Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
ـ كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وفضلها
٩- باب الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ في شِدَّةِ الحَرِّ(١)
٥٣٣، ٥٣٤- حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ
صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: حَدَّثَنَا الأَغْرَجُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَنَافِعٌ - مَوْلَى
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا
اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)). [٥٣٦- مسلم:
٦١٥، ٦١٧ - فتح: ١٥/٢]
٥٣٥- حَدَّثَنَا ابن بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي
الَحَسَنِ، سَمِعَ زَيْدَ بْنَ وَهُبٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ◌َِّ الظُّهْرَ، فَقَالَ:
(أَبْرِدْ أَبْرِدْ)) أَوْ قَالَ: ((انْتَظِرِ أَنْتَظِرْ)). وَقَالَ: ((شِدَّةُ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ
الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ». حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ الُّلُولِ. [٥٣٩، ٦٢٩، ٣٢٥٨ - مسلم: ٦١٦-
فتح: ١٨/٢]
٥٣٦- حَدَّثَنَا عَلِّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نََِّّ قَالَ: «إِذَا أَشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا
بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)). [انظر: ٥٣٣ - مسلم: ٦١٥، ٦١٧ - فتح:
١٨/٢]
٥٣٧- ((وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا. فَأَذِنَ
لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسِ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ
الحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ)). [٣٢٦٠ - مسلم: ٦١٧ - فتح: ١٨/٢]
٥٣٨- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو
صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((أَبْرُوا بِالظَّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ
قَبْحِ جَهَثَّمَ)).
تَابَعَهُ سُفْيَانُ وَيَخْيَى وَأَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ. [٣٢٥٩ - فتح: ١٨/٢]
(١) في هامش (س) ثم بلغ في السابع بعد الستين له بمؤلفه.

١٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
ذكر فيه حديث صالح بن كيسان، ثنا الأعرج وغيره عن أبي هريرة:
وَنَافِعٌ -مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - قَالَ: ((إِذَا أَشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ
الصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)).
وفي حديث أبي هريرة: ((وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا ... )) الحديث.
وحديث أبي ذر: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رسول الله ◌ِِّ، فَقَالَ: ((أَبْرِدْ أَبْرِدْ) أَوْ
قَالَ: ((انْتَظِرِ أَنْتَظِرْ)). وَقَالَ: ((شِدَّةُ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ
فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ». حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ الثُّلُولِ.
وحديث أبي سعيد: ((أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ ... )) الحديث. تَابَعَهُ سُفْيَانُ وَيَحْيَى
وَأَبُو عَوَانَةً، والأَغْمَشِ.
الكلام عَلَى ذَلِكَ من وجوه:
أحدها:
حديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا(١). والقائل: ونافع. هو
صالح، كما بينه أصحاب الأطراف (٢).
وحديث ابن عمر من أفراده. وأخرجه ابن ماجه أيضًا، ولفظه:
((أبردوا بالظهر))(٣).
(١) برقم (٦١٥) كتاب: المساجد، باب: استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر. قال
ابن رجب في ((الفتح)) له ٣/ ٦١ وهذا من جملة نسخة يرويها أيوب عن أبي بكر،
عن سليمان، والبخاري يخرج منها كثيرًا، وقد توقف فيها أبو حاتم الرازي؛ لأنها
مناولة ... ولكن المناولة جائزة عند الأكثرين.
(٢) انظر: ((تحفة الأشراف)) ١٦١/١٠ (١٣٦٤٩)، عن أبي هريرة، و١٠١/٦
(٧٦٨٦) عن ابن عمر.
(٣) برقم (٦٨١).

١٤٣
= ڪِتَابُ مَوَاقِيتِ الضَّلَاةِ وفضلها
وحديث أبي ذر أخرجه مسلم أيضًا وأبو داود والترمذي(١).
وحديث أبي سعيد من أفراده.
ومتابعة سفيان خرجها البخاري في صفة (النار)(٢) عن الفريابي، عن
سفيان بن سعيد(٣). ومتابعة يحيى بن سعيد خرجها الإسماعيلي عن ابن
خلاد، ثنا بندار، عنه. ورواه الخلال عن الميموني، عن أحمد، عن
يحيى، ولفظه: ((فوح جهنم)). قَالَ أحمد: ما أعرف أحدًا قاله بالواو
غير الأعمش (٤).
ومتابعة أبي عوانة ( ... )(٥).
وتابعه أيضًا أبو خالد أخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم.
وأبو معاوية محمد بن خازم وأخرجه ابن ماجه: عن كريب
عنه(٦).
ولما أخرجه الترمذي من طريق أبي هريرة(٧) قَالَ: وفي الباب عن
(١) رواه مسلم (٦١٦) كتاب: المساجد، باب: استحباب الإبراد بالظهر في شدة
الحر، وأبو داود (٤٠١)، والترمذي (١٥٨).
(٢) في الأصل: ((الصلاة)) وهو خطأ، والمثبت كما في تخريج الحديث عند البخاري
برقم (٣٢٥٩) وما قاله المزي في ((تحفة الأشراف)) ١٤٥/٣، وابن رجب في
((الفتح)) له ٦٤/٣، والحافظ في ((الفتح)) ١٩/٢.
(٣) سيأتي برقم (٣٢٥٩) كتاب: بدء الخلق.
(٤) في ((مسنده)) ٣/ ٥٢، وقال: هكذا قال الأعمش: من فوح جهنم.
(٥) بياض في الأصول مقدار كلمتين، وقال الحافظ في ((الفتح)) ١٩/٢: قوله (وأبو
عوانة) لم أقف على من وصله عنه. اهـ
قلت: فلعل المصنف بيض له في أصله، وتبعه سبط ابن العجمي ناسخ (س)
والله أعلم.
(٦) ابن ماجه رقم (٦٧٩).
(٧) برقم (١٥٧).

١٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
أبي سعيد، وأبي ذر، وابن عمر، والمغيرة(١)، والقاسم بن صفوان عن
أبيه، وأبي موسى، وابن عباس، وأنس، وروي عن عمر(٢) ولا يصح(٣).
قلت: وابن مسعود، وعائشة، وعمرو بن عبسة، وعبد الرحمن بن
علقمة الثقفي، ورجل من الصحابة. ذكره الميموني عن أحمد، وقال:
أحسبه غلطًا من غندر. وصرح الدارقطني بغلطه وقال: الرجل نراه ابن
مسعود، وصفوان بن عسال. ذكره صاحب ((مسند الفردوس)).
الوجه الثاني:
((اشتد)»: افتعل من الشدة والقوة، أي: إذا قوي الحر. وأصل اشتد:
اشتدد، فسكنت الدال الأولى، وأدغمت في الثانية.
و((أَبْرِدُو)) أي: افعلوها في وقت البرد، وهو الزمان الذي يتبين فيه
شدة أنكسار الحر؛ لأن شدة الحر تذهب الخشوع. قَالَ ابن التين:
((أَبْرِدُو)) أي: ادخلوا في وقت الإبراد، مثل: أظلم دخل في الظلام،
وأمسى دخل في المساء، وهذا بخلاف ((الحمى من فيح جهنم،
(١) جاء في هامش (س): من خط المصنف في الهامش: لفظ المغيرة كنا نصلي مع
رسول الله صل صلاة الظهر بالهاجرة، فقال لنا: ((أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من
فيح جهنم)). قال البخاري: هو محفوظ، وخرجه أحمد، ثم قال خباب: يقول: لم
یشکنا والمغيرة كما تری يروي القصتين، وقال ابن حبان: تفرد به إسحاق الأزرق.
قلت: رواه ابن ماجه (٦٨٠)، وأحمد ٤/ ٢٥٠، وابن حبان ٣٧٢/٤-٣٧٣
(١٥٠٥)، والطبراني ٤٠٠/٢٠ (٩٤٩)، والبيهقي ٤٣٩/١ (٢٠٦٨)، وقال
البوصيري في ((مصباح الزجاجة)): هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات، وصححه
الألباني كما في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (٥٥٤).
(٢) رواه البزار في ((كشف الأستار)) (٣٦٩)، وأبي يعلى كما في ((المطالب العالية))
(٢٢٥)، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٤٦/٢: وفيه محمد بن الحسن بن زبالة
نسب إلى وضع الحدیث.
(٣) ((سنن الترمذي)) ٢٩٦/١.

١٤٥
ـ كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وفضلها
فأبردوها عنكم))(١)، تقرأ بوصل الألف؛ لأنه ثلاثي من برد.
وقوله: ( ((عَنِ الصَّلَاةِ) ) قيل: (عن) بمعنى (في) هنا، وقد جاءت
في بعض طرقه: ((أبردوا بالصلاة))(٢). و(عن) تأتي بمعنى الباء، يقال:
رميت عن القوس، أي: به كما تأتي الباء بمعنى: (عن) في قوله
تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ فَسْئَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] أي: عنه، ومنع
بعض أئمة اللغة: رميت بالقوس، ونقل جماعة جوازه. وقيل: زائدة،
أي: أبردوا الصلاة. يقال: أبرد الرجل كذا إذا فعله في وقت النهار،
وهو اختيار ابن العربي في ((قبسه)).
ثالثها :
((فَيْح)) بفتح الفاء وإسكان الياء، ثم حاء مهملة، وروي بالواو كما
سلف، ومعناه أن شدة الحر- غليانه- تشبه نار جهنم فاحذروه واجتنبوا
ضرره.
قَالَ ابن سيده: فاح الحر يفيح فيحًا: سطع وهاج(٣)، وكذا فوحه.
وقال الجوهري: يقال: فاح الطيب إذا تضوع ولا يقال: فاحت ريح
خبيثة (٤)، كذا قَالَ. وليتأمل هذا الحديث مع كلامه.
رابعها :
الحر والحرور: الوهج ليلًا كان أو نهارًا، بخلاف السموم فإنه
(١) سيأتي برقم (٣٢٦٢) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة بلفظ:
((من فور جهنم)) بدل: ((فيح))، وبرقم (٥٧٢٦) كتاب: الطب، باب: الحمى من
فیح جهنم، وفيه: ((من فوح جهنم) بالواو.
(٢) سيأتي برقم (٣٢٥٩) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة.
(٣) ((المحكم)) ٣٤٦/٣.
(٤) ((الصحاح)) ٣٩٣/١.

١٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
لا يكون إلا نهارًا، ويحتمل كما قَالَ القاضي: أن یکون الحرور أشد من
الحر، كما أن الزمهرير أشد من البرد (١).
خامسها :
(جَهَنَّم)) مؤنثة أعجمي. وقيل: عربي مأخوذ من قول العرب بئر
جِهِنَّام، إذا كانت بعيدة القعر، وهذا الاسم أصله الطبقة العليا
ويستعمل في غيرها (٢).
سادسها :
الذي يقتضيه مذهب أهل السنة، وظاهر الحديث: أن شدة الحر من
فيح جهنم حقيقة لا استعارة وتشبيها وتقريبًا، فإنها مخلوقة موجودة، وقد
اشتكت النار إلى ربها، كما سلف وسيأتي الكلام عليه(٣).
سابعها :
الإبراد، إنما يشرع في الظهر بشروط محلها كتب الفروع، وقد
بسطناها فيها ولله الحمد(٤).
(١) ((مشارق الأنوار)) ١٨٧/١.
((تهذيب اللغة)) ٦٨١/١، ((لسان العرب)) ٧١٥/٢، مادة: جهنم، وفيه: وقيل: هو
(٢)
تعريب كهنَّام بالعبرانية.
(٣) سلف برقم (٥٣٧) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الإبراد بالظهر في شدة الحر،
وسيأتي برقم (٣٢٦٠) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة.
(٤) يرى فقهاء الحنفية أن الإبراد بصلاة الظهر مشروط بثلاثة شروط:
١- أن تكون الصلاة في مساجد الجماعات.
٢- أن يكون ذلك في شدة الحر.
٣- أن يكون ذلك في بلاد حارة.
واشترط الشافعية نفس الشروط السابقة، وزادوا عليها شرطًا رابعًا وهو: أن ينتاب
الناس الصلاة من البعد.
=

١٤٧
كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ وفضلها
=
وظاهر الحديث منها اشتراط شدة الحر فقط، وانفرد أشهب فقال:
يبرد بالعصر أيضًا (١).
وقال أحمد: تؤخر العشاء في الصيف دون الشتاء (٢)، وعكس ابن
حبيب لقصر الليل في الصيف وطوله في الشتاء (٣)، وظاهر الحديث
عدم الإبراد في الشتاء والأيام غير الشديدة البرد مطلقًا، وخالف في
ذَلِكَ مالك كما ستعلمه (٤)
= أما الحنابلة فاقتصروا على الشرطين الأول والثالث.
انظر: ((حاشية رد المحتار)) ٣٦٩/١، ((طرح التثريب)) ١٥١/١، ((البيان)) ٣٨/٢،
((شرح الزركشي)) ٢٦١/١، ((الإنصاف)» للمرداوي ١٣٥/٣.
(١) ((النوادر والزيادات)) ١٥٥/١، ((عقد الجواهر الثمينة)) ١٠٥/١: وهو مذهب
الحنفية ورواية عن أحمد، وبه قال أبو هريرة، وابن مسعود في رواية، وابن عمر،
وعلي، وروي عن الثوري والنخعي وطاوس وغيرهم خلق.
انظر: ((الأصل)) ١٥٤/١، ((الموطأ برواية الشيباني)) ص٣٣، ((بدائع الصنائع))
١٢٥/١، (التمام)) ١٣٩/١، ((شرح العمدة)) ٢٠٦/٢، ((الأوسط)) ٣٦٤/٢،
((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٨٩/١، ((فتح الباري)) لابن رجب ٢٩٢/٤.
(٢) قد وجدت هذا التقييد لتأخير العشاء في الصيف دون الشتاء في رواية الكوسج
حيث أن رواية الكوسج (١٢٥) نصت على الإبراد في صلاة الظهر في الحر
والعشاء في الآخرة وقيد الإبراد في الصيف، ونص رواية الكوسج هكذا: قال
الإمام: الإبراد في الصيف يستحب تأخير صلاتين: الظهر في الحر والعشاء
الآخرة، وهُذِه الرواية يفهم منها تقييد الإمام تأخير العشاء في الصيف.
لكن بتتبعي لرواية صالح ابنه (١٠٣٩) وجدته أطلق ذلك فقال: ((صلاة العشاء الآخرة
تؤخر)).اهـ وكذا في رواية الأثرم كما في ((التمهيد) ٧/٥-٨، بل قد نص الإمام أحمد
على التأخير في الفصلين كما في مسائله برواية أبي داود (١٨٢)، فقال: يعجبني
تعجيل الصبح وتأخير الظهر في الصيف، وتأخير العشاء في الصيف والشتاء.اهـ
ومن ثم كان ينبغي على المصنف أن يذكر روايات الإطلاق لاسيما رواية الإطلاق
في الفصلين، ومن ثم فتقييد المصنف تأخير العشاء في الصيف فحسب فيه نظر!
(٣) انظر: ((الذخيرة)) ٢٨/٢.
(٤) انظر: ((المدونة)) ٦٠/١.

١٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
ثامنها :
٠
اختلف في مقدار وقته فقيل: أن تؤخر الصلاة عن أول الوقت مقدار
ما يظهر للحيطان ظل، ولا يحتاج إلى المشي في الشمس، وظاهر النص
أن المعتبر أن ينصرف منها قبل آخر الوقت، ويؤيده حديث أبي ذر:
(حَتَّى رأينا فيء التلول). وقال مالك: إنه تأخير الظهر إلى أن يصير
الفيء ذراعًا. وسوى في ذَلِكَ بين الصيف والشتاء(١) وقال أشهب في
((مدونته)) لا يؤخر الظهر إلى آخر وقتها.
وقال ابن بزيزة: ذكر أهل النقل عن مالك أنه يكره أن يصلي الظهر
في أول الوقت، وكان يقول: هي صلاة الخوارج وأهل الأهواء. وأجاز
ابن عبد الحكم التأخير إلى آخر الوقت. وحكى أبو الفرج عن مالك:
أول الوقت أفضل في كل صلاة إلا الظهر في شدة الحر.
وعن أبي حنيفة(٢) والكوفيين وأحمد وإسحاق: يؤخرها حَتَّى
یپرد بها.
وحكى الزناتي(٣) المالكي أنه هل ينتهي إلى نصف القامة، أو
إلى ثلثها، أو إلى ثلاثة أرباعها، أو إلى مقدار أربع ركعات،
فيه أربعة أقوال.
ونزلها المازري عَلَىْ أحوال (٤).
وقال ابن العربي في ((قبسه)): ليس للإبراد تحديد في الشريعة(٥)،
(١) ((النوادر والزيادات)) ١٥٥/١.
(٢) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٢٣، ((شرح معاني الآثار)) ١٤٨/١، ١٨٤.
(٣) ورد بهامش (س) ما نصه: بفتح الزاي ونون ثم ألف ثم تاء بعدها ياء النسبة إلى
زناته قبيلة من الفرس.
(٤) ((إكمال المعلم)) ١٩٦/١.
(٥) («القبس)) ١٠٧/١.

١٤٩
كِتَابُ مَوَافِيتِ الصَّلاةِ وفضلها
إلا ما ورد في حديث ابن مسعود أي: في النسائي بإسناد صحيح.
ولا مبالاة بتضعيف عبد الحق له (١): كان يصلي الظهر في الصيف
في ثلاثة (٢) أقدام إلى (خمسة أقدام)(٣)، وفي الشتاء في خمسة أقدام إلى
(سبعة) (٤) أقدام(٥). وذلك بعد طرح ظل الزوال.
أما أنه وردت فيه إشارة واحدة، وهي: كنا نصلي الجمعة، وليس
للحيطان ظلٌ. فلعل الإبراد كان ريثما يكون للجدار ظل يأوي إليه
المجتاز(٦).
تاسعها :
اختلف الفقهاء في الإبراد بالصلاة (٧): فمنهم من لم يره، وتأول
(١) ((الأحكام الوسطى)) ١/ ٢٥٤ حيث قال: في إسناده عبيدة بن حميد يعرف بالحذاء
ولا يحتج به.
(٢) في (س)، (ج) الثلاثة، وأثبت كما في المصادر التي بين أيدينا.
(٣) في (س)، (ج) الأربعة الأقدام، وهو تحريف. والمثبت كما في مصادر التخريج.
(٤) في (س)، (ج): وهو تحريف والمثبت كما في المصادر ستة.
(٥) رواه أبو داود (٤٠٠)، النسائي ٢٥٠/١-٢٥١، والبيهقي ٣٦٥/١، وأما تضعيف
عبد الحق لهذا الحديث إنما بسبب عبيدة بن حميد، والرجل مختلف فيه، كذا قال
ابن القطان في ((بيان الوهم والإيهام)» ٢١٦/٤-٢١٧ (١٧٠٩)، والحديث صححه
الألباني في «صحيح سنن أبي داود)).
فائدة: عبيدة بن حميد، وثقه أحمد. ((تهذيب الكمال)).
(٦) انظر: ((القبس)) ١٠٧/١.
(٧) على أربعة أقوال:
القول الأول: المستحب لصلاة الظهر الإبراد بها في أيام الصيف والتعجيل بها بعد
الزوال في أيام الشتاء. وهو مذهب الحنفية، ورواية عن ابن راهوية.
القول الثاني: المستحب تأخير الظهر مطلقًا صيفًا وشتاء للفرد والجماعة حتى
یکون الفيء ذراعًا.
وهو قول مالك فما رواه ابن القاسم عنه، ومعظم فقهاء المالكية، وقيد بعضهم =

١٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الحديث عَلَى إيقاعها في برد الوقت، وهو أوله، والجمهور من الصحابة
والعلماء عَلَى القول به.
ثم اختلفوا فقيل: إنه عزيمة، واختلف عليه. فقيل: سنة، وهو
الأصح. وقيل: واجب تعويلًا عَلَى صيغة الأمر، حكاه القاضي(١).
وقيل: رخصة، ونص عليه في البويطي(٢)، وصححه الشيخ أبو علي
من الشافعية.
وأغرب النووي فوصفه في ((الروضة)) بالشذوذ، لكنه لم يحكه
قولًا(٣).
وبنوا عَلَى ذَلِكَ أن من صلى في بيته أو مشى في كن إلى المسجد
هل يسن له الإبراد؟
إن قلنا: رخصة لم يسن له؛ إذ لا مشقة عليه في التعجيل.
= أفضلية بكون التأخير في مساجد الجماعات دون الفرد حيث قالوا بأفضلية التقديم
للفذ.
القول الثالث: أن الأفضل في صلاة الظهر أن تعجل في أول الوقت إلا في حالات
معينة فتؤخر، وبهذا قال صاحب ((السراج)) من الحنفية، والشافعية، والحنابلة،
وبعض المالكية.
القول الرابع: الأفضل في صلاة الظهر وغيرها التعجيل بها أول الوقت مطلقًا. وهو
قول اللیث بن سعد.
انظر: ((المبسوط)) ١٣٦/١، ((بدائع الصنائع)) ١٢٥/١، ((المنتقى)) ١٣١/١،
(حاشية الدسوقي)) ١٨٠/١، (التمهيد)) ٣/٥، ((الشرح الكبير)) ٣٧٩/١،
((المجموع)) ٦٣/٣، ((المغني)) ٣٥/٢، ((الفروع)) ٢٩٩/١.
(١) ((إكمال المعلم)) ٥٨١/٢.
(٢) ونقله العمراني -من الشافعية- في ((البيان)) ٤٠/٢ ونصه: أمر رسول الله وَلة-
بتأخيرها في الحر توسعة، ورفقًا بالذين يتناوبونه.اهـ
(٣) بل حكاه وجهًا شاذَّ وصوَّب سنية الإبراد، ((روضة الطالبين)) ١/ ١٨٤.

١٥١
= ڪِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وفضلها
وإن قلنا: سنة أبرد -وهو الأقرب- لورود الأمر به مع ما اقترن به من
العلة من أن شدة الحر من فيح جهنم، وذلك مناسب للتأخير،
والأحاديث الدالة عَلَى التعجيل، وفضيلته عامة أو مطلقة وهذا
خاص، فلا منافاة مع صيغة الأمر ومناسبة العلة، يقول من قَالَ:
التعجيل أفضل؛ لأنه أكثر مشقة، فإن مراتب الثواب، إنما يرجع فيها
إلى النصوص.
وقد ترجح بعض العبادات الحقيقة عَلَى ما هو أشق منها بحسب
المصالح المتعلقة بها.
عاشرها :
اختلف في الإبراد بالجمعة(١) عَلَى وجهين لأصحابنا :
أصحهما عند جمهورهم: لا يشرع، وهو مشهور مذهب مالك
أيضًا، فإن التبكير سنة فيها.
وقال بعضهم: يشرع؛ لأن لفظ الصلاة في الحديث يطلق عَلَى
الظهر والجمعة، والتعليل مستمر فيها، وصححه العجلي.
(١) اختلف الفقهاء في أفضل وقت الجمعة: هل تُصلى في أول وقتها أم يبرد بها على
قولین :
القول الأول: أن أفضل وقت الجمعة صلاتها في أول وقتها مطلقًا صيفًا وشتاءً.
وهو مذهب الحنفية والمالكية والأصح عند الشافعية كما هنا.
القول الثاني: أنه يستحب الإبراد بالجمعة صيفًا لا شتاءً. وهو وجه عند
الشافعية.
انظر: ((عمدة القاري)) ٢٨٨/٥-٢٨٩، ((النوادر والزيادات)) ١٥٦/١، ((عقد
الجواهر الثمينة)) ١٠٥/١، ((المهذب)) ١٨٩/١، ((المجموع)) ٦٢/٣، ((إحكام
الأحكام)» ٣٠٤/١.

١٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وهو رأي البخاري كما ستعلمه في بابه حيث ترجم: إذا اشتد الحر
يوم الجمعة.
ثم ساق حديث أنس بن مالك: كان رسول الله وَله إذا اشتد البرد
بَكَّر بالصلاة، وإذا اشتد الحرُّ أبرد بالصلاة. يعني: الجمعة(١).
والجواب عن تعليل الجمهور: بأنه قد يحصل التأذي بحر المسجد
عند انتظار الإمام، لكن قد ثبت في ((الصحيح)) أنهم كانوا يرجعون من
صلاة الجمعة وليس للحيطان ظل يستظلون به (٢) من شدة التبكير لها أول
الوقت، فدلَّ عَلَى عدم الإبراد. والمراد بالصلاة هنا: الظهر، كما ساقه
البخاري من حديث أبي سعيد.
الحادي عشر:
عورض هذا الحديث بحديث خباب في ((صحيح مسلم)): شكونا
إلى النبي ◌َّلل حر الرمضاء فلم يشكنا(٣).
وأجيب بوجوه:
أحدها: بالنسخ، فإنه كان بمكة وحديث الإبراد بالمدينة، فإنه من
رواية أبي هريرة.
قَالَ الخلال في ((علله)) عن أحمد: آخر الأمرين من النبي وَلـ
الإبراد، وإليه مال أبو بكر الأثرم في ((ناسخه)) والطحاوي (٤).
(١) سيأتي برقم (٩٠٦) كتاب: الجمعة.
(٢) من حديث سلمة بن الأكوع. وسيأتي (٤١٦٨) كتاب: المغازي، باب: غزوة
الحديبية.
(٣) برقم (٦١٩) كتاب: المساجد، باب: استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في
غير شدة الحر.
(٤) الطحاوي في ((المشكل)) كما في ((تحفة الأخيار)) ٥٤٤/١.

