Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
= كِتَابُ الصَّلاةِ
بالإلطاف والعناية والإسعاف، وقد قَالَ وَّ: ((أنت الصاحب في
السفر))(١). ولذلك يظهر الفرق بين قوله: لله على أن أحج بفلان
أو أحج فلانًا. وانظر إلى هذا مع قوله تعالى: ﴿يُسِتُِّ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾
[يونس: ٢٢] يظهر لك خصوصية للحق دون عموم الخلق.
الثالثة :
كان الإسراء ليلًا لوجوه:
أحدها: أنه وقت الخلوة والاختصاص ومجالسة الملوك، وهو
أشرف من مجالستهم نهارًا، فهو وقت تناجي الأحبة، ووقت مجيء
الطيف: وهو الخيال، فخص بوصف الكمال.
ثانيها: أن الله أكرم قومًا من أنبيائه بأنواع الكرامات ليلًا، قَالَ تعالى
في قصة إبراهيم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اَلَتْلُ رَءَا كَوَّكَبٌّ﴾ [الأنعام: ٧٦] فوجودها
دال عَلَى وجوب وجود صانعها ومدبرها. وقال تعالى في قصة لوط:
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّلِ﴾ [هود: ٨١]، وقال: ﴿نَجَيْنَهُمْ بِسَخَرٍ﴾
[القمر: ٣٤] وقال في يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾ [يوسف:
٩٨] أخر دعاءه إلى وقت السحر من ليلة الجمعة. وقرب موسى نجيًا
ليلًا. وذلك قوله: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُوْاْ إِنِّ ءَانَسْتُ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩]
وواعده أربعين ليلة. وقال لما أمره بالخروج من مصر ببني إسرائيل :
﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ
[الدخان: ٢٣].
ثالثها: أن الله تعالى أكرمه ليلًا بأمور منها انشقاق القمر(٢)، وإيمان
الجن به(٣). ورأى الصحابة آثار نيرانهم عَلَى ما ثبت في ((صحيح
(١) رواه مسلم (١٣٤٢) كتابك الحج، باب: ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره.
(٢) سيأتي برقم (٤٨٦٧) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَأَنْشَقَ الْقَمَرُ﴾.
(٣) سيأتي برقم (٤٩٢١) من كتاب: أحاديث الأنبياء.

٢٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
مسلم))(١). وخرج إلى الغار ليلًا عَلَى مائة من قريش عَلَى بابه ينتظرونه
ليقتلوه بزعمهم، قَالَ تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية
[الأنفال: ٣].
رابعها: أن الله تعالى قدم ذكره عَلَى النهار في غير ما آية، فقال:
﴿وَجَعَلْنَا الَّلَ وَالنَّهَرَ ءَايَيْنِّ﴾ [الإسراء: ١٢]، وقوله: ﴿وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ
النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠]، أي: بل له حد محدود إذا ذهب سلطانه جاء
سلطان النهار. وليلة النحر تغني عن الوقوف نهارًا عَلَى الصحيح؛
لحديث عروة بن مضرس (٢) [الصحيح](٣).
خامسها: أن الليل كالأصل، ولهذا كان أول الشهور، ومن آياته أن
سواده يجمع منتشر ضوء البصر، ويحد كليل النظر، ويستلذ فيه بالسمر،
واجتلاء وجه القمر، وفيه تخلو الأحباب بالأحباب، ويتصل الوصل
بينهم ما أنقطع من الأسباب.
سادسها: أنه لا لیل إلا ومعه نهار، وقد یکون نهار بلا لیل، وهو يوم
القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة.
سابعها: أنه الليل محل استجابة الدعاء والغفران والعطاء، وإن ورد
(١) (صحيح مسلم)) (٤٥٠) كتاب: الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح.
(٢) عن عروة بن مضرس قال: أتيت رسول الله صل﴿ بالموقف، يعني: لجمع، قلت:
جئت يا رسول الله من جبل طي، أكللت مطيتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من
جَبْل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله وَارٍ: ((من أدرك معنا هذِه
الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضی تفثه»، رواه أبو داود
(١٩٥٠)، والترمذي (٨٩١)، والنسائي ٢٦٣/٥ - ٢٦٤، وفي ((الكبرى)) ٤٣١/٢
(٤٠٤٦)، وابن ماجه (٣٠١٦) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال
الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٧٠٤): إسناده صحيح.
(٣) ساقطة من (ج).

