Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠
١
كتاب الأذان
=
٤٧- باب مَنْ قَامَ إِلَى جَنْبِ الإِمَامِ لِعِلَّةٍ
٦٨٣ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَخْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابن نُمَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ،
عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَبَا بَكْرِ أَنْ يُصَلِّيَّ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ،
فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ. قَالَ عُزْوَةُ: فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ وَ لَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ
يَؤُمُّ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اسْتَأْخَرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ كَمَا أَنْتَ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ وَقَد
حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وَّةِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ
بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ. [انظر: ١٩٨ - مسلم: ٤١٨- فتح: ١٦٦/٢]
ذكر فيه حديث عائشة قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَهِ أَبَا بَكْرِ أَنْ يُصَلِّيَ
بِالنَّاسِ ... الحديث.
وقد سلف(١) وأخرجه مسلم أيضًا( ٢)، ولا شك أن سنة الإمامة
تقديم الإمام وتأخر الناس عنه. قال ابن بطال: ولا يجوز أن يكون
أحد مع الإمام في صف إلا في موضعين:
أحدهما: العلة التي في هذا الحديث وما كان في معناها، مثل أن
يضيق الموضع فلا يقدر على التقدم فيكون معهم في صف ومثل العراة
أيضًا إذا أمن أن يرى بعضهم بعضًا.
والثاني: أن يكون رجل واحد مع الإمام، فإنه يصلي عن يمينه في
الصف معه، كما فعل النبي 9 بابن عباس إذ أداره من خلفه إلى
يمينه(٣)، فإن صلى الإمام في صف المأمومين لغير عذر فقد أساء
وخالف سنة الإمامة، وصلاته تامة(٤).
(١) برقم (٦٦٤) كتاب: الأذان، باب: حد المريض أن يشهد الجماعة.
(٢) مسلم (٤١٨) كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر.
(٣) سبق برقم (١١٧) كتاب: العلم، باب: السمر في العلم.
(٤) (شرح ابن بطال)) ٢/ ٣٠١.

٥٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وفيما ذكره من الإساءة نظر. وقال الطبري: إنما أقام الني وَّ أبا بكر
إلى جنبه؛ ليعلم الناس تكبير ركوعه وسجوده إذا كان ◌َّ قاعدًا، وفي
القوم ممن يصلي بصلاته ممن لا يراه، ولا يعلم ركوعه ولا سجوده،
فبان أن الأئمة إذا كانوا بحيث لا يراهم من يأتم بهم أن يجعلوا بينهم
وبين من يأتم بهم علمًا يعلمون بتكبيره وركوعه تكبيرهم وركوعهم،
وأن لمن لا يرى الإمام أن يركع بركوع المؤتم به ويسجد بسجوده،
وأن ذلك لا يضره، ويجزئه أن لا يرى الإمام في كل ذلك إذا رأى
من یصلي بصلاته.
وقوله: (فلما رآه أبو بكر استأخر): دليل واضح أنه لم يكن عنده
مستنكرًا أن يتقدم الرجل عن مقامه الذي قام فيه في صلاته ويتأخر،
وذلك عمل في الصلاة عن غيرها، فلما كان نظير ذلك يفعله فاعل في
صلاته لأمر دعاه إليه فذلك جائز(١).
(١) (شرح ابن بطال)) ٣٠١/٢-٣٠٢.

=
كتاب الأذان
٥٠٣
٤٨- باب مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ فَجَاءَ الإِمَامُ الأَوَّلُ
فَتَأَخَّرَ الأَوَّلُ أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ، جَازَتْ صَلَاتُهُ
٦٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِ حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهَ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُضْلِحَ
بَيْنَهُمْ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ؟ قَالَ:
نَعَمْ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ
في الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ - وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ - فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ
التَّصْفِيقَ التَّفَتَ فَرَأىُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ أَنِ آَمْكُثْ مَكَانَكَ،
فَرَفَعَ أَبُو بَكْرِ ◌ّ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ بَّهِ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ
اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرِ حَتَّى أَسْتَوِىُ فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ فَصَلَّى، فَلَمَّا أَنْصَرَفَ
قَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرِ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟)). فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لائِْنِ أَبِي
قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَّ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ وَلَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((مَا لِي رَأَيْتُكُمْ
أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ؟! مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ التُفِتَ
إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ)). [١٢٠١، ١٢٠٤، ١٢١٨، ١٢٣٤، ٢٦٩٠، ٢٦٩٣، ٧١٩٠-
مسلم: ٤٢١- فتح: ١٦٧/٢]
فِيهِ: عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ.
قلت: تقدم في صلاته العَيْ في مرضه(١).
ثم ساق حديث سهل بن سعد الساعدي أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ ذَهَبَ إِلَى
بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ ... إلى آخره.
والكلام علیه من وجوه:
أحدها :
(١) سبق برقم (٦٦٤).

