Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
كِتَابُ الوُضُوءِ
خامسها: في فوائده:
وهو مطابق لقول الله تعالى حاكيًا عن أم مريم ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ
وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦].
الأولى: استحباب التسمية والدعاء المذكور في أبتداء الوقاع،
واستحب الغزالي في ((الإحياء)) أن يقرأ بعد باسم الله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَد@
[الإخلاص: ١]، ويكبر ويهلل، ويقول: بسم الله العلي
العظيم، اللَّهُمَّ اجعلها ذرية طيبة إن كنت قدرت ولدًا يخرج من
صلبي، قَالَ: وإذا قرب الإنزال فقل في نفسك ولا تحرك به شفتيك:
الحمد لله الذي خلق من الماء بشرًا(١).
الثانية: الاعتصام بذكر الله تعالى ودعائه من الشيطان، والتبرك
باسمه، والاستشعار بأن الله تعالى هو الميسر لذلك العمل والمعين عليه.
الثالثة: الحث عَلَى المحافظة عَلَى تسميته ودعائه في كل حال لم ينه
الشرع عنه، حتَّى في حال ملاذ الإنسان، وأراد البخاري بذكره في هذا
الباب مشروعية التسمية عند الوضوء، واستغنى عن حديث: ((لا وضوء
لمن لم يذكر اسم الله عليه))؛ لأنه ليس على شرطه وإن كثرت طرقه، وقد
طعن فيه الحفاظ، واستدركوا عَلَى الحاكم تصحيحه بأنه أنقلب عليه
إسناده واشتبه(٢).
(١) أنظر: ((إحياء علوم الدين)) ٦٣/٢. ويكتفي بما ورد في السنة لأنه هو المشروع.
(٢) هُذا شطر حديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله يل ر: ((لا صلاة لمن لا وضوء
له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)). رواه أبو داود (١٠١)، وأحمد في
((مسنده) ٤١٨/٢، والحاكم ١٤٦/١. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وقد
أحتج مسلم بيعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة دينار، ولم
يخرجاه. والبيهقي ٤٣/١.
=

٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وأصح ما في التسمية كما قَالَ البيهقي، واحتج به في ((معرفته))
حديث أنس ﴾ أن رسول الله وهو وضع يده في الإناء الذي فيه الماء
وقال: ((توضئوا بسم الله .. ))(١) الحديث؛ ويقرب منه حديث: ((كل أمر
ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله -وفي لفظ: ببسم الله- فهو أجذم))(٢).
= واعترض المنذري على تصحیح الحاکم فقال: لیس کما قال، فإنهم رووه عن
يعقوب بن سلمة الليثي عن أبيه عن أبي هريرة. وقد قال البخاري وغيره: لا يعرف
لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب سماع من أبيه. انظر: ((صحيح الترغيب))
١/ ٢٠٠ (٢٠٣). وقال ابن حجر: رواه الحاكم من هذا الوجه، فقال: يعقوب أبي
سلمة. وادعى أنه الماجشون وصححه لذلك، والصواب أنه الليثي. ثم قال: قال
ابن الصلاح: أنقلب إسناده على الحاكم، فلا يحتج لثبوته بتخريجه له، وتبعه
النووي. وقال ابن دقيق العيد: لو سلم للحاكم أنه يعقوب بن أبي سلمة
الماجشون، واسم أبي سلمة دينار يحتاج إلى معرفة حال أبي سلمة، وليس له ذكر
في شيء من كتب الرجال، فلا يكون أيضًا صحيحًا. ((تلخيص الحبير)) ١/ ٧٢ -٧٣.
والحديث حسنه الألباني كما في ((صحيح أبي داود)) و((صحيح الترغيب)) (٢٠٣).
وللحديث شاهد عند الترمذي من طريق رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن
حويطب عن جدته عن أبيها. الحديث رواه الترمذي (٢٥). والبيهقي ١/ ٤٣. وقال
الترمذي: وفي الباب: عن عائشة وأبي سعيد وأبي هريرة وسهل بن سعد وأنس
وقال: قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد.
قال إسحاق: إن ترك التسمية عامدًا أعاد الوضوء، وإن كان ناسيًا أو متأولًا أجزأه.
وقال البخاري: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن. وقال
أبو عيسى: ورباح بن عبد الرحمن عن جدته عن أبيها، وأبوها سعيد بن زيد بن
عمرو بن نفيل. وقال المنذري: إن الأحاديث التي وردت فيها وإن كان لا يسلم
شيء منها من مقال فإنها تتعاضد بكثرة طرقها وتكتسب قوة. والله أعلم.
والحديث حسنه الألباني، انظر: ((صحيح الترغيب)) ٢٠١/١ (٢٠٤).
(١) انظر: ((معرفة السنن والآثار)) ٢٦٦/١ (٥٩٢). ورواه النسائي ١/ ٦١- ٦٢. وقال
الألباني في ((صحيح النسائي)): صحيح الإسناد.
(٢) بنحوه في ((مسند أحمد)) ٣٥٩/٢، وانظر ((إرواء الغليل)) الحديث الأول.

