Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ كِتَابُ الوُضُوءِ = السادسة: استدل المتقدمون بهذا الحديث عَلَى أن الصلاة لا تجوز إلا بطهارة، ولا يلزم من أنتفاء القبول أنتفاء الصحة، وقد تكون الصلاة مقبولة، ولا تيمم في حق فاقد الطهورين، فإنها صحيحة مقبولة، ولا تجب إعادتها عَلَى أحد الأقوال للشافعي. وهو المختار عند جماعة من محققي أصحابه، وقول جماعة من العلماء، فيكون الحديث خرج عَلَى الأصل والغالب، والإعادة لا تجب إلا بأمر جدید. وهذا كله عَلَى مذهب من يقول: إن الطهارة شرط للصحة، أما من يقول: إنها شرط للوجوب كمالك وابن نافع، فإنهما قالا: فاقد الطهورين لا يصلي، ولا يقضي إن خرج الوقت(١)؛ لأن عدم قبولها لعدم شرطها يدل عَلَى أنه ليس مخاطبًا بها حال عدم شرطها، فلا يترتب في الذمة شيء، فلا يقضي. لكن قوله ◌َله: ((إِذَا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم))(٢) يمنع هذا، فإنه أمر بالصلاة بشروط تعذرت فيأتى بها، ولا يلزم من أنتفاء الشرط أنتفاء المشروط بالنسبة إلى أصل الوجوب. وهذه المسألة فيها أربعة(٣) أقوال للشافعي: أحدها: ما قدمناه. (١) أنظر: ((عارضة الأحوذي)) ٩/١، ((عقد الجواهر الثمينة)) ٦٤/١. (٢) سيأتي برقم (٧٢٨٨) كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: الاقتداء بسنة رسول الله لا. (٣) ورد بهامش (س) ما نصه: بل خمسة، فالخامس في ((الشرح الكبير)) للرافعي، وأسقطه النووي رحمه الله من ((الروضة)) وهو أنه يستحب الصلاة ولا تجب الإعادة، فإن شئت عبرت عنه بأنه لا تجب حالًا ولا مالًا، والله أعلم. ٢٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح وثانيها: تحرم الصلاة وتجب الإعادة. وثالثها: تستحب الصلاة وتجب الإعادة. وأصحها: تجب الصلاة وتجب الإعادة (١)، وهي عند المالكية أيضًا لكن عندهم قول: إنه لا يصلي ولا يقضي كما سلف، فهذا خامس إِذَا(٢). السابعة: قَدْ أَستدل بهذا الحديث عَلَى بطلان الصلاة بالحدث سواء أكان خروجه اختياريًّا أم اضطراريًّا؛ لعدم تفريقه بَّر بين حدث وحدث في حالة دون حالة. وقد حكي عن مالك والشافعي -في قوله القديم- وغيرهما أنه إِذَا سبقه الحدث يتوضأ، ويبني عَلَى صلاته، وإطلاق الحديث يرده(٣). (١) انظر: ((المجموع)) ٣٢٢/١، ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٢٣/١ - ٢٢٤. (٢) وقد نظمها بعضهم، فقال: فأربعة الأقوال يحكون مذهبا ومَنْ لم يجد ماء ولا متيمما وأصبغ يقضي والأداء لأشهبا يصلي ويقضي عكس ما قال مالك بوجه وأيد للتيمم مطلبا وللقابسي ذو الربط يومي لأرضه أنظر: ((إنارة الدجى شرح تنوير الحجا)) ص٦٤. (٣) انظر: ((الحاوي)) ١٨٤/٢، ((المهذب)) ٢٨٨/١، ((التهذيب)) ١٦١/٢، ((روضة الطالبين)) ٢٧١/١. وفي نسبة هذا القول لمالك نظر، قال القاضي عبد الوهاب في ((عيون المجالس)) ٣٢٢/١: قال مالك: ومن غلبه الحدث في الصلاة بطلت صلاته وليستأنف الوضوء والصلاة ولا يبني بعد الوضوء. اهـ وانظر: ((الفواكه الدواني)) ٢٩١/١، ((الثمر الداني)) ص١٢٩. وممن ذهب إلى البناء إذا سبقه الحدث: أبو حنيفة وابن أبي ليلى والأوزاعي وهو رواية عن أحمد، وحكي عن عمر، وعليّ، وابن عمر، وابن عباس، وسلمان الفارسي، وابن المسيب، وعطاء، وطاوس. = ٢٣ = كِتَابُ الوُضُوءِ الثامنة: قام الإجماع عَلَى تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب لغير فاقد الطهورين، ولا فرق في ذَلِكَ بين الصلاة المفروضة والنافلة، وسجود التلاوة والشكر. وحكي عن الشعبي(١)، ومحمد بن جرير الطبري أنهما أجازا صلاة الجنازة بغير وضوء(٢)، وهو باطل؛ لعموم هذا الحديث والإجماع، ومن الغريب أن قولهما قَالَ به بعض الشافعية كما أفدته في ((شرح المنهاج)). فرع: لو صلى محدثًا متعمدًا بلا عذر أثِمَ ولا يكفر عندنا وعند الجمهور، وحكي عن أبي حنيفة أنه يَكْفُر لتلاعبه(٣). التاسعة: قَدْ يستدل بالحديث عَلَى رفع الشك واستصحاب يقين الصلاة؛ لقوله