Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
كِتَابُ الغُسْلِ
=
قَالَ النووي: ولا نعلم فيه خلافًا إلا ما تفرد به الماوردي، حيث
قَالَ: لا يستحب التكرار في الغسل، وهو شاذ متروك(١).
قُلْتُ: قد قاله أيضًا الشيخ أبو علي السِّنجي (٢) في ((شرح الفروع))
فلم یتفرد به.
ونقل ابن التين عن العلماء أنه يحتمل أن يكون هذا على ما شرع في
الطهارة من التكرار، وأن يكون لتمام الطهارة؛ ولأن الغسلة الواحدة
لا تجزئ في استيعاب غسل الرأس، قَالَ: وقيل: ذَلِكَ مستحب،
وما أسبغ أجزأ، وكذا قَالَ ابن بطال: العدد في ذَلِكَ مستحب عند
العلماء، وما عم وأسبغ أجزأ.
قَالَ: وليس في أحاديث الباب الوضوء في الغسل، ولذلك قَالَ
جماعة الفقهاء: إنه من سننه(٣).
وفيه: أن الغرفة باليدين جميعًا، وعليه يحمل ما في حديث جابر:
يأخذ ثلاثة أكف.
وقوله وَله: (((أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا))). الظاهر أنه رد به
على قوم يفعلون أكثر من ذَلِكَ، ولنا فيه أسوة حسنة.
(١) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ٤/ ٩.
(٢) هو الحسين بن شعيب بن محمد، أبو علي السنجي، من قرية سنج، فقيه العصر،
وعالم خراسان، وأول من جمع بين طريقتي العراق وخراسان، وهو والقاضي
حسين أنجب تلامذة القفال.
من تصانيفه: ((شرح المختصر))، ((شرح تلخيص ابن القاص))، ((شرح فروع ابن
الحداد)». توفي سنة ثلاثين وأربعمائة.
انظر ترجمته في ((طبقات الشافعية الكبرى)) ٤/ ٣٤٤-٣٤٨.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٣٧٣/١.

٥٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٥ - باب: الغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً
٢٥٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ سَامٍ بِ أَبِي
الَجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ وَّ مَاءَ
لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ -أَوْ ثَلاَثًا - ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ
يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ
تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧، ٣٣٧ - فتح: ٣٦٨/١]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ لي مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِّ وَله
مَاءٌ لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ - أَوْ ثَلَاثًا- ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَىْ شِمَالِهِ فَغَسَلَ
مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ
وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ.
وهو حديث صحيح، أخرجه مع البخاري مسلم وباقي الستة(١)،
وقد سلف أول الغسل(٢).
والمذاكير: جمع ذكر، على غير قياس، كأنهم فرقوا بين الذكر
الذي هو الفحل وبين الذكر الذي هو العضو، فجمعوا الذكر الفحل
على ذكور وذكران وذكارة مثل: حجارة.
وقال الأخفش: مذاکیر من الجمع الذي لیس له واحد، مثل:
الأبابيل، حكاه ابن التين، وموضع الترجمة من الباب قوله: ثم أفاض
على جسده ولم يذكر مرة ولا مرتين، فحمل على أقل ما يسمى غسلًا
وهو مرة واحدة، والعلماء مجمعون على أنه الشرط فيه التعميم لا العدد.
(١) مسلم (٣١٧، ٣٣٧)، وأبو داود (٢٤٥)، والترمذي (١٠٣)، والنسائي ١/ ١٣٧ -
١٣٨، وابن ماجه (٥٧٣).
(٢) سبق برقم (٢٤٩) كتاب: الغسل، باب: الوضوء قبل الغسل.

٥٦٣
كِتَابُ الغُسْلِ
=
وفيه: الوضوء في الغسل من الجنابة ولم يذكر فيه مسح الرأس، وقد
أسلفنا أنه رواية الحسن عن أبي حنيفة.
وفيه: أن الدلك سنة وليس بواجب عملًا بقولها: (ثم أفاض على
جسده).

