Indexed OCR Text

Pages 1-20

لِشِرْح
القَاضِعُ الصَّ
صِيَعْ
تَصْنیف
◌ِرَاجِدِينِ أَبِى حَقْصٍ عُمَرَيْنِ عَلِّبْن أَحْدِ الأَنصَارِيِّالشَّافِعِيِّ
المعروف بـ ابن المُلقّن
(٧٢٣ - ٨٠٤ هـ )
المجَلدُ الرَّابِع
تحقيق
دار الفلاح
لِلِبَحْثِ العِلمِّ وَتَحَقِيْق التَّاث
بإشراف
4
خَالِدُ الرَّاظ
تَقْدِلُ
فَضِيلَةٍ الأستاذالدّكتورُ
أحمد عبد عبد الكريم
أستاذ الحديث بجامعة الأزهر
إصدارات
◌َزَارَةُ الأَزْقَافِ وَالشُّؤُوْرُالِْسْلاَمِيّةُ
إدَارَةُ الشّؤُونِ الإِسْلامِيَّةِ-دَوْلةِقَطَرُ

13
13

التَّوْض ◌ِيُ

حُقُوق الطَّيْعُ مَحَفُوظَة
لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية
دولة قطر
الطبعة الأولى ، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨م
٤
قامت بعمليات الاخراج الفني والطباعة
دَارُ النَّوَاذْ سِهِمِ نُورُ الرَّشْطَالِبْ
سوريا - دمشق - ص . ب : ٣٤٣٠٦
لبنان - بَيروت - ص.ب: ١٤/٥١٨٠
هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ ١١ ٠.٩٦٣- فاكس: ٢٢٢٧٠١١ ١١ ٠٠٩٦٣
www.daralnawader.com

٤
كتابُ الْوُضُوء
٠
٠
+
٠
+
+
ء
+
*
٠

O
كـ
٤
٤- كتاب الْوُضُوء
هو من الوضاءة بالمد، وهي النظافة والنضارة، وفيه ثلاث لغات:
أشهرها : أنه بضم الواو اسم للفعل، وبفتحها اسم للماء الذي يتوضأ به،
ونقلها ابن الأنباري عن الأكثرين.
ثانيها: أنه بفتح الواو فيهما، وهو قول جماعات، منهم الخليل،
قَالَ: والضم لا يعرف(١).
ثالثها: أنه بالضم فيهما، وهي غريبة ضعيفة حكاها صاحب
((المطالع))، وهُذِه اللغات الثلاث مثلها في الطهور.
(١) ((العين)) ٧٦/٧ مادة: (وضأ).

٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١- باب: ما جاء في قول الله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ
فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]
[قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ مَرَّةَ مَرَّةَ، وَتَوَضَّأَ أَيْضًا
مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، وَلمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ، وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ الإِسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ
النَّبِيِّ وَلٌٍ.](١) [فتح: ١ / ٢٣٢]
هكذا هو ثابت في النسخ الصحيحة وفي بعضها باب: ما جاء في
الوضوء، وقول الله تعالى إلى آخره، وعليها مشى ابن بطال في
((شرحه))(٢)، والدمياطي (في أصله)(٣).
ومعنى قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ أي: مُحْدِثين كذا قدره
(٤)
الجمهور (٤).
وذهب جماعة من السلف إلى عدم التقدير، وأنه يجب الوضوء لكل
صلاة فرض عملًا بظاهر الآية، وذهب قوم إلى أن ذَلِكَ كان ثمَّ نسخ يوم
(١) هُذا التعليق ليس في الأصل، ولكن سيأتي عند المصنف مفرقا.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٢١٤/١.
(٣) زيادة من (ج).
(٤) قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٣٨/١٨: وروي عن ابن عباس، وسعد بن أبي
وقاص، وأبي موسى، وجابر بن عبد الله، وعبيدة السلماني، وأبي العالية،
وسعيد بن المسيب، والحسن، وعن السدي أيضًا، والأسود بن يزيد، وإبراهيم
النخعي: أن الآية عني بها حال القيام إلى الصلاة على غير طهر، وهذا أمر مجتمع
علیه.اهـ