٢٦٣
= ڪِتَابُ الصَّلَاةِ
الحديث: ((خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة أو يوم الجمعة))(١)
فذاك بالنسبة إلى الأيام، فليلة القدر خير من ألف شهر، وقد دخل في
هُذِه الليلة أربعة آلاف جمعة بالحساب الجملي، فتأمل هذا الفضل
الخفي.
ثامنها: أن أكثر أسفاره ◌ّلآل كان ليلًا، ومن ذَلِكَ حديث الوادي،
وأمر أمته بسيره، فقَالَ: ((عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل))(٢).
تاسعها: لينفي عنه ما ادعته النصارى في عيسى بن مريم لما رفع إلى
(السماء)(٣) نهارًا، وادعوا فيه البنوة تعالى الله عن ذَلِكَ.
عاشرها: لأنه وقت الاجتهاد للعبادة منه وَّ، فقد قام حَتَّى تورمت
قدماه(٤). وكان قيام الليل في حقه واجبًا، وقال في حقه: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ
﴿ قُ الَّلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾﴾ [المزمل: ١، ٢] فلما كانت عبادته ليلًا أكثر أُكْرِمَ
بالإسراء فيه، وأمره بقوله: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ﴾ الآية [الإسراء: ٧٩].
الحادي عشر: ليكون أجر (المصدق)(٥) به أكثر ليدخل فيمن آمن
بالغيب دون من عاينه نهارًا، وفيه إبطال للتنويه أن الظلمة شأنها
الإهانة والشر، والنور من شأنه الإكرام والخير.
(١) رواه مسلم (٨٥٤) كتاب: الجمعة، باب: فضل يوم الجمعة، من حديث
أبي هريرة.
(٢) رواه أبو داود (٢٥٧١)، وابن خزيمة (٢٥٥٥)، والحاكم (٤٤٥/١) وقال: هذا
حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وصححه الألباني في ((الصحيحة))
(٦٨١)، وفي ((صحيح سنن أبي داود)) (٢٣١٧).
(٣) من (ج).
(٤) سيأتي برقم (٤٨٣٦) من حديث المغيرة، كتاب: التفسير، باب: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا
تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأْخَّرَ﴾.
(٥) في الأصول: المتصدق، والمثبت من عمدة القاري، ولعله الصواب.

٢٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
الرابعة :
إن قلت: قد قررت سر الإسراء ليلًا، وضد ذَلِكَ إغراق فرعون
نهارًا، وإبراز جثته، ولا شك أن ظهور الآيات نهارًا أظهر. قلت: ذا
في حقه إهانة، وذاك في حق نبينا كرامة، وشتان ما بينهما.
الخامسة :
كان الإسراء في حق نبينا عَلَى وجه المفاجأة، والتكليم في حق
موسى عن ميعاد وموافاة، دل عَلَى الأول: ((بينا أنا ... إذ فرج سقف
بيتي)) فحمل عنه ألم الانتظار كما حمل عنه ألم الاعتذار، فشتان
ما بين المقامين، وكم بين مُريد ومُراد، وبين من كُلم عَلَى الطور،
وبين من دعي إلى أعلى أعالي البيت المعمور، وبين من سخرت له
الريح (مسيرة شهر) (١) بمسألته، وبين من ارتقى من الفرش إلى
العرش في ساعة زمانية، وأقل مسافته آلاف لمكالمته، وأعار من
المستوى إلى الرفوف فذاك لا يحصى أمده ولا يستقصى.
السادسة :
ثبت بالتواتر أنه وَ له عرج به عَلَى دابة يقال له البراق(٢)، ووصف
خلقها؛ وسمي براقًا لسرعة سيره، تشبيهًا ببرق السحاب،
وعرج به عليه إظهارًا لكرامته؛ لكرامة الراكب عَلَى غيره، ولذلك لم
ينزل عنه لما جاء في حديث حذيفة: ما زايل ظهر البراق حَتَّى
(١) في (ج): مرةً شهرًا.
(٢) سيأتي برقم (٣٨٨٣) كتاب: مناقب الأنصار، باب: حديث الإسراء.
ورواه مسلم (١٦٢) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله وَّي إلى السموات
وفرض الصلوات.

٢٦٥
كِتَابُ الصَّلاةِ
=
رجع(١)، وإنما لم يذكر في الرجوع للعلم به؛ لقرينة الصعود ويتعلق
بالبراق مسائل :
إحداها: جاء أن البراق استصعب له وما ذاك إلا تيهًا وزهوًا بركوبه،
وقول جبريل ((أبمحمد تستصعب؟!)) تحقيق الحال، وقد أرفض عرفًا من
تيه الجمال، وقد قيل: إنه ركبه الأنبياء قبله، أيضًا، وقيل: إن جبريل
رکب معه.
ثانيها: رفعه عَلَى البراق للتأنيس بالمعتاد، وإلا فالرب تعالى قادر
عَلَى رفعه في أقل من طرفة عين، فإنه مطلوب مراد.
ثالثها: كان البراق كشكل البغل؛ لأن الركوب في سِلْم وأمن لا في
حرب وخوف، والإسراعها عادة، وركب وَل بغلته في الحرب في قصة
حنين؛ لتحقيق ثبوته في مواطن الحرب، وإلا فركوبها موضع الأمن
والطمأنينة، فالحرب عنده كالسلم، وركوب الملائكة الخيل في
الحرب؛ لأنها المعهودة فيها، وما لطف من البغال واستدار أحمد
وأحسن بخلاف الخيل، وكانت بغلته بيضاء -أي: شهباء، وكذا
كان البراق.
السابعة :
قد سلف في الوجه الحادي والعشرين اختلاف الروايات في ترتيب
الأنبياء في السماوات، فمنهم من توقف عن الخوض في سر ذَلِكَ،
ومنهم من باح به، ثم اختلفوا، فمنهم من قَالَ: إنما أختص من
(١) رواه الترمذي (٣١٤٧)، وأحمد ٣٩٢/٥، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار))
((تحفة)) ٥٧٨/٥-٥٧٩ (٣٦٩٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وصححه الألباني في ((الإسراء)) (٦)، وفي ((الصحيحة)) (٨٧٤).

