قَالَ: (باب). ولم يترجم له، ثمَّ
ساق بالسند المذكور الحديث، وفيه: فقال: ((من رأى منكم الليلة
رؤيا؟)) وذكر رؤياه بطولها، ولم يذكر ما ترجم له وهو: أولاد
المشركين. وكأنه أحال عَلَى أنه في الحديث الذي ذكره في كتاب
التعبير عَلَى ما هو عادته(٣)، وهو دال عَلَى استحباب إقبال الإمام بعد
صلاته عَلَى أصحابه، وقد أسفلنا الخلاف في كيفيته.
قَالَ المهلب: وهو عوض من قيامه من مصلاه؛ لأن قيامه إنما هو
ليعرف الناس بفراغ الصلاة (٤)، وقد قَالَ مالك، في إمام مسجد القبائل
والجماعات: لابد أن يقوم من موضعه ولا يقوم في داره وسفره إلا أن
يشاء(٥) - قَالَ ابن خربوذ: من غير أن يستقبل القبلة- وفي بقاء الإمام في
موضعه تخليط عَلَى الداخلين، وأن موضع الإمام موضع حظه وولائه،
(١) سيأتي برقم (١٣٨٦) كتاب: الجنائز، باب: ما قيل في أولاد المشركين، وبرقم
(٢٠٨٥) كتاب: البيوع، باب: آكل الربا وشاهده وكاتبه، وبرقم (٢٧٩١) كتاب:
الجهاد والسير، باب: درجات المجاهدين في سبيل الله، وبرقم (٣٢٣٦) كتاب:
بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين.
(٢) مسلم (٢٢٧٥) كتاب: الرؤيا، باب: رؤيا النبي وَلـ
(٣) سيأتي برقم (٧٠٤٧) كتاب: التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح.
(٤) كما في ((شرح ابن بطال)) ٢/ ٤٦٠.
(٥) انظر: ((التفريع)) ٢٧١/١، (الكافي)) ص٤٧.

٣١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فإذا قضى صلاته زال منه، وفيه ضرب من الرياء فإنه يجب أن يعلم
الناس أنه الإمام. ذكره ابن التين. وكان علي إِذَا صلى استقبل القوم
بوجهه(١)، وكان النخعي إِذَا سلم أنحرف واستقبل القوم(٢)، وفي
طريقه الآخر إباحة الكلام في العلم وغيره، وكان يسألهم عن الرؤيا
لما كانوا عليه من الصلاح والصدق فيحصل به الاطلاع عَلَى
المغيبات، وفيه: اهتمام بالرؤيا والتشوق إلى فوائدها، وأن تعبيرها
إنما یکون على ذي ود.
ولنتكلم عَلَى ألفاظ وقعت في هذِه الرؤيا المطولة؛ لتخف علينا
المؤنة عند الوصول إلى موضعها - إن شاء الله وقدره- ومسارعة إلى
الخيرات.
فقوله: ((من رأى منكم الليلة رؤيا؟)) كذا هنا، وفي مسلم ((البارحة))
بدل ((الليلة))(٣) والمراد به: الليلة الذاهبة، اسم فاعل من برح الشيء إِذَا
ذهب، ومنه قولهم: برح الخفاء، أي: ذهب، وإذا دخل حرف النفي
عَلَى (برح) صار من أخوات (كان) التي ترفع الأسم وتنصب الخبر،
وصوب ابن الجوزي ما في البخاري، وذاك من تغيير الرواة للرواية
بالمعنى، وغلط من سوى بينهما.
قَالَ أبو منصور اللغوي: من الغلط أن تقول فيما بين صلاة الفجر
إلى الظهر: فعلت البارحة كذا، والصواب أن تقول: فعلت الليلة
كذا، إلى الظهر، وتقول بعد ذَلِكَ: فعلت البارحة إلى آخر اليوم.
قُلْتُ: لعله من باب المجاز، والحقيقة ما ذكر.
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢٦٩/١ (٣٠٩٤).
(٢) رواه عنه ابن أبي شيبة ٢٦٩/١ (٣٠٩٢).
(٣) ((صحيح مسلم)) (٢٢٧٥).