وَله: ((لا (يقبل الله) (٤) صلاة من أحدث)) ولا يقال: أحدث إلا مع اليقين. = وذهب الشافعي في الجديد، ومالك، وأحمد في رواية، هي الصحيحة في المذهب إلى أنه يستأنف الصلاة ولا يبني على ما سبق، وهو محكي عن المسور بن مخرمة، وابن شبرمة، وعطاء، والنخعي، ومكحول. انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٦٦/١، ((الهداية)) ٦٣/١، ((الاختيار)) ٨٦/١، ((حلية العلماء)) ١٢٧/٢، (الشرح الكبير)) ٤/٢، ((المجموع)) ٦/٤، ((المغني)) ٢/ ٥٠٨، ((الفروع)) ١/ ٤٠١. (١) رواه ابن أبي شيبة ٤٩٨/٢ (١١٤٧٨). وورد بهامش (س) تعليق نصه: وفي حفظي أن أبا محمد ابن حزم قال بمثل قول الشعبي وابن جرير.اهـ (٢) أنظر: ((المجموع)) ١٨٢/٥. (٣) أنظر: ((المجموع)) ٧٨/٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) ٢٩٥/٢١: ومن صلى بغير طهارة شرعية مستحلًا لذلك فهو كافر، ولو لم يستحل ذلك فقد اختلف في كفره، وهو مستحق للعقوبة الغليظة. اهـ (٤) في (ج): تُقْبَل. ٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٣- باب فَضْلِ الوُضُوءِ، وَالْغُرِّ المُحِجِلِينَ(١) مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ ١٣٦ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمِ المُجْمِرِ قَالَ: رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ، فَتَوَضَّأَ فَقَالَ: إِنّ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌ََّ يَقُولُ: ((إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُزَّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ أَسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ)). [مسلم: ٢٤٦ - فتح: ١/ ٢٣٥] الكلام عليه من وجوه : أحدها : هذا الحديث أخرجه مسلم (٢) أيضًا في الطهارة، وله: ((يأتون)) بدل: ((يدعون)). ثانيها: في التعريف برواته : وقد سلف التعريف بهم خلا ثلاثة : أولهم: أبو عبد الله نعيم بن عبد الله، وقيل: محمد المدني العدوي مولى آل عمر المجمر بتخفيف الميم، ويقال: بتشديدها، كان يبخر المسجد، وقيل: إن أباه كان يأخذ المجمر قدام عمر بن الخطاب إِذَا خرج إلى الصلاة في رمضان، وبه جزم ابن حبان في ((ثقاته))(٣). (١) كذا في الأصل، وفي رواية الأصيلي: وفضل الغرّ المحجلين. وعند الباقين: الغرُّ المحجلون. كما في السلطانية. (٢) مسلم (٣٥/٢٤٦) كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء. (٣) ((الثقات)) ٤٧٦/٥. ٢٥ = كِتَابُ الوُضُوءِ وجزم النووي في ((شرح مسلم)) بأن المجمر صفة لعبد الله، وتطلق عَلَى ابنه نعيم مجازًا، قَالَ ذَلِكَ مع جزمه أولًا بأن نعيمًا هو الذي كان يبخر المسجد(١)، فتأمله. روى عن أبي هريرة، وجابر وغيرهما، وعنه ابنه محمد ومالك وجماعة. وثقه أبو حاتم وجماعة، وجالس أبا هريرة عشرين سنة (٢) فائدة : في الصحابة نعيم بن عبد الله النحام، وهو من الأفراد(٣)، وفيهم نعيم جماعة بدون ابن عبد الله (٤). ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٤٣/٣. (١) ((الجرح والتعديل)) ٤٦٠/٨ (٢١٠٦). (٣) نعیم النحام بن عبد الله بن أسد بن جد عوف بن عبيد بن عویج بن عدي بن کعب، (٢) أسلم بعد عشرة أنفس قبل إسلام عمر بن الخطاب، وكان يكتم إسلامه، ومنعه قومه لشرفه فيهم من الهجرة واختلف في وقت وفاته، فقيل: بأجنادين شهيدًا سنة ثلاث عشرة في آخر خلافة أبي بكر. وقبل يوم اليرموك شهيدًا، وفي رجب سنة خمس عشرة في خلافة عمر. انظر ترجمته في: ((معجم الصحابة)) لابن قانع ١٥٢/٣-١٥٣ (١١٢٥)، ((معرفة الصحابة)) ٢٦٦٦/٥-٢٦٦٧، ((الاستيعاب)) ٦٩/٤-٧٠ (٢٦٥٧). (٤) وهم: نعيم بن أوس الداري، نعيم بن بدر، نعيم بن جناب، نعيم بن ربيعة بن كعب الأسلمي، نعيم بن زيد التميمي، نعيم بن سلام -وقيل: سلامة- نعيم بن عمرو بن مالك، نعيم بن قعنب، نعيم بن مسعود الأشجعي، نعيم بن مقرن، نعيم بن هزال الأسلمي، نعيم بن هبار الغطفاني. وانظر تراجمهم في : ((معجم