Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
كِتَابُ الغُسْلِ
١٦- باب مَنْ تَوَضَّأَ في الجَنَابَةِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ،
وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الوُضُوءِ مَرَّةً أُخْرِى
٢٧٤- حَدَّثَنَا يُوسُفُ بنُ عِيسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا
الأَغْمَشُ، عَنْ سَالمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابْنَ عَبَّاسٍ - عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةً
قَالَتْ: وَضَعَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَضُوءًا لَجَنَابَةٍ، فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا،
ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوِ الَحَائِطِ مَرَتَيْنِ - أَوْ ثَلَاثًا - ثُمَّ مَضْمَضَ
وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الماءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ
تَنَخَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ. قَالَتْ: فَأَتَيْتُهُ بِخِزْقَةٍ، فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ. [انظر:
٢٤٩- مسلم: ٣١٧ - فتح: ٣٨٢/١]
ثم ساق حديث ميمونة قَالَتْ: وُضِعَ لرسول اللهِ بَّه وضوءه للجنابة.
الحديث. وقد سلف أيضًا (١).
والكلام عليه من وجوه :
أحدها :
الفضل (ع) بن موسى المذكور في إسناده هو السيناني. مات سنة
آثنتين وتسعين ومائة(٢).
(١) سلف برقم (٢٤٩) كتاب: الغسل، باب: الوضوء قبل الغسل.
(٢) أبو عبد الله المروزي، مولى بني قطيعة من بني زبيد من مذحج، وسينان قرية من
قرى مرو، قال أبو حاتم: صدوق صالح، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن
يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو عبد الله الديناري عن أبي نعيم: هو أثبت من ابن
المبارك، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير))
١١٧/٧ (٥٢٣)، ((الجرح والتعديل)) ٦٨/٧ (٣٩٠)، ((الثقات)) لابن حبان
٣١٩/٧، ((تهذيب الكمال)) ٢٥٤/٢٣ - ٢٥٨ (٤٧٥٠).

٦٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وشيخ البخاري فیه یوسف (خ. م. ت. س) بن عيسى هو الزهري
المروزي، مات سنة تسع وأربعين ومائتين(١).
ثانیھا :
قَالَ الإسماعيلي: بيّن زائدة أن قوله: (للجنابة) من قول سالم
الراوي عن كريب، لا من قول ابن عباس، ولا من قول ميمونة. وفي
حديث زائدة زيادة ذكر: سترته حتى اغتسل.
ثالثها :
كيف تستفاد الترجمة من الحديث، وإنما قالت بعد غسل وجهه
وذراعيه: (ثم أفاض على رأسه، ثم غسل جسده). فدخل في قولها :
(ثم غسل جسده)، الأعضاء التي تقدم عليها؛ لأنها من جملة الجسد.
ووجه استفادتها مع بعده لغة واحتماله عرفًا أنه لم يذكر إعادة
غسلها، وذكر الجسد بعد ذكر الأعضاء المعينة يفهم عرفًا بقيته
لا جملة، وظن الشارح - أعني: ابن بطال- أن لفظ الحديث في
الطريق المتقدمة على الترجمة أبعد بهذه الترجمة، فإنها قالت فيه: ثم
غسل سائر جسده. أي: باقیه. إلا أن يؤول سائر بمعنى: جميع(٢).
رابعها :
لما نقل ابن بطال الإجماع على سنية الوضوء في غسل الجنابة،
شرع يستنبط منه، فقال: لما ناب غسل مواضع الوضوء وهي سنة في
الجنابة عن غسلها في الجنابة، وغسل الجنابة فريضة، صح بذلك
(١) أبو يعقوب المروزي. قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)) انظر ترجمته
في ((الجرح والتعديل)) ٢٢٧/٩ (٩٥٤)، و((الثقات)) ٢٨١/٩، و((تهذيب الكمال))
٤٤٩/٣٢ - ٤٥٠ (٧١٤٨)
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٣٨٩/١.