٥٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
هذا الحديث أخرجه البخاري في سبعة مواضع هنا، وثلاثة في
الصلاة فيما يجوز من التسبيح والحمد للرجال، ورفع الأيدي فيها
الأمر ينزل به، والإشارة فيها والسهو والصلح والأحكام(١)، وأخرجه
مسلم أيضًا (٢).
ثانیھا :
بنو عمرو بن عوف من ولد مالك بن الأوس من الأنصار وكانوا بقباء
فصلى التي الظهر ثم أتاهم ليصلح بينهم، وكان بينهم شر وقتال وتراموا
بالحجارة، فحبس وحانت الصلاة.
ثالثها :
فيه ذهاب الإمام للإصلاح بين رعاياه؛ لئلا يختلفوا فيفسد حالهم،
وفضل الإصلاح بين الناس.
رابعها :
قوله: (فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر) هو بلال؛ إذ في
أبي داود فقال -يعني: العَيْه- لبلال: ((إن حضرت صلاة العصر ولم آتك
فمر أبا بكر فليصل بالناس)) فلما حضرت العصر أذن بلال ثم أقام، ثم
أمر أبا بكر فتقدم(٣)، وفي هذِه الرواية بيان أن هذِه الصلاة هي العصر،
(١) سيأتي برقم (١٢٠١) كتاب: العمل في الصلاة، باب: ما يجوز من التسبيح
والحمد في الصلاة للرجال. و(١٢٠٤) باب: التصفيق للنساء. و(١٢٣٤) كتاب:
السهو، باب: الإشارة في الصلاة. و(٢٦٩٠) كتاب: الصلح، باب: ما جاء في
الإصلاح بين الناس. و(٢٦٩٣) باب: قول الإمام لأصحابه: اذهبوا بنا نصلح.
و(٧١٩٠) كتاب: الأحكام، باب: الإمام يأتي قومًا فيصلح بينهم.
(٢) (صحيح مسلم) برقم (٤٢١) كتاب: الصلاة، باب: تقديم الجماعة من يصلي بهم
إذا تأخر الإمام ولم يخافوا مفسدة بالتقديم.
(٣) (سنن أبي داود)) (٩٤١) كتاب: الصلاة، باب: التصفيق في الصلاة.

١٠
- كتاب الأذان
وقد جاء أيضًا في بعض طرقه.
خامسها :
قوله: فقال: أتصلي للناس فأقيم؟: فيه سبع فوائد:
الأولى: تقديم غير الإمام إذا تأخر ولم يخف فتنة وإنكار من الإمام،
وتقديم الناس لأنفسهم إذا غاب.
الثانية: تقديم الأصلح والأفضل.
الثالثة: عرض المؤذن وغيره التقدم على الفاضل وموافقته.
الرابعة: تفضيل الصديق -*- حيث قدم وإشارته القول بالثبات على
حاله، ذكره ابن الجوزي وابن التين والنووي (١)، وقد أفدناك أن الشارع
هو الذي قدمه.
الخامسة: تفضيل الصلاة في أول الوقت.
وقال ابن التين: إنهم خافوا فوت الوقت، وظنوا أنه الكثير لا يأتيهم
في الوقت، ففيه المحافظة على الأوقات.
السادسة: أن الإقامة لا تصح إلا عند إرادة الدخول في الصلاة؛
لقوله: أتصلي فأقيم؟.
السابعة: أن المؤذن هو الذي يقيم، وهذا هو السنة، فإن أقام غيره
كان خلاف السنة، نعم يعتد بأذانه عند الجمهور.
سادسها :
قوله: (فجاء رسول الله ﴿﴿ والناس في الصلاة): جاء في رواية
أخرى: أنه جاء بعد أن كبر الصديق وكبر الناس، وخرق رسول الله
(١) أنظر: ((صحيح مسلم بشرح النووي) ٤/ ١٣٧.