الصحابة)) لابن قانع ١٤٧/٣-١٥٤ (١١٢٢-١١٢٦)، و((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم ٢٦٦٧/٦-٢٦٧١، و((الاستيعاب)) ٦٩/٤-٧٢ (٢٦٥٦-٢٦٦١)، و((أسد الغابة)) ٤٤٦/٦-٤٤٧ (٦٦٧٣-٦٦٧٤)، و((الإصابة)) ٥٨٦/٣ (٨٨٧٣، ٨٨٧٤). ٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - فائدة : مِجْمَر تشتبه بمخمر -بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الميم الثانية- (وهم جماعة سردهم ابن ماكولا منهم ذو مخمر ابن أخي النجاشي، له صحبة، ويقال: مخبر بالباء الموحدة بدل الميم (١). ثانيهم: سعيد بن أبي هلال)(٢) الليثي، مولاهم أبو العلاء المدني، روى عن نافع ونعيم وجماعة، وعنه الليث بن سعد وغيره، مات سنة خمس وثلاثين ومائة(٣). ثالثهم: خالد (ع) وهو ابن يزيد، أبو عبد الرحيم المصري، الفقيه، روى عن عطاء والزهري، وعنه الليث وغيره، ثقة مات سنة تسع وثلاثين ومائة (٤). ثالثها : هُذا الإسناد جميع رجاله من فرسان الصحيحين، وباقي الكتب الستة إلا يحيى بن بكير، فإنه من رجال البخاري ومسلم وابن ماجه فقط، وفيه لطيفة أيضًا وهو أن النصف الأول من إسناده مصريون والنصف الثاني مدنيون. (١) ((الإكمال)) ٢٢٦/٧. (٢) ما بين القوسين ساقط من (ج). (٣) أنظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٥١٤/٧، ((التاريخ الكبير)) ٥١٩/٣ (١٧٣٦)، ((معرفة الثقات)) ٤٠٦/١ (٦٢٠)، ((الجرح والتعديل)) ٧١/٤ (٣٠١)، ((الثقات)) ٣٧٤/٦، ((تهذيب الكمال)) ٩٤/١١ (٢٣٧٢)، ((سير أعلام النبلاء)) ٣٣/٦ (١٢٨). (٤) قال أبو زرعة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به. روى له الجماعة. انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)» ١٨٠/٣ (٦١٢)، ((الجرح والتعديل)) ٣٥٨/٣ (١٦١٩)، ((تهذيب الكمال)) ٢٠٨/٨ (١٦٦٦)، ((شذرات الذهب)) ٢٠٧/١. ٢٧ كِتَابُ الوُضُوءِ رابعها : هذا الحديث رواه مع أبي هريرة سبعة من الصحابة، ذكرهم ابن منده في ((مستخرجه)): ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو أمامة الباهلي، وأبو ذر الغفاري، وعبد الله بن بسر المازني، وحذيفة بن اليمان خامسها: في ألفاظه ومعانيه وفوائده: أحدها: قوله (رقيت): هو بكسر القاف، أي: صعدت، هذِه اللغة الصحيحة المشهورة، وحكى صاحب ((المطالع)) فتح القاف من غير همز ومعه، فحصل ثلاث لغات. وقال كراع: الهمز أجود، وخالفه صاحب ((الجامع)) فقال: عدمه أصح، وقال الزمخشري: لا أعلم صحة الفتح، وهذا كله من الرقي، أما من الرقية فرقيت بالفتح كما اختاره ثعلب في ((فصيحه)) (١). ثانيها: (الأمة): تطلق بإزاء أمور ليس هذا موضع الخوض فيها قَدْ ذكرتها في ((شرح العمدة)) (٢)، والمراد هنا أتباعه ◌َ ل جعلنا الله منهم. ثالثها: (يوم): من الأسماء الشاذة لوقوع الفاء والعين فيه حرفي علة، فهو من باب: ويل وويح. و(القيامة): فعالة من قام يقوم أصله القوامة، فقلبت الواو فيه ياء؛ لانكسار ما قبلها. رابعها: قوله: ( ((غرًّا محجلين)) ) هما منصوبان عَلَى الحال من الضمير في ((يدعون)) وهو الواو، والأصل: يدعوون، بواوين تحركت الأولى وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا أجتمع ساكنان: الألف والواو (١) انظر ((شرح الفصيح)) للزمخشري ٢٤٢/١-٢٤٣. (٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤٠٣/١. ٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -= بعدها، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصار يدعون، والمعنى -والله أعلم -: يدعون إلى موقف الحساب أو إلى الميزان أو إلى غير ذلك. قَالَ الشيخ تقي الدين القشيري في ((شرح العمدة)): ويحتمل أيضًا أن يكون مفعولًا ل((يدعون)» بمعنى: التسمية، أي: يسمون غرًّا، قَالَ: والحال أقرب، وتعدى يدعون في المعنى بالحرف، كما قَالَ تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِنَبِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣] ويجوز ألا