٣١١
= كتاب الأذان
واستدل به بعضهم عَلَى أن ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس
من الليل، ولا يصح لأنه إنما أشار إلى الليلة الماضية لا إلى الساعة
الحاضرة، بدليل رواية: ((البارحة)) ومعناها: الماضية باتفاق، ولما
كانت قرينة الأنصرام أشار إليها، واكتفى بذكر الليلة عن صفتها للعلم
بها، ولما كانت البارحة صفة معلومة لليلة استعملها غير تابعة
استعمال الأسماء، وكان الأصل الجمع بين التابع والمتبوع، فيقال:
الليلة، والبارحة. لكن جاز ذَلِكَ لما ذكرنا.
قَالَ ابن العربي: وكان ◌َله يسأل عن الرؤيا استشرافًا للبشرى،
واستطلاعًا لما يكون، وحرصًا عَلَى الخير، فلما ذكر له ابن زئل(١).
تلك الرؤيا وعلم ما فيها من الشدائد ترك السؤال حتى يأتي الله بما
شاء من أمره، وهو حديث مظلم السند، فيه: قَالَ: رأيت كأنك
يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات وأنت في أعلاها درجة، وعن
يمينك رجل آدم طوال، إِذَا تكلم يكاد يفزع الرجال، وعن يسارك
رجل ربعة أحمر، كثير خيلان الوجه، إِذَا تكلم أصغيتم له، وأمام
ذَلِكَ شيخ تقتدون به، وإذا أمام ذَلِكَ ناقة عجفاء، وإذا أنت كأنك
تبعتها. فانتقع لون رسول الله وَ له ساعة ثمَّ سري عنه وقال: ((أما المنبر
فالدنيا سبعة آلاف سنة وأنا في آخرها ألفًا، وأما الرجل الطويل
فموسى، والربعة عيسى، والشيخ إبراهيم، وأما الناقة العجفاء فهي
(١) كذا بالأصل، وورد بهامش: إنما هو زمل، وهو خزاغي، قص على النبي وَل جر
رؤيا. ولا يصح ذلك، وذكره السهيلي، وقد ذكره المؤلف على الصواب في باب
من أدرك ركعة قبل الغروب، فاعلمه.
[قلت: وقد علق سبط هناك، وأضاف نقلًا عن ((تجريد الذهبي)) وأحال إلى
هنا ].

٣١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الساعة، علينا تقوم، لا نبي بعدي، ولا أمة بعد أمتي))(١).
قَالَ ابن العربي: فما سأل رسول الله وَليم أحدًا عن رؤيا إلا أن يجيء
الرجل متبرعًا فيحدثه(٢).
وذكر أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء في كتابه ((البشرى في
تأويل الرؤيا))، في قوله: ((هل رأى منكم أحد الليلة رؤيا» دليل عَلَى أن
تأويلها والإخبار بها في صبيحة الليلة التي رؤيت فيها أولى؛ لقرب ذَلِكَ
من رؤيتها، وإذا بعدت دخل ذَلِكَ النسيان والسهو وتأويل الرجل
المضطجع يدل عَلَى غفلة في الدين، ولا غفلة أكثر من تضييع القرآن
والصلاة.
والذي يشق شدقه، فلأن الشدق موضع الكلام، فوقعت العقوبة فيه
كما وقعت في رأس النائم الغافل، إذ الرأس موضع النوم والغفلة، وأما
الزناة وعريهم فلأن اللباس ستر الله الذي كان يسترهم به، فلما كشفوه
كشفه الله تعالى وفضحهم.
والنهر من الدم، وفيه آكل الربا، فلا شك أن آكل الربا يؤذن بحرب
من الله ورسوله، ومن حاباه قتل، ومن قتل سال دمه، فكأنه غرق فيه؛
لکثرته.
(١) رواه ابن حبان في ((المجروحين)) ٣٢٥/١- ٣٢٧، والطبراني في ((الكبير)) ٣٠٣/٨
(٨١٤٦)، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) ٢١٣/٢-٢١٤ (١١٧١) وقال: هذا
حديث لا يصح؛ قال ابن حبان: سليمان بن عطاء يروى عن مسلمة أشياء موضوعة
لا أدري التخليط منه أو من مسلمة. وأورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد» ١٨٣/٧ -
١٨٤. وقال: رواه الطبراني، وفيه: سليمان بن عطاء القرشي، وهو ضعيف. وانظر
((الضعيفة)) (٣٦١١).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) ١٦٦/٩-١٦٧.