٦٠٣
كِتَابُ الغُسْلِ
=
قول أشهب وجماعة عن مالك أن غسل الجمعة يجزئه عن الجنابة، وهو
خلاف رواية ابن القاسم (١).
ووجهه المهلب: بأن الشارع لما اجتزأ بغسل أعضاء الوضوء عن أن
يغسلها مرة أخرى عن الجنابة دل أن الطهارة إذا نُوي بها رفع الحدث
أجزأت عن كل معنى يراد به الاستباحة.
ولهذا الحديث -والله أعلم- قَالَ عطاء: إذا غسلت كفيَّ قبل
إدخالهما الإناء لم أغسلهما مع الذراعين في الوضوء.
قَالَ: وفي هذا الحديث أيضًا حجة لأحد قولي مالك في رجل توضأ
للظهر وصلى، وأراد أن يجدد الوضوء للعصر، فلما صلاها تذكر أن
الوضوء الأول قد أنتقض، فقال مالك: تجزئه صلاته. وهو الصواب؛
لأن الوضوء عنده للسنن يجزئ به صلوات الفرائض، وقال مرة:
لا یجزئه.
ومثل هذه المسألة اختلاف ابن القاسم وابن الماجشون فيمن صلى
في بيته، ثم صلى تلك الصلاة في المسجد، فذكر أنه كان في الأولى
على غير وضوء، فقال ابن القاسم: يجزئه.
وقال ابن الماجشون: لا يجزئه. والصواب الأول(٢)، بدليل هذا
الحديث؛ لأنه وإن كان صلاها على طريق الفضيلة فإنه نوى بها تلك
الصلاة بعينها، والقربة إلى الله تعالى بتأديتها، كما نوى بغسل مواضع
الوضوء القربة إلى الله تعالى، ولم يحتج إلى إعادتها في الغسل من
الجنابة.
(١) ((المنتقى)) ٥٠/١.
(٢) أنظر ((النوادر والزيادات)) ٣٢٧/١.

٦٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقد قَالَ ابن عمر للذي سأله عن الذي يصلي في بيته، ثم يصليها في
المسجد، أيهما أجعل صلاتي؟ قَالَ: أو ذاك إليك؟! ذاك إلى الله تعالى
يجعل أيتهما شاء(١) (٢).
(١) رواه مالك في ((الموطأ)) ص ١٠٢.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٣٨٧/١ - ٣٨٩.

٦٠٥
كِتَابُ الغُسْلِ
١٧- باب إِذَا ذَكَرَ في المَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ
يَخْرُجُ كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَقَّمُ
٢٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّغُوفُ
قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا :
(مَكَانَكُمْ)). ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبِّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ. تَابَعَهُ
عَبْدُ الأَغْلَىِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [٦٣٩، ٦٤٠-
مسلم: ٦٠٥ - فتح: ٣٨٣/١]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَنَا يُونُسُ، عَنِ ابن
شهاب، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ
الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ
أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا: ((مَكَانَكُمْ)). ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا
وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ. تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ. وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
الكلام علیه من وجوه:
أحدها :
حديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة(١)، وأما
حديث معمر فأخرجه أبو داود، عن (مخلد بن خالد)(٢)، عن
إبراهيم بن خالد - إمام مسجد صنعاء- عن رباح بن زيد، عنه(٣).
(١) مسلم (٦٠٥) كتاب: المساجد، باب: متى يقوم الناس للصلاة؟
(٢) وقع في الأصل: خالد بن مخلد، والصواب ما أثبتناه كما في ((سنن أبي داود)»
(٢٣٥).
(٣) أبو داود (٢٣٥).

٦٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأما حديث الأوزاعي فذكره مسندًا في الصلاة في باب إذا قَالَ
الإمام: مكانكم. عن إسحاق، عن محمد بن يوسف، عنه(١).
وأخرجه مسلم عن زهير بن حرب(٢). وأبو داود عن المؤمل بن
الفضل، كلاهما عن الوليد بن مسلم، عنه (٣).
قلتُ: وتابعه الزُبيدي، وصالح بن كيسان، وابن عيينة كلهم عن
الزهري. رواه أبو داود والنسائي عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن
حرب، عن الزبيدي(٤). ورواه البخاري في الصلاة، في باب: هل
يخرج من المسجد لعلة، من حديث إبراهيم بن سعد، عن صالح(٥).
ومتابعة ابن عيينة ذكرها الإسماعيلي.
ثانیھا :
عبد الله (خ. ت) بن محمد: هو: المسنَدِي الحافظ، مات بعد
المائتين(٦).
وعثمان (ع) بن عمر: هو العبدي البصري صالح ثقة. مات سنة تسع
ومائتین(٧).
(١) سيأتي برقم (٦٤٠) كتاب: الأذان.
(٢) مسلم (٦٠٥) كتاب: المساجد، باب: متى يقوم الناس للصلاة؟
(٣) أبو داود (٢٣٥).
أبو داود (٢٣٥) والنسائي ٨١/٢.
(٤)
(٥) سيأتي برقم (٦٣٩) كتاب: الآذان، باب: هل يخرج من المسجد لعلة؟
(٦) سبق ترجمته في حديث (٩).
(٧) هو عثمان بن عمر بن فارس بن لقيط العبدي، أبو محمد، وقيل: أبو عدي، وقيل:
أبو عبد الله، البصري. يقال: أصله من بخارى. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل،
عن أبيه: رجل صالح ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق، وكان يحيى بن سعيد
لا يرضاه. وذكره ابن حبان في «الثقات)) وقال: أصله بخاريٌّ.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٦/ ٢٤٠ (٢٢٧٤)، و((معرفة الثقات)) ١٣٠/٢ =