يعدى يدعون بالحرف، وتكون (غرًّا) حالًا أيضًا(١). خامسها: الغرة: بياض في جبهة الفرس، والتحجيل: بياض في يديها ورجليها، فسمي النور الذي يكون في مواضع الوضوء يوم القيامة غرًّا وتحجيلا تشبيها بذلك. قَالَ ابن سيده: الغرة: بياض في الجبهة، فرس أغر وغراء، وقيل: الأغر من الخيل: الذي غرته أكبر من الدرهم، قَدْ وسطت جبهته، ولم تصب واحدة من العينين ولم تَمِل عَلَى واحد من الخدين، ولم تَسِل سُفْلا، وهي أفشى من القرحة. وقال بعضهم: بل يقال للأغر: أغرُّ أقرح؛ لأنك إِذَا قُلْتَ: أغر فلابد أن تصف الغرة بالطول والعرض والصغر والعِظم والدقة، وكلهن غُرَرُ، فالغرة جامعة لهن. وغرة الفرس: البياض يكون في وجهه، فإن كانت (مدورة)(٢) فهو (وتيرة)(٣)، وإن كانت طويلة فهي شادخة، وعندي أن الغرة نفس القدر الذي يشغله البياض. (١) ((إحكام الأحكام)) ص٩٦. (٢) في الأصل: (موزورة)، والمثبت من ((المحكم)) ٢١٧/٥. (٣) في الأصل: (وثيرة)، والمثبت من ((المحكم)) ٢١٧/٥. ٢٩ كِتَابُ الوُضُوءِ = والأغر: الأبيض من كل شيء، وقد غرّ وجه يغر بالفتح (غررًا)(١) وغرة، وغرارة: صار ذا غرة (٢). قَالَ: والتحجيل: بياض يكون في قوائم الفرس كلها، وقيل: هو أن يكون البياض في ثلاث قوائم منهن دون الأخرى في رِجْل ويدَيْن، ولا يكون التحجيل في اليدين خاصة إلا مع الرجلين، ولا في يد واحدة دون الأخرى إلا مع الرجلين، والتحجيل: بياض قل أو كثر حتَّى يبلغ نصف الوظيفِ، (ولون)(٣) سائره ما كان (٤). وفي ((الصحاح)): يجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين ولا العرقوبين(٥) وفي ((المغيث)) لأبي موسى المديني: فإذا كان البياض في طرف اليد فهو العصمة، يقال: فرس أعصم.(٦) سادسها : المراد بالغرة: غسل شيء من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائدًا عَلَى الجزء الذي يجب غسله؛ لاستيعاب كمال الوجه، وفي التحجيل غسل ما فوق المرفقين والكعبين. وادعى ابن بطال ثمَّ القاضي عياض ثمَّ ابن التين أتفاق العلماء عَلَى أنه لا تستحب الزيادة فوق المرفق والكعب(٧). (١) في الأصل: (غرره)، والمثبت من ((المحكم)) ٢١٧/٥. (٢) ((المحكم)) ٢١٧/٥. (٣) في الأصل: ويكون، والمثبت من ((المحكم)) ٣٣/٥. (٤) ((المحكم)) ٥٥/٣. (٥) ((الصحاح)) ١٦٦٦/٤، مادة (حجل). (٦) ((المجموع المغيث)) ٤٠٦/١ . (٧) ((شرح ابن بطال)) ٢٢١/١-٢٢٢، ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) ٤٤/٢. ٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وهي دعوى باطلة، فقد ثبت عن رسول الله وَّ فعل ذلك وأبي هريرة، وعمل العلماء وفتواهم عليه، فهم (محجوجون)(١) بالإجماع. واحتجاجهم بالحديث السالف: ((من زاد عَلَى هذا أو نقص فقد أساء وظلم)) لا يصح؛ لأن المراد به الزيادة في عدد المرات، أو النقص عن الواجب، أو الثواب المرتب عَلَى نقص العدد لا الزيادة عَلَى تطويل الغرة والتحجيل. وأما حد الزائد فغايته استيعاب العضد والساق، وقال جماعة من أصحابنا: يستحب إلى نصفها، وقال البغوي: نصف العضد فما فوق، ونصف الساق فما فوقه.(٢) وحاصلها ثلاثة أوجه كما جمعها النووي في ((شرح مسلم)) فقال: اختلف أصحابنا في العدد المستحب عَلَى ثلاثة أوجه: أحدها: أنه تستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت. وثانيها: إلى نصف العضد والساق. وثالثها: إلى المنكب والركبتين، قَالَ: والأحاديث تقتضي ذَلِكَ کله(٣). وقال الشيخ تقي الدين القشيري: ليس في الحديث تقييد ولا تحديد لمقدار ما يغسل من العضدين والساقين، وقد استعمل أبو هريرة الحديث عَلَى إطلاقه وظاهره في طلب إطالة الغرة، فغسل إلى قريب من المنكبين، ولم ينقل ذَلِكَ عن النبيِ وَلِّ، ولا كثر استعماله في (١) في الأصل: (محججون)، والصواب ما أثبتناه. (٢) ((التهذيب)) ٢٤٧/١ . (٣) ((مسلم بشرح النووي)) ١٤٣/٣. ٣١ ـ كِتَابُ الوُضُوءِ الصحابة والتابعين، فلذلك لم يقل به الفقهاء، ورأيت بعض الناس قَدْ ذكر أن