٨٣
كِتَابُ الوُضُوءِ
وحاصل ما في التسمية مذاهب:
أحدها: أنها سنة وليست بواجبة، فلو تركها عمدًا صح وضوؤه،
وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وجمهور العلماء، وهو أظهر
الروايتين عن أحمد(١)، وعبارة ابن بطال: استحبها مالك وعامة أئمة
أهل الفتوى، وذهب بعض من زعم أنه من أهل العلم إلى أنها فرض
فیه(٢).
ثانيها: أنها واجبة، (وهو)(٣) رواية عن أحمد (٤)، وقول أهل
الظاهر (٥).
ثالثها: أنها واجبة إن تركها عمدًا بطلت طهارته، وإن تركها سهوًا
أو معتقدًا أنها غير واجبة لم تبطل طهارته، وهو قول إسحاق بن
راهويه، كما حكاه الترمذي وغيره عنه (٦).
رابعها: أنها ليست بمستحبة، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعن مالك
رواية أنها بدعة، وقال: ما سمعت بهذا؛ يريد: أن يذبح !! وفي رواية:
أنها مباحة لا فضل في فعلها ولا في تركها(٧).
(١) أنظر: ((الهداية)) ١٣/١، ((عيون المجالس)) ٩٦/١، ((المجموع)) ٣٨٧/١، ((المغني))
١/ ١٤٥، ١٤٦، ((عارضة الأحوذي)) ٤٣/١.
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٣٠/١-٢٣١.
(٣) في (ج): وهي.
(٤) انظر: ((المغني)) ١٤٥/١.
(٥) قلت: المنصوص عليه عند ابن حزم أن تسمية الله تعالى على الوضوء تستحب وإن
لم يفعل فوضوؤه تام. انظر ((المحلى)) ٤٩/٢.
(٦) ((سنن الترمذي)) ٣٨/١ وانظر: ((مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق بن منصور
الكوسج)) ٩٩/١ (٨٤)، و((المغني)) ١٤٦/١، و((الإنصاف)) ٢٧٧/١، و((مسائل
أحمد برواية السجستاني)) ص١١.
(٧) انظر: ((الذخيرة)) ٢٨٤/١.

٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
واحتج من أوجبها بالحديث الذي أسلفناه، ولأنها عبادة يبطلها
الحدث فوجب في أولها نطق كالصلاة.
واحتج من لم يوجبها بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وبقوله وَّ: ((توضأ كما
أمرك الله))(١).
وأشباه ذَلِكَ من النصوص الواردة في بيان الوضوء، وليس فيها ذكر
التسمية.
والجواب عن الحديث من أوجه:
أحسنها: ضعفه، قَالَ الإمام أحمد: لا أعلم في التسمية حديثًا
ثابتًا(٢).
ثانيها: أنه مقدر بنفي الكمال.
ثالثها: أن المراد بالذكر النية، قاله ربيعة شيخ مالك وغيره،
والجواب عن قياسهم من وجهين:
(١) هُذا جزء من حديث رفاعة بن رافع، قال: قال رسول الله وَظاهر: ((إنها لا تتم صلاة
أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله .. )) وفي رواية أخرى («فتوضأ كما أمرك
الله .. )) الحديث.
رواه أبو داود (٨٥٧-٨٦١)، والترمذي (٣٠٢)، والنسائي ١٩٣/٢، ٢٢٥،
٢٢٦، وابن الجارود ١/ ١٨٢-١٨٣ (١٩٤)، وابن خزيمة ٢٧٤/١ (٥٤٥)، وابن
حبان ٨٨/٥-٨٩ (١٧٨٧). والحاكم ٢٤١/١-٢٤٢.
وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في ((صحيح
سنن الترمذي)) (٢٤٧).
وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٨٠٤): إسناده صحيح على شرط البخاري.
(٢) انظر: ((مسائل الإمام أحمد)» رواية أبي داود السجستاني ص١١، و((برواية
الكوسج)» ٩٩/١ (٨٤).

٨٥
كِتَابُ الوُضُوءِ
أحدهما: أنه منتقض بالطواف، وأنه عبادة لا يجب في آخرها ذكر
فلا يجب في أولها كالطواف، وفيه احتراز من سجود التلاوة والشكر.
ثانيها: إنا نقلبه عليهم نقول: عبادة يبطلها الحدث فلم تجب
التسمية في أولها كالصلاة. قال ابن بطال: وهذا الذي أوجبها عند
الوضوء لا يوجبها عند غسل الجنابة والحيض، وهذا (مناقض)(١)
لإجماع العلماء أن من أغتسل من الجنابة ولم يتوضأ وصلى، أن
صلاته تامة(٢).
الرابعة: الإشارة إلى ملازمة الشيطان لابن آدم من حين خروجه من
ظهر أبيه إلى رحم أمه إلى حين موته - أعاذنا الله منه- فهو يجري منه
مجرى الدم(٣)، وعلى خيشومه إِذَا نام(٤)، وعلى قلبه إِذَا استيقظ،
فإذا غفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس(٥)، ويضرب عَلَى قافية رأسه
(١) في الأصول: يناقض، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٢٣١/١.
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٣١/١.
(٣) دل عليه حديث سيأتي برقم (٢٠٣٨-٢٠٣٩) كتاب: الاعتكاف، باب: زيارة
المرأة زوجها مع اعتكافه.
(٤) يشير إلى حديث (٣٢٩٥) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده.
(٥) علقه البخاري قبل حديث (٤٩٧٧) كتاب: التفسير، باب: سورة الناس، ووصله
الطبري في تفسيره)) ٣٥٥/٣٠، والحاكم في ((المستدرك)) ٥٤١/٢، كلاهما من
طريق حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بنحوه، وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي. ورواه الضياء في ((المختارة)) ١٠/ ١٧٥ (١٧٢) من طريق الأعمش
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٦/ ٧٧٢،
وعزاه إلى ابن أبي الدنيا، وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه
والبيهقي والضياء في ((المختارة)). وقال الحافظ في (تغليق التعليق)) ٣٨١/٤-٣٨٢
بعدما أورد طريق ابن جرير والحاكم: وكذا رواه عتبة، عن القاسم، عن
الأعمش، عن حکیم بن جبير، وحکیم ضعيف الحديث.
=

٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
إِذَا نام ثلاث عقد: عليك ليل طويل؛ وينحل بالذكر والوضوء
والصلاة(١)
الخامسة: فيه - كما قَالَ ابن بطال : - الحث عَلَى ذكر الله في كل
وقت عَلَى حال طهارة وغيرها، ورد عَلَىْ من أنكر ذَلِكَ، وهو قول
مروي عن ابن عمر، أنه كان لا يذكر الله إلا وهو طاهر، وروي مثله
عن أبي العالية والحسن، وروي عن ابن عباس أنه كره أن يذكر الله
عَلَى حالين: عَلَى الخلاء، والرجل يواقع أهله(٢)، وهو قول عطاء،
ومجاهد. قال مجاهد: يجتنب الملك الإنسان عند جماعه وعند
غائطه(٣). قَالَ ابن بطال: وهذا الحديث خلاف قولهم(٤).
قُلْتُ: لا، فإن المراد بإتیانه أهله إرادة ذَلِكَ، وحينئذ فليس خلاف
قولهم، وكراهة الذکر عَلَى غير طهر؛ لأجل تعظيمه.
= وقد روي عن منصور، عن سعيد بن جبير وفي إسناده ضعف؛ ثم وصله من طريق
منصور عن سعيد بن جبير به. اهـ
وقال الحافظ في ((الفتح)) أيضًا ٨/ ٧٤١: ورويناه في ((الذكر)) لجعفر بن أحمد بن
فارس من وجه آخر عن ابن عباس، وفي إسناده محمد بن حميد الرازي وفيه مقال.
اهـ. وله شاهد من حديث أنس بن مالك مرفوعًا بنحوه رواه أبو يعلى في («مسنده»
٢٧٩/٧ وقال ابن كثير في تفسيره)) ١٤/ ٥٣٠: غريب. أبو نعيم في ((الحلية)) ٦/
٢٦٨. والبيهقي في ((الشعب)) ٤٠٢/١ (٥٤٠)، وقال البوصيري في ((الإتحاف)) ٦/
٣١٥: هذا إسناد ضعيف لبعض رواته، رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي. وضعف
الحافظ في ((الفتح)) ٧٤٢/٨ إسناد أبي يعلى.
(١) دل عليه حديث سيأتي برقم (١١٤٢) أبواب التهجد، باب: عقد الشيطان على
قافية الرأس .. إلخ.
(٢) روى ذلك الأثر ابن أبي شيبة ١٠٨/١ (١٢٢٠)، وابن المنذر في ((الأوسط)) ١/
٣٤٠ (٢٩١).
(٣) روى هذا الأثر ابن المنذر في ((الأوسط)) ٣٤١/١.
(٤) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٣٠/١.

٨٧
كِتَابُ الوُضُوءِ
==
فروع متعلقة بالجماع :
لا يكره مستقبل القبلة ولا مستدبرها، لا في البنيان ولا في
الصحراء، قاله النووي في ((الروضة)) (١) من زوائده.
وقال الغزالي في ((الإحياء)): لا يستقبل القبلة به إكرامًا لها، قَالَ:
وليتغطيا بثوب قَالَ: وينبغي أن يأتيها في كل أربع ليال مرة، وأن يزيد
وينقص عَلَى حسب حاجتها في التحصين، فإن تحصينها واجب، وإن
لم تثبت المطالبة بالوطء، قَالَ: ويكره الجماع في الليلة الأولى من
الشهر والأخيرة منه وليلة نصفه، فيقال: إن الشيطان يحضر الجماع
في هُذِه الليالي(٢)، ويقال: إنه يجامع، قَالَ: وإذا قضى وطره فليمهل
عليها حتَّى تقضي وطرها (٣).
(١) ((روضة الطالبين)) ٦٦/١.
(٢) قلتُ: هُذِه الكراهة حكم شرعي وليس عليه دليل شرعي من الكتاب والسنة فهي
مردودة لقول الله ق في سورة البقرة: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُواْ حَرْتَكُمْ أَ شِئْتُمْ﴾.
(٣) («الإحياء)) ٦٤/٢.

٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٩ - باب: مَا يَقُولُ عِنْدَ الخَلَاءِ
١٤٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ
أَنَّسَا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ وَِّ إِذَا دَخَلَ الَخْلاَءَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ
وَالْخَبَائِثِ)). تَابَعَهُ ابن عَزْعَرَةَ، عَنْ شُغْبَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ: إِذَا أَتَّى الَخَلَاءَ.
وَقَالَ مُوسَى، عَنْ حَمَّدٍ: إِذَا دَخَلَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ
يَدْخُلَ. [٦٣٢٢ - مسلم: ٣٧٥ - فتح: ١/ ٢٤٢]
حَدَّثَنَا آدَمُ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا
يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ
الخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ)). تَابَعَهُ ابن عَرْعَرَةَ، عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ
شُعْبَةَ: إِذَا أَتَى الخَلَاءَ. وَقَالَ مُوسَى، عَنْ حَمَّادٍ: إِذَا دَخَلَ. وَقَالَ
سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري في الدعوات أيضًا عن ابن عرعرة،
عن شعبة(١)، وأخرجه مسلم هنا (٢) والأربعة(٣).
والتعريف برواته سلف خلا سعيد (م. د. ت. ق) بن زيد وهو
أبو الحسن (٤) أخو حماد بن زيد الجهضمي البصري.
روى عن ابن جدعان وغيره، وعنه عارم ومسلم، واستشهد
به البخاري، وأخرج لَهُ أيضًا أبو داود والترمذي وابن ماجه،
(١) سيأتي برقم (٦٣٢٢) كتاب: الدعوات، باب: الدعاء عند الخلاء.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٣٧٥) كتاب: الحيض، باب: ما يقول إذا أراد دخول الخلاء.
(٣) أبو داود (٤، ٥)، الترمذي (٥، ٦)، النسائي ١/ ٢٠، ابن ماجه (٢٩٨).
(٤) هكذا بالأصل والصواب: الحسم.