٦٠٧
كِتَابُ الغُسْلِ
ويونس: هو ابن يزيد سلف، وكذا باقي الإسناد.
ثالثها :
قوله: (أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ). وفي رواية: فعدِّلت
الصفوف، قبل أن يخرج إلينا رسول الله وَ لي(١). فيه تعديل الصفوف،
وهو إجماع، وقال ابن حزم: فرض على المأمومين تعديل الصفوف،
الأول فالأول، والتراص فيها(٢)، والمحاذاة بالمناكب والأرجل.
رابعها :
قوله: (فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَلِّ) هو موافق لرواية: أقيمت
الصلاة، فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج. وأما حديث: ((إذا
أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني))(٣).
فوجهه أن بلالًا كان يراقب خروجه من حيث لا يراه غيره،
أو إلا القليل، فعند أول خروجه يقيم، فلا يقوم الناس حتى يروه،
ولا يقوم مقامه حتى يعدل الصفوف، وأخذ المصاف قبل الخروج
لعله كان مرة أو مرتين ونحوهما لبيان الجواز، أو لعذر.
ولعل قوله: ((فلا تقوموا حتى تروني)) بعد ذلك، والنهي عن القيام
قبل أن يروه لئلا يطول عليهم القيام، ولأنه قد يعرض له عارض
فيتأخر بسببه.
(١٢١٦)، و((الجرح والتعديل)) ١٥٩/٦ (٨٧٧)، و((الثقات)) ٤٥١/٨، و((تهذيب
=
الكمال)» ٤٦١/١٩-٤٦٣ (٣٨٤٨).
(١) رواها النسائي ٨٩/٢.
(٢) ((المحلى)) ٤/ ٥٢.
(٣) سيأتي برقم (٦٣٧) كتاب: الأذان، باب: متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند
الإقامة؟

٦٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقد اختلف العلماء من السلف فمن بعدهم متى يقوم الناس إلى
الصلاة؟ ومتى يكبر الإمام؟ فذهب الشافعي وطائفة إلى أنه يستحب
أن لا يقوم أحد حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وكان أنس يقوم إذا
قَالَ المؤذن: قد قامت الصلاةُ. وبه قَالَ أحمد.
وقال أبو حنيفة والكوفيون: يقومون في الصف إذا قَالَ: حي على
الصلاة، فإذا قَالَ: قد قامت الصلاة. كبر الإمام(١)، وحكاه ابن أبي
شيبة، عن سويد بن غفلة، وقيس بن أبي سلمة، وحماد(٢)، وقال
جمهور العلماء من السلف والخلف: لا يكبر الإمام حتى يفرغ
المؤذن من الإقامة.
خامسها :
قوله: (فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ). وفي رواية: قبل أن
يكبر (٣). وفي رواية أخرى في البخاري: وانتظرنا تكبيره(٤).
ولابن ماجه: قام إلى الصلاة وكبر، ثم أشار إليهم فمكثوا، ثم
انطلق فاغتسل، وكان رأسه يقطر ماء فصلى بهم، فلما انصرف قَالَ:
((إِّي خرجت إليكم جنبًا، وإني أنسيت حتى قمت في الصلاة))(٥).
وفي رواية للدارقطني من حديث أنس: دخل في صلاة فكبر وكبرنا
معه، ثم أشار إلى القوم. ((كما أنتم)) (٦). وفي رواية لأحمد من حديث
(١) انظر ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٩٦/١ - ١٩٧، ((المجموع)) ٢٣٣/٣، ((المغني))
١٢٣/٢.
(٢) ((المصنف)) ٣٥٥/١ (٤٠٨٥، ٤٠٨٦، ٤٠٨٨).
رواه مسلم برقم (٦٠٥) كتاب: المساجد، متى يقوم الناس للصلاة؟
(٣)
(٤) سيأتي برقم (٦٣٩) كتاب: الأذان، باب: هل يخرج من المسجد لعلة؟
(٥) ابن ماجه (١٢٢٠).
(٦) الدارقطني ١/ ٣٦٢.