٥٦٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٦ - باب: مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ أَوِ الطِّيبٍ (١) عِنْدَ الغُسْلِ
٢٥٨ - حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنِ القَاسِمِ،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ََّ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الحِلَابِ،
فَخَذَ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأيَمَنِ، ثُمَّ الأَيَسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَىْ رَأْسِهِ. [مسلم: ٣١٨
- فتح: ٣٦٩/١]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّىَ، ثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنِ القَاسِمِ،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا أَغْتَسَلٌ مِنَ الجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ
الحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا
عَلَىْ رَأْسِهِ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا وأبو داود والنسائي عن محمد بن
المثنى أيضًا(٢).
والقاسم: هو ابن محمد الفقيه، وعائشة عمته، مات سنة سبع
ومائة (٣)
.
وحنظلة الراوي عنه: هو ابن أبي سفيان ثبت. مات سنة إحدى
وخمسين ومائة(٤).
(١) بهامش الأصل إشارة إلى أنه في نسخة: التطيب.
(٢) مسلم (٣١٨) كتاب: الحيض، باب: صفة غسل الجنابة، وأبو داود (٢٤٠)،
والنسائي ٢٠٦/١ -٢٠٧.
(٣) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) للبخاري ١٥٧/٧ (٧٠٥)، ((الجرح والتعديل))
١١٨/٧ (٦٧٥)، ((تهذيب الكمال)) ٤٢٧/٢٣-٤٣٢ (٤٨١٩).
(٤) سبق في حديث (٨).

٥٦٥
كِتَابُ الغُسْلِ
ثانيها :
الحِلاب -بكسر الحاء المهملة- وهو: إناء يسع حلبة ناقة، وهو:
المِحلب -بكسر الميم. فأما المَحلب بفتح الميم، فهو: الحب الطيب
الرائحة. والبخاري جعل الحلاب في هذه الترجمة ضربًا من الطيب،
وصرح به الداودي في ((شرحه))، وليس كما فعلا، وإنما هو الإناء
الذي كان فيه طيبه وَل ير الذي كان يستعمله عند الغسل، وقد نص غير
واحد على وهم البخاري في ذَلِكَ.
قَالَ الحميدي: جمع مسلم هذا الحديث مع حديث الفَرَق وحديث
قدر الصاع في موضع واحد، وتأولها على الإناء، وفي البخاري ما ربما
ظن ظان أنه قد تأوله على أنه نوع من الطيب، يكون قبل الغسل، لأنه
ترجم الباب بذلك الحلاب أو الطيب، وفي بعضها والطيب، ولم يذكر
غيره، وقد ذكر الهروي في باب الحاء المهملة الحِلاب والمحلب: الإناء
الذي تُحْلب فيه ذوات الألبان.
وقال الخطابي(١): إنه إناء، وذكره البخاري في كتابه، وتأوله على
استعمال الطيب في الطهور، وأحسبه توهم أنه أريد به المحلب الذي
يستعمل في غسل الأيدي، وليس هذا من الباب (٢) في شيء، وإنما
هو ما فسرت لك(٣).
وعند الإسماعيلي دعا بشيء نحو الحلاب. وفي رواية: كان يغتسل
من حِلاب(٤)، وهو إشارة إلى إناء لا إلى طيب.
(١) ((أعلام الحديث)) ١/ ٣٠٢.
(٢) كذا في الأصل، وفي ((الجمع بين الصحيحين)): الطيب.
(٣) ((الجمع بين الصحيحين) ٣٧/٤-٣٨.
(٤) رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) ١٢٢/١.

٥٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
وفي حديث مكي، عن القاسم أنه سئل: كم يكفي من غسل الجنابة؟
فأشار إلى القدح أو الحلاب، ففيه بيان مقدار ما يحتمل من الماء
لا الطيب (أو)(١) التطيب.
وقال ابن الجوزي: غلط جماعة في تفسير الحلاب، منهم البخاري،
فإنه ظن أن الحلاب شيء من الطيب، وكأنه توهم أن الحلاب
المحلب الذي يستعمل في غسل الأيدي، وليس هذا مكانه(٢).
وصحف آخرون لفظه منهم الأزهري، فإنه ضبطه بالجيم وتشديد
اللام، ثم فسره بأنه ماء الورد، فارسي معرب(٣)، حكاه عنه الحميدي،
وقرأناه على شيخنا أبي منصور اللغوي، وقال: أراد بالجلاب ماء
الورد فارسي معرب، وكذا ذكره أبو عبيد الهروي في باب الجيم،
إلا أنه لم ينصره. وهؤلاء عن معرفة الحديث بمعزل، إنما البخاري
أعجب حالًا؛ لأن لفظ الحديث: دعا بشيء نحو الحلاب. فلو كان
دعا بالحلاب كان ربما يشكل، ونحو الشيء: غيره. على أن في
بعض الألفاظ: دعا بإناء مثل الحلاب.
وقال ابن قرقول: الحلاب إناء وهو المحلب ، وترجم البخاري
عليه باب: الطيب عند الغسل، يدل على أنه عنده ضرب من الطيب،
وهذا لا يعرف، وإنما المعروف حب المحلب نوع يقع في الطيب.
وقال ابن الأثير في ((نهايته)): لما ذكر الحلاب بالحاء، قَالَ: وقد
رويت بالجيم، ويحتمل أن البخاري أراده؛ ولهذا ترجم به وبالطيب،
لكن الذي يروى في كتابه، إنما هو بالحاء، وهو بها أشبه؛ لأن
(١) في (ج): و.
(٢) ((غريب الحديث» ٠.٢٣٣/١
(٣) ((تهذيب اللغة)) ٦٢٦/١ مادة: (جلب).