٥٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
** ليصل إلى موضعه(١). ففيه جواز فعل الإمام ذلك عند الحاجة إليه
لخروجه لطهارة أو رعاف أو نحوهما، ورجوعه، وكذا من أحتاج من
المأمومين إلى الخروج لعذر.
سابعها :
قوله: وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، إنما كان لا يلتفت للنهي
عنه في البخاري كما سيأتي (٢). قال ابن عبد البر: وجمهور العلماء على
أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيرًا(٣). قلت: وهذا إذا كان
لحاجة فإن كان فلا كراهة، وسيعقد البخاري له بابًا ستعلمه بعد فيما
سيأتي (٤)، وفي أبي داود من حديث سهل بن الحنظلية: فجعل رسول
الله ◌َل يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، وكان أرسل إليه فارسًا. قال
الحاكم: سنده صحيح(٥)، وكذا التفات الصديق عند الإكثار من
التصفيق ولم ینکره عليه.
ثامنها: رَفْع أبي بكر يديه بحمد الله كان إشارة منه لا كلامًا، كذا
قال ابن الجوزي، ويحتمل خلافه. قال مالك: من أُخبر في
صلاته بسرور فحمد الله تعالى لا يضر صلاته، وله أن يتركه تواضعًا
وشكرًا لله تعالى وللمنعِم به. قال ابن القاسم فيه: ومن أُخبر بمصيبة
فاسترجع وأُخبر بشيء فقال: الحمد لله على كل حال. (أو قال:
(١) سيأتي برقم (١٢٣٤) كتاب: السهو، باب: الإشارة في الصلاة.
(٢) سيأتي برقم (٧٥١) كتاب: الأذان، باب: الالتفات في الصلاة.
(٣) («التمهيد)) ١٠٣/٢١.
(٤) سيأتي برقم (٧٥١) كتاب: الأذان، باب: الالتفات في الصلاة.
(٥) أبو داود (٩١٦، ٢٥٠١)، ((المستدرك)) ٢٣٧/١. ورواه أيضًا البيهقي ١٤٩/٩،
والحديث صححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٨٥٠، ٢٢٥٩).

٥٠٧
= كتاب الأذان
=
الذي)(١) بنعمته تتم الصالحات، لا يعجبني، وصلاته مجزئة. قال
أشهب: إلا أن يريد بذلك قطع الصلاة (٢).
قلت: وفيه شكر الله تعالى على الوجاهة في الدين، وأن ذلك من
أعظم النعم، قال تعالى في عيسى: ﴿وَجِيهًا فِى الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.
[آل عمران: ٤٥]. وفيه جواز إعلام المصلي بما يسره.
تاسعها :
إنما لم يثبت أبو بكر عند الإشارة إليه بالثبوت، وإن كان فيه
مخالفة؛ لأنه فهم أنها إشارة تكريم لا إلزام، ويدل عليه شق الشارع
الصفوف حتى خلص إليه، فلولا أنه أراد الإمامة لصلى حيث أنتهى.
وقوله: (ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله (وَلايه)
-أي: لأن الكبير شأنه التقدم، ويجوز أن يكون الصديق خاف حدوث
حادث في الصلاة يغير حكمًا، فلم يتول الصلاة مع وجوده.
العاشر:
قوله: (وتقدم رسول الله ($ فصلى) استدل به أصحابنا على جواز
اقتداء المصلي بمن يحرم بالصلاة بعده، فإن الصديق أحرم بالصلاة أولًا
ثم اقتدى به حين أحرم بعده، وهو أظهر القولين عندنا، وفيه الصلاة
بإمامين على التعاقب، وقد سلف. ونقل ابن بطال عن الأكثرين المنع
بغير عذر، قال ابن بطال: لا أعلم من يقول: إن من كبرّ قبل إمامه
فصلاته تامة إلا الشافعي؛ بناءً على مذهبه أن صلاة المأموم غير مرتبطة
(١) في الأصل: (قال الداودي:)، وهو غير مناسب للسياق، والمثبت من ((النوادر
والزيادات)) ٢٣١/١.
(٢) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٣١/١.

٥٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
بصلاة الإمام، وسائر الفقهاء لا يجيزون صلاة من كبرّ قبل إمامه (١).
الحادي عشر:
استنبط ابن بطال وغيره جواز الاستخلاف من هذا الحديث (٢).
ووجهه أن الصديق صار مأمومًا بعد أن كان إمامًا، وبنى القوم على
صلاتهم، فكذا إذا خرج من الصلاة لسبق حدث ونحوه يقدم رجلًا،
وهو أظهر قولي الشافعي، وبه قال عمر، وعلى، والحسن، وعلقمة
وعطاء، والنخعي، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة(٣)، وقال الشافعي
مرة وأهل الظاهر: لا يستخلف(٤)، وادعى بعض المالكية أن تأخر
الصديق وتقدم الشارع من خواصه؛ لأنهم كانوا يقدموه بالإحرام ولا
يفعل ذلك بعده، ولیس بظاهر.
وعن ابن القاسم في الإمام يحدث فيستخلف ثم ينصرف، فيأتي ثم
يخرج المستخلف ويتم الأول بالناس أن الصلاة تامة، فإذا تمت الصلاة
فينبغي أن يشير إليهم حتى يتم لنفسه، ثم يسلم ويسلموا، فيجوز التقدم
والتأخر في الصلاة (٥). قال ابن بطال: وهذا القول مطابق للحديث، وبه
ترجم البخاري، وأكثر الفقهاء لا يقولون ذلك؛ لأنه لا يجوز عندهم
الاستخلاف في الصلاة إلا لعذر، وقال أولًا: هذا الحديث رد على
الشافعي وأهل الظاهر في إنكارهم الاستخلاف (٦). وقد عرفت أنه
قول عنده، وأن أظهر قولیه جوازه.
(١) (شرح ابن بطال)) ٣٠٥/٢.
(٢)
(شرح ابن بطال)) ٣٠٣/٢.
((الهداية)) ٦٤/١، ((النوادر والزيادات)) ٣١٥/١، انظر: ((المجموع) ١٤١/٤.
(٣)
(٤) انظر: ((التهذيب)) ٣٠١/١، ((المجموع» ١٣٨/٤.
(٥) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٣١١/١.
(٦) (شرح ابن بطال)) ٣٠٢/٢.