٦٠٩
كِتَابُ الغُسْلِ
=
علي: كان قائمًا يصلي بهم، إذ أنصرف(١).
وفي رواية لأبي داود من حديث أبي بكرة: دخل في صلاةِ الفجر،
فأومأ بيده أن: مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلى بهم(٢)، وفي
أخرى له مرسلة: فكبر ثم أومأ إلى القوم أن أجلسوا. وفي مرسل ابن
سيرين وعطاء والربيع بن أنس: كبر ثم أومأ إلى القوم أن أجلسوا.
واختلف في الجمع بين هذه الروايات، فقيل: أراد بقوله: (كبر):
أراد أن يكبر، عملًا بالرواية السالفة: وانتظرنا تكبيره.
وقيل: إنهما قضيتا، أبداه القرطبي احتمالًاً(٣)، وقال النووي: إنه
(٤)
الأظهر (٤).
وأبداه ابن حبان في ((صحيحه)) فقال بعد أن أخرج الروايتين من
حديث أبي هريرة وحديث أبي بكرة: هذان فعلان في موضعين
متباينين، خرج ◌َّل مرة فكبر، ثم ذكر أنه جنب، فانصرف فاغتسل،
ثم جاء فاستأنف بهم الصلاة، وجاء مرة أخرى: فلما وقف ليكبر ذكر
أنه جنب قبل أن يكبر، فذهب فاغتسل، ثم رجع فأقام بهم الصلاة،
من غير أن يكون بين الخبرين تضاد ولا تهاتر(٥)
قَالَ: وقول أبي بكرة: فصلى بهم، أراد بدأ بتكبير محدث، لا أنه
رجع فبنى على صلاته، إذ محالٌ أن يذهب وَّ ليغتسل ويبقى الناس
كلهم قيامًا على حالتهم من غير إمام إلى أن يرجع(٦).
(١) ((المسند)) ٨٨/١، ٩٩.
(٢) أبو داود (٢٣٣).
(٣) ((المفهم)) ٢٢٨/٢.
(٤) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٠٣/٥.
(٥) ((صحيح ابن حبان)) ٨/٦ عقب الرواية (٢٢٣٦).
(٦) المصدر السابق ٦/ ٦ عقب الرواية (٢٢٣٥).

٦١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
سادسها :
يستفاد من رواية الإيماء والإشارة؛ أن الإمام إذا طرأ له ما يمنعه من
التمادي استخلف بالإشارة لا بالكلام، وهو أحد القولين لأصحاب
مالك، كما حكاه القرطبي، وجواز البناء في الحدث، وهو قول أبي
حنيفة، لكن إنما يتم ذلك إذا ثبت فعلًا أنه لم يكبر حين رجوعه، بل
الذي في الصحیحین أنه کبر بعدما أغتسل عند رجوعه.
قَالَ القرطبي: والمشكل على هذِه الرواية إنما هو وقوع العمل
الكثير وانتظارهم له هذا الزمان الطويل بعد أن كبروا.
قَالَ: وإنما قلنا: إنهم كبّروا؛ لأن العادة جارية بأن تكبير المأموم
يقع عقب تكبير إمامه، ولا يؤخر عن ذلك إلا القليل من أهل الغلو
والوسوسة. ولما رأى مالك هذا الحديث مخالفًا لأصل الصلاة قَالَ:
إنه خاص بالنبي ◌ّڼ.
قَالَ: وروى عنه بعض أصحابنا أن هذا العمل من قبل اليسير،
فيجوز مثله. وقال ابن نافع: إن المأموم إذا كان في الصلاة فأشار إليه
إمامه بالمكث، فإنه يجب عليه انتظاره حتى يأتي فيتم بهم أخذًا بهذا
الحديث(١).
قَالَ: والصحيح من حديث أبي هريرة في الصحيحين أنه وَّ ذكر
قبل أن يكبر وقبل أن يدخل في الصلاة، وعلى هذا فلا إشكال في
الحديث، وأقصى ما فيه أن يقال: لم أشار إليهم ولم يتكلم؟ ولم
انتظروه قيامًا؟
والجواب أنه لا نسلم أنه لم يتكلم، بل قد جاء في هذِه الرواية أنه
(١) ((المفهم)) ٢٣٠/٢.

٦١١
= ڪِتَابُ الغُسْلِ
قَالَ لهم: ((مكانكم)) وفي أخرى: أنه أومأ إليهم. فيجمع بينهما بأنه جمع
بين القول والإشارة؛ تأكيدًا لملازمة القيام، أو روى الراوي أحدهما
بالمعنى.
وملازمتهم القيام امتثال لأمره، وأمرهم بذلك ليشعر بسرعة رجوعه؛
حتى لا يتفرقوا ولا يزيلوا ما كانوا شرعوا فيه من القيام للقربة، ولما رجع
بَنَى على الإقامة الأولى، أو أستأنف إقامة أخرى لم يصح فيه نقل.
والظاهر أنه لو وقعت إقامة أخرى لنقلت، وحينئذ يحتج به من يرى
أن التفريق بين الإقامة والصلاة لا يقطع الإقامة وإن طال(١).
سابعها :
فيه جواز النسيان في العبادات على الأنبياء، وقد روي عنه وَله :
((إني لأنسى - أو أنسَّى- لأسُنَّ))(٢).
ثامنها :
فيه - كما قَالَ ابن بطال- حجة لمالك وأبي حنيفة أن تكبير المأموم
يقع بعد تكبير الإمام، وهو قول عامة الفقهاء(٣).
قَالَ: والشافعي أجاز تكبير المأموم قبل إمامه، أي: فيما إذا أحرم
منفردًا، ثم نوى الاقتداء في أثناء صلاة؛ لأنه روئ حديث أبي هريرة
على ما رواه مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عطاء بن يسار
(١) انظر: ((المفهم)) ٢٢٩/٢ - ٢٣٠.
(٢) ذكره مالك في ((الموطأ)) ص ٨٣. قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٤/ ٣٧٥ أما هذا
الحديث بهذا اللفظ، فلا أعلمه يروى عن النبي وَله بوجه من الوجوه مسندًا ولا
مقطوعًا من غير هذا الوجه - والله أعلم- وهو أحد الأحاديث الأربعة في ((الموطأ))
التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة- والله أعلم- ومعناه صحيح في الأصول.
(٣) ((المدونة)) ١/ ٦٧.