٩
- كِتَابُ الوُضُوءِ
الفتح(١)، وضعفه في ((شرح مسلم)) (٢)، وقيل: لا نسخ، بل الأمر به لكل
صلاة عَلَى الندب؛ لأنه إِذَا نسخ الوجوب بقي التخيير.
ثمَّ أجمع أهل الفتوى بعد ذَلِكَ عَلَى أنه لا يجب إلا عَلَى
المحدث، وأن تجديده لكل صلاة مندوب، ولم يبق بينهم اختلاف(٣)،
واختلف أصحابنا في الموجب للوضوء عَلَى ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يجب بالحدث وجوبًا موسعًا.
وثانيها: لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة.
وأصحها: وجوبه بالأمرين، كذا صححه المتولي وغيره(٤)،
واختلف العلماء هل الوضوء من خصائص هذِه الأمة أم لا؟ عَلَى
قولين، وستأتي حجة كل منهم قريبًا في باب فضل الوضوء إن شاء الله
تعالى.
والواو في الآية ليست للترتيب عَلَى الصواب، وإنما أُخِذَ من أدلة
أخرى -ستمر بك إن شاء الله- وهو قول الشافعي وأحمد خلافًا لمالك
والكوفيين (٥).
(١) أنظر هذِه الأقوال في ((تفسير الماوردي)) ١٨/٢، ((زاد المسير)) ٢٩٨/٢، ((تفسير
البغوي)) ٣/ ٢٠.
(٢) ((مسلم بشرح النووي)) ٣/ ١٧٧.
(٣) أنظر ((تفسير الطبري)) ٦/ ٨٠-٨٢، ((الناسخ والمنسوخ)) للنحاس ٢٥٠/٢ -٢٥٧،
((التمهيد)) ٢٤١/١٨.
(٤) انظر: ((المجموع)) ٤٩٠/١، ((الإعلام)) ٢٢٥/١.
(٥) أنظر: ((الهداية)) ١٤/١، (بدائع الصنائع)) ٢١/١-٢٢، ((تبيين الحقائق)) ٦/١،
((التفريع)) ١٩٢/١، (عيون المجالس)) ١١١/١، ((الخرشي على مختصر خليل))
١٣٥/١، ((الحاوي)) ١٣٨/١، ((روضة الطالبين)) ٥٥/١، ((التحقيق)) ٢٧١/١-
٢٧٢، ((الكافي)) لابن قدامة ٦٨/١، ((الفروع)) ١٥٤/١.

١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقد وردت في الكتاب العزيز للترتيب وغيره، فمن الأول قوله
تعالى: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧]، وقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ
شَكَ
مِن
شعایر
اللّهِ ﴾﴾
[البقرة: ١٥٨].
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَتِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]،
وقوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الضَّلَوَةَ وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله: ﴿فَتَحْرِيُ
رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَىَ أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].
و(الوجه): ما يقع به المواجهة، وقد حددناه في كتب الفروع، وكذا
اليد والمرفق، وسيأتي الكلام عَلَى مسح الرأس وغسل الرجلين إلى
الكعبين -حيث ذكره البخاري- إن شاء الله تعالى.
قَالَ البخاري رحمه الله: (وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ونَ﴿ أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ (مَرَّةً
مَرَّةً)(١). وجه ذَلِكَ أنه صح أنه رَّل توضأ مرة مرة كما رواه قريبًا من
حديث ابن عباس(٢)، وصلى به؛ فعلم أنه الفرض، إذ لا ينقص وَل
منه، وهو المبين عن الله تعالى لأمته دينهم، وهو أيضًا إجماع كما
نقله ابن جرير وغيره(٣).
وشذ بعضهم فأوجب الثلاث، حكاه الشيخ أبو حامد وغيره،
وحكاه صاحب ((الإبانة)) عن ابن أبي ليلى، وهو باطل يرده إجماع من
قبله، والنصوص الصريحة الصحيحة أيضًا (٤).
(١) ورد بهامش (س): مرة: منصوب ظرف في موضع الخبر.
(٢) سيأتي برقم (١٤٠)، (١٥٧) باب: غسل الوجه واليدين من غرفة واحدة، وباب:
الوضوء مرة مرة.
(٣) نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر في ((الإجماع)) ص٣٤، وابن حزم في ((مراتب
الإجماع)» ص٣٨.
(٤) انظر: ((المجموع)) ٤٦٥/١.

١١
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
وقال مهنا: سألت أبا عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - عن الوضوء
مرة مرة، فقال: الأحاديث فيه ضعيفة، ثمَّ ذكر حديث جابر في وضوئه
مرة ومرتين وثلاث مرات، أخرجه ابن ماجه(١) وفيما قاله نظر، فقد صح
من حديث ابن عباس كما أسلفناه، قَالَ مالك: ولا أحب الواحدة إلا من
(٢)
العالم(٢).
قال البخاري: (وتوضأ -أيضًا- مرتين مرتين)، وهو كما قَالَ،
وسيأتي من حديث عبد الله بن زيد في باب معقود لَهُ(٣).
قَالَ: (وثلاثًا ثلاثًا)، هو كما قَالَ وقد عقد لَهُ بابا أيضًا كما
سيأتي(٤)، لكن لم يذكر فيه المسح ثلاثًا، وقد أخرجه أبو داود(٥) من
حديث عثمان بن عفان .
قَالَ البيهقي في ((خلافياته)): إسناده قَدْ احتجا (٦) بجميع رواته غير
(عامر بن شقيق بن سلمة)(٧)، قَالَ الحاكم(٨): لا أعلم في عامر طعنا
بوجه من الوجوه (٩).
(١) ((سنن ابن ماجه)) رقم (٤١٠)، وقال الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٩١):
ضعيف، وقال في ((المشكاة)) (٤٢٢): وثابت بن أبي صفية هو أبو حمزة الثمالي،
وهو ضعيف.
(٢) أنظر: ((الذخيرة)) ٢٨٧/١، ((مواهب الجليل)) ٣٧٦/١.
(٣) سيأتي برقم (١٥٨) باب: الوضوء مرتين مرتين.
(٤) سيأتي برقم (١٥٩)، باب: الوضوء ثلاثًا ثلاثًا. من حديث عثمان بن عفان
(٥) أبو داود (١٠٦)، وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٩٤): إسناده صحيح على
شرط الشيخين وقد أخرجاه.
(٦) أي: البخاري ومسلم.
(٧) ورد بهامش (س): عامر بن شقيق بن جمرة بالجيم راوي الحديث المذكور عن
شقيق بن سلمة، فلعله سقط منه عن شقيق، والله أعلم. [قلت: هو كذلك فعامر بن
شقيق بن جمرة هو الذي يرويه عن شقيق بن سلمة. انظر مصادر التخريج].
(٩) (خلافيات البيهقي)) ٣٠٩/١.
(٨) ((المستدرك)) ١٤٩/١.