٨٩
= ڪِتَابُ الوُضُوءِ
وثقه ابن معين ولينه جماعة. (مات سنة سبع وستين ومائة قبل أخيه
(١)(٢)
حماد)(١)(٢).
وأما (موسى) فهو ابن إسماعيل التبوذكي البصري الحافظ الثقة
الثبت، سلف في الوحي، ولما ذكره المزي في ((تهذيبه)) قَالَ: روى
عن حماد بن زيد يقال: حديثًا واحدًا، وروى عن حماد بن سلمة
تعليقًا(٣). وقال في آخر ترجمة حماد بن سلمة: وقال البخاري في
((الصحيح)): وقال حماد: إِذَا أقر عند الحاكم رجم. يعني: الزاني(٤)،
وروىْ لَّهُ مسلم مقرونًا بغيره.
الوجه الثاني: في ألفاظه ومعانيه:
(كان) في قوله: (كان إِذَا دخل الخلاء) (دالة على)(٥) الملازمة
والمداومة.
(١) من (ج).
(٢) سعيد بن زيد، قال عبد الله بن أحمد ابن حنبل، عن أبيه: ليس به بأس، وكان
یحیی بن سعید لا يستمرئه.
قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يضعف سعيد بن زيد في الحديث
جدّا ثم قال: قد حدثني وكلمته. وقال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: ثقة.
وقال البخاري: حدثنا مسلم قال: حدثنا سعيد بن زيد أبو الحسن صدوق، حافظ.
وقال ابن حجر: صدوق له أوهام.
انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٢٨٧/٧، ((التاريخ الكبير)) ٤٧٢/٣
(١٥٧٦)، ((معرفة الثقات)) ٣٩٩/١ (٥٩٠)، ((الضعفاء الكبير)) ١٠٥/٢ (٥٧٤)،
((الجرح والتعديل)) ٢١/٤ (٨٧)، ((تهذيب الكمال)) ٤٤١/١٠-٤٤٤ (٢٢٧٦)،
(تقريب التهذيب)) (٢٣١٢).
(٣) تقدمت ترجمته في حديث رقم (٥).
سيأتى قبل حديث (٧١٧٠) كتاب: الأحكام، باب: الشهادة تكون عند الحاكم.
(٤)
(٥) في (ج): كناية عن.

٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ومعنى (إِذَا دخل): إِذَا أراده كما صرح به في رواية سعيد(١)،
ويبعد أن يراد به ابتداء الدخول، وإن أبداه القشيري احتمالًا(٢)،
فإن كان المحل الذي يقضي فيه الحاجة غير معد لذلك كالصحراء
مثلًا، جاز ذكر الله تعالى في ذَلِكَ المكان، وإن كان معدًّا لذلك
كالكنف ففي جواز الذكر فيه خلاف للمالكية، فمن كرهه أوَّل الدخولَ
بمعنى: الإرادة؛ لأن لفظة (دخل) أقوى في الدلالة عَلَى الكنف
المبنية منها عَلَى المكان البراح، أو لأنه قد بين في حديث آخر أن
المراد حيث قَالَ وَِّ: ((إن هذِه الحشوش محتضرة -أي: للجان
والشياطين- فإذا أراد أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث
والخبائث)»(٣).
ومن أجازه استغنى عن هذا التأويل، وتحمل (دخل) على حقيقتها،
وحديث: ((إن هذه الحشوش محتضرة)). فيه بيان لمناسبة هذا الدعاء
المخصوص لهذا المكان المخصوص.
وقال ابن بطال: المعنى متقارب في قوله: (إِذَا دخل) وفي قوله:
(١) علقه البخاري بعد حديث (١٤٢) في الوضوء، باب: ما يقول إذا دخل الخلاء،
ووصله في ((الأدب المفرد)) (٦٩٢)، وصححه الألباني في ((الإرواء)) (٥١).
(٢) انظر: ((إِحكام الأحكام)) ص ٩٧.
(٣) رواه أبو داود (٦)، وابن ماجه (٢٩٦)، وأحمد ٣٦٩/٤، ٣٧٣، والنسائي في
(«الكبرى» ٢٣/٦-٢٤ (٩٩٠٣-٩٩٠٦)، وابن خزيمة (٦٩)، والطبراني ٢٠٤/٥-
٢٠٥ (٥٠٩٩-٥١٠٠)، والحاكم ١/ ١٨٧ بإسنادين عن زيد بن أرقم وقال: كلا
الإسنادين من شرط الصحيح ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وإنما اتفقا على حديث
عبد العزيز بن صهيب عن أنس بذكر الاستعاذة فقط، والبيهقي ٩٦/١، كلهم عن
زید بن أرقم، قال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)»: إسناده صحيح على شرط
البخاري.

