Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ كِتَابُ الوُضُوءِ وقال ابن حزم: النوم في ذاته حدث ينقض الوضوء سواء قل أو كثر، قاعدًا أو قائمًا، في صلاة أو غيرها، أو راكعًا أو ساجدًا أو متكئًا أو مضطجعًا، أيقن من حواليه أنه لم يحدث أو لم يوقنوا، برهان ذَلِكَ حديث صفوان بن عسال: ((لكن من غائط وبول ونوم))(١). أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما(٢). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وإنما لم يخرجاه؛ لتفرد عاصم به عن زر، عن صفوان(٣). قُلْتُ: تابعه المنهال بن عمرو فيما ذكره ابن السكن، وحبيب بن أبي ثابت عند الطبراني (٤). قَالَ ابن حزم: وهو قول أبي هريرة وأبي رافع وعروة وعطاء والحسن وابن المسيب وعكرمة ومحمد بن شهاب في آخرين(٥). وفيه حديث علي: ((العينان وكاء السَّهِ، فمن نام فليتوضأ))(٦) وفيه (١) ((المحلى)) ٢٢٢/١، ٢٢٣. (٢) ابن خزيمة ١٣/١-١٤ (١٧)، ((صحيح ابن حبان)) ٣٨١/٣-٣٨٢ (١١٠٠)، ١٤٩/٤-١٥٠، (١٢٣١). (٣) ((المستدرك)) ١٠٠/١ كتاب: العلم. وقال الذهبي: إسناده صحيح. (٤) ((المعجم الكبير)) ٨/ ٥٥. (٥) ((المحلى)) ٢٣٣/١. (٦) رواه أبو داود (٢٠٣)، وابن ماجه (٤٧٧)، والطبراني في ((مسند الشاميين)) ١/ ٣٧١، ٣٧٩، والبيهقي ١١٨/١، والدراقطني ١٦١/١، والضياء في ((المختارة)) ٢٥٥/٢ (٦٣٢). قال النووي في ((المجموع)) ٢٠/٢: حسن. وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٩٩): إسناده حسن وكذا قال النووي، وحسنه المنذري وابن الصلاح. اهـ ٣٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == مقال، ومعاوية مرفوعًا (١) مثله(٢). الثالث: أنه لا ينقض إلا نوم المضطجع فقط. قَالَ ابن حزم: وبه قَالَ داود. وروي عن عمر وابن عباس ولم يصح عنهما، وعن ابن عمر وصح عنه وصح عن النخعي وعطاء والليث والثوري والحسن بن حي (٣). وقال الترمذي: رأى أكثرهم أنه لا يجب الوضوء إذا نام قائمًا أو قاعدًا حتى ينام مضطجعًا. قَالَ: وبه يقول الثوري وابن المبارك وأحمد (٤). الرابع: أن كثيره ينقض مطلقًا دون قليله؛ للحرج، وهو مذهب (١) رواه أحمد ٩٦/٤، ٩٧ عن معاوية مرفوعًا بلفظ: ((إن العينين وكاء السَّهِ، فإذا نامت العينان أستطلق الوكاء)». والدارمي ٥٦٢/١ (٧٤٩)، وأبو يعلى ٣٦٢/١٣ (٧٣٧٢)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٩/ ٥٧، ٥٨ (٣٤٣٤)، والطبراني ٣٧٢/١٩، ٣٧٣ (٨٧٥)، وفي ((مسند الشاميين)) ٣٥٨/٢-٣٥٩ (١٤٩٤)، والدارقطني ١/ ١٦٠، والبيهقي ١١٨/١، وفيه أبو بكر بن أبي مريم سئل أبو حاتم عنه فقال: ليس بقوي. ((علل ابن أبي حاتم)) ١/ ٤٧ (١٠٦)، وقال الذهبي في: ((مهذب السنن)) ٢٩/١ (٥١٠): أبو بكر ضعيف، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» ١/ ٢٤٧: فيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف؛ لاختلاطه. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: أشار البيهقي إلى ترجيح وقفه على معاوية ورواه أبو داود، وابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن عائذ، وادعى ابن القطان جهالته وليس بجيد فقد رفعه النسائي وغيره بل اختلف في صحبته، والصحيح أنه لم يصحب، وقد حسن الحديث ابن الصلاح والنووي والزكي وفيه نظر، لأنه منقطع، قال أبو زرعة: عبد الرحمن عن علي مرسل، ووافقه على ذلك آخرون، لا جرم. قال أبو عمر في ((استذكاره): فيه ضعيفان لا حجة فيه من جهة النقل، وأما ابن السكن فذكرهما في سننه الصحاح. ملخص من كلام شيخنا ابن الملقن [((خلاصة البدر المنير» ٥٢/١ - ٥٣]. (٣) ((المحلى)) ٢٢٤/١. (٤) ((سنن الترمذي)) عقب الرواية (٧٨). ٣٨٣ كِتَابُ الوُضُوءِ = الزهري وربيعة والأوزاعي ومالك في إحدى الروايتين(١). وقال الترمذي عن بعضهم: إذا نام حتى غلب على عقله وجب عليه الوضوء وبه يقول إسحاق(٢). قال ابن قدامة الحنبلي: واختلف أصحابنا في تحديد الكثير من النوم الذي ينقض الوضوء. فقال القاضي : ليس للقليل حد يرجع إليه وهو على ما جرت به العادة. وقيل: حد الكثير ما يتغير به النائم عن هيئته مثل أن يسقط على الأرض أو يرى حلمًا، والصحيح أنه لا حد له(٣). الخامس: إذا نام على هيئة من هيئات المصلين كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض وضوؤه، سواء أكان في الصلاة أم لم يكن، فإن نام مضطجعًا أو مستلقيًا على قفاه أنتقض، وهو قول أبي حنيفة(٤)، وحكاه النووي في ((شرح مسلم)) عن داود، وحُكي عن الشافعي أيضًا وهو غريب(٥)، وقاله أيضًا حماد بن أبي سليمان وسفيان، وفيه حديث عن ابن عباس لا يثبت(٦). السادس: لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، روي عن أحمد(٧). السابع: لا ينقض إلا نوم الساجد، روي أيضًا عن أحمد. (١) أنظر: ((المدونة)) ١١٩/١. وذكره ابن المنذر في: ((الأوسط)) ١٤٨/١. (٢) (سنن الترمذي)) عقب الرواية (٧٨). (٣) («المغني)) ٢٣٧/١. (٤) انظر: ((بدائع الصنائع)) ٣١/١. (٥) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ٤/ ٧٣. (٦) سبق تخريجه، ونصه : ... إنما الوضوء على من نام مضطجًا. (٧) انظر: ((المغني)) ٢٣٦/١ وورد بهامش الأصل حاشية: حكاه ابن التين عن أحمد. ٣٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الثامن: أن النوم في الصلاة غير ناقض، وخارجها ناقض وحكي عن الشافعي. التاسع: أنه إن نام ساجدًا في مصلاه فليس عليه وضوء، وإن نام ساجدًا في غير صلاةٍ توضأ، فإن تعمد النوم ساجدًا في الصلاة فعليه الوضوء(١)، وهو قول ابن المبارك، وقد حكى (عن)(٢) الترمذي(٣) عنه في المذهب الثالث ما يخالفه. العاشر: إن نام جالسًا ممكنًا مقعدته من الأرض فلا ینقض، وإلا نقض قلّ أو كَثّر في الصلاة أو خارجها، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وعنده أن النوم ليس حدثًا في نفسه، وإنما هو دليل على خروج الريح، فإذا نام غير ممكن غلب على الظن خروجه، فجعل الشرع هذا الغالب كالمحقق، وأما إذا كان ممكنًا فلا يغلب على الظن الخروج، والأصل بقاء الطهارة (٤). وقال ابن العربي: تتبع علماؤنا مسائل النوم المتعلقة بالأحاديث الجامعة لتعارضها. فوجدوها أحد عشر حالًا: أن ينام ماشيًا قائمًا مستندًا راكعًا ساجدًا قاعدًا متربعًا محتبيًا متكئًا راكبًا مضطجعًا مستثفرًا(٥). (١) أنظر: ((عارضة الأحوذي)) ١٠٧/١ - ١٠٨، ((المجموع)) ٢٠/٢، ((نيل الأوطار)» ٢٩٨/١. (٢) كذا بالأصل، والكلام يستقيم بدونها. (٣) ((سنن الترمذي)) عقب الرواية (٧٨). (٤) ((المجموع)) ١٦/٢. (٥) ((عارضة الأحوذي)) ١٠٦/١- ١٠٨، وفيه: مستقرًا بدلا من مستثفرًا والاستثفار: أن يدخل الإنسان إزاره بين فخذيه ملويًا ثم يخرجه. انظر: ((النهاية)) ٢١٤/١، ((لسان العرب)) ٤٨٨/١. مادة: (ثفرا). ٣٨٥ = ڪِتَابُ الوُضُوءِ فرع : هذا كله في حقنا، فأما سيدنا رسول الله وَّةٍ فمن خصائصه أنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم مطلقًا؛ لحديث ابن عباس: نام رسول الله ولو حتى سمعت غطيطه، وصلى ولم يتوضأ (١). وقد سلف في موضعه(٢) ويأتي أيضًا. (١) سيأتي برقم (٦٩٧) كتاب: الأذان. (٢) سلف برقم (١٣٨). ٣٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٥٤- باب الوُضُوءِ مِنْ غَيْ حَدَثٍ ٢١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّسَاحِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. [فتح: ٣١٥/١] ٢١٥- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِ بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُوَيْدُ بْنُ النُّغْمَانِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ، صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ العَضْرَ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّ بِالسَّوِيقِ، فَأَكَلْنَا وَشَرِئْنَا، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ◌ََّ إِلَى المغْرِبِ فَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا الَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. [انظر: ٢٠٩ - فتح: ٣١٦/١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَا حٍ. وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ، أَخْبَرَنِي سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ .. الحديث وقد سلف في باب: من مضمض من السويق(١). وإنما ساق البخاري هذا الحديث عقب الأول؛ لينبه على أنه وَله كان يأخذ بالأفضل في تجديد الوضوء من غير حدث، لا أنه واجب عليه بدليل حديث سويد وكلاهما من أفراد البخاري. (١) سبق برقم (٢٠٩) كتاب: الوضوء، باب: من مضمض من السويق ولم يتوضأ. ٣٨٧ كِتَابُ الوُضُوءِ = وسفيان المذكور في الإسناد هو الثوري(١). والراوي عنه هو محمد بن يوسف الفريابي (٢)، ولم يعلم أن ابن عيينة روى عن عمرو بن عامر، وأتى به ثانيًا نازلًا؛ لتصريح سفيان بالتحدیث فیه. ورواه الترمذي من حديث حميد أيضًا عن أنس ثم قَالَ: حسن غريب. والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو (٣) قال: ولم يعرفه البخاري من هذا الوجه وجَهَّل راويه (٤). وفي ((صحيح ابن خزيمة)) من حديث عامر الغَسِيل أنه نَّ أُمِر بالوضوء عند كل صلاة طاهرًا أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه، أُمر بالسواك عند كل صلاة، وَوُضِع عنه الوضوء إلا من حدث. فكان ابن عمر يرى أن به قوة على ذَلِكَ ففعله حتى مات(٥). (١) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، ولد في خلافة سليمان بن عبد الملك. وكان إمامًا من أئمة المسلمين وعلمًا من أعلام الدين، مجمعًا على إمامته، بحيث يستغني عن تزكيته مع الإتقان والحفظ والمعرفة والضبط والورع والزهد. قال شعبة وسفيان بن عيينة وأبو عاصم النبيل ويحيى بن معين وغير واحد: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وقال عبد الله بن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ، ما كتبت عن أفضل من سفيان. اجتمعوا على أنه توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة. وانظر ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) ٦/ ٣٧١. ((الثقات)) للعجلي ٤٠٧/١ (٦٢٥). ((الجرح والتعديل)) ٢٢٢/٤ (٩٧٢). (تاريخ بغداد)» ١٥١/٩ (٤٧٦٣). ((تهذيب الكمال)) ١٥٤/١١ (٢٤٠٧). (٢) سبقت ترجمته في حديث (٦٨). (٣) الترمذي (٥٨). (٤) انظر: ((العلل الكبير)) ١٢٨/١. (٥) ((صحيح ابن خزيمة)) ١١/١ (١٥)، ورواه الحاكم ١٥٦/١، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ٣٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قُلْتُ: وهو أيضًا راوي الحديث الضعيف: ((من توضأ على طهر، كتب له عشر حسنات))(١). قَالَ عن نفسه: وإنما رغبت في الحسنات، وقد كان شديد الأتباع للآثار. وفي أفراد مسلم من حديث بريدة بن الحصيب أنه وصل* صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر: صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه، فقال: ((عمدًا صنعته يا عمر))(٢). وقد أسلفنا في أول باب الوضوء أن جماعة من السلف ذهبوا إلى إيجاب الوضوء لكل صلاة فرض، وأن قومًا ادعوا نسخه يوم الفتح. وحديث بريدة هذا دال له، وكذا حديث عامر وأن الإجماع أستقر على أنه يصلي به ما شاء، وأن تجديده لكل صلاة مندوب، ويحتمل أن يكون ذَلِكَ من خصائصه. قَالَ ابن شاهين: ولم يبلغنا أن أحدًا من الصحابة والتابعين كانوا يتعمدون الوضوء لكل صلاة(٣)، يعني إلا ابن عمر، كذا قَالَ. (١) رواه أبو داود (٦٢)، والترمذي (٥٩)، وابن ماجه (٥١٢)، وابن أبي شيبة ١٦/١ (٥٣)، وعبد بن حميد ٥٥/٢ - ٥٦ (٨٥٧)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١/ ٤٢، والعقيلى في ((ضعفائه)) ٣٣٢/٢ (٩٢٧)، وابن عبد البر فى ((التمهيد)) ١٨/ ٢٤٠- ٢٤١. قال أبو عيسى: إسناده ضعيف. وقال النووي في ((الإيجاز في شرح سنن أبي داود)) ص ١٩٠: ضعيف، في إسناده ضعيفان: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وأبو غطيف وهو مجهول لا یعرفون حاله ولا اسمه اهـ (٢) (صحيح مسلم)) (٢٧٧/ ٨٦) كتاب: الطهارة، باب: جواز الصلوات كلها بوضوء واحد. (٣) ((ناسخ الحديث ومنسوخه)) ص ٨٨. ٣٨٩ كِتَابُ الوُضُوءِ = وروى ابن أبي شيبة عن وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين: كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة (١). وفي لفظ: كان أبو بكر وعمر وعثمان يتوضئون لكل صلاة، فإذا كانوا في المسجد دعوا بالطست(٢). وقال علي: قَالَ تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الضَّلَوْةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (٣) [المائدة: ٦]. وقال ابن عمر: كان فرضًا ثم نسخ بالتخفيف(٤). وقول أنس: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث. دال على أن الوضوء من غير حدث غير واجب، ويشهد له حديث سويد الذي بعده، وفعل ذَلِكَ ليُرِي أمته أن ما يلتزمه في خاصته من الوضوء لكل صلاة غير لازم كما سلف. واختلف أصحابنا متى يستحب التجديد على أوجه: أصحها عندهم: أنه إنما يستحب إذا صلى بالأول صلاة ما، ولو نفلًا دون ما إذا مس به مصحفًا أو سجد لتلاوة ونحوها(٥). والمسألة بسطتها في كتب الفروع. ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٥/١ (٣٠٢). (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٥/١ (٣٠٣). (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٥/١ (٣٠١). (٣) ذكره ابن عبد البر في: ((التمهيد)» ٢٣٨/١٨. (٤) (٥) انظر: ((المجموع)) ٤٩٤/١. ٣٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٥٥- باب مِنَ الكَبَائِرِ أَنْ لَا يَسْتَتِرَ مِنْ بَوْلِهِ ٢١٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َلَهُ بِخَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ - أَوْ مَكَّةَ- فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ)). ثُمَّ قَالَ: (بَلَىَ، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالثَّمِيمَةِ)). ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ فَعَلْتَ هذا؟ قَالَ: (لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَبْيَسَا)) أَوْ ((إِلَى أَنْ يَيْبَسَا)). [٢١٨، ١٣٦١، ١٣٧٨، ٦٠٥٢، ٦٠٥٥ - مسلم: ٢٩٢ - فتح: ٣١٧/١] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ وَهُ بِحَائِطِ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ - أَوْ مَكَّةَ- فَسَمِعَ صَوْتَّ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ: (يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ». ثُمَّ قَالَ: ((بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ)). ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنٍ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرِ مِنْهُمَا كِسْرَةً، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ فَعَلْتَ هُذا؟ قَالَ: ((لَعَلَّهُ أَنَّ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا)) أَوْ ((إِلَى أَنْ يَيْبَسَا)). هذا حديث صحيح متفق على صحته والكلام عليه من أوجه، وقد أوضحت الكلام عليه في ((شرح العمدة))(١) في نحو كراسة فليراجع منه. أحدها : هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع هنا وفي موضعين إثره (٢)، (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١/ ٥٠٤. (٢) سيأتي معلقًا في الباب بعده، ثم بعده بباب مسندًا برقم (٢١٨). ٣٩١ ـ كِتَابُ الوُضُوءِ وفي الجنائز(١) والحج(٢) وفي الأدب في موضعين(٣). وأخرجه مسلم(٤) والأربعة هنا(٥)، والنسائي في الجنائز(٦)، وذكره البخاري قريبًا من حديث الأعمش عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس به (٧)، وهو أصح من الطريق الأولى كما قاله الترمذي ونقله عن البخاري أيضًا (٨)، واقتصر عليه مسلم. وقال ابن حبان في «صحيحه»: هما محفوظان(٩). وقد رواه شعبة، عن الأعمش كرواية منصور فأسقط طاوسًا. ثانيها : وجه مطابقة الحديث للترجمة أنه كبيرة؛ كونه عذب عليه. وقد قَالَ ابن عباس: ما عصي الله به فهو كبيرة (١٠). (١) سيأتي برقم (١٣٦١) باب: الجريد على القبر، وبرقم (١٣٧٨) باب: التعوذ من عذاب القبر. (٢) كذا في الأصل، وقد تابع المصنفُ المزيَّ في عزوه هذا الحديث إلى كتاب الحج من ((صحيح البخاري)) كما في ((التحفة)) (٥٧٤٧)، وليس كذلك، وقد تعقب وليّ الدين العراقي في كتابه ((الإطراف بأوهام الأطراف)) ص ١١٩ المزي بقوله: قلت: قد نظرت كتاب الحج من ((صحيح البخاري)) من أوله إلى آخره فلم أره فيه فلیراجع. اهـ (٣) سيأتي برقم (٦٠٥٢) باب: الغيبة، وبرقم (٦٠٥٥) باب: النميمة من الكبائر. (٤) مسلم (٢٩٢) كتاب: الطهارة، باب: الدليل على نجاسة البول ... أبو داود (٢٠)، الترمذي (٧٠)، النسائى ٢٨/١- ٣٠، ابن ماجه (٣٤٧). (٥) (٦) (سنن النسائي)) ١٠٦/٤. (٧) سيأتي برقم (٢١٨). (٨) (العلل الكبير)) ١٣٩/١، ١٤٠. (٩) ((صحيح ابن حبان)) ٧/ ٤٠٠. (١٠) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٢٧٣/١ (٢٩٢) بلفظ: كل ما نهى الله عنه كبيرة. ورواه بلفظ: كل ما عصي الله به .. عن ابن سيرين عن عبيدة برقم (٢٩٣). ٣٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وللعلماء في ضابط الكبيرة اختلاف، لعلنا نذكره إن شاء الله في موضعه. ثالثها: في ألفاظه : قوله: (بِحَائِطِ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ) كذا ذكره هنا على الشك، وذكره في كتاب الأدب على الصواب(١) فقال: بالمدينة(٢). وقوله: (يستتر)) هو بتائين مثناتين من فوق من السترة. وروي: ((لا يستبرئ)) (٣). وروي: ((لا يستنزه))(٤)، وهذِه الثلاث في ((صحيح البخاري)) وغيره. وروي أيضًا: ((لا يستنتر)). والنميمة: نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد. والجريدة: السعفة. كما جاء في بعض الروايات عن أنس، وجمعها جريد. وقوله: (فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ) أي: قطعتين. وقوله: ((وما يعذبان في كبير)) أي: عندهما وهو عند الله كبير، وإليه يرشد قوله: ( .. )(٥) ((بلى)) أي في أنه كبير عند الله وفي هذا حسب، وهو حجة على من أنكر حجيتها له. (١) سيأتي برقم (٦٠٥٥) باب: النميمة من الكبائر. (٢) في هامش الأصل: وبخط المصنف: روي من حديث أنس: مرَّ بقبرين من بني النجار ... وهو يوضح هذا. (٣) أخرجه النسائي في ((السنن)) ١٠٦/٤، وفي ((الكبرى)) ٦٦٤/١ (٢١٩٦)، وابن الجارود في (المنتقى)) ٤٢/١ (١٣٠)، وهُذِه الرواية جاءت في أحد نسخ البخاري. ورواها ابن أبي شيبة ٥٤/٣ (١٢٠٣٧) كتاب: الجنائز، باب: في عذاب القبر ومم هو؟ (٤) رواها مسلم برقم (٢٩٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستبراء من البول، وابن حبان ٣٩٨/٧، ٣٩٩ (٣١٢٨). (٥) كلمة غير واضحة. ٣٩٣ كِتَابُ الوُضُوءِ وقوله: ((لعله أن يخفف عنهما ما لم بيبسا أو إلى أن بيبسا)). الظاهر أنه شك من الراوي، و(بيبسا) مفتوح الباء ويجوز كسرها، وقد حصل ما ترجاه في الحال فأورقا في ساعته، ففرح بذلك. وقال: ((رفع عنهما العذاب بشفاعتي)) وأبعد من قال: إن صاحب هذين القبرين كانا من غير أهل القبلة، وعين بعضهم صاحب أحد القبرين بما لا أوثر ذكره، وإن ذكره القرطبي في ((تذكرته)) حكاية ووها،(١). رابعها: في فوائده مختصرة: الأولى: إثبات عذاب القبر ولا عبرة بمن أنكره. الثانية: وجوب الاستنجاء(٢)، وهو المراد بعدم الاستتار من البول. فلا يجعل بينه وبينه حجابًا من ماء أو حجر، ويبعد أن يكون المراد الاستتار عن الأعين. الثالثة: نجاسة الأبوال، إذ روي أيضًا: ((من البول)). وسواء قليلها وكثيرها، وهو مذهب العامة، وسهل فيه الشعبي وغيره، وعفا أبو حنيفة عن قدر الدرهم الكبير(٣)، ورخص الكوفيون في مثل رءوس الإبر منه. (١) من قوله: وقوله: وما يعذبان ... لحق استدركه الناسخ في هذا الموضع ولعله قد التبس عليه، واللائق بالسياق أن تكون بعد قوله: فقال بالمدينة. (٢) وهو ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية وذهب الحنفية إلى أنه مستحب، واختلف المالكية على قولين: الأول أن الاستنجاء سنة، والثاني: أنه واجب، وهو الراجح عندهم. انظر: ((التحقيق)) ١٨١/١، ١٨٢، ((المنتقى)) ٤١/١، ((الحاوي)) ١٦٣/١، ((عارضة الأحوذي)) ٣٣/١. (٣) انظر: ((شرح فتح القدير)) ٢٠٢/١، ((البناية)) ٧٣٣/٢، ٧٣٦. ٣٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الرابعة: حرمة النميمة وهو إجماع. الخامسة: التسبب إلى تحصيل ما يخفف عن الميت، فإن وضعه وَليه الجريدة على القبر؛ لشفاعته لهما بالتخفيف ولتسبيحهما ما دامت رطبة(١)، ومن هذا استحب العلماء قراءة القرآن عند القبر (٢). (١) الصحيح أن حديث وضع الجريدة على القبر من خصائصه وَّه بدليل أنه لم يجر العمل به عند السلف، كما أن التخفيف لم يكن من أجل نداوة شقها لعدة أمور: ١- حديث جابر عند مسلم وفيه: ((فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين)) فهذا صريح في أن رفع العذاب إنما بسبب شفاعته پيچ ودعائه، لا بسبب النداوة، وسواء اتحدت قصة ابن عباس مع جابر، أو تعددت، فإنه على كلا الاحتمالين فالعلة واحدة في القصتين للتشابه الموجود بينهما، ولأن كون النداوة سببًا لتخفيف العذاب عن الميت مما لا يعرف شرعًا ولا عقلًا، ولو كانت النداوة سببًا لتخفيف العذاب عن ذلك لكان أخف الناس عذابًا في قبورهم الكفار الذين يدفنون في مقابر أشبه ما تكون بالجنان. ٢- قولهم: إن سبب تأثير الندواة في التخفيف كونها تسبح الله، فإذا يبست انقطع تسبيحها، فإن هذا التعليل مخالف لعموم قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِّدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. ٣- في حديث ابن عباس نفسه ما يشير إلى أن السر ليس في النداوة، وبالأحرى ليست هي السبب في تخفيف العذاب، وذلك قوله: ثم دعا بعسيب فشقة آثنين. يعني: طولًا، فإنه من المعلوم أن شقه سبب لذهاب النداوة من الشق ويُبْسه بسرعة فتكون مدة التخفيف أقل مما لو لم يشق. ٤- لو كانت النداوة مقصودة بالذات، لفهم ذلك السلف الصالح، ولعملوا بمقتضاه، ولوضعوا الجريد والآس ونحو ذلك على القبور عند زيارتها، ولو فُعِل ذلك لا شتُهِر عنهم ثم نقله الثقات إلينا. ((أحكام الجنائز)) للألباني ص ٢٥٣ - ٢٥٦. (٢) قال الألباني رحمه الله: قراءة القرآن عند زيارة القبور مما لا أصل له في السنة، بل الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تشعر بعدم مشروعيتها؛ إذ لو كانت مشروعة لفعلها رسول الله رَفير، وعلمها أصحابه، لاسيما وقد سألته عائشة رضي = ٣٩٥ كِتَابُ الوُضُوءِ وقد روى البيهقي في أواخر (دلائله)) في باب: ما جاء في سماع يعلى بن مرة ضغطة في قبر من حديثه أنه ولي أمره أن يضع إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه. وقال: ((فلعله أن يُرَفَّه أو يخفف عنه ما لم ييبسا))(١). = الله عنها وهي من أحب الناس إليه ومي عما تقول إذا زارت القبور، فعلمها السلام والدعاء، ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن، فلو كانت القراءة مشروعة لما کتم ذلك عنها. ومما يقوي عدم المشروعية الأحاديث الآتية: منها قوله ◌َّار: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقُرأ فيه سورة البقرة)). أخرجه مسلم، ففي هذا الحديث إشارة إلى أن المقابر ليست موضعًا للقراءة شرعًا، فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت، ونهى عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها كما أشار في الحديث الآخر أنها ليست موضعًا للصلاة أيضًا وهو قوله: ((صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا)) ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم كراهة القراءة عند القبور، وهو قول الإمام أحمد، قال أبو داود في ((مسائله)) ص١٥٨: سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا. فائدة: حديث: ((من مر بالمقابر فقرأ: ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ ﴾﴾ إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات))، فهو حديث باطل موضوع أه، ((أحكام الجنائز)) ص ٢٤١ - ٢٤٢، ٢٤٥. (١) ((دلائل النبوة)) للبيهقي ٧/ ٤٢. ٣٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٥٦- باب مَا جَاءَ فِي غَسْلِ البَوْلِ وَقَالَ النَّبِيُّ وَّ لِصَاحِبِ القَبْرِ: ((كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ)). وَلَمْ يَذْكُرْ سِوىُ بَوْلِ النَّاسِ. ٢١٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَّسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا تَبَرَّزَ لَحَاجَتِهِ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ، فَيَغْسِلُ بِهِ. [انظر: ١٥٠- مسلم: ٢٧١ - فتح: ١ / ٣٢١ ] هذا الحديث قد فرغنا من الكلام عليه آنفًا، وأراد البخاري بقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ سِوىُ بَوْلِ النَّاسِ) أن يبين أن معنى روايته في هذا الباب ((أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ)) أن المراد: بول الناس لا بول سائر الحيوان؛ لأنه قد روى الحديث في الباب قبل هذا وغيره ((لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ)) فلا تعلق في حديث هذا الباب لمن احتج به في نجاسة بول سائر الحيوان، كذا قاله ابن بطال في ((شرحه))، وقال في أوله: أجمع الفقهاء على نجاسة البول والتنزه عنه. قَالَ: وقوله: ((كان لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ)) يعني أنه كان لا يستر جسده ولا ثيابه من مماسة البول، فلما عذب على استخفافه بغسله والتحرز منه، دل أنه مَنْ ترك البول في مخرجه ولم يغسله أنه حقيق بالعذاب. واختلف الفقهاء في إزالة النجاسة من الأبدان والثياب، فقال مالك: إزالتها ليست بفرض. وقال بعض أصحابه: إزالتها فرض (١)، وهو قول الشافعي(٢)، وأبي حنيفة، إلا أنه يعتبر في النجاسات ما زاد على قدر (١) أنظر: ((الذخيرة)) ١٩٣/١ - ١٩٤، ((مواهب الجليل)) ٢٨/١. (٢) أنظر: ((الوسيط)) ٥٨/١، ((روضة الطالبين)) ٢٨/١. ٣٩٧ كِتَابُ الوُضُوءِ = الدرهم(١). وحجة من أوجب الإزالة هذا الحديث، وهو وعيد عظيم وتحذير. واحتج ابن القصار بقول مالك فقال: يحتمل أنه عذب؛ لأنه كان يدع البول يسيل عليه فيصلي بغير طهور، فيحتمل أن يكون عمدًا. قَالَ: وعندنا أن من ترك السنة بغير عذر ولا تأويل، أنه مأثوم، فإن تركها متأولًا أو لعذر فصلاته تامة(٢). ثم قَالَ البخاري حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا تَبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ، فَيَغْسِلُ بِهِ. وهذا الحديث أخرجه مسلم (٣) أيضًا. ومعنى (تبرز): خرج إلى البراز، وهو الفضاء الواسع. وقوله: (فيغسل به) صريح في الاستنجاء بالماء، فنقل ابن التين عن بعضهم أن هذا محمول على المعنى وإلا فقد قَالَ مالك: لم يصح أن النبي ولو استنجى بالماء عمره كله. وهذا قد أوضحنا الكلام فيه في باب: الاستنجاء بالماء. فائدة: رَوح بن