٦١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
أنه وي كبر في صلاةٍ من الصلوات، ثم أشار إليهم بيده أن أمكثوا، فلما
قدم كبر(١).
والشافعي لا يقول بالمرسل، ومالك الذي رواه لم يعمل به؛ لأنه
صح عنده أنه لم يكبر(٢).
وزعم ابن حبيب أن هذا خاص به وَّله، ولعله أمرهم بنقض إحرامهم
الأول، وابتدأ الإحرام بعد إحرامه الثاني، وهكذا فسره مطّرِف وابن
الماجشون وغيرهما، وهو قول مالك أيضًا.
تاسعها :
زعم بعض التابعين أن الجنب إذا نسي فدخل المسجد وذكر أنه
جنب يتيمم ثم يخرج، وهو قول الثوري وإسحاق(٣).
والحديث يرد عليهما، وكذا قول أبي حنيفة (٤) في الجنب المسافر
يمر على مسجد فيه عين ماء، فإنه يتيمم ويدخل المسجد فيستقي، ثم
يخرج الماء من المسجد، والحديث يدل على خلاف قوله؛ لأنه لما
لم يلزمه التيمم للخروج.
وكذا من أضطر إلى المرور فيه جنبًا لا يحتاج إلى التيمم؛ لأن
الحديث فيه الخروج لا الدخول، وفي ((نوادر ابن دريد)) عن بعض
أصحابه فيما حكاه ابن التين: من نام في المسجد ثم احتلم ينبغي أن
يتيمم لخروجه، وهذا الحديث يرد عليه.
(١) ((الموطأ)) ص ٥٥، ونصه: كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار إليهم أن آمكثوا
فذهب، ثم رجع وعلى جلده أثر الماء.
(٢) (شرح ابن بطال)) ٢٦٦/٢.
(٣) («المغني)) ٢٠٠/١.
(٤) ((المبسوط)) ١١٨/١.

٦١٣
كِتَابُ الغُسْلِ
وقد اختلف العلماء في مرور الجنب في المسجد، فرخص فيه
جماعة من الصحابة: علي(١) وابن مسعود وابن عباس، وقال جابر:
كان أحدنا يمر في المسجد وهو جنب(٢).
وممن روي عنه إجازة دخوله عابر سبيل ابن المسيب وعطاء
والحسن(٣) وسعيد بن جبير، وهو قول الشافعي(٤)، ورخصت طائفة
للجنب أن يدخل المسجد ويقعد فيه، قَالَ زيد بن أسلم: كان أصحاب
رسول الله ولم يحتبون في المسجد وهم جنب(٥).
وروى سعيد بن منصور في ((سننه)) بسند جيد عن عطاء: رأيت رجالًا
من الصحابة يجلسون في المسجد وعليهم الجنابة إذا توضئوا للصلاة(٦).
وكان أحمد بن حنبل يقول: يجلس الجنب فيه ويمر فيه إذا توضأ،
ذكره ابن المنذر، وقال مالك والكوفيون: لا يدخل فيه الجنب [إلا](٧)
عابر سبيل(٨).
وروي عن ابن مسعود أيضًا أنه كره ذلك للجنب، وقال المزني
وداود: يجوز له المكث فيه مطلقًا، فالمسلم لا ينجس، واعتبروه
بالمشرك.
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٥/١ (١٥٥١).
(٢) رواه ابن خزيمة ٢٨٦/٢ (١٣٣١)، والبيهقي ٤٤٣/٢.
(٣) رواه عنهم ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١٣٥/١ (١٥٥٥، ١٥٥٨، ١٥٦٠).
(٤) ((الأم)) ٤٦/١.
(٥) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٣٥/١ (١٥٥٧)، ولفظه: كان الرجل منهم يجنب ثم
يدخل المسجد فیحدث فيه.
(٦) ((سنن سعيد بن منصور)) ٤/ ١٢٧٥ (٦٤٦).
فى الأصل: ولا، والمثبت من ((الأوسط)).
(٧)
(٨) («الأوسط)) ١٠٧/٢.