١٠٩
= كتاب الأذان
الثاني عشر:
قوله: ((من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذا سبح التفت إليه
وإنما التصفيق للنساء))، وفي رواية أخرى للبخاري: ((فليقل: سبحان
الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول سبحان الله إلا التفت))(١).
التصفيق: هو التصفيح -بالحاء - سواءً صفق بيده أو صفح، وقيل:
هو بالحاء: الضرب بظاهر اليد وإحداهما على باطن الأخرى. وقيل: بل
بإصبعين من إحديهما على صفحة الأخرى، وهو الإنذار والتنبيه،
وبالقاف: ضرب إحدى الصفحتين على الأخرى، وهما للهو واللعب.
وقال أبو داود: قال عيسى بن أيوب: التصفيح للنساء (٢). يحتمل أنهم
ضربوا بأكفهم على أفخاذهم.
قلت: وإن ضربت المرأة كان ببطن كفها الأيمن على ظهر كفها
الأيسر، ولا يضرب ببطن كف على كف على وجه اللعب واللهو،
فإن فعلت ذلك على وجه اللعب بطلت صلاتها؛ لمنافاة الصلاة،
واحتج به الجماعة- كما قال ابن التين- من الحذاق على أبي حنيفة
في قوله: إن سبح الرجل لغير إمامه لم تجزه صلاته (٣).
ومذهب مالك والشافعي: إذا سبح الأعمى خوف أن يقع في بئر أو
خوفًا من دابة أو حية أنه جائز(4). وقال أصحاب أبي حنيفة: إن معنى
قوله: ((فليسبح)) أي: لإمامه إذا سهى؛ لأن سهو إمامه سهو له،
(١) سيأتي برقم (١٢٣٤) كتاب: السهو، باب: الإشارة في الصلاة.
(٢) (سنن أبي داود)) (٩٤٢) كتاب: الصلاة، باب: التصفيق في الصلاة.
(٣) أنظر: ((الهداية)) ٦٦/١.
(٤) ((المدونة)) ٩٨/١، ((روضة الطالبين)) ٢٩١/١، وهو مذهب الحنابلة أنظر ((المغني))
٤٥٤/٢.

٥١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فأجاز له هذا؛ لأنه من مصلحة الصلاة. وأجاب عند بعضهم بأن الخبر
خرج على سبب كما سلف، فتصفيقهم؛ ليُعلموا الصديق بمجيئه الطَّي،
وإنما كان السبب مع غير الإمام، وهذا لا يعود إلى الإمام، فما كان مثل
هذا السبب جائز، لكن قوله: ((من نابه شيء)) عام فيما كان مع الإمام
وغيره. وقال مالك: إنما قال ذلك على معنى العتب لما فعل، أي:
ذلك للنساء فهو ذم للتصفيق، فالمرأة تسبح كالرجل؛ لقوله القليفي
((من نابه شيء)) و(من) تقع على الذكور والإناث. قال: والتصفيق
منسوخ بقوله: ((من نابه شيء في صلاته فليسبح)) وأنكره بعضهم.
وقال: لأنه لا يختلف أن أول الحديث لا ينسخ آخره، ومذهب
الشافعي والأوزاعي يخصص النساء بالتصفيق وهو ظاهر الحديث.
وفي أبي داود: ((وإذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال
وليصفح النساء))(١)، وسيأتي في البخاري في بابه من حديث أبي
هريرة (٢)، وهو في مسلم: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في
.(٣)
الصلاة(٣).
(١) ((سنن أبي داود)) (٩٤٠-٩٤١) كتاب: الصلاة، باب: التصفيق في الصلاة.
(٢) برقم (١٢٠٣) كتاب: العمل في الصلاة، باب: التصفيق للنساء.
(٣) مسلم (٤٢٢) كتاب: الصلاة، باب: تسبيح الرجل وتصفيق المرأة إذ نابهما شيء
في الصلاة.