٢٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
أختص منهم بلقاء الرسول ﴿ عَلَى عرف الناس إذا تلقوا الغائب مبتدرين
له، فلابد غالبًا أن يسبق بعضهم بعضًا، ويصادف بعضهم اللقاء
ولا يصادفه بعضهم، وهُذِه طريقة ابن بطال(١).
وذهب غيره من شيوخ الأندلس إلى أن ذَلِكَ تنبيه عَلَى الحالة
الخاصة بهؤلاء الأنبياء عليهم السلام، وتمثيل لما سيتفق للرسول وَال
مما أتفق لهم مما قصه الله عليهم في كتابه، وهذا يرجع إلى فن
التعبير، فمن رأى في منامه نبيًا من الأنبياء كان ذَلِكَ دليلًا عَلَى حالة
عرفت بذلك الشيء ينال الرائي أو أهل زمانه منها طرقًا.
قَالَ: فَآدَمَ الَيْ تنبيه عَلَى الهجرة؛ لأن آدم خرج من الجنة بعداوة
إبليس له وتحيليه عَلَى ذَلِكَ، فنظيره خروج الرسول بَّر من مكة
بأذى قومه له وللمسلمين، وعيسى ويحيى دليل عَلَى ما سيلقاه
الرسول وَله من أذى اليهود؛ لأنهم قتلوا يحيى، وراموا قتل عيسى
فرفعه الله إليه.
وكذلك فعلت اليهود برسول ◌َله، داروا حول قتله حَتَّى سموا له الشاة،
وأكل منها، فأخبرته الكتف بما صنعوا، وأقرت المرأة بذلك، وعفا عنها
وَّر، وقال في مرض موته: ((ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان
قطعت أبهري)) (٢) ويوسف التَّ دليل عَلَى ظفرهِ وَّل بقومه، وإحسانه
إليهم. وقد ظفر بطائفة من أهله في غزوة بدر كالعباس عمه، وعقيل ابن
عمه، وذلك قبل أن يسلما، فعفا عنهما، وفداهما، وقال يوم فتح مكة
لما عفا عن قريش: ((أقول كما قَالَ أخي يوسف: ﴿لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَّوْمِّ
(١) ((شرح ابن بطال)) ٢/ ١٢.
(٢) سيأتي برقم (٤٤٢٨) كتاب: المغازي، باب: مرض النبي ◌َّ﴿ ووفاته.

٢٦٧
كِتَابُ الصَّلاةِ
=
يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]))(١).
ونظير ذَلِكَ حال يوسف مع إخوته، وهارون الَّ دليل عَلَى أن قومه
سيحبونه، وينقلب بغضاؤهم ودادا. وكذلك صنع الله لنبيه. وقد كان
هارون القَيْر محببًا (إلى)(٢) قومه بني إسرائيل، وكانوا يؤثرونه عَلَى
موسى.
قَالَ: وإدريس دليل ما أتفق من كتاب الرسول إلى الآفاق؛ فإن
إدريس كان يخط، وهو أول من كتب بالقلم. ونظير حال موسى التفيالا
فيما آل إليه أمره من لقاء الجبابرة، وإخراجهم من الأرض المقدسة
حال رسول الله وَير (في)(٣) فتح مكة وقهره للمستهزئين المتكبرين من
قریش.
ونظير حال إبراهيم التَّ في إسناده ظهره إلى البيت المعمور، حال
الرسول وَ﴾ في حجه البيت، واختتام عمره بذلك، نظير لقاء إبراهيم آخر
السموات، ولا بأس بذلك، ولكن يحتاج إلى تنبيهات:
منها: إجراؤه لذكر التعبير، فإن ذَلِكَ يوهم أن قصة الإسراء كانت
منامًا، وقد صححنا أنها يقظة.
والذي يرفع الإشكال أن الفأل في اليقظة نظير الأحلام. وقد كان وَّيه
يحب الفأل الحسن(٤). وهذا القدر كافٍ لئلا نخرج إلى حد السآمة.
(١) رواه أبو الشيخ في (أخلاق النبي)) ١/ ٢٦٠ (٨٠) من حديث عمر بن الخطاب،
وفي سنده ضعف لجهالة حال بعض آل عمر.
(٢) في (ج): في قومه.
(٣) في (ج): على.
(٤) روى الحاكم بسنده إلى أبي بردة بن أبي موسى قال: أتيت عائشة فقلت: يا أماه،
حدثيني بشيء سمعته من رسول الله صلي قالت: قال رسول الله وَلهر ((الطير تجري =

٢٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وحينئذ نرجع إلى ما نحن بصدده فنقول:
قال البخاري:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ،
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ قَالَتْ: ((فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ
حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأَقِرَّتْ صَلَةُ السَّفَرِ،
وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ)».
وهذا الحديث أخرجه مسلم (د.س) أيضًا هنا (١). وفي البيهقي من
حديث داود ابن أبي هند، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قَالَت: إِن
أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فلما قدم النبي وَلهر المدينة واطمأن، زاد
ركعتين غير المغرب؛ لأنها وتر غير صلاة الغداة. قالت: وكان إذا سافر
صلى صلاته الأولى(٢).
وما ذكره عبد الملك بن حبيب في ((شرح الموطأ)» ثنا أسد بن
موسى، ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن: من صلاته التَّ صبيحة
الإسراء: الظهر والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، والعشاء أربعًا
فلا يقاوم هذا. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١]
فلا يعارض ما نحن فيه؛ لجواز أن يكون (ذكر)(٣) ذَلِكَ بعد زيادة
= بقدر)) وكان يعجبه الفأل الحسن. ثمّ قال: قد احتج الشيخان برواة هذا الحديث
على آخرهم غير يوسف بن أبي بردة، والذي عندي أنهما لم يهملاه بجرح
ولا بضعف، بل لقلة حديثه فإنه عزيز الحديث جدًّا. اهـ ((المستدرك)) ١/ ٣٢ كتاب:
الإيمان، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٤٩٨٥).
(١) مسلم (٦٨٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصرها.
(٢) ((السنن الكبرى)) ٣٦٣/١ كتاب: الصلاة، باب: عدد ركعات الصلوات الخمس.
(٣) سقط من (ج).