٥٦٧
كِتَابُ الغُسْلِ
=
الطيب لمن يغتسل بعد الغسل أليق به من قبله وأولى؛ لأنه إذا بدأ به، ثم
اغتسل أذهبه الماء(١).
وقال ابن بطال: أظن البخاري جعله ضربًا من الطيب، فإن كان ظن
ذَلِكَ، فهو وهم ثم قال: وفي الحديث الحض على استعمال الطيب عند
الغسل تأسيًا بالشارع (٢).
قُلْتُ: وفي كتاب ((التطيب)) للفضل بن سلمة أنه يقال: اغتسلت
المرأة بالطيب.
ثالثها :
(وَسَط رأسه). هو بالفتح، كما قَالَ ابن التين؛ لأنه أسم. قَالَ
الجوهري: كل موضع صلح فيه (بَيْنَ) فهو ساكن، وعكسه محرك
وربما سُكِّنَ، وليس بالوجه(٣).
رابعها :
إنما بدأ بشق رأسه الأيمن؛ لأنه كان يحب التيامن في ظُهوره.
وقوله: (فقال بهما على وسط رأسه). يعني: بيديه.
(١) ((النهاية في غريب الحديث)) ١/ ٤٢٢ مادة (حلب).
(٢) (شرح ابن بطال)) ٣٧٤/١-٣٧٥.
(٣) ((الصحاح)) ١١٦٨/٣.

٥٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٧ - باب المَضْمَضَةِ وَالإِسْتِنْشَاقِ فِي الجَنَابَةِ
٢٥٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغَمَشُ قَالَ:
حَدَّثَنِي سَالمٌ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَتْنَا مَيْمُونَةُ قَالَتْ: صَبَيْتُ لِلنَِّّ
وَِّ غُسْلًا، فَأَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَفَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الأَرَضَ
فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، وَأَفَاضَ عَلَى
رَأْسِهِ، ثُمَّ تَتَخَّى فَفَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُقِيَ بِمِنْدِيلٍ، فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا. [انظر: ٢٤٩ - مسلم:
٣١٧ - فتح: ١/ ٣٧١]
ساق فيه حديث ميمونة قَالَتْ: صَبَيْتُ لِلنَّبِّ وَ غُسْلَا، فَأَفْرَغَ بِيَمِينِهِ
عَلَىْ يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا
بِالتّوَابِ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، وَأَفَاضَ
عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ تَنَخَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ، فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا.
وقد سلف الحديث قريبًا(١)، ثم هُهنا أمور:
أحدها: عند أبي حنيفة أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الغسل
دون الوضوء، وعند الشافعي أنهما سنتان عنهما(٢).
وقال ابن بطال: وقام الإجماع(٣) على سقوط الوضوء في غسل
الجنابة (٤)، وهما سنتان في الوضوء، فإذا سقط فرض الوضوء فيه
سقطت توابعه، فدل على أن ما روته ميمونة في غسله سنة؛ لأنه وَله
(١) سلف برقم (٢٤٩) كتاب: الغسل، باب: الوضوء قبل الغسل.
(٢) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٣٥/١، «الأم» ٢١/١.
(٣) ورد بهامش الأصل: ما ادعاه ابن بطال من الإجماع فيه نظر إذ قد أخذ بوجوب
الوضوء في الغسل أبو ثور وأهل الظاهر، وقال بعض أصحابه به إذا كان عليه
حدث أصغر، ولا ينقض عليه في دعوى الإجماع إلا أبو ثور، هذا إن كان لا يعد
أهل الظاهر خارقين، فإن عدهم فيردون عليه.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٣٨٧/١.