٥١١
كتاب الأذان
=
٤٩- باب إِذَا اسْتَوَوْا في القِرَاءَةِ فَلْيَؤُقَّهُمْ أَكْبُرُهُمْ
٦٨٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزِبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَبْدِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي
قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الُوَيِثِ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ بَّهِ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ، فَلَبِثْنَا عِنْدَهُ
نَحْوَا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ النَّبِيُّ وَّهِ رَحِيمًا فَقَالَ: ((لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى بِلَادِكُمْ
فَعَلَّمْتُمُوهُمْ، مُرُوهُمْ فَلْيُصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينٍ كَذَا، وَصَلَاةَ كَذَا فِي حِينٍ
كَذَا، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ)). [انظر:
٦٢٨ - مسلم: ٦٧٤ - فتح: ٢ /١٧٠]
ذكر فيه حديث مالك بن الحويرث قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ بَّهُ وَنَحْنُ
شَبَبَةٌ .. الحدیث.
سلف في الأذان(١)، وذكرنا هناك أنه قدم الأكبر للتساوي في شروط
الإمامة، ورجحان أحدهما بالسن. وإن كان يحتمل أن بعضهم أسرع
حفظًا وأقبل لما يتعلمه عن بعضهم، لكنهم تساووا في تعليم ما
يجزئهم الصلاة به؛ فلأجل ذلك ذكر الأسن، وإلا فالأسن إذا اجتمع
وكان من هو أصغر منه أقرأ قدم الأقرأ، كما في حديث عمرو بن
سلمة وهو صبي في مسجد عشيرته، وفيهم الشيوخ والكهول(٢). لكن
سلف لك أن الأفقه أولى منه وأن هذا كان أول الحال.
(١) برقم (٦٢٨) باب: من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد. و(٦٣٠- ٦٣١) باب:
الأذان للمسافر، وإذا كانوا جماعة، والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع. و(٦٥٨)
باب: آثنان فما فوقهما جماعة.
(٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٤٣٠٢) وتقدم تخريجه.

٥١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ـ
٥٠- باب إِذَا زَارَ الإِمَامُ قَومًا فَأَمَّهُمْ
٦٨٦ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ:
أَخْبَرَنِ تَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: سَمِعْتُ عِثْبَانَ بْنَ مَالِكِ الأَنَّصَارِيَّ قَالَ: أَسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ
وَلٍِّ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَقَالَ: ((أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟)). فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى المَكَانِ
الذِي أُحِبُّ، فَقَامَ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا. [انظر: ٤٢٤- مسلم: ٣٣ - فتح:
١٧٢/٢]
ذكر فيه حديث محمود بن الربيع: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكِ الأَنْصَارِيَّ
قَالَ: أَسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ◌َهِ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَقَالَ: ((أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ
بَيْتِك؟)) .. الحديث. تقدم في باب المساجد في البيوت وغيره (١).
(١) برقم (٤٢٥) كتاب: الصلاة. و(٦٦٧) كتاب: الأذان، باب: الرخصة في المطر
والعلة أن يصلي في محله.

٥١٣
=
كتاب الأذان
٥١- باب إِنّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ
وَصَلَّى النَّبِيُّ وَ﴿ فِي مَرَضِهِ الذِي تُوُنِّيَ فِيهِ بِالنَّاسِ وَهْوَ
جَالِسٌ. [انظر ٩٨] وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ: إِذَا رَفَعَ قَبْلَ الإِمَامِ يَعُودُ
فَيَمْكُثُ بِقَدْرٍ مَا رَفَعَ ثُمَّ يَتْبَعُ الإِمَامَ. وَقَالَ الحَسَنُ فِيمَنَ يَرْكَعُ
مَعَ الإِمَامِ رَكْعَتَيْنٍ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ: يَسْجُدُ لِلرَّكْعَةِ
الآخِرَةِ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الأُولَى بِسُجُودِهَا. وَفِيمَنْ
نَسِيَ سَجْدَةً حَتَّى قَامَ: يَسْجُدُ.
٦٨٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِ عَائِشَةَ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَلَّا تُحَدِّثِيْنِي عَنْ مَرَضٍ
رَسُولِ اللهِ وَ لِ؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ وَِّ فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)). قُلْنَا: لَا، هُمْ
يَنْتَظِرُونَكَ. قَالَ: ((ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ)). قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ
لِيَّنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ بَِّ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)). قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ
يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ)». قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ
لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)). قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ
اللهِ. فَقَالَ: ((ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبٍ)). فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ
عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)). فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ - وَالنَّاسُ
عُكُوفٌ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيِّ الَْ لِصَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ - فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ وَلَّ إِلَى
أَبِي بَكْرٍ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلَِّ
بِالنَّاسِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا -: يَا عُمَرُ، صَلِّ بِالنَّاسِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ
أَحَقُّ بِذَلِكَ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرِ تِلْكَ الأْيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ◌َّهَ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ
بَيْنَ رَجُلَيْنِ - أَحَدُهُمَا العَبَّاسُ - لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ
ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِأَنْ لَا يَتَأَخََّ. قَالَ: ((أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ)).
فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَتْبٍ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ: فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ يَأْتَمُّ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ وَُّ