١٥٣
=
كِتَابُ مَوَافِيتِ الصَّلاةِ وفضلها
=
ثانيها: حمله عَلَى الأفضل، وحمل حديث الإبراد عَلَى الرخصة
والتخفيف في التأخير.
ثالثها: أن الإبراد سنة للأمر به والتعليل، وحديث خباب عَلَى أنهم
طلبوا تأخيرًا زائدًا عَلَى قدر الإبراد، وهو المختار، عَلَى أنه قد قيل: إن
معنى: (لم يشكنا): لم يحوجنا إلى الشكوى، كما حكاه ابن عبد البر (١).
الثاني عشر:
قوله في حديث أبي ذر: أَذَّن مؤذِّن النبي ◌َّ. جاء في بعض طرقه:
أذَّن بلال. أخرجه أبو عوانة. وفي أخرى له: فأراد أن يؤذِّن، فقال:
((مه يا بلال))(٢). وذكر البخاري في الباب بعده: فأراد المؤذِّن أن
يؤذِّن للظهر، فقال: ((أبرد) ثم أراد أن يؤذِّن، فقال له: ((أبرد)
الحديث (٣).
قَالَ البيهقي: في هذا كالدلالة عَلَى أن الأمر بالإبراد كان بعد
(٤)
التأذين (٤).
الثالث عشر:
التلول: جمع تل(٥)، وهو كل بارز عَلَى وجه الأرض من تراب أو
رمل(٦). ولا يصير لها فيء عادة إلا بعد الزوال بكثير، وأما الظل فيطلق
عَلَى ما قبله أيضًا، وقد أوضحت ذَلِكَ في ((لغات المنهاج)).
(١) ((التمهيد)) ٥/٥.
(٢) أبو عوانة ٢٩٠/١ (١٠١٩).
(٣) سيأتي برقم (٥٣٩) باب: الإبراد بالظهر في السفر.
(٤) البيهقي ٤٣٨/١.
(٥) من هنا سقط في (س).
(٦) انظر: ((لسان العرب)) ٤٤١/١.

١٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وظل التلول لا يظهر إلا بعد تمكن الفيء واستطالته جدًّا، بخلاف
الأشياء المنتصبة التي يظهر ظلها سريعًا.
الرابع عشر:
شكوى النار إلى ربها يحتمل أن تكون بلسان الحال، وأن تكون
بلسان المقال، عندما يخلق الرب فيها ذَلِكَ، وهو من قسم
الجائزات، والقدرة صالحة، وإذا خلق لهدهد سليمان ما خلق من
العلم والإدراك كما أخبر الجليل جل جلاله في كتابه كان ذَلِكَ جائزًا
في غيرها.
قَالَ الله تعالى عنها: ﴿وَقُولُ هَلْ مِن ◌َّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ
أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾، ويقال: إنها والجنة أشجع المخلوقات، وورد أن الجنَّة
إذا سألها عبد أمنت عَلَى دعائه (١)، وكذا النَّار، ولا منافاة في الجمع بين
الحرِّ والبرد في النار؛ لأن النار عبارة عن جحيم، وفي بعض زواياها
نار، وفي أخرى الزمهرير، وقد ورد أن جهنم تقاد بسبعين ألف زمام (٢).
وأنها تخاطب المؤمن بقولها: ((جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي)) (٣).
(١) روي ذلك عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله: ((من سأل الله الجنة ثلاث
مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة .. )) الحديث. رواه الترمذي (٢٥٧٢)،
والنسائي ٢٧٩/٨، وابن ماجه (٤٣٤٠)، وأحمد ٢٠٨/٣، والحاكم في
((المستدرك)) ٥٣٤/١ - ٥٣٥، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه
ووافقه الذهبي، وقال الألباني في ((صحيح الترمذي)) (٢٠٧٩): صحيح.
(٢) قد ورد من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((يؤتى بجهنم
يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك یجرونها)» الحدیث. رواه
مسلم (٢٨٤٢) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة
الطير، والترمذي (٢٥٧٣).
(٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) ٢٥٨/٢٢-٢٥٩ (٦٦٨)، وابن عدي في ((الكامل)) ٨/ =