١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ووضوؤه ◌َّ مرتين وثلاثا هو من باب الرفق بأمته والتوسعة عليهم؛
ليكون لمن قصر في المرة الواحدة من عموم غسل أعضاء الوضوء أن
يستدرك ذَلِكَ في المرة الثانية والثالثة.
ومن أكمل أعضاءه أولا، فالثانية سنة والثالثة فضيلة، وكأن تنويع
وضوئه وَلّ من باب التخيير، كما ورد التخيير في كفارة الأيمان.
قَالَ البخاري رحمه الله: (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الثَّلاث) هو كما قَالَ، بل
روى ابن خزيمة في ((صحيحه)) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده قَالَ: جاء أعرابي إلى النبي ◌َّ يسأله عن الوضوء، فأراه
ثلاثًا ثلاثا.
ثمَّ قَالَ: ((هذا الوضوء، فمن زاد عَلَى هذا فقد أساء وتعدى
(١)
وظلم))(١).
ثُمَّ قَالَ: لم يوصل هذا الخبر غير الأشجعي ويعلى(٢).
وزعم أبو داود في كتاب ((التفرد)) أنه من مفردات أهل الطائف،
ورواه ابن ماجه في ((سننه)) كذلك(٣)، ورواه أحمد في ((مسنده))(٤)،
والنسائي في ((سننه)) بلفظ: ((فقد أساء وتعدى وظلم))(٥) ورواه أبو داود
في ((سننه)) بلفظ: ((أو نقص فقد أساء وظلم)) أو ((ظلم وأساء))(٦).
قَالَ البخاري رحمه الله: (وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ الإِسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ
يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ ◌َّهِ). هذا من البخاري إشارة إلى نقل الإجماع
(١) ((صحيح ابن خزيمة)) ٨٩/١ (١٧٤).
(٢) هُذِه العبارة ليست في المطبوع من ((صحيح ابن خزيمة))، وأثبتها الحافظ في
((إتحاف المهرة)) (١١٧٠٢).
(٣) ابن ماجه (٤٢٢).
(٥) النسائي ٨٨/١.
(٤) أحمد ٢/ ١٨٠.
(٦) ((سن أبي داود)) (١٣٥).

١٣
- كِتَابُ الوُضُوءِ
عَلَى منع الزيادة عَلَى الثلاث، وقد قَالَ الشافعي في ((الأم)): لا أحب
الزيادة عليها، فإن زاد لم أكرهه، إن شاء الله(١).
وحاصل ما ذكره أصحابنا في المسألة ثلاثة أوجه:
أصحها: أن الزيادة عليها مكروهة (كراهة)(٢) تنزيه وهو معنى قول
الشافعي: لم أكرهه، أي: لم أحرمه.
وثانيها : أنها حرام.
وثالثها: أنه خلاف الأولى(٣).
وأبعد قوم فقالوا: إنه إِذَا زاد عَلَى الثلاث يبطل وضوؤه، كما لو زاد
في الصلاة، حكاه الدارمي(٤) في ((استذكاره)) عنهم، وهو خطأ ظاهر،
وخلاف ما عليه العلماء.
وفي ((سنن ابن ماجه)) بإسناد ضعيف من حديث ابن عمر: رأى النبي
وَال﴿ رجلًا يتوضأ فقال: ((لا تسرف، لا تسرف))(٥)
((الأم)) ٢٧/١.
(١)
(٢)
في (ج): كراهية.
(٣)
أنظر: ((روضة الطالبين)) ٥٩/١.
(٤) هو الإمام العلامة، شيخ الشافعية، أبو الفرج، محمد بن عبد الواحد بن محمد بن
عمر بن ميمون الدارمي البغدادي، من تصانيفه: ((الاستذكار في فقه الشافعي)»،
((جامع الجوامع ومودع البدائع))، ((الدلائل السمعية على المسائل الشرعية))، توفي
سنة ثمان وأربعين وأربعمائة.
انظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)» ٣٦١/٢-٣٦٢، ((سير أعلام النبلاء)) ٥٢/١٨-
٥٤، ((هدية العارفين)) ص ٤٨٣.
(٥) ابن ماجه (٤٢٤)، وأورده البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) ص٩١ (١٥٠) وقال:
إسناده ضعيف، الفضل بن عطية ضعيف، وابنه كذاب وبقية مدلس. وقال الألباني
في ((ضعيف ابن ماجه)) (٩٥)، و((ضعيف الجامع)) (٦٤٢٨): موضوع.

١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ثمَّ ساق من حديث ابن عمرو أنه بَّ مر بسعد وهو يتوضأ فقال: ((ما
هذا السرف؟)) فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قَالَ: ((نعم وإن كنت عَلَى
نهر جار))(١).
(١) ابن ماجه (٤٢٥). قال البوصيرى في ((زوائد ابن ماجه)) ص٩١ (١٥١): هذا إسناد
ضعيف لضعف يحيى بن عبد الله وابن لهيعة. وقال الألباني في ((ضعيف ابن ماجه))
(٩٦)، ((الإرواء)) (١٤٠): ضعيف.