٥١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وَالنَّاسُ بِصَلَاةٍ أَبِي بَكْرِ، وَالنَّبِيُّ وَلِ قَاعِدٌ. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ
عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ النَّبِيِّ بَّرَ؟ قَالَ:
هَاتٍ. فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الذِي
كَانَ مَعَ العَبَّاسِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: هُوَ عَليّ. [انظر: ١٩٨ - مسلم: ٤١٨ - فتح: ٢/ ١٧٢]
٦٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمُ المُؤْمِنِينَ، أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ وََّ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ،
فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمُ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ أَجْلِسُوا، فَلَمَّا أَنْصَرَفَ قَالَ:
(إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى
جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا)). [١١١٣، ١٢٣٦، ٥٦٥٨- مسلم: ٤١٢ - فتح: ٢/ ١٧٣]
٦٨٩- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ
ابْنِ مَالِكِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيَمَنُ، فَصَلَّى
صَلَاةَ مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهْوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا أَنَّصَرَفَ قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ
الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ
فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ. وَإِذَا صَلَّى
قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ)). قَالَ أَبُو عَبْدٍ
اللهِ: قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: قَوْلُهُ: ((إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا)). هُوَ فِي مَرَضِهِ القَدِيمِ،
ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ وَ جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا، لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ، وَإِنَّمَا
يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ، فَالآخِرِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ بَّهِ. [انظر: ٣٧٨ - مسلم: ٤١١ - فتح: ١٧٣/٢]
وَصَلَّى النَّبِيُّ: ﴿ فِي مَرَضِهِ الذِي تُوُنِّيَ فِيهِ بِالنَّاسِ وَهْوَ جَالِسٌ.
هذا التعليق تقدم مسندًا عن حديث عائشة(١).
ثم قال البخاري: وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ: إِذَا رَفَعَ قَبْلَ الإِمَامِ يَعُودُ فَيَمْكُثُ
بِقَدْرِ مَا رَفَعَ ثُمَّ يَتْبَعُ الإِمَامَ.
(١) رقم (٦٦٤) كتاب: الأذان، باب: حد المريض أن يشهد الجماعة.

٥١٥
كتاب الأذان
=
وهذا التعليق أسنده ابن أبي شيبة، فقال: حدثنا هشيم، أنا حصين،
عن هلال بن يساف، عن أبي حيان الأشجعي -وكان من أصحاب عبد الله-
قال عبد الله: لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا بالسجود، وإذا رفع أحدكم
رأسه والإمام ساجد فليسجد، ثم ليمكث قدر ما سبقه به الإمام.
وحدثنا ابن إدريس، عن حصين، عن هلال به نحوه (١).
وروى البيهقي من طريق ابن لهيعة أن عمر قال: إذا رفع أحدكم
رأسه وظن أن الإمام قد رفع فليعد رأسه، وليمكث بقدر ما ترك، ثم
قال وروينا عن إبراهيم والشعبي أنه يعود فيسجد(٢).
قلت: وكل هذا لأجل المتابعة. وحكى ابن سحنون عن أبيه نحوه أن
سحنونًا رفع قبل إمامه ولم يعلم رفع الإمام رأسه، فرجع سحنون يسجد
القدر الذي كان مع الإمام. ومذهب مالك أن من خفض أو رفع قبل إمامه
أنه يرجع فيفعل ما دام إمامه لم يفرغ من ذلك(٣)، وبه قال أحمد
وإسحاق، والحسن والنخعي(٤)، وروي نحوه عن عمر (٥)، وقال ابنه:
من ركع أو سجد قبل إمامه لا صلاة له(٦). وهو قول أهل الظاهر (٧)،
وقال الشافعي وأبو ثور: إذا ركع وسجد قبله فإن أدركه الإمام فيهما
(١) ((المصنف)) ١/ ٤٠٢ (٤٦٢٠-٤٦٢١).
(٢) ((السنن الكبرى)) ٩٣/٢ كتاب: الصلاة، باب: إثم من رفع رأسه قبل الإمام.
(٣) انظر: ((الذخيرة)) ٢٧٥/٢.
(٤) رواه عنها بن أبي شيبة ١/ ٤٠٢ (٤٦٢٤-٤٦٢٥).
(٥) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٧٥/٢ (٣٧٥٨)، وابن أبي شيبة ١/ ٤٠٢
(٤٦٢٢)، وابن المنذر في ((الأوسط)) ١٩١/٤-١٩٢ (٢٠١٣، ٢٠١٥).
(٦) رواه ابن المنذر ١٩٠/٤-١٩١ (٢٠١٠-٢٠١٢) وبمعناه رواه ابن أبي شيبة
٤٠٢/١ (٤٦٢٣).
(٧) انظر: ((المحلى)) ٦٠/٤-٦١.