٢٦٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
==
ركعتين في الحضر. وزعم ابن عباس، ونافع بن جبير بن مطعم،
والحسن، وابن جريج أن الصلاة فرضت أولًا أربعًا، وفي السفر
ركعتين ركعتين: فقولها: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين
ركعتين. يجوز أن يكون قبل الإسراء إن عني بذلك قيام الليل،
أو صلاة الغداة والعشي، فإنها كانت ركعتين ركعتين، وإليه الإشارة
بقوله: (من صلى البردين دخل الجنة)(١)، كما سلف، والزيادة عند
الإكمال، لكن الظاهر أن المراد حين فرضها ليلة الإسراء، ففي
حديث معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: فرضت الصلاة
ركعتين، ثم هاجر النبي ◌ّره، ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر
على الأولى، وذكر ابن عبد البر، عن الحسن والشعبي في صلاة
الحضر كانت بعد الهجرة بعام أو نحوه (٢). وأدعى بعضهم فيما حكاه
المنذري أنه يحتمل أن يكون المراد، ففرضها ركعتين إن أختار
المسافر ذلك فعل وجهها في المقدار لا في الإيجاب، والذي عليه
الجمهور [ما](٣)، على حكاه ابن بطال في حديث عائشة في الكتاب،
كما أنها أفتت بخلاف ذلك ، وأنها كانت تتم في السفر، لكنها
قضت أن القصر ليس على الإيجاب، فلذلك أتمت(٤).
فائدة: زيادة ركعتين على ركعتين نسخ للأول لا زيادة صلاة خلافًا ،
كما نبه عليه السهيلي(٥).
(١) سيأتي برقم (٥٧٤) كتاب مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة الفجر.
ورواه مسلم برقم (٦٣٥) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر.
(٢) «التمهيد)» ٤٣/٨.
(٣) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
((شرح ابن بطال)) ٨/٢، ١٠.
(٤)
(٥) ((الروض الأنف)) ٢٨٣/١.

٢٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢ - باب وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي النِّيَابِ
وقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
وَمَنْ صَلَّىْ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ
الأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِقَالَ: ((يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ)). فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ،
وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الذِي يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ أَذىُ، وَأَمَرَ
النَّبِيُّ وَِّّهِ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. [فتح: ٤٦٥/١]
٣٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ، عَنْ نُحَمَّدٍ، عَنْ
أُمْ عَطِيئَّةَ قَالَتْ: أُمِزْنَا أَنْ نُخْرِجَ الخُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةً
الْمُسْلِمِينَ وَدَغْوَتَهُمْ، وَيَغْتَزِلُ الْخُيَّصُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ. قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانًا
لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ. قَالَ: ((لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا)).
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ
عَطِيَّةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌ََّ بهذا. [٣٢٤ - مسلم ٨٩٠ - فتح: ٤٦٦/١]
ما ترجم عليه هو مذهب الثلاثة: الشافعي(١) وأحمد(٢) وأبي
حنيفة(٣)، وعامة الفقهاء وأهل الحديث أن ستر العورة شرط في صحة
الصلاة، فرضها ونفلها، وظاهر مذهب مالك كما قال ابن رشد في
((قواعده)) بعد أن قال: أتفق العلماء على أنها فرض بإطلاق: إنها من
سنن الصلاة(٤).
(١) ((الأم)) ٧٧/١، ((الحاوي)) ١٦٥/٢، ((أسنى المطالب)) ١٧٠/١، ((روضة
الطالبين)) ٢٨٤/١، ((مغني المحتاج)) ١٨٤/١.
(٢) ((الإفصاح)) ٢٥٤/١، ((المغني)) ٢٨٣/٢، ((الممتع)) ٣٥٣/١، ((المبدع» ٣٥٩/١.
(٣) ((تحفة الفقهاء)) ٩٥/٢، ((بدائع الصنائع)) ١٠٦/١، ((فتح القدير)) ٢٥٦/١.
(٤) انظر: ((بداية المجتهد)) ٢٢٢/١.

٢٧١
كِتَابُ الصَّلاةِ
=
وعن بعضهم أنه شرط عند الذكر دون النسيان، فإن قلت: هل
يستدل للقول الثاني بحديث عمرو بن سلمة لما تقلصت بردته، فقالت
أمرأة: غطوا عنا إست قارئكم(١).
قلت: لا. لأنه كان فاقدًا لها، وأيضًا كان ذلك في أول الإسلام،
وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا: ((لا ينظر
الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة))(٢).
ومن حديث المسور أنه 18 قال له: ((ارجع إلى ثوبك فخذه،
ولا تمشوا عراة))(٣).
وفي ((صحيح ابن خزيمة)) من حديث عائشة مرفوعًا: ((لا يقبل الله
صلاة أمرأة قد حاضت إلا بخمار)) (٤).
وهو المراد برواية أبي داود: صلاة حائض. والترمذي: صلاة
(٥)
الحائض(٥).
وسيأتي في ((صحيح البخاري)) من حديث أبي سعيد الخدري النهي
عن الاحتباء في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء (٦).
ثم قال البخاري: وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوْ زِيَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
وكأنه رحمه الله فهم أن المراد بها الثياب، ولذلك ساقه بعد أن بوب
(١) سيأتي برقم (٤٣٠٢) كتاب: المغازي، باب: من شهد الفتح.
(٢) مسلم (٣٣٨) كتاب: الحيض، باب: تحريم النظر إلى العورات.
(٣) (٣٤١) كتاب: الحيض، باب: تحريم الأعتضاد بحفظ العورة.
(٤) ابن خزيمة ٣٨٠/١ (٧٧٥).
(٥) أبو داود (١٩٦)، والترمذي (٣٧٧) وقال: حسن، وصححه الألباني في ((الإرواء))
(١٩٦).
(٦) سيأتي برقم (٣٦٧) كتاب: الصلاة، باب: ما يستر من العورة.