=
كِتَابُ الوُضُوءِ
١٥
٢- باب لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرٍ طَهُورٍ
١٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الَنْظَلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((لَا تُقْبَلُ
صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)). قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الَحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟
قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. [٦٩٥٤ - مسلم: ٢٢٥ - فتح: ١ /٢٣٤]
هُذِهِ الترجمة هي لفظ حديث صحيح من طريق ابن عمر بزيادة:
((ولا صدقة من غلول)) أخرجه مسلم في ((صحيحه))(١) وإنما عدل عنه
إلى ما ذكره من حديث أبي هريرة، مع أن حديث ابن عمر هذا مطابق
لما ترجم لَهُ لأجل سماك بن حرب المذكور في إسناده، فإنه ليس من
شرطه، وإن أخرج لَهُ تعليقًا.
قَالَ البخاري: حدثني إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ قَالَ: أَنا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا
هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا تُقْبَلُ صَلَةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى
يَتَوَضَّأَ)). قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ:
فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا إلى قوله: ((يتوضأ))(٢).
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم أجمع مفرقًا، وجميع رجاله خرج لهم في
(١) مسلم (١/٢٢٤) كتاب: الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة.
(٢) مسلم (٢٢٥) كتاب: الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة.

١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الصحيحين وباقي الكتب الستة إلا إسحاق بن راهويه، فإن ابن ماجه لم
يخرج له، وجميعه يمانيون خلا ابن راهويه، وهذا السائل لا يحضرني
اسمه فلیبحث عنه.
ثالثها :
حضرموت: من بلاد اليمن كما قاله صاحب ((المطالع))، وهذيلٌ
تَضُمُّ مِيْمَهُ، وقَالَ الجوهري: حضرموت: اسم بلد وقبيلة أيضًا، وهما
أسمان جعلا واحدًا، إن شئت بنيت الاسم الأول عَلَى الفتح وأعربت
الثاني بإعراب ما لا ينصرف.
قُلْتُ: هذا حضرموت، وإن شئت أضفت الأول إلى الثاني
فقلت: هذا حضرموت، أعربت حضرا وخفضت موتا، وكذلك
القول في سام أبرص، ورامهرمز، والنسبة إليه حضرمي، والتصغير
حضيرموت، (تصغر) (١) الصدر منهما، وكذلك الجمع يقال: فلان من
الحضارمة(٢).
رابعها: في أحكامه وفوائده:
الأولى: القبول: يراد به شرعًا: حصول الثواب، وقد تتخلف(٣)
الصحة بدليل صحة صلاة العبد الآبق، ومن أتى عرافًا، وشارب
الخمر إِذَا لم يسكر مادام في جسده شيء منها، وكذا الصلاة في الدار
المغصوبة عَلَى الصحيح عند الشافعية(٤).
(١) كذا في (س)، وفي (ج): تصغير.
(٢) أنظر: ((الصحاح)) ٦٣٤/٢، ((معجم ما استعجم)) ٤٥٥/٢، ((معجم البلدان))
٢٦٩/٢ -٢٧٠.
(٣) ورد بهامش الأصل: لعله سقطت: عن.
(٤) انظر: ((المجموع)) ١٦٩/٣.