٥١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
أساء ويجزئه. حكاه ابن بطال، قال: وشذ الشافعي فقال: إن كبر
للإحرام قبل إمامه فصلاته تامة(١).
قلت: هو أصح قوليه فيما إذا أحرم منفردًا ثم نوى الاقتداء في أثناء
صلاته.
ثم قال البخاري: وَقَالَ الحَسَنُ فِيمَنْ يَرْكَعُ مَعَ الإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ وَلَا
يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ: يَسْجُدُ لِلرَّكْعَةِ الآخِرَةِ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَّقْضِي الرَّكْعَةَ
الأُولَى بِسُجُودِهَا. وَفِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً حَتَّى قَامَ: يَسْجُدُ.
قال ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم أنا يونس عن الحسن أنه كان يقول:
إذا رفع رأسه قبل الإمام والإمام ساجد فليعد وليسجد(٢). وقال مالك في
مسألة الزحام لا يسجد على ظهر أحد، فإن خالف يعيد(٣). وقال
الشافعي والكوفيون وأبو ثور: يسجد ولا إعادة (٤).
ثم ذكر البخاري من حديث مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةً قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضٍ
رَسُولِ اللهِ نَّهِ؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ وَّهِ فَقَالَ: ((أَصَلَّى
النَّاسُ؟» ... الحديث.
وقد ذكر بعضه في باب الغسل والوضوء في المخضب(6). قال ابن
أبي حاتم: سمعت أبي يقول تريبني رواية موسى هذا. قلت: ما يقول
فيه؟ قال: صالح الحديث، قلت يحتج بحديثه؟ قال: يكتب
(١) ((شرح ابن بطال)) ٣١١/٢.
(٢) (المصنف)) ٤٠٢/١ (٤٦٢٤) في الصلوات، باب: الرجل يرفع رأسه قبل الإمام.
(٣) ((المدونة)) ١٣٧/١.
(٤) انظر ((المبسوط)) ٣٢/٢، ((الأوسط)) ١٠٤/٤.
(٥) سلف برقم (١٩٨) كتاب: الوضوء.

٥١٧
- كتاب الأذان
حديثه(١)، قلت: هو ثقة ناسك، أخرج له الجماعة، وسلف بيان
المخضب هناك.
وقوله: (ذهب لينوء) أي: لينهض بجهد ومشقة، وناء: سقط وهو
من الأضداد.
وقيل: معنى لينوء، أي: تمايل ليتحامل على القيام.
وقولها: (عكوف) أي: لم يبرحوا في المسجد، والعكوف:
الملازمة.
ثم ذكر البخاري أيضًا من حديث عروة عن عائشة أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى
رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكِ ... الحديث. ويأتي أيضًا(٢).
ثم ذكر أيضًا من حديث ابن شهاب عن أنس أنه وصل* رَكِبَ
فَرَسًا ... الحديث.
وقد سلف في باب الصلاة في السطوح والخشب، من حديث حُميد
عن أنس (٣)، ويأتي إن شاء الله في باب: إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة
من حديث الزهري عن أنس أيضًا (٤). وسيأتي نحوه من حديث أبي هريرة
(٥)
أيضًا (٥).
وحاصل ما ذكره البخاري في الباب من الأحاديث والآثار وجوب
متابعة الإمام في أفعاله، وأنها عقبه، فلو خالف وقارنه لم يضر إلا تكبيرة
(١) ((الجرح والتعديل)) ٨/ ١٥٧ (٧٠٠).
(٢) سيأتي برقم (١١١٣) كتاب: تقصير الصلاة، باب: صلاة القاعد.
(٣) سلف برقم (٣٧٨) كتاب: الصلاة.
(٤) سيأتي برقم (٧٣٢-٧٣٣)، كتاب: الأذان، باب: إيجاب التكبير، وافتتاح
الصلاة.
(٥) برقم (٧٢٢) كتاب: الأذان، باب: إقامة الصف من تمام الصلاة.