٣١٣
كتاب الأذان
=
وقوله: أرض مقدسة. جاء في الإسماعيلي: مستوية.
وقوله: ((يدخل ذَلِكَ الكلوب في شدقه)) وفي رواية أخرى له:
((فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه فيشق)).
وفي أخرى: ((ثُمَّ تحول إلى الجانب الآخر، فيفعل به كذلك)) (١). وقد
فسره في الحديث.
وقول البخاري: (وقال بعض أصحابنا عن موسى بن إسماعيل) هذا
ذكره أبو نعيم فقال: حَدَّثَنَا الطبراني، ثنا العباس بن الفضل، ثنا موسى
ابن أبي إسماعيل فذكره.
وقوله: (ثُمَّ يفعل الآخر بشدقه)). كذا وقع هنا، وفي رواية: ((ثُمَّ يفعل
بشدقه الآخر)). وصحح.
وقوله: ((فيشدج)) أي: يكسر. وفي رواية: ((فيثلغ))(٢) أي: يشق
ويفضخ.
وقوله: ((یتدهده)) وفي أخرى: ((فيتدهدى)) أي: يتدحرج، تقول:
دهدهت الحجر ودهدیتُه.
والنقب: قَالَ صاحب ((المطالع)): رواه بعضهم بمثلثة، وللأصيلي
بنون وقاف مفتوحة، وهو الطريق.
وقوله: ((فإذا أقترت ارتفعوا)) قَالَ ابن التين: كذا وقع في رواية أبي
الحسن: قترت، وعند أبي ذر: أقترت، وصوابه قترت بالقاف ومعناه:
ارتفعت، أي: لهبت وارتفع فوارها، لأن القتر: الغبار. قَالَ أبو نصر:
قتر اللحم يقتر بالكسر إِذَا ارتفع قتاره، وقتر بالكسر لغة فيه، قَالَ: وأما
(١) سيأتي برقم (٧٠٤٧) بالروايتين.
(٢) هو أيضًا في حديث (٧٠٤٧).

٣١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فترت بالفاء فلا أعلم له وجهًا، لكن بعده إِذَا خمدت، وهو بمعنى:
فترت، وأما أقترت فمثل قترت، وفي ((المطالع)): قترت. للقابسي
وابن السكن وعبدوس، وعند أبي ذر والأصيلي: أقترت. وعند
النسفي: ((فإذا وقدت آرتفعوا)) وهو الصحيح بدليل قوله بعد: ((فإذا
خمدت رجعوا)).
الحدیث الثاني:
حديث زيد بن خالد الجهني أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ صَلَاةَ
الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ .. الحديث. وفي آخره ((وَأَمَّا مَنْ قَالَ مطرنا
بِنَوْءِ كَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي، وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبٍ)).
الشرح :
الكلام عليه من أوجه:
أحدها :
هُذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في الاستسقاء، والمغازي،
والتوحيد(١)، وأخرجه مسلم في الإيمان(٢).
ثانیھا :
المختار تخفيف ياء الحديبية، ولحن من شدَّدها، وهو لغة أهل
العراق. قَالَ ابن سيده: قيل: إن حكي التخفيف عن بعضهم، فالحديبية
(١) سيأتي برقم (١٠٣٨) كتاب: الاستسقاء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ
أَنَّكُمْ تَكَذِّبُونَ ﴾﴾، و(٤١٤٧) كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية،
و(٧٥٠٣) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَلَمَ
اُللَّهِ﴾.
(٢). (صحيح مسلم)) (٧١) كتاب: الإيمان، باب: بيان كفر مَن قال: مطرنا بالنوء.
وورد بهامش الأصل ما نصه: وأبو داود في الطب والنسائي في الصلاة.