حد ذَلِكَ نصف العضد والساق(١)، هذا آخر كلامه. وقوله: لم يقل به الفقهاء. غريب مع ما قدمناه عنهم. ومن أوهام ابن بطال والقاضي عياض(٢) إنكارهما عَلَى أبي هريرة بلوغه الماء إبطيه وأن أحدًا لم يتابعه عليه، وقد قَالَ به القاضي حسين (٣) وآخرون من أصحابنا أيضًا، وفي ((مصنف ابن أبي شيبة)»: حَدَّثَنَا وكيع، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان ربما بلغ بالوضوء إبطه في الصيف. ثمَّ روى عن وكيع أيضًا، عن عقبة ابن أبي صالح، عن إبراهيم أنه کرهه(٤). قُلْتُ: وهذا مردود بما سلف، وما أبعد من أول الاستطاعة في الحديث عَلَى إطالة (الغرة)(٥) والتحجيل بالمواظبة عَلَى الوضوء لكل صلاة، فتطول غرته بتقوية نور أعضائه، وهو ابن بطال قَالَ: والطول والدوام معناهما متقارب (٦). سابعها : قوله: ((مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ)) هو بضم الواو، ويجوز فتحها عَلَى إرادة آثار الماء المستعمل في الوضوء، فإن الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء، فيجوز أن ينسب إلى كل منهما. (١) ((إحكام الأحكام)) ص٩٦. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٢١/١، ((إكمال المعلم)) ٤٤/٢. (٣) ((المجموع)) ٤٥٨/١ . (٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٧/١-٥٨ (٦٠٤، ٦٠٥). (٥) في (ج): غرته. (٦) ((شرح ابن بطال)) ٢٢٢/١. ٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ثامنها : قوله: (فَمَنِ أَسْتَطَاعَ .. )) إلى آخره أقتصر فيه عَلَى ذكر الغرة دون التحجيل، وإن ذكر معها في رواية أخرى في ((الصحيح)) للعلم به(١)، فهو من باب قوله: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ولم يذكر البرد للعلم به. وقال الشيخ تقي الدين القشيري: كأنَّ ذَلِكَ من باب التغليب بالذكر لأحد الشيئين عَلَى الآخر، (إن)(٢) كانا كسبيل واحد للترغيب فيه، وقد أستعمل الفقهاء ذَلِكَ فقالوا: يستحب تطويل الغرة، ومرادهم الغرة والتحجيل(٣). وهذا ليس تغليبًا حقيقيًّا إذ لم يؤت فيه إلا بأحد الاسمين، والتغليب: اجتماع الاسمين أو الأسماء وتغليب أحدهما عَلَى الآخر نحو: القمرين، والعمرين وشبههما. ثمَّ القاعدة في التغليب أن يغلب المذكر عَلَى المؤنث لا بالعكس، والأمر هنا بالعكس لتأنيث الغرة وتذكير التحجيل، ويجاب أيضًا بأنها خصت بالذكر؛ لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء، ولأنه أول ما يقع عليه البصر يوم القيامة. ونقل ابن بطال عن بعضهم أنه كنى بالغرة عن التحجيل معللًا بأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله(٤)، وهذا غريب عجيب. (١) ((صحيح مسلم)) (٣٠/٢٤٦) كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء. (٢) في ((الأصول)): (وإن) والمثبت من ((الإحكام)). ((إحكام الأحكام)) ص٩٦. (٣) (٤) ((شرح ابن بطال)) ٢٢٢/١. ٣٣ - ڪِتَابُ الوُضُوءِ تاسعها: رأيت مَنْ شرح هذا الموضع من هذا الكتاب من شيوخنا أدعى أن قوله: ((فمن استطاع .. )) إلى آخره من قول أبي هريرة أدرجه آخر الحديث(١). وفي هذِه الدعوىُ بُعدٌ عندي. عاشرها: استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث عَلَى أن الوضوء من خصائص هذه الأمة -زادها الله شرفًا- وبه جزم الحليمي في ((منهاجه))، وفي ((الصحيح)) أيضًا: ((لكم سيماء(٢) ليست لأحد من الأمم، تردون عليّ غرًّا محجلين من أثر الوضوء))(٣) (١) ورد بهامش (س) تعليق نصه: وذكر أنه مدرج ابن قيم الجوزية في ((حادي الأرواح)) في الباب الخمسين [ ... ] ولفظه. وأما قوله: ((فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل)) فهُذِه الزيادة مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة لا من كلام النبي ◌َلێ، بيّن ذلك غير واحد من الحفاظ. وفي ((مسند الإمام أحمد)» في هذا الحديث: قال نعيم: فلا أدري قوله: ((من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل)) من كلام النبي ◌َلـ أو شيء قاله أبو هريرة من عنده، وكان شيخنا ابن تيمية يقول: هُذِهِ اللفظة لا يمكن أن تكون من كلام رسول الله وَله، فإن الغرة لا تكون في اليد، لا تكون إلا في الوجه، وإطالتها غير ممكنة إذ تدخل في الرأس فلا تسمى تلك غرة.