٥٦٩
= ڪِتَابُ الغُسْلِ
كان يلتزم الكمال، والأفضل في جميع عباداته.
ثانيها: الغُسل - بضم الغين- هو ما يغتسل به، وهو بالفتح المصدر
كما سلف.
ثالثها: قوله: (ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ إلى الأَرْضَ). سمي الفعل قولًا، كما
سمي القول فعلًا في حديث ((لا حسد إلا في اثنتين))(١) وفي قوله في
الذي يتلو القرآن: ((لو أتيت مثل ما أوتي لفعلت مثل ما يفعل)).
وفيه: أن الإشارة باليد، والعمل قد يسمى قولًا تقول العرب: قل
لي برأسك، أي: أمله، وقالت الناقة، وقال البعير، وقال الحائط
و کله مجاز.
رابعها: مسحها بالتراب؛ لعله -والله أعلم -.
[(٢) لأذى كان فيها، وإلا لكان يكفي بالماء وحده.
خامسها: تركه للمنديل، أراد به -والله أعلم- إبقاء بركة الماء،
والتواضع بذلك؛ لأن فعله عادة المترفين، وإن كان يحتمل أن يكون
لشيء رآه به، أو لاستعجاله إلى الصلاة.
قَالَ ابن المنذر: أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان والحسن بن علي
وأنس وبشير بن أبي مسعود، ورخص فيه الحسن وابن سيرين وعلقمة
والأسود ومسروق والضحاك، وكان مالك والثوري وأحمد وإسحاق
وأصحاب الرأي لا يرون به بأسًا، وكرهه عبد الرحمن بن أبي ليلى
والنخعي وابن المسيب ومجاهد وأبو العالية، وعن ابن عباس كراهته
(١) سيأتي برقم (٥٠٢٦) كتاب: فضائل القرآن، باب: اغتباط صاحب القرآن. من
حديث أبي هريرة ﴾.
(٢) بداية سقط من (ج) وهو من حديث (٢٥٩ - ٢٩٢).

٥٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
في الوضوء دون الغسل من الجنابة، ورخص فيهما آخرون(١).
قَالَ الترمذي: إنما كرهه من كرهه من قِبَلِ أنه قيل: إن الوضوء
يوزن، روي ذَلِكَ عن ابن المسيب والزهري(٢).
ولأصحابنا فيه أوجه:
أشهرها: المستحب تركه، و(لا يقَال)(٣): فعله مكروه.
ثانيها: كراهته.
ثالثها: إباحته سواء فعله وتركه، وهو المختار.
رابعها: استحبابه لما فيه من الاحتراز عن الأوساخ.
خامسها: يكره في الصيف دون الشتاء(٤)، وسيأتي في حديث ميمونة
أنه نفض يديه(٥)، وهو دال على أن النفض مباح، فالتنشيف مثله وأولى؛
لاشتراكهما في إزالة الماء، وفعل التنشيف قد رواه جماعة من الصحابة
من أوجه، لكن أسانيدها ضعيفة.
قَالَ الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء عن النبي ◌ِّ (٦).
فائدة :
المنديل - بكسر الميم، قَالَ ابن فارس: لعله من النَّدْل وهو النقل(٧).
وقال غيره: مأخوذ من الندل وهو: الوسخ؛ لأنه يندل به.
(١) («الأوسط)) ٤١٥/١-٤١٩.
(٢) الترمذي عقب الرواية رقم (٥٤) كتاب: الطهارة، باب: المنديل بعد الوضوء.
(٣) في الأصل: إلا قال، والمثبت ((شرح مسلم)) للنووي.
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي ٢٣١/٣.
(٥) سيأتي برقم (٢٧٤) باب: من توضأ في الجنابة، ثم غسل سائر جسده.
(٦) ((سنن الترمذي)) ٧٤/١ عقب حديث عائشة (٥٣).
(٧) ((المجمل)) ٨٦٢/٤ مادة: (ندل).