٥١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الإحرام، وكذا السلام عندنا على وجه، والأصح المنع، وإن سبقه بركن
لم تبطل على الأصح مع أرتكاب الحرام بخلاف ركنين(١) فإنها تبطل.
وعند ابن حزم أنه لا يفعل شيئًا قبل إمامه ولا معه، فإن فعل عامدًا
بطلت صلاته، لكن بعد تمام كل ذلك من إمامه، وعليه سجود
السهو(٢). وعند مالك فيما نقله ابن حبيب عنه: أنه يفعل المأموم مع
الإمام إلا في الإحرام والقيام من اثنتين والسلام فلا يفعله إلا بعده(٣).
وقال أبو حنيفة ومحمد وزفر والثوري: يكبر في الإحرام مع إمامه،
وخالف أبو يوسف. احتج من جوز المقارنة بأن الأئتمام امتثال
لفعل الإمام وهو حاصل(٤). واحتج من منع بأن الشارع جعل فعلهم
عقب فعله؛ لأن الفاء للتعقيب، وإذا لم يتقدمه الإمام بالتكبير فلا يصح
الآنتمام به؛ لأنه محال أن يدخل المأموم في صلاة لم يدخل فيها إمامه.
وباقي أحكام الباب سبق مفرقًا في الأبواب، ويأتي بعضه أيضًا.
(١) انظر: ((روضة الطالبين)) ٣٧٣/١.
(٢) ((المحلى)) ٤ /٦٠-٦١.
(٣) انظر: ((الذخيرة)) ٢٧٥/٢.
(٤) المصدر السابق.

٥١٩
كتاب الأذان
٥٢- باب مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ؟
قَالَ أَنَسٌ: فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا. [انظر: ٣٧٨]
٦٩٠- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو
إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي البَرَاءُ - وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ - قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ إِذَا قَالَ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)). لمْ يَجْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى
يَقَعَ النَّبِيُّ وََّ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ.
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، نَحْوَهُ بهذا. [٧٤٧، ٨١١- مسلم:
٤٧٤- فتح: ١٨١/٢]
وقَالَ أَنَسٌ عن النبي ◌َّ: ((فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا)).
كذا في بعض النسخ، وهو ما في ((شرح ابن بطال))(١)، وفي بعضها:
قال أنس: وإذا سجد سجدوا.
ثم ساق من حديث سفيان، عن أبي إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ
قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ - وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ- قَالَ: كَانَ النبي ◌َّهِ إِذَا قَالَ:
(سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ). لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ وَُّ
سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ.
حَدَّثَا أَبُو نُعَيْمِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، نَحْوَهُ بهذا.
وهذا الحديث ذكره البخاري أيضًا في موضعين آخرين: رفع البصر
إلى الإمام(٢)، والسجود على سبعة أعظم (٣). وأخرجه مسلم أيضًا(٤).
وسفيان: هو الثوري، وأبو إسحاق: هو السبيعي، وعبد الله بن یزید:
(١) ((شرح ابن بطال)) ٣١٧/٢.
(٢) برقم (٧٤٧) كتاب: الأذان.
(٣) برقم (٨١١) كتاب: الأذان.
(٤) مسلم (٤٧٤) كتاب: الصلاة، باب: متابعة الإمام والعمل بعده.
٩٠

٥٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
هو الخطمي، صحابي ابن صحابي كالبراء ووالده.
وقال الدارقطني: إنه محفوظ لعبد الله عن البراء، ولم يقل أحد عن
ابن أبي ليلى عن البراء غير أبان بن تغلب عن الحكم، وغير أبان أحفظ
منه. قلت: حديث أبان أخرجه مسلم (١)، والسند الثاني مذكور في بعض
النسخ ومضروب عليه في بعضها، ولم يذكره أصحاب الأطراف ولا أبو
نعيم في «مستخرجه)).
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها: قوله: (وهو غير كذوب)، قائله هو أبو إسحاق في عبد الله
لا البراء، قاله الحفاظ، وليس بجيد؛ لأن عبد الله صحابي أيضًا كما
أسلفناه. وعبد الله لم يرد به التعديل، وإنما أراد به قوة الحديث كما
أوضحته في ((شرح العمدة)) بشواهده (٢).
ثانيها: قوله: (لم يحنٍ) أي: لم يعطف، ومنه حنيت العود:
عطفته، ويقال: حنيت وحنوت، والأكثر في اللغة والرواية بالياء. وقد
روي بهما في ((صحيح مسلم)) (٣).
ثالثها: قوله: (ثم نقع) هو بالرفع على الاستئناف وليس معطوفًا على
(يقع) الأول المنصوب بـ (حتى)؛ إذ ليس المعنى عليه.
(١) مسلم (٤٧٤/ ٢٠٠).
وقال النووي: اعتراض الدارقطني هذا لا يقبل، بل أبان ثقة، نقل شيئًا فوجب
قبوله، ولم يتحقق کذبه وغلطه، ولا امتناع في أن یکون مرويًّا عن ابن یزید وابن
أبي ليلى والله أعلم.اهـ ((شرح مسلم)) ١٩١/٤.
(٢) انظر: ((الإعلام)) ٥٧٨/٢ - ٥٧٩. وانظر: ((مسلم بشرح النووي)) ١٩٠/٤، ((فتح
الباري)) لابن رجب ١٦٣/١.
(٣) مسلم (٤٧٤/ ١٩٧، ٢٠٠).