٣١٥
كتاب الأذان
-
موضع، وقيل: بئر سمي المكان بها(١). وهي من الحل، خلافًا لمالك.
والسماء هنا المطر؛ لأنه يأتي منها، وكل عال فهو سماء.
والإثر مثلث الهمزة، وفيه أن السماء مؤنثة، ولعل ذَلِكَ عَلَى لفظها،
لا على معناها؛ لأن السماء تذكر وتؤنث إِذَا لم يرد بها المطر.
وقوله: (فلما انصرف أقبل عَلَى الناس) هو موضع الترجمة، وقال
القرطبي : أي أنصرف من صلاته وفرغ منها، وظاهره أنه لم يكن يثبت في
مكان صلاته بعد سلامه بل كان ينتقل عنه، ويتغير عن حالته، وهذا
يستحبه مالك للإمام في المسجد(٢). وقد سلف.
قوله: ( ((هل تدرون؟))) لفظة استفهام ومعناها: التنبيه. يعني:
اعلموا ما قَالَ ربكم. والظاهر أن المراد هنا بالكفر الحقيقي؛ لأنه
قابله بالإيمان الحقيقي، فمن أعتقد أن المطر من فعل الكواكب فهو
كافر كما ستعلمه، ومن أعتقد أن الله خلقه واخترعه فهو مخطئ لا
كافر، ووجهه أنه خالف الشرع، فإنه حذر من الإطلاق؛ ولأنه تشبه
بأهل الكفر في قولهم؛ لأنا أُمرنا بمخالفتهم، ونهينا عن التشبه بهم،
وذلك يقتضي الأمر بمخالفتهم في الأقوال والأفعال، فلو قَالَ غير
هذا اللفظ الممنوع يريد به الإخبار عما أجرئ الله به سببه جاز.
وفي ((موطأ مالك)): إِذَا نشأتْ بَحْرَّية ثمَّ تشامت فتلك عين غديقة(٣).
(١) ((المحكم)) ١٩٧/٣.
(٢) ((المفهم)) ٢٥٨/١.
(٣) ((الموطأ)) ص ١٣٦، وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٣٧٧/٢٤: هذا حديث لا أعرفه
كوجه من الوجوه في غير ((الموطأ)) إلا ما ذكره الشافعي في كتاب الاستسقاء عن
إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن إسحاق بن عبد الله أن النبي وَ * قال: ((إذا نشأت
بحرية ثم استحالت شآمية فهو أمطر لها)). وابن أبي يحيى مطعون عليه متروك وإن كان
فيه نبل ويقظة، أتهم بالقدر والرفض، وبلاغ مالك خير من حديثه.

٣١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
والنوء: الكوكب. وجمعه أنواء، وهي ثمانية وعشرون نجمًا معروفة
المطالع في أزمنة السنة كلها، يسقط منها في كل ثلاثة عشر نجم في
المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر مقابله في المشرق في ساعته،
وسمي نوءًا؛ لأنه إِذَا سقط الساقط ناء الطالع، وذلك النهوض هو
النوء، فسمي النجم نوءًا لذلك، وانقضاء هُذِه الثمانية والعشرين مع
أنقضاء السنة، وكانت الجاهلية إِذَا سقط منها نجم وطلع آخر يقولون:
لا بد أن يكون عند ذَلِكَ مطر ورياح، فيقولون: مطرنا بنوء كذا.
وقال ابن الأعرابي: الساقطة منها في الغرب هي الأنواء، والطالعة
منها في الشرق هي البوارح. قَالَ صاحب ((المطالع)): فمنهم من يجعله
الطالع؛ لأنه ناء، ومنهم من ينسبه للغارب، قَالَ: وقد أجاز العلماء
أن يقال: مطرنا في نوء كذا، ولا يقال: بنوء كذا. ويحكى عن أبي
هريرة أنه كان يقول: مطرنا بنوء الله. وفي رواية: مطرنا بنوء الفتح،
ثمَّ يتلو: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾(١) [فاطر: ٢]
وفي ((المحكم)) بعضهم يجعل النوء السقوط. كأنه من الأضداد(٢).
وفي ((الأنواء الكبير)) لأبي حنيفة: الذي عندي في الحديث أن المطر
كان من أجل أن الكوكب ماء، وأنه هو الذي هاجه، ثمَّ أنشد عَلَى ذَلِكَ،
قَالَ: وأما من زعم أن الغيث حصل عند سقوط الثريا فهذا وما أشبهه
إنما هو إعلام للأوقات والفصول، وليس من وقت ولا زمن إلا وهو
معروف بنوع من مرافق العباد يكون فيه دون غيره، وقد قَالَ عمر
(١) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) ص ١٣٦ وابن أبي حاتم في ((تفسيره) ٣١٧١/١٠
(١٧٩٢٦)، وذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٨٦/١٦، والحافظ ابن كثير في
((تفسيره) ٣٠٥/١١-٣٠٦ وعزاه للإمام مالك.
(٢) ((المحكم)) ١٩٠/١٢.