٢٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
بذلك، وهو ما رواه البيهقي عن طاوس، وقال مجاهد: فيها وارٍ عورتك
ولو بعباءة(١).
وقال أبو محمد بن حزم: اتفقوا على أنه ستر العورة(٢).
وقال ابن بطال: أجمع أهل التأويل على أنها نزلت في الذين كانوا
يطوفون بالبيت عراة؛ ولذلك أمر أن لا يطوف بالبيت عريان(٣).
وقال ابن رشد: من حمل ﴿خُذُوا﴾ على الندب قال: المراد بذلك
الزينة الظاهرة من الرداء وغيره من الملابس التي هي زينة، مستدلا لذلك
بما في الحديث أنه كان رجال يصلون مع النبي ◌َّر عاقدي أزرهم على
أعناقهم كهيئة الصبيان (٤).
ومن يحمله على الوجوب استدل بحديث مسلم عن ابن عباس:
كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة فتقول: من يعيرني تطوافا. وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله
فنزلت الآية السالفة(٥)، وفي رواية وهب بن جرير: كانت المرأة إذا
طافت بالبيت تخرج صدرها وما هناك، فأنزل الله الآية (٦).
وعند الواحدي كان أناس من العرب يطوفون بالبيت عراة، حتى إن
كانت المرأة لتعلق على أسفلها سيورًا مثل هذِه السيور التي تكون على
وجه الحمر من الذباب وهي تقول: اليوم يبدو. وفي لفظ: وعلى فرجها
خرقة(٧).
(١) ((السنن الكبرى)) ٢٢٣/٢.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ١٥/٢.
(٢) ((المحلى)) ٢٠٩/٣.
(٤) ((بداية المجتهد)) ٢٢٣/١.
(٥) مسلم (٣٠٢٨) كتاب: التفسير، باب: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
(٦) رواه الطبري في ((التفسير)) ٤٦٩/٥ (١٤٥١٢)، والبيهقي في ((سننه)) ٢٢٣/٢.
(٧) ((أسباب نزول القرآن)» ص٢٢٨ - ٢٢٩.

٢٧٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
=
وقال ابن عباس: المراد بالمسجد المسجد الحرام خاصة؛ تعظيمًا
له، فإن النساء يطفن حول البيت عراة في الجاهلية ليلًا، فإذا أرادته نهارًا
استعارت ثيابًا من ثياب أهل الحرم، فتطوف بها، فأقبلت امرأة ذات
جمال، فأبوا أن يعيروها ثوبًا وقالوا: حتى ننظر إلى خلقها. فطافت
عريانة وقالت:
اليوم يبدو بعضه أو كله
وجاء أنها ضباعة بنت عامر لما أرادت فراق ابن جدعان تخيل أنها
تتزوج بالوليد بن المغيرة، فقال: إن تزوجت به تطوفين بالبيت نهارًا
عريانة، ففعلته أسبوعًا.
وفي ((تفسير الثعالبي)) (١) أن بني عامر كانوا يطوفون في الجاهلية
عراة، الرجال نهارًا، والنساء ليلًا.
وفي الآية أقوال أُخر غريبة:
أحدها: أن الزينة: المشط، قاله عطية وأبو روق(٢).
ثانيها: رفع اليدين في الصلاة، قاله القاضي التنوخي.
ثالثها: الصلاة بالنعلين، ورد في حديث مرفوع من طريق أبي
هريرة، لكن وهاه العقيلي(٣)، والواجب من اللباس في الصلاة ما تستر
به العورة وما زاد فحسن.
(١) ١١٦/٢.
(٢) أنظر: ((زاد المسير)) لابن الجوزي ١٨٧/٣، ((تفسير الماوردي)) ٢١٨/٢.
(٣) حديث أبي هريرة المشار إليه رواه العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) ٢١٢/٤ من طريق
مسلمة بن علي، عن ابن عجلان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَليه:
((خذوا زينتكم في الصلاة))، قلنا: يا رسول الله وما هو؟ قال: ((البسوا نعالكم)) . =