٥٧١
- ڪِتَابُ الغُسْلِ
=
٨- باب مَسْحِ اليّدِين بِالتُّرَابٍ لِيَكُونَ أَنْقَى
٢٦٠- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنْ سَالمِ بنِ
أَبِي الَجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةً أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََِّاغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَّابَةِ،
فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الَحَائِطَ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، فَلَمَّا
فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧ - فتح: ١ / ٣٧٢]
ساق فيه حديث ميمونة: أنه الكَيْ أَغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ
بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الحَائِطَ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ،
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ.
وقد سلف شرحه.
:

٥٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٩- باب هَلْ يُدْخِلُ الجُنُبُ يَدَهُ في الإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا
إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرْ غَيُ الجَنَابَةِ؟
وَأَدْخَلَ ابن عُمَرَ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ يَدَهُ فِي الطَّهُورِ، وَلَمْ
يَغْسِلْهَا ثُمَّ تَوَضَّاً. وَلَمْ يَرَ ابن عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسِ بَأْسًا بِمَا
يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِ الجَنَابَةِ. [فتح: ١/ ٣٧٢]
٢٦١- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، أَخْبَرَنَا أَفْلَحُ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ وَِِّّ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ. [انظر: ٢٥٠ - مسلم:
٣١٩، ٣٢١ - فتح: ٣٧٣/١]
٢٦٢- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ إِذَا أَغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَهُ. [انظر: ٢٤٨ - مسلم: ٣١٦ - فتح:
١/ ٣٧٤]
٢٦٣- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَقْصٍ، عَنْ عُزْوَةَ،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ نَّهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ. وَعَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ. [انظر: ٢٥٠ - مسلم: ٣١٩ - فتح: ٣٧٤/١]
٢٦٤- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَبْرٍ
قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّّرِ وَالْزَةً مِنْ نِسَائِهِ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءِ
وَاحِدٍ. زَادَ مُسْلِمْ وَوَهْبٌّ، عَنْ شُعْبَةَ: مِنَ الْجَنَابَةِ. [فتح: ٣٧٤/١]
مراده: إذا كانت يده طاهرة من النجاسات وهو جنب، فجائز له
إدخال يده في الإناء قبل غسلها، فليس شيء من أعضائه نجسًا بسببها
فالمؤمن لا ینجس.
قَالَ البخاري: وَأَدْخَلَ ابن عُمَرَ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ يَدَهُ فِي الطَّهُورِ،
وَلَمْ يَغْسِلْهَا.

٥٧٣
- كِتَابُ الغُسْلِ
قُلْتُ: وكذا سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب وسعيد بن
جبير وابن سيرين وعطاء وسالم، وقال الشعبي: كان أصحاب رسول
الله * يدخلون أيديهم الماء قبل أن يغسلوها وهم جنب، وكذلك
النساء، ولا يفسد ذَلِكَ بعضهم على بعض، ذكره كله ابن أبي شيبة
وعبد الرزاق(١).
وأما ما رواه ابن أبي شيبة، عن ابن عمر قَالَ: من أغترف من ماء
وهو جنب فما بقي منه نجس(٢)، فمحمول على أنه كان في يده قذر غير
الجنابة، وإلا فهو معارض لما رواه البخاري عن ابن عمر.
ونقل ابن التين، عن الحسن أنه قَالَ: إن كانت جنابته من وطءٍ ويده
نظيفة فلا بأس بها، وإن كانت من احتلام هراقه ليلًا، فإنه لا يدري أين
باتت یدہ فیصیبه.
وقال ابن حبيب: من أدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها ساهيًا
أو عامدًا فلا شيء عليه، إلا أن يكون بات جنبًا، فلا يدري ما أصاب
يده من جنابته، فإنه إن أدخلها قبل الغسل نجس الماء(٣).
قَالَ البخاري:
وَلَمْ يَرَ ابن عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ بَأْسًا بِمَا يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِ الجَنَابَةِ. يريد
بالماء: الذي يغتسل به.
أما أثر ابن عباس فرواه ابن أبي شيبة عن حفص، عن العلاء بن
المسيب، عن حماد، عن إبراهيم، عن ابن عباس في الرجل يغتسل
(١) ابن أبي شيبة ٨١/١ (٨٩٣ - ٨٩٦)، وعبد الرزاق ٩١/١-٩٢ (٣١٠).
(٢) ((المصنف)) ٨١/١ (٨٩٢).
(٣) أنظر: (النوادر والزيادات)) ١٦/١.