٣١٧
كتاب الأذان
للعباس وهو يستسقي الناس: يا عم رسول الله، كم بقي علينا من نوء
الثريا(١)؟ فإن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا.
وقال ابن عباس لامرأة: خطأ الله نوءها(٢). يريد أخطأها الغيث. فلو
لم يدلك عَلَى افتراق المذهبين في ذكر الأنواء إلا هذان الخبران لكفى
بهما دليلًا. هذا وابن عباس يقول في قوله تعالى: ﴿وَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ
[الواقعة: ٨٢] وكان علي يقرؤها: (وتجعلون شكركم)(٣).
تُكَذِّبُونَ
وقد اختلف العلماء في كفر من قَالَ: مطرنا بنوء كذا. عَلَى قولين
حكاهما النووي :
أحدهما: نعم، إِذَا أعتقد أنه فاعل مدبر منشئ المطر كما كان بعض
الجاهلية يزعم، ومن أعتقد هذا فلا شك في كفره، وهذا القول هو الذي
ذهب إليه الجمهور منهم الشافعي(٤)، وهو ظاهر الحديث، قالوا: وعلى
هذا القول لو قَالَ: مطرنا بنوء كذا، معتقدًا أنه من الله وبرحمته، وأن النوء
صفات له وعلامة اعتبارًا بالعادة، فكأنه قَالَ: مطرنا في وقت كذا، فهذا
لا يكفر، واختلف في كراهته، والأظهر نعم تنزيهًا؛ لترددها بين الكفر
وغيره، ويساء الظن بصاحبها؛ لأنها شعار الجاهلية كما سلف.
والقول الثاني: في أصل تأويل الحديث أن المراد: كفر نعمة الله
(١) رواه البيهقي ٣٥٨/٣-٣٥٩ كتاب: الاستسقاء، باب: كراهية الاستمطار
بالأنواء، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٣٨٠/٢٤-٣٨١.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٩٠/٤ (١٨٠٨٢، ١٨٠٨٣، ١٨٠٨٥) كتاب: الطلاق، باب:
ما قالوا فيه إذا جعل أمر امرأته بيدها، فتقول: أنت طالق ثلاثًا، والبيهقي
٣٤٩/٧-٣٥٠ كتاب: الخلع والطلاق، باب: المرأة تقول في التمليك: طلقتك
وهي تريد الطلاق.
(٣) انظر: ((تفسير الطبري)) ٦٦٢/١١، و((زاد المسير)) ١٥٤/٨.
(٤) ((الأم) ٢٢٣/١.

٣١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
تعالى؛ لاقتصاره عَلَى إضافة الغيث إلى الكوكب، وهذا فيمن لا يعتقد
تدبیرہ(١).
الحديث الثالث :
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بن منير، سَمِعَ يَزِيدَ، أنبا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخَرَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى
أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ((إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا)) ... الحديث.
سلف الكلام عليه في باب: وقت العشاء إلى نصف الليل(٢). ويزيد
هذا هو ابن هارون، وقد جاء مصرحًا به في بعض الروايات: يعني: ابن
هارون. وصرح به أيضًا أبو نعيم، ورواه عن حميدٍ يزيدُ بن زريع كما
سيأتي بعد وزائدة(٣)، كما سلف.
(١) (صحيح مسلم بشرح النووي)) ٦٠/٢-٦١.
(٢) راجع حدیث (٥٧٢).
(٣) سيأتي برقم (٥٨٦٩).