١٥٥
كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ وفضلها
=
وقولها: ((أكل بعضي بعضًا))(١). هو من شدتها كادت تحرق نفسها.
قَالَ ابن عباس: خلق الله النَّار عَلَى أربعة: فنار تأكل وتشرب، ونار
لا تأكل ولا تشرب، ونار تشرب ولا تأكل، ونار عكسه.
فالأولى: التي خلقت منها الملائكة.
والثانية: التي في الحجارة، وقيل: التي رفعت لموسى وَّ ل ليلة
المناجاة.
والثالثة: التي في البحر، وقيل: التي خلقت منها الشمس.
والرابعة: نار الدنيا ونار جهنم تأكل لحومهم وعظامهم، ولا تشرب
دموعهم ولا دماءهم بل يسيل ذَلِكَ إلى عين الخبال، فيشرب ذَلِكَ أهل
النار ويزدادون بذلك عذابًا(٢).
وأخبر الشارع أن عصارة أهل النار شراب من مات مصرًّا عَلَى
شرب الخمر (٣). نقل ذَلِكَ ابن بزيزة، وقال: الله أعلم بصحة ذلك،
والذي في ((الصحيح)): أن نار الدنيا خلقت من نار جهنم (4).
= ١٣١ ترجمة (١٨٨١) وأبو نعيم في ((الحلية)) ٣٢٩/٩ من حديث يعلى بن منية. قال
ابن رجب: غريب وفيه نكارة، ((التخويف من النار)) ص٢٥١، والحديث ضعفه
الألباني: ((الضعيفة)) (٣٤١٣).
(١) هو في أحاديث هذا الباب برقم (٥٣٧).
(٢) رواه أبو الشيخ الأصبهاني في ((العظمة)) ص٢٧٢ (٦٢٧). من طريق أبي صالح،
عن معاوية أنه قال: بلغنا أن النيران أربع ...
(٣) روى مسلم عن جابر قال: قال رسول الله وَله: ((كل مسكر حرام إن على الله وتلك
عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال)) قالوا: يارسول الله، وما طينة
الخبال؟ قال: ((عرق أهل النار - أو عصارة أهل النار)) (٢٠٠٢) كتاب: الأشربة،
باب: بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام.
(٤) سيأتي برقم (٣٢٦٥) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة من حديث
أبي هريرة.

١٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال: قَالَ ابن عباس: ضربت بالماء سبعين مرة، ولولا ذلك ما
أنتفع بها الخلائق، وإنما خلقها الله؛ لأنها من تمام الدنيوية، وفيها
تذكرة لنار الآخرة وتخويف من عذابها، نسأل الله العافية منها ومن
سائر البلايا.
فائدة: الزمهرير: قيل: هو شدة البرد، ويطلق علي القمر أيضًا، قيل
في قوله تعالى: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِرًا﴾ [الإنسان: ١٣] أنه القمر؛
لأنهما عُبدا من دون الله، وورد أنهما يكوران في النار يوم القيامة (١)،
وهو ضعيف. لا كما قد وقع في بعض نسخ الأطراف.
وقوله: (((بِنَفَسَيْنِ)) ): النَفَس بفتح النون والفاء: واحد الأنفاس.
(١) رواه مسدد في ((مسنده)) كما في ((إتحاف الخيرة)) للبوصيري ٢١١/٢ (١٣٥٧)،
والطحاوي ((مشكل الآثار)) كما في ((تحفة الأخيار)) ٤٢٣/٩ (٦٧٨٠) وكذا أخرجه
البخاري، وهو هنا برقم (٣٢٠٠) عن مسدد به بدون زيادة ((في النار)).

١٥٧
كِتَابُ مَوَافِيتِ الصَّلاةِ وفضلها
١٠- باب الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي الشَّفَرِ
٥٣٩- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُهَاجِرٌ أَبُو الحَسَنِ
-مَوْلَى لِبَنِي تَيْمِ اللهِ- قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ الغِفَارِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ
النَّبِيِّ وََّ فِي سَفٍَ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلِظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((أَبْرِدْ)). ثُمَّ أَرَادَ أَنْ
يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: ((أَبْرِدْ)). حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ الثُّلُولِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَهَ: ((إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ
مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ». [انظر: ٥٣٥ - مسلم: ٦١٦ -
فتح: ٢٠/٢]
وقال ابن عباس: (تَتَّفَيَّاُ): تتميل.
ذکر فيه حديث أبي ذر، وقد سلف في الباب قبله بالكلام عليه.
وَقَالَ ابْن عَبَّاسِ: (تَتَفَيَّأْ) [النحل: ٤٨]: تَتَمَيَّلُ، وقد سلف الكلام
عَلَى الفيء أيضًا.

١٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١١- باب وَقْتِ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ
وَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ النَّبِيُّ وَهِ يُصَلِّي بِالْهَاجِرَةٍ. [انظر: ٥٦٠]
٥٤٠- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَّسُ بْنُ
مَالِكِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى الظَّهْرَ، فَقَامَ عَلَى اِمِثْبَرِ،
فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورَا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ
فَلْيَسْأَلْ، فَلَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هذا)». فَأَكْثَرَ
النَّاسُ فِي البُكَاءِ، وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: ((سَلُونِي)). فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ فَقَالَ:
مَنْ أَبِي؟ قَالَ: ((أَبُوَكَ حُذَافَةُ)). ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: (سَلُونِ)). فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَىْ رُكْبَتَيْهِ
فَقَالَ: رَضِينَا باللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ: ((عُرِضَتْ
عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًّا فِي عُرْضَ هذا الحَائِطِ فَلَمْ أَرَ كَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ). [انظر:
٩٣- مسلم: ٢٣٥٩ - فتح: ٢١/٢]
٥٤١- حَدَّثَنَا حَقْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي اِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ:
كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَغْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السَّتِّينَ إِلَى
المائَةِ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَضْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى المَدِينَةِ ثُمَّ
رَجَعَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ - وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ - وَلَا يُبَالِيِ بِتَأْخِرِ العِشَاءِ إِلَىْ ثُلُثِ
اللَّيْلِ. ثُمَّ قَالَ: إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ. وَقَالَ مُعَاذٌ: قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةَ فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ
اللَّيْل. [٥٤٧، ٥٦٨، ٥٩٩، ٧٧١ - مسلم: ٤٦١، ٦٤٧ - فتح: ٢٢/٢]
٥٤٢- حَدَّثَنَا نُحَمَّدٌ - يَغْنِي: ابن مُقَاتِلٍ - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ
بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي غَالِبُ القَطَّانُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المزَّنِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ وَلَهِ بِالظَّهَائِرِ فَسَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا أَتَّقَاءَ الَحَرِّ.
[انظر: ٣٨٥ - مسلم: ٦٢٠ - فتح: ٢٢/٢]

بي
١٥٩
= ڪِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ وفضلها
ذکر فیه أحاديث:
أحدها: حديث جابر علقه فقال: وَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ النَّبِيُّ وَلَهُ يُصَلِّي
بِالْهَاجِرَةِ.
وهذا التعليق قد أسنده في باب وقت المغرب كما ستراه(١).
ثانيها: حديث أنس: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ
فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلَى المِنْبَرِ .. الحديث.
هذا الحديث تقدم الكلام عَلَى بعض متنه في باب: من برك عَلَىْ
ركبتيه عند الإمام أو المحدث(٢)، وهو: من أبي؟ قَالَ: ((أبوك
حذافة)) فبرك عمر. إلى قوله: وبمحمد نبيًّا فسكت. زاد هنا: ثم قَالَ:
((عرضت علي الجنة والنار آنفًا في عُرْضٍ هذا الحائط فلم أر كالخير
والشر))، وذكره البخاري فيما سيأتي من حديث بكر المزني عن أنس
قَالَ: كنا إذا صلينا خلف رسول الله صل بالظهائر سجدنا عَلَى ثيابنا
(٣)
أتقاء الحر(٣).
ومعنى (زاغت): مالت، وكل شيء مال وانحرف عن الاعتدال فقد
زاخ، قَالَ تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوَاْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وفي الترمذي
من هذا الوجه: صلى الظهر حين زالت الشمس. وصححه (٤).
(١) سيأتي برقم (٥٦٠).
(٢) سبق برقم (٩٣) كتاب: العلم.
(٣) سيأتي برقم (٥٤٢) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت الظهر عند الزوال.
(٤) الترمذي (١٥٦) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في التعجيل بالظهر، وقال:
حديث صحيح، وهو أحسن حديث في هذا الباب. اهـ قلت: متن هُذِه الطريق في
البخاري، بعد تمام شرح حديث الباب هنا من حديث أبي برزة ﴾.

١٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قَالَ ابن المنذر: أجمع العلماء عَلَى أن وقت الظهر زوال
الشمس(١).
وما حكاه القاضي عبد الوهاب في ((فاخره)) عن بعض الناس أنه
يجوز افتتاح الظهر قبل الزوال غلط فاحش من قائله غير معتد به،
وكذا ما نقل عن بعضهم أنه يدخل إذا صار الفيء قدر الشراك.
وحكى ابن بطال عن الكرخي عن أبي حنيفة أن الصلاة في أول
الوقت تقع نفلًا، وثانيه أنه واجب موقوف، واستغرب الأول(٢).
قَالَ المهلب: وإنما خطب الشارع بعد الصلاة وذكر الساعة وقال:
((سلوني)) لأنه بلغه أن قومًا من المنافقين ينالون منه، ويعجزونه عن بعض
ما يسألونه عنه، فتغيظ عليهم وقال: ((لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم
به)) وبكاء الناس خوف نزول العذاب المعهود في الأمم الخالية عند
تكذيب الرسل، كانوا إذا جاءتهم آية فلم يؤمنوا لم يمطلهم العذاب،
قَالَ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨] و﴿لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ
أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]، فبكوا إشفاقًا من ذَلِكَ الأمر، ألا ترى فهم
عمر حين برك عَلَى ركبتيه وقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا،
وبمحمد نبياً حين قَالَ وَله للسائل له عن أبيه: ((أبوك حذافة)) وكان
هذا الرجل لا يعرف أبوه حَتَّى أخبر به الشارع.
وقال ابن الجوزي: إنهم بكوا لغضبه وَلقوله.
وقوله: ( ((في عُرْضٍ هذا الحائط))) عُرض الشيء: جانبه، يقال:
نظرت إليه عن عرض، وعُرض النهر والبحر: وسطهما، قاله الخليل.
(١) «الإجماع)) ص٣٦ (٣٤).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٦٣/٢-١٦٤.