اهـ وانظر: «حادي الأرواح)) ص٢٨٧ -٢٨٨. (٢) قال النووي في ((شرح مسلم)) ١٣٥/٣: أما السيما فهي العلامة، وهي مقصورة وممدودة لغتان، ويقال: السيميا بياء بعد الميم مع المد. (٣) رواه مسلم (٣٦/٢٤٧) كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء. من حديث أبي هريرة قال ابن حجر رحمه الله في ((فتح الباري)) ٢٣٦/١ : واستدل الحليمي بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وفيه نظر؛ لأنه ثبت عند المصنف في قصة سارة رضي الله عنها مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي، وفي قصة جريج الراهب أيضًا أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلم الغلام. ٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقال آخرون: ليس الوضوء مختصًّا بها، وإنما الذي اختصت به الغرة والتحجيل، و(ادعوا)(١) أنه المشهور من قول العلماء، واحتجوا بالحديث الآخر: ((هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي))(٢) وأجاب الأولون عن هذا بوجهين: أحدهما: أنه حديث ضعيف. ثانيهما: أنه لو صح لاحتمل اختصاص الأنبياء دون أممهم بخلاف هذِهِ الأمة. وفيه: شرف عظيم لهم، حيث استووا مع الأنبياء في هذِه الخصوصية، وامتازت بالغرة والتحجيل، لكن سيأتي في حديث جريج في موضعه: أنه توضأ وصلى(٣). وفيه دلالة عَلَى أن الوضوء كان مشروعًا لهم. وعلى هذا فيكون خاصية هذه الأمة الغرة والتحجيل الناشئين عن الوضوء لا الوضوء، ونقل الزناتي المالكي شارح ((الرسالة)» عن العلماء أن الغرة والتحجيل حكم ثابت لهذه الأمة، من توضأ منهم ومن لم يتوضأ. كما قالوا: لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، إن أهل القبلة كل من آمن به من أمته سواء صلى أو لم يصل، وهذا نقل غريب، وظاهر فالظاهر أن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء، وقد = صرح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة أيضًا مرفوعًا قال: ((سيما ليست لأحد غیرکم» وله من حديث حذيفة نحوه. أهـ (١) في الأصول (ادعى) وما أثبتناه أليق بالسياق. (٢) رواه ابن ماجه (٤٢٠)، والدارقطني ٧٩/١-٨١ (١-٦)، والبيهقي ٨٠/١، من حديث أبي بن كعب. وذكره البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) ص ٩٠ (١٤٩) وقال: إسناده ضعيف، زيد هو العمى ضعيف وكذلك الرواي عنه. وضعفه ابن حجر في ((الفتح)) ٣٦/١، وقال الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٩٣): ضعيف. (٣) سيأتي برقم (٢٤٨٢) كتاب: المظالم، باب: إذا هدم حائطًا فليبن مثله. ٣٥ = كِتَابُ الوُضُوءِ الأحاديث يقتضي خصوصية ذَلِكَ بمن توضأ منهم، وفي ((صحيح أبي حاتم ابن حبان)): يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قَالَ: ((غرٌّ محجلون بلق من آثار الوضوء))(١). الحادي عشر: قَدْ أستوفى بَّه بذكر الغرة والتحجيل جميع أعضاء الوضوء، فإن الغرَّ: بياض في الوجه، والرأس داخلة في مسماها. والتحجيل: بياض في اليدين والرجلين. الثاني عشر: فيه استصحاب المحافظة عَلَى الوضوء وسننه المشروعة فيه. الثالث عشر: فيه ما أعد الله من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة. الرابع عشر: فيه ما أَطْلَع اللهُ نبيه وَ لو من المغيبات المستقبلة التي لم يُطلع عليها نبيًّا غيره من أمور الآخرة وصفات ما فيها. الخامس عشر: فيه أيضًا جواز الوضوء عَلَى ظهر المسجد، وهو من باب الوضوء في المسجد، وقد كرهه قوم وأجازه الأكثرون، ومن كرهه لأجل التنزيه كما يتنزه عن البصاق والنخامة، وحرمة أعلى المسجد كحرمة داخله، وممن أجازه في المسجد ابن عباس، وابن عمر، وعطاء، والنخعي، وطاوس(٢). (١) ((صحيح