٥٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
من الجنابة فينتضح في إنائه من غسله، فقال: لا بأس به(١)، وهو منقطع
فيما بين إبراهيم، وابن عباس، ورُوي مثله عن أبي هريرة وابن سيرين
والنخعي والحسن(٢)، فيما حكاه ابن بطال(٣) وابن التين عنهم.
وقال الحسن: ومن يملك أنتشار الماء، فإنا لنرجو من رحمة الله
ما هو أوسع من هذا (٤).
ثم ذكر البخاري أربعة أحاديث:
أحدها :
حديث أفْلَحَ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ
وَلِّ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِینَا فِيهِ.
وأخرجه مسلم أيضًا عن شيخ البخاري، وهو عبد الله بن مسلمة
القعنبي، عن أفلح(٥). ورواه عن أفلح أيضًا جماعة منهم: عبد الله بن
وهب، وفيه: تختلف أيدينا فيه وتلتقي(٦). وفي رواية: يعني: حتى
تلتقي وفي بعض طرقه أنه سمع القاسم قَالَ: سمعت عائشة(٧).
وأفلح (خ.م.د.س.ق) هذا: هو ابن حميد الأنصاري الصدوق، لیس
في البخاري غيره، وأخرج له النسائي وأبو داود وابن ماجه(٨)، وفي
(١) ((المصنف)) ٧٢/١ (٧٨٤).
(٢) روى هذا كله ابن أبي شيبة ٧٣/١ (٧٨٥-٧٨٧).
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٣٧٨/١.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٧٢ (٧٩١) والمقطع الأخير (فإنا لنرجو). وما بعده- من كلام
ابن سیرین وليس الحسن.
(٥) مسلم (٣٢١/ ٤٥) في الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة.
(٦) رواه أبو عوانة (٢٣٩/١) (٨١٢)، وابن حبان ٣٩٥/٣ (١١١١).
(٧) المصدر السابق.
(٨) وثقه ابن معين، وأبو حاتم، وقال أحمد بن حنبل وابن عدي: صالح وقال النسائي : =

٥٧٥
كِتَابُ الغُشْلِ
=
مسلم أفلح بن سعيد(١)، ..
وأفلح عن مولاه أبي أيوب(٢)، وفي النسائي أفلح الهمداني، عن
ابن زرير والأصح: أبو أفلح (٣)، وأفلح (م.س) بن سعيد السابق،
وليس في هذه الكتب سواهم.
الحديث الثاني :
حديثها أيضًا من طريق هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْها: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَه
إِذَا أَغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَهُ.
= لا بأس به، وفي رواية عن أحمد أنه أنكر عليه حديثين، ولم يخرج له البخاري له
شيئًا منهما. وقال الواقدي: مات سنة ثمان وخمسين ومائة. وقال غيره: سنة ست
وخمسين. انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) للبخاري ٥٣/٢ (١٦٥٥)، ((تهذيب
الكمال)» ٣٢١/٣ (٥٤٧)، ((هدي الساري)) ص٣٩١.
(١) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) القسم المتمم ص٤٢٨، ((التاريخ الكبير))
(٥٢/٢ (١٦٥٤)، و((تهذيب الكمال)) ٣٢٣/٣ (٥٤٨)، و((ميزان الاعتدال))
(٢٧٤/١) (١٠٢٣).
(٢) أنظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) (٥٢/٢ (١٦٥٣)، و((تهذيب الكمال)) (٣/
٣٢٥) (٥٤٩)، و((الثقات)) لابن حبان (٥٨/٤).
(٣) قالوا: صوابه أبو أفلح وذكره المزي في ((تهذيب الكمال)) (٣٢٦/٣) (٥٥٠) تحت
اسم (أفلح)) وقال: والمحفوظ: أبو أفلح. ثم ترجم له تحت اسم- أبو أفلح
٤٧/٣٣ (٧٢١٢). وترجم له الذهبي في موضعين، موضع: أفلح، والثاني:
أبو أفلح («الميزان)) ٢٧٥/١ (١٠٢٤)، ١٦٧/٦ (٩٩٧٢) وقال في الموضع
الأول: لا يدري من هو. وفي الثاني: قال ابن القطان: مجهول. وذكره العجلي في
((معرفة الثقات)) (٣٨٤/٢) وعنده: أبو أفلح، وقال: بصري ثقة.
وحديثه عند النسائي (٨/ ١٦٠) في تحريم الذهب على الرجال من حديث علي
*، ورواه النسائي في عدة طرق وقع فيها: أبو أفلح إلا طريق ابن المبارك وقع:
أفلح، وقال النسائي بعده: وحديث ابن المبارك أولى بالصواب إلا قوله: أفلح،
فإن أبا أفلح أشبه. ورواه أبو داود (٤٠٥٧)، وابن ماجه (٣٥٩٥) وغيرهم، ووقع
عندهم: أبو أفلح، مما يؤكد أن أبا أفلح هو الصواب والله أعلم.