٣١٩
=- كتاب الأذان
١٥٧- باب مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ السَّلَامِ
٨٤٨- وَقَالَ لَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ قَالَ: كَانَ ابن عُمَرَ يُصَلِّى
فِي مَكَانِهِ الذِي صَلَّى فِيهِ الفَرِيضَةَ، وَفَعَلَهُ القَاسِمُ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: ((لا
يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِي مَكَانِهِ)). وَلَمْ يَصِحَّ. [فتح: ٢/ ٣٣٤]
٨٤٩- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا إِنْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ هِنْدٍ
بِنْتِ الَحَارِثِ، عَنْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّرَ كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا.
قَالَ ابن شِهَابٍ فَتُرى - والله أَعْلَمُ - لِكَيْ يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنَ النِّسَاءِ. [انظر: ٨٣٧-
فتح: ٣٣٤/٢]
٨٥٠- وَقَالَ ابن أَبِي مَزْيَمَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَبِي جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ، أَنَّ
ابن شِهَابٍ كَتَبَ إِلَيْهِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الَحَارِثِ الفِرَاسِيَّةُ، عَنْ أُمُّ سَلَمَةَ - زَوْجِ
النَّبِيِّ وَِّ، وَكَانَتْ مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا- قَالَتْ: كَانَ يُسَلِّمُ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ، فَيَدْخُلْنَ
بُيُوتَّهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللهِ وَلَ. وَقَالَ ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن
شِهَابٍ: أَخْبَرَتْتِي هِنْدُ الفِرَاسِيَّةُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ: أَخْبَرْنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
حَدَّثَتْنِي هِنْدُ الفِرَاسِيَّةُ. وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: أَخْبَرَبِي الزُّهْرِيُّ، أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ الَحَارِثِ القُرَشِيَّةَ
أَخْبَرَتْهُ، وَكَانَتْ تَحْتَ مَعْبَدِ بْنِ اِقْدَادِ - وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ- وَكَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى
أَزْوَاجِ النَّبِيِّ بَّهِ. وَقَالَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَتْنِي هِنْدُ القُرْشِيَّةُ. وَقَالَ ابن آَبِي
عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدِ الفِرَاسِيَّةِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ،
حَدَّثَّهُ عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنِ آَمْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ حَدَّثَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ نَِّ.[ انظر: ٨٣٧-
فتح: ٣٣٤/٢]
وقال لنا آدَمُّ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ: كَانَ ابن عُمَرَ يُصَلِّي
فِي مَكَانِهِ الذِي صَلَّى فِيهِ الفَرِيضَةَ، وَفَعَلَّهُ القَاسِمٌ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَفَعَهُ: (لَا يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِي مَكَانِهِ)).
وَلَمْ يَصِحّ.

٣٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الشرح :
قوله: (وقال لنا آدم) هو من باب المذاكرة، وقد أسنده ابن أبي شيبة،
عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يصلي سبحته
مكانه(١). وأثر القاسم أخرجه ابن أبي شيبة، عن معتمر، عن عبيد الله بن
عمر قَالَ: رأيت القاسم وسالمًا يصليان الفريضة ثمَّ يتطوعان في مكانهما
قَالَ: وأنبأني نافع أن ابن عمر كان لا يرى به بأسًا (٢).
وحديث أبي هريرة رواه أبو داود وابن ماجه من حديث حماد
وعبد الوارث، عن ليث، عن حجاج بن عبيد، عن إبراهيم بن
إسماعيل، عن أبي هريرة قال: قَالَ رسول الله وَلير: ((أيعجز أحدكم
أن يتَقَدَّمَ أو يَتَأَخَّرَ، أو عن يمينِه أو عن شِماله في الصلاة)»(٣) يعني:
في السُّبْحَةِ، سكت عليه أبو داود، وفيه مجهول كما قَالَه أبو حاتم(٤)،
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٣/٢ (٦٠١٥) كتاب: الصلوات، باب: مَن رخص أن
يتطوع في مكانه.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢/ ٢٣ (٦٠١٦) السابق.
(٣) ((سنن أبي داود)) (١٠٠٦) كتاب: الصلاة، باب: في الرجل يتطوع في مكانه الذي
صلَّى فيه المكتوبة، و((سنن ابن ماجه)) (١٤٢٧) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها،
باب: ما جاء في صلاة النافلة حيث تصلى المكتوبة.
(٤) ((الجرح والتعديل)) ٨٣/٢ (١٩٥).
ورد في هامش الأصل: مقتضى كلام الذهبي في ((الكاشف)» أنه ليس بمجهول،
فإنه روى عنه عمرو بن غفار وحجاج بن عبيد الله، وقد علمت من اصطلاح أهل
هذا الشأن أن الشخص إذا روى عنه أثنان يخرج عن جهالة العين، وقد عنيت
كلامه في ((الكاشف)) فنقل تجهيله عن أبي حاتم وقال في ((المغني)) في إسماعيل بن
إبراهيم: لا يعرف. وفي إبراهيم بن إسماعيل: مجهول. وقال أيضا في ((الميزان)):
إبراهيم بن إسماعيل حجازي عن أبي هريرة لا يدرى من ذا ويقال: إسماعيل بن
إبراهيم في الصلاة. قال البخاري: لم يصح إسناد حديثه وذكر كلاما آخر.
٠