ابن حبان)) ٣٢٣/٣ (١٠٤٧)، ٢٢٦/١٦ (٧٢٤٢)، ورواه ابن ماجه (٢٨٤)، وأبو داود الطيالسي في ((مسنده) ٢٨١/١ (٣٥٩). وأحمد ٤٠٣/١، ٤٥٢، ٤٥٣. وأبو يعلى في ((مسنده)) ٨/ ٤٦٢ (٥٠٤٨) من حديث عبد الله بن مسعود. وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه)) (٢٣٠): حسن صحيح. (٢) روىُ هُذِه الآثار ابن أبي شيبة ٤١/١ (٣٨٥، ٣٨٧، ٣٨٨، ٣٩١، ٣٩٢)، ورواها عبد الرزاق ٤١٨/١ (١٦٣٩)، عن ابن عمر، و(١٦٣٨) عن طاوس. ٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وهو قول ابن القاسم المالكي(١)، وأكثر العلماء كما حكاه ابن بطال عنهم(٢)، وكرهه ابن سيرين(٣) وهو قول مالك، وسحنون (٤). وقال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء فيه، إلا أن یبله ويتأذى به الناس، فإنه مكروه(٥). قُلْتُ: وصرح جماعة من أصحابنا بجوازه فيه، وأن الأولى أن يكون (٦) في إناء(٦). قَالَ البغوي: ويجوز نضحه بالماء المطلق، ولا يجوز بالمستعمل؛ لأن النفس تعافه (٧). وفي هذا نظر. السادس عشر: فيه قبول خبر الواحد، وهو مستفيض في الأحاديث(٨). (١) انظر: ((المنتقى)) ٧٩/١. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٢٢/١-٢٢٣. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٤٢/١ (٣٩٤). (٤) أنظر: ((المنتقى)) ٧٩/١. (٥) («الأوسط)) ١٣٩/٥-١٤٠. (٦) انظر: ((المجموع)) ٢٠١/٢. (٧) ((التهذيب)) ٢٣٩/٣. (٨) ورد بهامش (س) ما نصه: ثم بلغ في الثامن بعد الثلاثين له مؤلفه غفر الله له. ٣٧ كِتَابُ الوُضُوءِ - ٤ - باب لَا يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ ١٣٧ - حَدَّثَنَا عَليّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وعَنْ عَبَّدِ بْنِ تَمِيم، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ؛ الرَّجُلُ الذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّىءِ فِي الصَّلَاةِ. فَقَالَ: (لَا يَنْفَتِلْ - أَوْ لَا يَنْصَرِفْ - حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا)). [١٧٧، ٢٠٥٦ - مسلم: ٣٦١ - فتح: ٢٣٧/١] حَدَّثَنَا عَلِيٍّ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثنا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ [و](١) عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيم، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ: الرَّجُلُ الذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّىء فِي الصَّلَاةِ. فَقَالَ: ((لَا يَنْفَتِلْ -أَوْ لَا يَنْصَرِفْ- حَتَّى يَسْمَعَ صَوْنًّا أَوْ يَجِدَ رِيحًا)). الكلام علیه من أوجه: أحدها : هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وأخرجه قريبًا في باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين القبل والدبر، عن أبي الوليد، عن سفيان به، وقال: ((لا ينصرف حتَّى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا))(٢)، وأخرجه في البيوع: عن أبي نعيم، عن ابن عيينة، عن الزهري به(٣). (١) قال الحافظ في ((الفتح)): سقطت الواو من نسخة كريمة غلطا، لأن سعيد لا رواية له عن عباد أصلا. (٢) سيأتي برقم (١٧٧) كتاب: الوضوء، باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر. (٣) سيأتي برقم (٢٠٥٦) كتاب: البيوع، باب: من لم ير الوساوس ونحوها من المشتبهات. ٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وأخرجه مسلم هنا عن عمرو الناقد، وغيره عن ابن عيينة به (١). ثانيها: في التعريف برواته: أما عم عباد فهو عبد الله (ع) بن زید بن عاصم بن کعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار الأنصاري المازني، من بني مازن بن النجار المدني. له ولأبويه صحبة، ولأخيه حبيب بن زيد الذي قطعه مسيلمة عضوًا عضوًا، فقضى أن عبد الله هو الذي شارك وحشيًّا في قتل مسيلمة، وهو راوي هذا الحديث، وحديث صلاة الاستسقاء أيضًا الآتي في