٥٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
هذا الحديث أخرجه هكذا مختصرًا، وأخرجه أبو داود مطولً (١) ،
وعزاه أبو مسعود الدمشقي إلى البخاري بإسناده المذكور فيه بلفظ: كنت
أغتسل أنا ورسول الله صل38 من إناء واحد. والذي فيه ما قدمناه، وقد نبه
عليه الحميدي أيضًا(٢).
الحديث الثالث :
حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ بَّهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ. وَعَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ.
ذكر أصحاب الأطراف أن حديث عبد الرحمن هذا رواه البخاري،
عن أبي الوليد، عن شعبة، عن عبد الرحمن(٣)، ورواه النسائي عن
محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن
عبد الرحمن (٤).
ورواه أبو نعيم من طريق أبي خليفة، ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن
عبد الرحمن به، بمثل حديث أبي بكر بن حفص، ثم قَالَ: رواه
البخاري، عن أبي الوليد حديث عبد الرحمن، وأبي بكر جميعًا،
وصرح بذلك أبو مسعود أيضًا.
(١) ((سنن أبي داود)) (٢٤٢).
(٢) ((الجمع بين الصحیحین)) ٤١/٤-٤٢.
(٣) قلت: يقصدون هذا الموضع. فإن البخاري بقصد: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا
شعبة عن أبي بكر ... وعن عبد الرحمن ...
قال الحافظ في ((الفتح) ٣٧٤/١: قوله (وعن عبد الرحمن بن القاسم). هو
معطوف على قوله (شعبة عن أبي بكر بن حفص) فلشعبة فيه إسنادان عن عائشة ...
وقد وهم من زعم أن رواية عبد الرحمن معلقة.
(٤) النسائي ١٢٨/١-١٢٩.

٥٧٧
كِتَابُ الغُسْلِ
الحديث الرابع :
حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ سَمِعْتُ
أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ وَالْمَرْأَةُ مِنْ نِسَائِهِ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ
وَاحِدٍ. قال: وزَادَ مُسْلِمٌ وَوَهْبٌ، عَنْ شُعْبَةَ: مِنَ الجَنَابَةِ.
هذا الحديث من أفراده، ولم يخرج مسلم عن أنس في هذا شيئًا،
ومسلم: هو ابن إبراهيم الأزدي، الحافظ الثقة المأمون. مات سنة اثنتين
وعشرين ومائتين(١)، وأسقطه أبو مسعود وخلف في أطرافهما، واقتصرا
على وهب وحده.
ثم هُذِه الزيادة التي زادها وهب(٢) وهي: من الجنابة، لم يذكرها
الإسماعيلي من طريقه، فإنه قَالَ: أخبرني ابن ناجية، حَدَّثَني زيد بن
أخزم، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، وقال: لم يذكر من الجنابة،
وذلك بعد أن أخرجه بغير هذه الزيادة أيضًا من طريق ابن مهدي وبهز.
إذا تقرر ذَلِكَ فأين موضع الترجمة التي ذكرها البخاري، وأكثرها
لا ذكر فيه لغسل اليد، وإنما جاء ذكر اليد في حديث هشام، عن
أبيه، عن عائشة؟ والجواب من وجوه:
أحدها: وهو ما أقتصر عليه ابن بطال أن حديث هشام مفسر لمعنى
الباب، وذلك أنه حمل غسل اليد قبل إدخالها الإناء، الذي رواه هشام
إذا خشي أن يكون قد [علق](٣) بها شيء من أذى الجنابة أو غيرها،
وما لا ذكر فيه لغسلها من الأحاديث حملها على حال يقين طهارة
(١) أنظر ترجمته في ((التاريخ الكبير)) للبخاري ١٨٠/٨-١٨١ (٧٨٨)، («تهذيب
الكمال)» ٢٧ / ٤٨٧.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: مسلم أيضًا زادها.
(٣) في الأصل: علم، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ١/ ٣٧٧.