٩١
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
(إِذَا أراد أن يدخل)، ألا ترىُ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرَْنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾.
[النحل: ٩٨] والمراد: إِذَا أردت أن تقرأ، غير أن الاستعاذة بالله متصلة
بالقراءة لا زمان بينهما، وكذا الاستعاذة بالله من الخبث والخبائث لمن
أراد الدخول متصلة بالدخول، فلا يمنع من إتمامها في الخلاء مع أن
رواية: (إِذَا أتى) أولى من رواية: (إِذَا أراد أن يدخل)؛ لأنها زيادة،
فالأخذ بها أولى(١).
قُلْتُ: في هذا نظر بل رواية (إِذَا أراد) مبينة لرواية (إِذَا أتى).
الثالث: (الخلاء) - بفتح الخاء المعجمة وبالمد -: موضع قضاء
الحاجة، سمي بذلك لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة، وهو
الكنيف، والحش، والمرفق، والمرحاض أيضًا، وأصله: المكان
الخالي، ثمَّ کثر استعماله حتَّى تجوز به عن ذلك.
وأما (الخلى) - بالقصر - فهو الحشيش الرطب، والكلام الحسن
أيضًا، وقد يكون خلا مستعملًا في باب الاستثناء، فإن كسرت الخاء
مع المد فهو: عيب في الإبل كالحران في الخيل، وانتصب الخلاء
عَلَى أنه مفعول به لا على الظرف.
الرابع: ((اللَّهُمَّ)) الأفصح فيه استعماله بالألف واللام كما وقع في
الحدیث.
و ((أعوذ)) معناه: أستجير وأعتصم.
و((الخبث)) بضم الخاء قطعًا، والباء مضمومة أيضًا، ويجوز
الإسكان، وإن غلَّط الخطابي المحدثين(٢) فيه، فقد حكاه أبو عبيد
(١) (شرح ابن بطال)) ٢٣٣/١-٢٣٤.
(٢) ((إصلاح خطأ المحدثین)) ص٤٨-٤٩ ..

٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح . =
القاسم بن سلام (وغيره)(١)(٢)، بل نقله القاضي عياض عن الأكثرين(٣)،
لكن لا يسلم لَهُ ذَلِكَ بل الأكثر عَلَى الضم، وهو جمع خبيث.
(والخبائث) جمع خبيثة فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم،
وفيه أقوال أخر ذكرتها في ((شرح العمدة))(٤) وأغربها أنه استعاذ من
البول والغائط، وكأنه استعاذ من ضررهما، ولا يبعد الاستعاذة من
الكفر والشياطين، وسائر الأخلاق الخبيثة والأفعال المذمومة، وإنما
جاء بلفظ ((الخبث)) لمجانسة الخبائث.
الخامس: الظاهر أن سيدنا رسول الله وَ لّ قَالَ ذَلِكَ؛ إظهارًا للعبودية
وتعليمًا للأمة، وإلا فهو ◌َّه محفوظ من الجن والإنس، وقد ربط عفريتًا
عَلَى سارية من سواري المسجد(٥).
وفيه: دليل عَلَى مراقبته لربه ومحافظته عَلَى ضبط أوقاته وحالاته
واستعاذته عندما ينبغي أن يستعاذ منه، ونطقه بما ينبغي أن ينطق به،
وسكوته عندما ينبغي أن يسكت عنده، وقد صح أنه وَلّ كان إِذَا خرج
من الخلاء قَالَ: ((غفرانك))(٦)(٧) أي: سألت غفرانك عن حالة
(١) من (س).
(٣) ((إكمال المعلم)) ٢٢٩/٢.
(٢) ((غريب الحديث)) ٣١١/١.
(٤) ((الإعلام)) ٤٣٣/١-٤٣٤.
(٥) سيأتي برقم (٤٦١) كتاب: الصلاة، باب: الأسير أو الغريم يربط في المسجد،
وبرقم (١٢١٠) كتاب: العمل في الصلاة، باب: ما يجوز من العمل في الصلاة.
وبرقم (٣٢٨٤) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده.
وبرقم (٣٤٢٣) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَنَّ﴾.
وبرقم (٤٨٠٨) كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿وَهَبْ لِ مُلْكَا لَا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىّ﴾.
(٦) ورد بهامش (س) ما نصه: إشارة إلى حديث عائشة وهو: قول: كنا، وقد صح
وذكر الحديث هو في أبي داود وابن ماجه وحسنه الترمذي مع الغرابة، وصححه
ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وهو في ((اليوم والليلة)) للنسائي.
(٧) رواه أبو داود برقم (٣٠)، والترمذي برقم (٧)، وقال: هذا حديث حسن غريب . =