القاسم هذا بفتح الراء قطعًا لا نعلم فيه خلافًا. وقال ابن التين في ((شرحه)): روح هذا ذكر عن الشيخ أبي الحسن أنه ليس في المحدثين رُوح بالضم، وذكر أن روحًا هذا قرئ بالضم، ورويناه بالفتح. قُلْتُ: وهذا غريب. (١) ((الهداية)) ٣٧/١، ((بدائع الصنائع)) ١٩/١. ((شرح ابن بطال)) ٣٢٥/١، ٣٢٦. (٢) (٣) ((صحيح مسلم)) (٢٧١) كتاب: الطهارة، باب: الاستنجاء بالماء من التبرز. ٣٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = - باب ٢١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَغَمَشُ، عَنْ تُجَاهِدٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ وَّه بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: ((إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَثِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالثَّمِيمَةِ)). ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةٌ رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمَ فَعَلْتَ هذا؟ قَالَ: ((لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا)). قَالَ ابن المُثَنَّى: وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَغَمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ بُجَاهِدًا مِثْلَهُ: ((يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ)). [انظر: ٢١٦- مسلم: ٢٩٢ - فتح: ٣٢٢/١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمِ، ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ وَّهِ بِقَبْرَيْنِ .. وساق الحدیث. وقد سلف ما فيه. و(خازم) بالخاء المعجمة كما سلف في المقدمات(١). (١) سلفت ترجمته في الحديث رقم (١٠). ٣٩٩ كِتَابُ الوُضُوءِ = ٥٧- باب تَرْكِ النَّبِيِّ وَّةِ وَالنَّاسِ الأَعْرَابِيَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ بَوْلِهِ فِي المَسْجِدِ. ٢١٩- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكِ أَنَّ النَّبِيَّ وَ رَأَىْ أَغْرَابِيًّا يَبُولُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: ((دَعُوهُ)). حَتَّى إِذَا فَرَغَ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ. [٢٢١، ٦٠٢٥ - مسلم: ٢٨٤ - ٢٨٥ - فتح: ٣٢٢/١] حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا هَمَّامٌ، أَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ رَأىَ أَعْرَابِيًّا يَبُولُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: ((دَعُوهُ). حَتَّى إِذَا فَرَغَ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ. ٤٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٥٨- باب صَبِّ المَاءِ عَلَى البَوْلِ في المَسْجِدِ ٢٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ أَغْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ◌َ: ((دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ - أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ - فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ)). [٦١٢٨ - فتح: ٣٢٤/١] ٢٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ بَّرَ. [مسلم: ٢٨٤ - فتح: ٣٢٤/١] ثم ساق بإسناده حديث أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ أَغْرَابِيٌّ فِي المَسْجِدِ فبال، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ وَّهِ: ((دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ - أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ - فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ)). حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَنَا عَبْدُ اللهِ، أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن أنس به.