٦١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي الصحيح ((إن حيضتك ليست في يدك))(١) وحديث الوليدة التي
كان لها حِفشٌ في المسجد(٢)، وحدیث تمریض سعد فيه، وسيلان دمه
فيه(٣). وحديث وفد ثقيف من ((صحيح ابن خزيمة))، وإنزالهم
المسجد (٤)، وكان أهل المسجد وغيرهم يبيتون في المسجد.
واحتج من أباح العبور بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّ عَابِى سَبِيلٍ﴾
[النساء: ٤٣] أي: لا تقربوا مواضعها.
ووردت أحاديث تمنع الجنب منه، وكلها متكلم فيها. وأجاب من
منع: بأن المراد بالآية نفس الصلاة، وحملها على مكانها مجازًا،
وحملها على عمومها، أي: لا تقربوا الصلاة ولا مكانها على هذِه
الحال، إلا أن تكونوا مسافرين فتيمموا واقربوا ذلك وصلّوا.
وقد نقل الرازي عن ابن عمر وابن عباس أن المراد بعابر السبيل:
المسافر يعدم الماء، يتيمم ويصلي، والتيمم لا يرفع الجنابة، فأبيح لهم
الصلاة به تخفيفًا.
قَالَ ابن بطال: ويمكن أن يستدل من هذِه الآية لقول الثوري
(١) رواه مسلم (٢٩٨) كتاب: الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها
وترجلیه، وأبو داود (٢٦١).
والترمذي (١٣٤)، والنسائي ١٤٦/١، وأحمد ٤٥/٦.
(٢) سيأتي برقم (٤٣٩) كتاب: الصلاة، باب: نوم المرأة في المسجد.
(٣) سيأتي برقم (٤٦٣) كتاب: الصلاة، باب: الخمية في المسجد للمرضى وغيرهم.
(٤) ((صحيح ابن خزيمة)) ٢٨٥/٢ (١٣٢٨) عن عثمان بن أبي العاص: أن وفد ثقيف
قدموا على رسول الله و ﴿ فأنزلهم المسجد حتى يكون أرق لقلوبهم. قال الألباني
في تعليقه على ((صحيح ابن خزيمة)): إسناده ضعيف، فيه عنعنه الحسن. ورواه
أبو داود (٣٠٢٦)، وأحمد ٢١٨/٤.

٦١٥
= ڪِتَابُ الغُسْلِ
وإسحاق السالف، وذلك أن المسافر إذا عدم الماء منع دخول المسجد
والصلاة فيه، إلا بالتيمم، وذلك لضرورة وأنه لا يقدر على ماء، فكذلك
الذي يجنب في المسجد لا يخرج إلا بعد التيمم؛ لأنه مضطر لا ماء
معه، فأشبه المسافر العابر سبيل المذكور في الآية لولا ما يعارضه من
حديث أبي هريرة المفسر لمعنى الآية لجواز خروجه من المسجد دون
تيمم، ولا قياس لأحد مع مجيء السنن، وإنما يفزع إلى القياس عند
عدمها(١).
عاشرها :
فيه طهارة الماء المستعمل؛ لأنه خرج ورأسه يقطر. وفي روايةٍ
أخرى: ينطف(٢)، وهي بمعناها(٣).
(١) ((شرح ابن بطال)) ٣٩٠/١-٣٩١.
(٢) سيأتي برقم (٦٣٩) كتاب: الأذان، باب: هل يخرج من المسجد؟
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ٩ من ٢ من تجزئة المصنف.