١٧
كِتَابُ الوُضُوءِ
فأما ملازمة القبول للصحة ففي قوله وقال: ((لا يقبل الله صلاة حائض
إلا بخمار)) (١) والمراد بالحائض: من بلغت سن (الحيض)(٢)، فإنها
لا تقبل صلاتها إلا بالسترة، ولا تصح ولا تقبل مع أنكشاف العورة،
والقبول مفسر بترتب الغرض المطلوب من الشيء عَلَى الشيء.
فقوله بَّه: ((لَا يَقْبَلُ الله صَلَاة مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)) عام في عدم
القبول من جميع المُحدِثين في جميع أنواع الصلاة.
والمراد بالقبول: وقوع الصلاة مجزئة بمطابقتها للأمر، فعلى هذا
يلزم من القبول الصحة ظاهرًا وباطنًا، وكذا العكس.
ونقل عن بعض المتأخرين أن الصحة(٣) عبارة عن ترتب الثواب
والدرجات عَلَى العبادة، والإجزاء عبارة عن مطابقة الأمر، فهما
متغايران، أحدهما أخص من الآخر، ولا يلزم من نفي الأخص نفي
الأعم.
فالقبول عَلَى هذا التفسير أخص من الصحة، فكل مقبول صحيح
ولا عكس، وهذا إن نفع في نفي القبول مع بقاء الصحة فيما سلف
ضرَّ في نفي القبول مع نفي الصحة، كما هو محكي عن الأقدمين.
(١) رواه أبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وابن ماجه (٦٥٥)، وأحمد ٦/ ١٥٠،
٢١٨/٦، وابن حبان ٤/ ٦١٢ (١٧١١)، وابن خزيمة ٣٨٠/١ (٧٧٥)، والحاكم
٢٥١/١. كلهم من حديث عائشة.
قال الترمذي: حديث حسن. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم
ولم يخرجاه وأظن أنه لخلاف فيه على قتادة.اهـ وقال الألباني في ((صحيح أبي
داود)» (٦٤٨): وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
(٢) كذا في (س)، وفي (ج): المحيض.
(٣) ورد بهامش (س): كذا في ابن دقيق العيد: القبول، وهو ظاهر.اهـ قلت: أنظر:
((إحكام الأحكام)) ص٦٧.

١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
إلا أن يقال: دل الدليل عَلَى كون القبول من لوازم الصحة، فإذا أنتفى
أنتفت، فيصح الاستدلال بنفي القبول عَلَى نفي الصحة، ويحتاج في نفيه
مع بقائها في تلك الأحاديث إلى تأويل أو (تخريج) (١) جواب.
ويرد عَلَى من فسر القبول بكون العبادة مثابًا عليها أو مرضية، مع أن
قواعد الشرع تقتضي أن العبادة إِذَا أتي بها مطابقة للأمر كانت سببًا
للثواب في ظواهر لا تحصى(٢).
الثانية: الحدث: عبارة عما نقض(٣) الوضوء، ومحل الخوض في
تفاصيله كتب الفروع، وقد أوضحناها فيها -ولله الحمد- وسيأتي بعضها
حيث ذكره البخاري، وقد فسره أبو هريرة -راوي الحديث- بنوع من
الحدث حين سُئِلَ عنه فقال: فساء أو ضراط، كما سلف، وكأنه
أجاب السائل عما يجهله منها، أو عما يحتاج إلى معرفته في غالب
الأمر، أو عما يقع في الصلاة، فإن غيرَهُ كالبول مثلًا لا يُعهد فيها،
وهو نحو قوله {قل﴾ فيما سيأتي في حديث آخر: «لا ينصرف حتَّى
يسمع صوتًا أو يجد ريحًا))(٤).
ونبه به عَلَى التسوية بين الحدث الواقع في الصلاة وغيرها، لئلا
يتمثل الفرق بين أن يحصل الشك فيه في الصلاة، فيتمادى أو
خارجها فيتوضأ كما فرق به بعضهم.
ثُمَّ الحدث بموضوعه يطلق عَلَى الأكبر كالجنابة والحيض والنفاس
والأصغر كنواقض الوضوء، وقد يسمى نفس الخارج حدثًا، وقد
(١) كذا في (س)، وفي (ج): ترجيح.
(٢) أنظر: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢١٦/١-٢١٨.
(٣) كذا بالأصل، وفي ((الإعلام)) ٢١٩/١: ينقض.
(٤) سيأتي برقم (١٧٧) كتاب: الوضوء، من لم ير الوضوء إلا من المخرجين.