٢٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
.......
وقال العقيلي: ولا يتابع عليه وذكر بأسانيده إلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين
=
والبخاري تضعيفهم لمحمد بن سلمة هذا.
ورواه أيضًا ابن عدي في ((الكامل)) ٢١٣/٦ من طريق بقية عن علي القرشي، عن
ابن عجلان عن صالح، عن أبي هريرة به.
وقال: وهذه الأحاديث التي أمليتها يرويها علي بن أبي علي وهو مجهول يحدث
عن بقية بغير ما ذكرت.
ثم رواه من طريق محمد بن الفضل، عن كرز بن وبرة، عن عطاء، عن أبي هريرة به
٧/ ٣٥٤، ومن طريقه الجرجاني في ((تاريخ جرجان)) ٣٩٩/١، وأخرجه أبو نعيم
أيضًا من طريق محمد بن الفضل به ٨٣/٥، وأخرجه أيضًا الجوزي في
((الموضوعات)) ٣٨٤/٢ (٩٦١) وقال: قال أحمد بن حنبل: محمد بن الفضل
ليس بشيء، حديثه حديث أهل الكذب.
وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) ١٤٩/١: سألت أبي عن حديث رواه محمد بن
المصفي، عن بقية، عن ابن عجلان، عن صالح، عن أبي هريرة به. قال أبي: هذا
حديث منكر.
وقال أيضًا ١/ ١٥٥: سألت أبي عن حديث رواه بقية، عن علي القرشي، عن ابن
عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة بمثله، قال أبي: هذا حديث منكر وعلي
القرشي مجهول.
وقال الدارقطني في ((العلل)) ٢٥/٩، ٢٦: يرويه بقية واختلف عنه فرواه ابن
المصفى، عن بقية، عن ابن عجلان، عن صالح، عن أبي هريرة وغيره يرويه عن
بقية، عن علي القرشي، عن ابن عجلان، عن صالح، عن أبي هريرة وهو أشبه .
وقال الشوكاني في ((الفوائد المجموعة)) ٢٣/١ - ٢٤: رواه ابن عدي عن أبي
هريرة مرفوعًا. وفي إسناده: محمد بن الفضل كذاب، وقد رواه أبو الشيخ من
طريق أخرى. ورواه العقيلي من طريق عباد، عن جويرية، وهو كذاب، ورواه
الخطيب وابن مردويه من غير طريق هذين الكذابين، وقد ثبت في الأحاديث
الصحيحة الثابتة عن أكثر من ثلاثين صحابيًا في الصلاة في النعال ما لا يحتاج معه
إلى أحاديث الكذابين.

٢٧٥
= كِتَابُ الصَّلَاةِ
ثم قال البخاري: وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ:
(يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ)). قال البخاري: وفِي إِسْنَادِهِ نَظَرّ(١).
هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عبد العزيز بن
محمد، عن موسى بن إبراهيم، عن سلمة بن الأكوع، قلت: يا رسول
الله، إني رجل أصيد فأصلي في القميص الواحد؟ قال: ((نعم، وأزره
ولو بشوكة)) (٢)، وفي رواية: إني أكون في الصيد وأصلي ليس علي
(١) قال الحافظ في ((الفتح)) ١/ ٤٦٥ - ٤٦٦: (ويذكر عن سلمة) قد بين السبب في ترك
جزمه به بقوله: (وفي إسناده نظر). وقد وصله المصنف في ((تاريخه)) وأبو داود
وابن خزيمة وابن حبان واللفظ له من طريق الدراوردي عن موسى بن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الأكوع قال: قلت: يا رسول الله وَلّ إني
رجل أتصيد، أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: ((
.((
ورواه البخاري أيضًا عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن موسى بن
إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة زاد في الإسناد رجلا، ورواه أيضًا عن مالك بن
إسماعيل، عن عطاف بن خالد قال: حدثنا موسى بن إبراهيم. قال حدثنا سلمة،
فصرح بالتحديث بين موسى وسلمة، فاحتمل أن يكون رواية أبي أويس من المزيد
في متصل الأسانيد، أو يتكون التصريح في رواية عطاف وهمًا.
فهذا وجه النظر في إسناده، وأما من صححه فاعتمد رواية الدراوردي وجعل رواية
عطاف شاهدة لاتصالها، وطريق عطاف أخرجها أيضًا أحمد والنسائي، وأما قول
ابن القطان: إن موسى هو ابن محمد بن إبراهيم التيمي المضعف عند البخاري
وأبي حاتم وأبي داود وأنه نسب هنا إلى جده فليس بمستقيم؛ لأنه نسب في رواية
البخاري وغيره مخزوميًا وهو غير التيمي بلا تردد. نعم وقع عند الطحاوي موسى بن
محمد بن إبراهيم، فإن كان محفوظًا فيحتمل على بعد أن كان يكونا جميعًا رویا
الحديث وحمله عنهما الدراوردي، وإلا فذكر محمد فيه شاذ، والله أعلم.
(٢) أبو داود (٦٣٢)، والنسائي ٢/ ٧٠، وصححه ابن خزيمة ٣٨١/١ (٧٧٨)، ابن
حبان ٦/ ٧١ (٢٢٩٤)، والحاكم في ((المستدرك)) ١/ ٢٥٠. وقال صحيح ووافقه
الذهبي. وقال النووي في ((خلاصة الأحكام)) (٩٦٧) ٣٢٧/١ - ٣٢٨: إسناده
حسن، وحسنه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٦٤٣).