٦١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٨- باب نَفْضِ اليَدِ مِن غسلِ الجَنَابَةِ
٢٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الأَغْمَشَ، عَنْ سَالم، عَنْ
كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ غُسْلًا، فَسَتَزْتُهُ بِثُوبٍ،
وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ
الأَرْضَ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ
عَلَى رَأْسِهِ، وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَتَخَى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَتَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ،
فَانْطَلَقَ وَهْوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧، ٣٣٧ - فتح: ١/ ٣٨٤]
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، ثنَا أَبُو حَمْزَةَ سَمِعْتُ الأَعْمَشَ، عَنْ سَالِم، عَنْ
كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ فذكر حديث ميمونة. وفي آخره: فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا
فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهْوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ.
وقد سلف واضحًا بالكلام عليه. وأبو حمزة: هو محمد بن ميمون
السكري(١).
ومقصوده بالترجمة ألا يتخيل أن مثل هذا الفعل لإطراح العبادة
ونقض له، فنبه أن هذا جائز، ونبه أيضًا على بطلان قول من زعم أن
تركه المنديل من قبل إبقاء أثر العبادة عليه وأن لا يمسحها.
وقد ظن المهلب هذا احتمالًا، والترجمة تأباه وتبين أن هذا ليس
مغزاه، وإنما ترك المنديل -والله أعلم- خوفًا من فعل المترفين (٢).
(١) روى عن إبراهيم بن ميمون الصائغ، وإسماعيل بن عبد الرحمن السُّدي، وثقه عباس
الدُّوري والنَّسائي، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، مات سنة ثمان وستين ومائةٍ، وهو
من أهل مرو، يقال: سُمي بالسكري؛ لحلاوة كلامِه. وانظر ترجمته في : ((طبقات ابن
سعد)) ٣٧١/٧، ((التاريخ الكبير)) ٢٣٤/١ (٧٣٧)، ((الجرح والتعديل» ٨١/٨
(٣٣٨)، ((ثقات ابن حبان)) ٧/ ٤٢٠، ((تهذيب الكمال)» ٥٤٤/٢٦ (٥٦٥٢).
(٢) انظر ((شرح ابن بطال)) ٣٩١/١ - ٣٩٢.

٦١٧
كِتَابُ الغُسْلِ
١٩- باب مَنْ بَدَأَ بِشِقٌّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ في الغُسْلِ
٢٧٧- حَدَّثَنَا خَلَادُ بْنُ يَخْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا إِنْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الَحَسَنِ بْنِ
مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا إِذَا أَصَابَتْ إِحْدَانَا جَنَابَةٌ،
أَخَذَثَ بِيَدَيْهَا ثَلَاثًا فَوْقَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِهَا عَلَى شِقْهَا الأَيَمَنِ، وَبِيَدِهَا الأخرىُ
عَلَى شِقُّهَا الأَنَسَرِ. [فتح: ٣٨٤/١]
حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعِ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ،
عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا إِذَا أَصَابَتْ إِحْدَانَا جَنَابَةٌ،
أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا ثَلَاثًا فَوْقَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِهَا عَلَى شِقُّهَا الأَيْمَنِ،
وَبِيَدِهَا الأُخْرِى عَلَى شِقِّهَا الأَيْسَرِ.
هذا الحديث من أفراد البخاري بهذا اللفظ، وقد سلف فقهه (١)،
وأن البداءة بالأيمن في الغسل مطلوبة.
وصفية (ع) هُذِه: بنت شيبة حاجب البيت ابن عثمان بن أبي طلحة
العبدري، يقال: لها رؤية، وحديثها عن النبي ◌ُّل في السنن خلا
الترمذي.
وذكرها ابن عبد البر وابن السكن في الصحابة، وخرج لها
البخاري في (صحيحه)) (٢) في الجنائز عن النبي وَلَّ(٣). ماتت في خلافة
الوليد (٤).
(١) سلف في الحديث رقم (٢٥٨) باب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل.
(٢) ورد بهامش الأصل: وقال: أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت
شيبة: سمعت النبي ◌َّ مثله.
(٣) سيأتي حديثها بعد حديث رقم (١٣٤٩) باب: الإذخر والحشيش في القبر. تعليقًا.
(٤) انظر ترجمتها في: ((الاستيعاب)) ٤٢٧/٤ (٣٤٤١)، ((أسد الغابة)) ١٧٢/٧
(٧٠٥٨)، ((الإصابة)) ٣٤٨/٤ (٦٥٣).

٦١٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
والحسن (خ، م، د، س، ق) بن مسلم هو ابن ينَّاق، ثقة. مات قبل
طاوس(١). وإبراهيم بن نافع: هو المكي المخزومي ثقة ثبت(٢). وخلاد
سلمي كوفي ثقة. مات سنة سبع عشرة ومائتين(٣) (٤).
(١) المكيُّ الثقة، وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث
روى له الجماعة سوى الترمذي. انظر ترجمته في ((الطبقات)) ٤٧٩/٥، ((التاريخ
الكبير)) ٣٠٦/٢ (٢٥٦٥)، ((الجرح والتعديل)) ٣٦/٣ (١٥٥)، ((تهذيب الكمال))
٣٢٥/٦ (١٢٧٥).
(٢) أبو إسحاق المكيُّ، قال ابن عيينة: كان حافظًا، وقال ابن مهدي: كان أوثق شيخ
بمكة ووثَّقه ابن معين. روى له الجماعة. ((التاريخ الكبير)) ٣٣٢/١ (١٠٤٧)،
((ثقات ابن حبان)) ٥/٦، ((تهذيب الكمال)) ٢٢٧/٢ (٢٦٠).
(٣) أبو محمد الكوفيُّ، سكن مكة، وثَّقه أحمد بن حنبل، ولكن كان يرى شيئًا من
الإرجاء، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: صدوق إلا أن في حديثه غَلَطًا قليلاً،
وقال أبو حاتم: ليس بذاك المعروف، محلُّه الصّدق، وقال أبو داود: ليس به
باس.
وقال ابن حجر في ((التقريب)): نزيل مكة، صدوق رمي بالإرجاء، وهو من كبار
شيوخ البخاري، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة، وقيل سنة سبع عشرة. أنظر
ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١٨٩/٣ (٦٣٨)، ((الجرح والتعديل)) ٣٦٨/٣
(١٦٧٥)، ((تهذيب الكمال)) ٣٥٩/٨ (١٧٤١)، ((التقريب)) ص١٩٦ (١٧٦٦)
(٤) بهامش الأصل: ثم بلغ في التاسع بعد الأربعين كتبه مؤلفه غفر الله له.