بابه (٢)، وغيرهما من الأحاديث كما ستعلمه. ووهم ابن عيينة فزعم أنه الذي أُرِيَ الأذان أيضًا، وهو عجيب فإن ذاك عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة بن زيد الأنصاري، فكلاهما اتفقا في الاسم واسم الأب والقبيلة وافترقا في الجد والبطن من القبيلة، فالأول مازني، والثاني حارثي، وكلاهما أنصاريان خزرجيان فيدخلان في نوع المتفق والمفترق. وممن غلط ابن عيينة في ذَلِكَ البخاري في ((صحيحه)) في باب الاستسقاء. كما ستعلمه هناك إن شاء الله تعالى وَقَّدرَه. ثمَّ عبد الله صاحب الترجمة له ثمانية وأربعون حديثاً، أتفقا عَلَى ثمانية منها، وذاك اشتهر له حديث واحد، وهو حديث الأذان، حتّى قَالَ البخاري فيما نقله الترمذي عنه: لا نعرف له غيره(٣). لكنا ظفرنا (١) مسلم (٣٦١) كتاب: الحيض، باب: الدليل على أن من تقين الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك. (٢) سيأتي برقم (١٠١٢) كتاب: الاستسقاء، باب: تحويل الرداء في الاستسقاء. (٣) ((سنن الترمذي)) عقب الرواية (١٨٦). ٣٩ ـ كِتَابُ الوُضُوءِ له بحديث ثان وثالث وذكرتهما في تخريجي لأحاديث الرافعي (١). قتل صاحب الترجمة في ذي الحجة بالحرة عن سبعين سنة، وكانت الحرة في آخر سنة ثلاث وستين، وهو أُحُدِي، وقال ابن منده وأبو أحمد الحاكم وأبو عبد الله صاحب ((المستدرك)): إنه بَدْرِي(٢)، (٣) وهو وهم(٣). فائدة : ليس في الصحابة من اسمه عبد الله بن زيد بن عاصم سوى هذا، وفيهم أربعة أخر اسم كل منهم عبد الله بن زيد منهم صاحب الأذان (٤). فائدة أخرى: عبد الله بن زيد هذا هو عم عباد من قبل أمه، وقيل: من قبل أبيه فتنبه له. وأما عباد بن تميم بن غزية فهو أنصاري مازني مدني ثقة. قَالَ: أَعِي يوم الخندق وأنا ابن خمس سنين. (١) ((البدر المنير)) ٢٠٣/٢ - ٢٠٦. (٢) ((المستدرك) ٥٢٠/٣. وقال الذهبي: هذا خطأ. اهـ (٣) انظر ترجمته في: ((معرفة الصحابة)) ١٦٥٦/٣ (١٦٤٠)، ((الاستيعاب)) ٤٥/٣ (١٥٥٨)، ((أسد الغابة)) ٢٥٠/٣ (٢٩٥٦)، ((الإصابة)) ٣١٢/٢ (٤٦٨٨). (٤) وهم عبد الله بن زيد الجهني، عبد الله بن زید الضبي، عبد الله بن زید بن عمرو بن مازن، عبد الله بن زيد بن سهل وهو ابن أبي طلحة الأنصاري، وعبد الله بن يزيد الأنصاري الحارثي أيضًا. وانظر تراجمهم في: ((معرفة الصحابة)) ١٦٥٣/٣-١٦٥٨ (١٦٣٩-١٦٤٣)، ((الاستيعاب)) ٤٥/٣-٤٦ (١٥٥٧-١٥٥٨)، ((أسد الغابة)) ٢٤٧/٣-٢٥٠ (٢٩٥٣-٢٩٥٦)، ((الإصابة)) ٣١٢/٢-٣١٣ (٤٦٨٦-٤٦٩١). ٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == فينبغي إذن أن يعد في الصحابة، وليس فيهم من يسمى عباد بن تميم سواه (إذن)(١) وقد عده الذهبي فيهم(٢)، ووقع في بعض نسخ ابن ماجه رواية عباد، عن أبيه، عن عمه حديث الاستسقاء، وتبعها ابن عساكر، والصواب عن عبد الله بن أبي بكر قَالَ: سمعت عباد بن تميم يحدث أبي عن عمه الحديث(٣). فائدة : عَبَّاد -بفتح أوله وتشديد ثانيه- ويشتبه بِعُبَاد -بضم أوله وتخفيف ثانيه- وهو والد قيس وغيره، وبِعبَاد -بكسر أوله وفتح ثانيه- وبعياذ وبعيَّاد وبعَنَّاد، والكل موضح في ((مشتبه النسبة)) تأليفي. وأما سعيد بن المسيب والزهري فسلف التعريف بهما، وليس في الكتب الستة من اسمه سعيد بن المسيب سوى هذا الإمام، بل، ولا يحضرني في غيرها أيضًا. وسفيان: هو ابن عيينة سلف، وكذا علي بن المديني. فائدة : هُذا الإسناد كلهم من رجال الكتب الستة، إلا علي بن المديني فإنه من رجال البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي فقط، وجميع رجاله مدنيون، خلا ابن المديني، فإنه بصري، وخلا سفيان فإنه مكي. الوجه الثالث : قول البخاري، (عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وعن عباد بن (١) ساقطة من (ج). (٢) ((تجريد أسماء الصحابة)) (٣٠٧٤). (٣) وقد اختلف في صحبته. أنظر: ((الطبقات الكبرى)) ٨١/٥، ((التاريخ الكبير)) ٣٥/٦ (١٦٠٤)، ((معرفة الثقات)) ١٦/٢ (٨٣٤)، ((الإصابة)» ٢٦٤/٢ (٤٤٥٦).