٢٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
إلا قميص واحد، قال: ((فزره، وإن لم تجد إلا شوكة))(١).
وموسى هذا، قال ابن القطان: إنه موسى بن محمد بن إبراهيم بن
الحارث التيمي وهو منكر الحديث(٢).
ولعل هذا هو الذي أشار إليه البخاري بالنظر السالف، وقد قال في
حقه في كتاب ((الضعفاء)): موسى بن إبراهيم(٣) في حديثه مناكير (٤)،
لكن أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) عن نصر بن علي، عن
عبد العزيز، عن موسى بن إبراهيم، قال: سمعت سلمة. وفي رواية:
وليس علي إلا قميص واحد أو جبة واحد فأزره؟ قال: ((نعم،
ولو بشوكة)»(٥)
ورواه ابن حبان أيضًا في ((صحيحه)) عن إسحاق بن إبراهيم ثنا
ابن أبي عمر، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الأكوع، قلت: يا رسول الله
إني أكون في الصيد وليس علي إلا قميص واحد؟ قال: ((فأزره
ولو بشوكة)»(٦)
(١) هُذا الرواية بهذه اللفظة عند الطبراني في ((الكبير)) ٢٩/٧ (٦٢٧٩) ونحوها عند
أحمد ٤ /٤٩.
(٢)
(بيان الوهم والإيهام)» ٠٥٣٧/٥
(٣) لم أجد هذا القول في موسى بن إبراهيم، لكن قوله: في حديثه مناكير قبل في
موسی بن محمد بن إبراهيم.
(٤) ((الضعفاء الصغير)) ص١٠٧ (٣٤٧) ووقع فيه موسى بن محمد بن إبراهيم وليس
موسى بن إبراهيم.
(٥) ((صحيح ابن خزيمة)) ٣٨١/١ (٧٧٧، ٧٧٨).
(٦) ((صحيح ابن حبان)) ٦/ ٧١ (٢٢٩٤).

٢٧٧
= ڪِتَابُ الصَّلاةِ
ورواه الحاكم أيضًا في ((مستدركه)) وقال: هذا حديث مدني
(١)
صحيح (١).
قلت: وظهر بهذه الرواية أن موسى (٢) هذا غير السالف الذي ظنه
ابن القطان، وفيه ضعف أيضًا ولكنه دون ذاك، وقد قيل: عن موسى بن
محمد(٣) بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة ذكره ابن بطال في ((شرحه)) (٤)،
فهذا أختلاف آخر.
وقوله: (يأزره ولو بشوكة) أي: يجمع بين طرفيه بشوكة، فيقوم
ذلك مقام الأزرار إذا شدها، يقال: زررت له القميص أزره -بالضم-
زرًا إذا شددت أزراره، وأزررت القميص إذا جعلت له أزرارًا.
وقال ابن سيده: الزر: الذي يوضع في القميص، والجمع أزرار
وزرور وأزر القميص جعل له زرًا، وأزره: شد عليه أزراره، وقال ابن
الأعرابي: زر القمیص إذا کان محلولًا، فشده وأزره لم یکن له زر
فجعل له، وزر الرجل: شد زره، عن اللحياني(٥).
(١) ((المستدرك)) ٢٥٠/١.
(٢) هو موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، ذكره
ابن حبان في ((الثقات)). قال ابن المديني: موسى بن إبراهيم وسط. قال أبو حاتم:
موسى بن إبراهيم هذا غير موسى بن محمد بن إبراهيم، ذاك ضعيف. وقد فرق
البخاري بينهما أيضًا. انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)» ٢٧٩/٧ (١١٨٤)،
((الجرح والتعديل)) ١٣٣/٨ (٦٠٣)، ((الثقات)) لابن حبان ٤٠٢/٥، ((تهذيب
الكمال)» ١٨/٢٩ (٦٢٣٣).
(٣) في الأصل: محمد بن محمد بن إبراهيم، جاءت هكذا مكررة، والصواب ما
أثبتناه.
(٤) ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال ١٧/٢.
(٥) ((المحكم)) ٧/٩، مادة: (زرر).

٢٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وفي ((الفصيح)): أزرر عليك قميصك وزره مثلث الراء (١). وأورد
البخاري هذا الحديث؛ ليدل على وجوب ستر العورة، إذ لو كان سنة
لما قال له ذلك، ورخص مالك في الصلاة في القميص محلول
الأزرار ليس عليه سراويل ولا رداء(٢)، وهو قول الشافعي والكوفيين
وأبي ثور، إلا أنه إن رأى من عيب عورته أعاد الصلاة عندهم(٣).
ثم قال البخاري رحمه الله: وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الذِي يُجَامِعُ فِهِ مَا
لَمْ یَرَ أَذى.
وهذا منه دال على الاكتفاء بالظن فيما يصلي فيه، لا القطع، وقد
روى أبو داود بإسناد جيد من حديث أم حبيبة وقد سألها أخوها معاوية :
هل كان رسول الله وَّو يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ فقالت: نعم،
إذا لم ير فيه أذى(٤).
ثم قال البخاري رحمه الله: وَأَمَرَ النَّبِيُّ وَّهِ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ
عُرْيَانٌ(٥).
يريد بذلك نداء علي # في الحج لما أرسله لينبذ إلى كل ذي عهد
عهده، وكأن البخاري أخذ اشتراط ستر العورة في الصلاة منه؛ لأنه لما
كان في الطواف صلاة وقد أمر بالستر فالصلاة أولى؛ لذا خطر لي في
استنباطه كما خطر لي في استنباط ما قبله، ثم رأيت ابن المنير لما ذكر
قوله: ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه إلى آخره.
(١) ((فصيح ثعلب)) ص١١.
(٢) ((المدونة)) ٩٥/١.
(٣) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ٣٧٧/١ - ٣٨٠، ((المجموع)) ١٧٩/٣ - ١٨٠،
«المغني)) ٢٩٥/٢.
(٤) ((سنن أبي داود)) (٣٦٦)، ورواه ابن خزيمة (٧٧٦)، وابن حبان ٦/ ١٠١
(٢٣٣١)، وصححه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) الألباني (٣٩٢).
(٥) سيأتي برقم (٣٦٩) باب: ما يستر من العورة.