٦١٩
كِتَابُ الغُسْلِ
٢٠- باب مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ في الخَلْوَةِ،
وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ
وَقَالَ بَهْزٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ: ((اللهُ أَحَقُّ
أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ)».
٢٧٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بنِ
مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً،
يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: والله مَا يَمْنَعُ
مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ. فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ ،
فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ. حَتَّى نَظَرَتْ
بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، فَقَالُوا: والله مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ. وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ
بِالْحَجَرِ ضَرْبًا)). فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: والله إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحُجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَزْبًا بِالْجَرِ.
[٣٤٠٤، ٤٧٩٩- مسلم: ٣٣٩ - فتح: ٣٨٥/١]
٢٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ
عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَئِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ
أَكُنْ أَغْنَيْئُكَ عَمَّا تَرِىُ؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، ولكن لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتَِكَ)).
وَرَوَاهُ إِيْرَاهِيمُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا)). [٣٣٩١، ٧٤٩٣ - فتح: ٣٨٧/١]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث :
أحدها :
حديث بهز، وذكره معلقًا فقال: وَقَالَ بَهْزٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنِ
النَّبِيِّ وَِّ: ((اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ)).

٦٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثانيها وثالثها :
حديث أبي هريرة أن موسى وأيوب صلوات الله وسلامه عليهما كانا
يغتسلان عراة، لكن كانا يستتران عن أعين الناس.
وهما دليلان لقوله: (مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِيِ الخَلْوَةِ)، ولا خلاف
أن التستر أفضل كما قاله.
وبجواز الغسل عريانًا في الخلوة قَالَ مالك والشافعي وجمهور
العلماء(١) ومنعه ابن أبي ليلى(٢)، وحكاه الماوردي وجهًا لأصحابنا،
فيما إذا نزل في الماء عريانًا بغير مئزر، واحتج بحديث ضعيف لم يصح
عن النبي ◌َّ: ((لا تدخلوا الماء إلا بمئزر، فإن للماء عامرً))(٣).
وروى ابن وهب عن ابن مهدي، عن خالد بن حميد عن بعض أهل
الشام أن ابن عباس لم يكن يغتسل في بحر ولا نهر إلا وعليه إزار، فإذا
سئل عن ذلك قَالَ: إنَّ له عامرًا، وروى برد عن مكحول، عن عطية
مرفوعًا: ((من أغتسل بليل في فضاء فليتحاذر على عورته، ومن لم
يفعل ذلك، فأصابه لمم فلا يلومن إلا نفسه)) (٤).
(١) أنظر ((النوادر والزيادات)) ٦٥/١، ((المجموع)) ٢٢٧/٢، («المغني)) ٣٠٦/١ - ٣٠٧.
(٢) أنظر ((المجموع)) ٢٢٨/٢.
(٣) من حديث جابر رواه ابن خزيمة ١٢٤/١ (٢٤٩)، وأبو يعلى في «مسنده» ٣٤٣/٣
(١٨٠٧)، والعقيلي في ((الضعفاء)) ٣١٢/١ وقال بعد أن رواه من طريق حماد بن
شعيب: ولا يتابعه عليه إلا من هو دونه ومثله، وابن عدي في ((الكامل)) ١٦/٣،
١٦٣، والحاكم ١٦٢/١ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وتعقبه
الذهبي بأنه على شرط مسلم. وقال الألباني في «الضعيفة)) (١٥٠٤): بل هو
ضعيف الإسناد، لأن الهمداني هذا لم يخرج له مسلم، وهو مختلف فيه، قال
الحافظ: صدوق يخطئ. وأبو الزبير - وإن أخرج له مسلم- فهو مدلس، وقد عنعنه.
(٤) رواه الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)). انظر: ((ضعيف الجامع)) (١٥٦٥).