٥٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
اليد، فاستعمل من اختلاف الأحاديث فائدتين جمع بهما بين معانيها
وانتفى بذلك التعارض عنها، وقد رُوي هذا المعنى عن ابن عمر كما
سلف(١).
ثانيها: جواب أبي العباس ابن المنير، وهو أنه لما علم أن الغسل
إما لحدث حكمي، أو لحادث عيني، (وقد فرض الكلام فيمن ليس على
يده حادث بقي الحدث المانع من إدخالها الإناء)(٢)، لكن الحدث ليس
بمانع؛ لأن الجنابة لو كانت تتصل بالماء حكمًا لما جاز للجنب أن
يدخل يده في الإناء حتى يكمل طهارته ويزول حدث الجنابة عنه،
فلما تحقق جواز إدخالها في الإناء في أثناء الغسل، علم أن الجنابة
ليست مؤثرة في منع مباشرة الماء باليد، فلا مانع إذًا من إدخالها أولًا
كإدخالها وسطًا، وحقق ذلك أن الذي ينتضح من بدن الجنب طاهر
لا تضر مخالطته لماء الغسل.
قَالَ: والشارح -يعني: ابن بطال- أبعد عن مقصوده(٣).
الثالث: أن الحديث الثاني ظاهر فيه، وأما الحديث الأول فقولها:
(تختلف أيدينا فيه). إذ لو غسلا أيديهما قبل إدخالها في الإناء لقالت:
(تختلف أيدينا منه)، أو بينت أن في البعض: (تختلف أيدينا فيه).
وفي البعض: (تختلف أيدينا منه). وباقي الباب مستطرد لبقية أسانيد
الحدیث.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٣٧٧/١-٣٧٨.
(٢) تصرف المصنف في النقل من ((المتواري)) فأغمض المعنى، وننقل عبارة ابن المنير
فهي أوضح قال: ((وقد فرض الكلام فيمن ليس على يده حادث نجاسة ولا قذر،
بقي أن يكون بيده حدث حكمي يمنع إدخالها الإناء)». وباقي النقل تام.
(٣) ((المتواري)) ص٧٦.

٥٧٩
كِتّابُ الغُسْلِ
=
الرابع: أنه يحتمل أنه لما ذكر جل الأحاديث بدون غسل اليد علم
أن تركه كاف في الغسل، إذ لو لم يكن كافيًا لذكره في كلها.
وتحتمل خامسًا: وهو أن البخاري لما ذكر في بعض طرق حديث
عائشة غسل اليد، ولم يذكرها في الباقي جريًا على عادته في
الأصل، ذكر الحديث وترك اللفظ المستنبط منه المعنى المحتاج إليه
منه، ويكون مراده تبحر المستنبط من طرق الحديث، واستخراج
المقصود منه، وقد روى مسلم من حديث أبي سلمة عن عائشة قالت:
كان رسول الله ◌َ إذا أغتسل بدأ بيمينه فصب عليها من الماء
فغسلهما .. وفي آخره: (وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد)(١).
(١) مسلم (٤٣/٣٢١) كتاب: الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل
الجنابة.

٥٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١١- باب مَنْ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ في الغُسْلِ
٢٦٦- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا الأَغَمَشُ، عَنْ
سَالمُ بْنِ أَبِيِ الْجَعْدِ، عَنْ كُرَنِبٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ - عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةً بِنْتِ
الَحَارِثِ قَالَتْ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللهِ وَِّ غُسْلًا وَسَتَزْتُهُ، فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ، فَغَسَلَهَا مَرَّةً
أَوْ مَرَّتَيْنٍ - قَالَ سُلَيْمَانُ: لَا أَذْرِي أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لَا - ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَىْ شِمَالِهِ،
فَغَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ - أَوْ بِالْحَائِطِ - ثُمَّ تَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ
وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَخَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ
خِزْقَةٌ، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَلَمْ يُرِذْهَا. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧ - فتح: ١ /٣٧٥]
ثم ساق حديث ميمونة: قَالَتْ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللهِنَّهِ غُسْلًا وَسَتَرْتُهُ،
فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ، فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ - قَالَ سُلَيْمَانُ يعني الأعمش أحد
رواته: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لَا - ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ
فَرْجَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ -أَوْ بِالْحَائِطِ - ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ،
وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَخَّى
فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ خِرْقَةً، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَلَمْ يُرِدْهَا.
وهو ظاهر فيما ترجم له، والحديث محمول على أنه كان في يده
أو في فرجه جنابة أو أذى، فلذلك دَلَك يده بالأرض وغسلها قبل
إدخالها في وَضُوئه، على ما سلف في الباب قبله.
وفيه إباحة النفض وعدم التنشيف على ما سلف. وفيه غير ذَلِكَ مما
سلف.
وقولها: (غُسلًا) هو: [بالضم: ماءٌ](١) يغتسل به كما صرح به في
الرواية الآتية في الباب بعده.
(١) مطموسة فى الأصل، ولعل الصواب ما أثبتناه.