٢٧٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
قال: ذكر فيه حديث أم عطية: أمرنا أن نخرج الحيض. وليس فيه
ما يدل على الصلاة الذي يجامع منه، لكن في أبي داود، ثم ذكر
حديث أم حبيبة السالف، وقد علمت أن وجه الاستنباط منه، وحديث
أم عطية ذكره لفائدة أخرى سأبديها.
ثم ساق البخاري رحمه الله حديث أم عطية. وفيه: قَالَتِ امْرَأَةٌ:
يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ. قَالَ: ((لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ
جِلْبَابِهَا)».
وهُذِه المرأة هي أم عطية، وكنت بها عن نفسها في رواية، قلت:
يا رسول الله، إحدانا ... الحديث.
وذكر البخاري بعضه معلقًا في كتاب الحيض (١)، وسيأتي بطوله في
العیدین(٢) إن شاء الله.
ثم قال البخاري: وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ.
وعبد الله هذا هو الغُداني نسبة إلى غدان بن يربوع بن حنظلة (٣)
(١) سبق في باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت. قبل حديث رقم
(٣٠٥) وقد ساقه البخاري أيضًا مسندًا في نفس الكتاب -الحيض - برقم (٣٢٤)
باب: شهود الحائض العيدين ...
(٢) سيأتي فيه مترجمًا عليه في أكثر من موضع بأرقام (٩٧١، ٩٧٤، ٩٨٠، ٩٨١).
(٣) هو عبد الله بن رجاء الغُداني البصري، روى عن إسحاق بن يزيد الكوفي،
وعمران بن دوار القطان، وجرير بن أيوب البجلي، روى عنه البخاري،
وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وروى الدارمي، عن يحيى بن معين: كان شيخًا
صدوقًا لا بأس به، وسُئل أبو زرعة عنه فجعل يثني عليه وقال: حسن الحديث عن
إسرائيل، وقال عمرو بن علي: صدوق كثير الغلط والتصحيف ليس بحجة، وقال
النسائي : عبد الله بن رجاء المكي والبصري كلاهما ليس بهما بأس، وذكره ابن حبان =

٢٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ووهم من جعل أنه المكي(١)، وعمران هو ابن داور(٢)، الراء في آخره،
وفيه ضعف. أستشهد به البخاري هنا وفي غزوة ذات الرقاع(٣)، فروي له
في كتاب ((الأدب))(٤) والأربعة(٥).
في ((الثقات))، وقال عنه يعقوب بن سفيان: ثقة، وروى الدوري عن يحيى بن معين
أنه ليس من أصحاب الحديث، وقال أبو حاتم: كان ثقة، وقال عنه الذهبي: من
ثقات البصريين ومسنديهم، وقال عنه ابن حجر: صدوق يهم قليلًا.
انظر: (تاريخ الدارمي)) ص١٨١ (٦٥٢)، ((الجرح والتعديل)) ٥٥/٥ (٢٥٥)،
((الثقات)) لابن حبان ٣٥٢/٨، ((تهذيب الكمال)) ٤٩٥/١٤ (٣٢٦٢)، ((ميزان
الاعتدال)) ١٣٥/٣ (٤٣٠٩)، ((تهذيب التهذيب)) ٣٣٢/٢، ((تقريب التهذيب)»
(٣٣١٢).
(١) هو عبد الله بن رجاء المكي أبو عمران، روى عن سفيان الثوري، وروى عنه
أحمد بن حنبل وحسنه ووثقه ابن معين وقال: أبو حاتم صدوق، وقال أبو زرعة:
شيخ صالح، ووثقه ابن حبان، ومحمد بن سعد، وقال الذهبي: كان صدوقًا
محدثًا، وقال ابن حجر: ثقة تغير حفظه قليلًا.
انظر: ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٥٠٠/٥، ((الثقات)) لابن حبان ٣٣٩/٨،
(تهذيب الكمال)) ٥٠٠/١٤، ((ميزان الاعتدال)) ١٣٥/٣ (٤٣٠٨)، ((تقريب
التهذيب)) ص٣٠٢ (٣٣١٣).
(٢) هو عمران بن داور القطان، روى عن بكر بن عبد الله المزني، والحسن البصري،
روى عنه عبد الله بن رجاء الغدائي وأبو علي الحنفي، قال أحمد بن حنبل: أرجو
أن يكون صالح الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس بالقوي. وقال النسائي:
ضعيف. ووثقه ابن حبان، وقال ابن حجر: صدوق يهم. وذكره العقيلي في
((الضعفاء)». وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه أنظر: ((الضعفاء الكبير)) ٣/
٣٠٠ (١٣٠٩)، ((تهذيب التهذيب)) ص٤٢٩ (٥١٥٤)، ((الكامل)) ١٦٢/٦
(١٢٦٥)، ((تهذيب الكمال)) ٣٢٨/٢٢.
(٣) سيأتي برقم (٤١٢٥).
(٤) ((الأدب المفرد)» (٨٢٥).
(٥) ((سنن أبي داود)) (١١٣٦)، ((سنن الترمذي)) (٥٣٩)، ((سنن النسائي)) ١٩٣/١،
١٩٤، ((سنن ابن ماجه)) (١٣٠٧).
٠