٩٣
كِتَابُ الوُضُوءِ
شغلتني عن ذكرك، فيختم بالذكر كما أبتدأ به.
وآخر شيء أنت أول هجعه وأول شيء أنت عند هبوبي
وزاد أبو حاتم في أول الذكر: باسم الله(١)، فيستحب مع التعوذ
أيضًا، وصيغة التعوذ: أعوذ بالله. وفي مسلم: ((أعوذ بك))(٢)، وفي
حديث بإسناد ضعيف: ((اللَّهُمَّ إني أعوذ بك))(٣)، والظاهر أنه وَّهـ
جهر بهذه الاستعاذة.
السادس: هذِه الاستعاذة مجمع عَلَى استحبابها، وسواء فيها البنيان
والصحراء؛ لأنه يصير مأوى لهم بخروج الخارج، وقبل مفارقته أيضًا
لكن في ((البيان)) للعمراني من أصحابنا عن الشيخ أبي حامد
الإسفراييني أن ذكر الدخول مختص بالبنيان؛ لأن الموضع لم يصر
مأوى الشياطين بعد، فلو نسي التعوذ ودخل فذهب ابن عباس وغيره
إلى كراهة التعوذ، وأجازه جماعة، منهم ابن عمر، وقد سلف في
الباب قبله.
= والنسائي في («الكبرى» ٢٤/٦ (٩٩٠٧). وابن ماجه برقم (٣٠٠).
وابن خزيمة في ((صحيحه)) ٤٨/١ (٩٠)، وابن حبان ٢٩١/٤ (١٤٤٤).
والحاكم ١٥٨/١، والبيهقي ١/ ٩٧. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وقال الألباني في ((صحيح أبي داود» (٢٣): صحيح.
(١) أنظر: ((علل ابن أبي حاتم)) ٦٣/١ (١٦٧). عن أنس قال: قال رسول الله وَله: ((إذا
دخل أحدكم الخلاء يقول: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث .. )) الحديث.
ورواه ابن أبي شيبة ١١/١ (٥). والطبراني في ((الدعاء)) ٩٥٩/٢ (٣٥٦-٣٥٨).
قال الحافظ ابن حجر في ((نتائج الأفكار)) ١٩٥/١ هذا حديث غريب من هذا
الوجه.
(٢) أنظر: ((صحيح مسلم)) (٣٧٥) كتاب: الحيض، باب: ما يقول إذا أراد دخول
الخلاء.
(٣) رواه ابن ماجه (٢٩٩) وقال الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٥٩) ضعيف.

٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
وقال ابن بطال: في الحديث جواز ذكر الله عَلَى الخلاء(١)؛ وليس
كما ذكر إِذَا قلنا: إن المراد بالدخول إرادته. قَالَ: وهذا مما اختلف فيه
الآثار، فروي عن النبي وَّل أنه أقبل من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم
عليه، فلم يرد التّ حتى تيمم بالجدار، واختلف في ذلك أيضًا العلماء،
فروي عن ابن عباس أنه كره أن يذكر الله عند الخلاء، وهو قول عطاء
ومجاهد والشعبي، وقال عكرمة: لا يذكر الله فيه بلسانه بل بقلبه.
وأجاز ذَلِكَ جماعة من العلماء، روى ابن وهب أن عبد الله بن
عمرو بن العاص كان يذكر الله في المرحاض.
وقال العرزمي: قُلْتُ للشعبي: أعطس وأنا في الخلاء، أحمد الله؟ قَالَ:
لا ، حتَّى تخرج. فأتيت النخعي فسألته عن ذَلِكَ فقال لي: أحمد الله.
فأخبرته بقول الشعبي، فقال النخعي: إن الحمد يصعد ولا يهبط. وهو
قول ابن سيرين ومالك. قال ابن بطال: وهذا الحديث حجة لمن
أجاز ذَلِكَ.
- قُلْتُ: قَدْ أسلفنا فيه نظرًا- قَالَ: وذكر البخاري في كتاب ((خلق
أفعال العباد))، عن عطاء: الخاتم فيه ذكر الله لا بأس أن يدخل به
الإنسان الكنيف أو يلم بأهله وهو في يده لا بأس به(٢)، وهو قول
الحسن. وذكر وكيع عن سعيد بن المسيب مثله.
قَالَ البخاري: وقال طاوس في المنطقة تكون عَلَى الرجل فيها
الدراهم يقضي حاجته: لا بأس بذلك (٣). وقال إبراهيم: لا بد للناس
من نفقاتهم.
(١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٣٢/١.
(٢) ((خلق أفعال العباد)) ص ١٤٣ -١٤٤ (٣٧٧).
(٣) ((خلق أفعال العباد)) ص١٤٤ (٣٨٢).

٩٥
كِتَابُ الوُضُوءِ
-
وأحب بعض التابعين أن لا يدخل الخلاء بالخاتم فيه ذكر الله(١).
قَالَ البخاري: وهذا من غير تحريم يصح(٢).
وأما حديث بئر جمل فإنما هو عَلَى الاختيار والأخذ بالاحتياط
والفضل؛ لأنه ليس من شرط رد السلام أن يكون عَلَى وضوء، قاله
الطحاوي.
وقال الطبري: إن ذَلِكَ منه كان عَلَى وجه التأديب للمسلم عليه أن
لا يسلم بعضهم عَلَى بعض على الحدث وذلك نظير نهيه، وهم كذلك أن
يحدث بعضهم بعضًا لقوله: ((لا يتحدث المتغوطان عَلَى طوفهما - يعني:
حاجتهما -فإن الله يمقت عَلَى ذَلِكَ))(٣).
وروى أبو عبيدة الناجي، عن الحسن، عن البراء أنه سلم عَلَى النبي
وَلجه وهو يتوضأ فلم يرد عليه شيئًا حتَّى فرغ(٤).
(١) ((خلق أفعال العباد)) ص ١٤٤ (٣٨٣).
(٢) انظر: ((خلق أفعال العباد)) ص١٤٤ (٣٨٣)، ((شرح ابن بطال)) ٢٣٢/١-٢٣٤.
(٣) رواه أبو داود (١٥). وابن ماجه (٣٤٢). وأحمد ٣٦/٣، والنسائي في ((الكبرى))
١/ ٧٠ (٣٢-٣٣)، وابن خزيمة ٣٩/١ (٧١)، وقال الألباني: ((ضعيف ابن ماجه))
(٧٦) ضعيف.
(٤) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ٣٥٣/٧ (٧٧٠٦) وقال: لا يروى هذا الحديث عن
البراء إلا بهذا الإسناد، تفرد به زيد بن الحباب.
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢٧٦/١ وقال: رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه
من لم أعرفه.

٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٠ - باب وَضْعِ المَاءِ عِنْدَ الخَلَاءِ
١٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَّاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا
وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابن عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ دَخَلَ الخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ
لَهُ وَضُوءًا، قَالَ: ((مَنْ وَضَعَ هذا؟)). فَأُخْبِرَ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ فَقُّهْهُ فِي الدِّينِ)). [انظر:
٧٥ - مسلم: ٢٤٧٧ - فتح: ١/ ٢٤٤]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ ثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ
اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ وََّ دَخَلَّ الخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ
وَضُوءًا؛ قَالَ: ((مَنْ وَضَعَ هذا؟)). فَأُخْبِرَ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ فَقَّهْهُ فِي الدِّينِ)).
الكلام علیه من أوجه:
أحدها: في التعريف برجاله:
وقد سلف التعريف بابن عباس، وهذا من الأحاديث التي صرح فيها
بالسماع من رسول الله له.
و(عبيد الله) (ع) بن أبي يزيد مكي من الموالي تابعي روى عن ابن
عباس وجماعة، وعنه شعبة وجماعة، مات سنة ست وعشرين ومائة عن
ست وثمانين سنة(١).
و(ورقاء) هو ابن عمر اليشكري أبو عمرو، روى عن عبيد الله هذا
وغيره، وعنه الفريابي ويحيى بن آدم، صدوق صالح، وليس في الكتب
الستة ورقاء غيره، وكذا ليس في الستة عبيد الله بن أبي يزيد غير الأول،
(١) مولى آل قارظ بن شيبة الكناني.
قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وكذلك قال علي بن المديني،
والعجلي وأبو زرعة والنسائي، ومحمد بن سعد وزاد: كثير الحديث. أنظر:
((الطبقات الكبرى)) ٤٨١/٥، ((التاريخ الكبير)) ٤٠٣/٥ (٣٦٩٧)، («تهذيب
الكمال)» ١٧٨/١٩ (٣٦٦٧) ((سير أعلام النبلاء)) ٢٤٢/٥ (١٠٤).

٩٧
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
نعم، في النسائي عبيد الله بن يزيد الطائفي، عن ابن عباس أيضًا. وعنه
سعيد بن السائب وغيره، وثق(١).
وأما هاشم (ع) بن القاسم فهو أبو النضر، ولقبه قيصر، الحافظ الثقة.
روى عن عكرمة وغيره، وعنه أحمد والحارث بن أبي أسامة، وهو
صاحب سنة، يفتخر به أهل بغداد، مات سنة سبع ومائتين عن ثلاث
وسبعين سنة، وليس في الستة هاشم بن القاسم سواه(٢)، وفي ابن ماجه
وحده هاشم بن القاسم الحراني شيخه(٣)، ولا ثالث فيهما سواهما.
(١) ورقاء بن عمر بن كليب، أبو بشر اليشكري وقيل: الشيباني.
قال أبو داود: قال لي شعبة: عليك بورقاء فإنك لا تلقى بعده مثله حتى ترجع،
فقيل لأبي داود: ما يعني بقوله؟ قال: أفضل وأورع وخير منه. وقال أبو حاتم:
الرازي صالح.
قال ابن حجر: لم يخرج له الشيخان من روايته عن منصور بن المعتمر شيئا، وهو
محتج به عند الجميع.
انظر: ((تاريخ بغداد)) ٥١٥/١٣ (٧٣٣٦)، ((تهذيب الكمال)) ٤٣٣/٣٠ (٦٦٨٤)،
((سير أعلام النبلاء)) ٤١٩/٧ (١٥٧)، ((إكمال تهذيب الكمال)) ٢١٢/١٢
(٥٠١٨)، «مقدمة فتح الباري)) ص٤٤٤.
(٢) هاشم بن القاسم، أبو النضر الليثي البغدادي، خراساني الأصل.
قال الحارث: كان أحمد بن حنبل يقول: أبو النضر شيخنا من الآمرين بالمعروف
والناهين عن المنكر. قال عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال
العجلي: أبو النضر من الأبناء ثقة. وقال ابن حجر: ثقة ثبت.
انظر: ((الطبقات الكبرى)) ٣٣٥/٧، ((التاريخ الكبير)) ٢٣٥/٨ (٦٥٤٠)، ((تهذيب
الكمال)) ١٣٠/٣٠-١٣٥ (٦٥٤٠)، ((سير أعلام النبلاء)) ٥٤٥/٩-٥٤٩ (٢١٣)،
((تقريب التهذيب)) (٧٢٥٦).
(٣) هاشم بن القاسم بن شيبة بن إسماعيل بن شيبة القرشي أبو محمد الحراني، مولى
قریش.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كتب إليّ وإلى أبي ببعض حديثه، محله الصدق.
وقال ابن حجر: صدوق تغير، سمع من يعلى بن الأشدق ذاك المتروك الذي أدعى =

٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وعبد الله بن محمد هو المسندي، سلف في باب: أمور الإيمان (١).
فائدة :
هُذا الإسناد كله عَلَى شرط الستة(٢)؛ خلا شيخ البخاري فإنه من
رجاله ورجال الترمذي فقط.
أنه لقى الصحابة.
=
انظر: ((الثقات)) ٩/ ٣٤٢، ((تهذيب الكمال)) ١٢٩/٣٠ (٦٥٣٩)، ((الكاشف)) ٢/
٣٣٢ (٥٩٣٠)، ((تقريب التهذيب)» ص ٥٧٠ (٧٢٥٥).
(١) جاء سنده في باب: أمور الإيمان حديث رقم (٩).
(٢) شروط الأئمة الستة:
١- شرط البخاري ومسلم :
أ - أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير
اختلاف بين الثقات الأثبات.
ب- ويكون إسناده متصلًا غير مقطوع.
ج - فإن كان للصحابي راويان فصاعدًا فحسنٌ وإن لم يكن له إلا راوٍ واحد إذا
صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه.
د - إلا أن مسلمًا أخرج أحاديث أقوام ترك البخاري حديثهم لشبهة وقعت في
نفسه، أخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة مثل حماد بن سلمة وسهيل بن أبي
صالح وداود بن أبي هند وأبي الزبير والعلاء بن عبد الرحمن وغيرهم.
فلما تكلم في هؤلاء بما لا يزيل العدالة والثقة ترك البخاري إخراج حديثهم
معتمدًا عليهم تخريجًا وأخرج مسلم أحاديثهم بإزالة.
٢- وأما أبو داود فمن بعده فإن كتبهم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: صحيح وهو الجنس المخرج في هذين الكتابين للبخاري
ومسلم.
القسم الثاني: صحيح على شرطهم؛ حكى أبو عبد الله بن منده أن شرط أبي
داود والنسائي إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث
باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال، ويكون هذا القسم من الصحيح.
القسم الثالث: أحاديث أخرجوها للضدية في الباب المتقدم وأوردوها =

٩٩
كِتَابُ الوُضُوءِ
الوجه الثاني :
الخلاء ممدود كما سلف في الباب قبله.
و(الوضوء) بفتح الواو كما سلف أول الوضوء.
الثالث: في فوائده:
: الأولى: جواز الاستنجاء بالماء، فإن من المعلوم أن وضع الماء
عند الخلاء إنما هو للاستنجاء به عند الحدث، وهو راد عَلَى من
أنكر الاستنجاء به، وقال: إنما ذَلِكَ وضوء النساء، وقال: إنما كانوا
يتمسحون بالحجارة. ونقل ابن التين في ((شرحه)) عن مالك أنه وَ يلو لم
یستنج عمره بالماء. وهو عجيب منه.
وقد عقد البخاري قريبًا بابًا للاستنجاء به، وذكر فيه أنه ولټ آستنجى
به، وسنوضح الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى(١)، وفي ((صحيح ابن
حبان)) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله وَل
خرج من غائط قط إلا مس ماءً(٢).
وفي ((جامع الترمذي)) من حديثها أيضًا أنها قالت: مرن أزواجكن
لا قطعًا منهم بصحتها وربما أبان المخرج لها عن علتها بما يفهمه أهل
المعرفة.
٣- وأمَّا أبو عيسى الترمذي فكتابه وحده على أربعة أقسام:
١- قسم صحيح مقطوع به وهو ما وافق فيه البخاري ومسلمًا.
٢- وقسم على شرط الثلاثة دونهما؛ يقصد أبا داود والنسائي وابن ماجه.
٣- قسم أخرجه للضدية وأبان عن علته ولم يغفله.
٤- وقسم رابع أبان هو عنه؛ فقال: ما أخرجت في كتابي إلا حديثًا قد عمل به
بعض الفقهاء. اهـ أنظر ((شروط الأئمة الستة)) للسلفي ص ١٠ - ١٣.
(١) سيأتي برقم (١٥٠)، باب: الاستنجاء بالماء.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ٢٨٨/٤-٢٨٩ (١٤٤١).

١٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
أن يغتسلوا إثر الغائط والبول، فإنه وَ﴿ كان يفعله(١). ثم قَالَ: هذا
حديث حسن صحيح.
وفي ((صحيح ابن حبان)) أيضًا من حديث أبي هريرة أن رسول الله
ۇ قضى حاجته(٢)، ثمّ استنجى من تور.
وفي كتاب ابن بطال أن مالكًا روى في ((موطئه)) عن عمر: أنه كان
يتوضأ بالماء وضوءًا لما تحت إزاره. قَالَ مالك: يريد الاستنجاء
بالماء(٣).
الثانية: خدمة العالم ومراعاته حتَّى حال دخوله الخلاء والتقرب
بخدمته.
الثالثة: الدعاء مكافأة لمن منه إحسان أو معروف، فإنه څ# سر بابن
عباس بتنبهه إلى ذَلِكَ. وقال الداودي: فيه دلالة عَلَى أنه ربما لا يستنجي
عندما يأتي الخلاء؛ لئلا يكون ذَلِكَ سنة، لأنه لم يأمر بوضع الماء، قد
أتبعه عمر بالماء فقال: ((لو استنجيت كلما أتيت الخلاء لكان سنة)) (٤)
وفيما ذكره نظر، وما استشهد به حديث ضعيف(٥).
(١) ((سنن الترمذي)) (١٩).
وأحمد ٩٥/٦، والنسائي في ((الكبرى)) ٧٣/١. وقال الألباني في «صحيح
الترمذي)»: صحيح.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ٤/ ٢٥١ (١٤٠٥). ورواه أبو داود (٤٥). وابن ماجه (٣٥٨).
وقال الألباني في «صحيح أبي داود)) ١/ ٧٧ (٣٥): حسن.
(٣) انظر: (شرح ابن بطال)) ١/ ٢٤٢، وانظر: ((موطأ مالك)) ٢٢/١ (٤٧).
(٤) لم أقف علیه.
(٥) ورد بهامش (س) ما نصه: آخر الجزء الخامس من الجزء الثاني من تجزئة
المصنف.