١٩
- كِتَابُ الوُضُوءِ
يسمى: المنع المرتب عليه حدثًا، وبه يصح قولهم: رفعت الحدث،
ونويت رفعه، وإلا استحال ما يرفع أن لا يكون رافعًا، وكأن الشارع
جعل أمد المنع المرتب عَلَى خروج الخارج إلى استعمال المطهر.
وبهذا يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث لكون المرتفع هو
المنع، وهو مرتفع بالتيمم لكنه مخصوص بحالة ما، أو بوقت ما، وليس
ذَلِكَ ببدع، فإن الأحكام قَدْ تختلف باختلاف محلها، وقد كان الوضوء
في صدر الإسلام واجبًا لكل صلاة، فقد ثبت أنه كان مختصًّا بوقت مع
كونه رافعًا للحدث أتفاقًا، ولا يلزم من انتهائه في ذَلِكَ (الوقت)(١)
بانتهاء وقت الصلاة أن (لا)(٢) يكون رافعًا للحدث، ثمَّ زال ذَلِكَ
الوجوب كما سلف.
وقد ذكر الفقهاء أن الحدث وصف حكمي مقدر قيامه بالأعضاء
عَلَى معنى الوصف الحسي، وينزلون الوصف الحكمي منزلة الحسي
في قيامه بالأعضاء، فمن يقول بأن التيمم لا يرفع الحدث يقول:
إن الأمر المقدر الحكمي باق لم يزل، والمنع الذي هو ترتب التيمم
عليه زائل.
الثالثة: قوله وَله: ((حَتَّى يَتَوَضَّأَ)) نفى القبول إلى غاية وهي الوضوء،
وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فاقتضى قبول الصلاة بعد الوضوء
مطلقًا، ودخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانيا، وتحقيقه أن
صلاة اسم جنس وقد أضيف فيعم.
الرابعة: هذا الحديث محمول عَلَى تارك الوضوء بلا عذر، أما من
تركه بعذر، وأتى ببدله، فالصلاة مقبولة قطعًا؛ لأنه قد أتى بما أمر به،
(١) ساقط من (ج).
(٢) من (ج).

٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
عَلَى أن التيمم من أسمائه الوضوء، قَالَ بَله: ((الصعيد الطيب وضوء
المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين)) (١) وهو حديث صحيح
الخامسة: هذا الحديث نص في وجوب الطهارة وشرطيتها للصلاة
(٢)
وهو إجماع(٢).
واختلفوا متى فرضت للصلاة؟ فذهب ابن الجهم إلى أن الوضوء
كان في أول الإسلام (سنة)(٣) ثمَّ نزل فرضه في آية التيمم(٤).
وقال الجمهور: بل كان قبل ذَلِكَ فرضًا، ثمَّ اختلفوا في أنه هل
يجب عَلَى كل قائم إلى الصلاة، أو عَلَى المحدث خاصة؟ والذي
أجمع عليه أهل الفتوى الثاني كما سلف.
وأما الوضوء لغير الفرائض فذهب بعضهم إلى أنه بحسب [ما
يفعل](٥) لَهُ من نافلة أو فريضة، وهو عجيب، لا جرم رده بعض
المالكية إلى أنه هل ينوي بالوضوء الفرض أو النفل؟ وذهب بعضهم
إلى أنه فرض عَلَى كل حال، حكاه القاضي عياض(٦) وهو المتعين،
وغيره مطرح.
(١) رواه أبو داود (٣٣٢)، الترمذي (١٢٤)، والنسائي ١٧١/١، وأحمد٥/ ١٥٥،
وابن حبان ١٤٠/٤ (١٣١٣)، والدار قطني ١٨٦/١ (١)، والحاكم ١٧٦/١-
١٧٧، والبيهقي ٢١٢/١ من حديث أبي ذر.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، لم
يخرجاه إذ لم نجد لعمرو بن بجدان راويا غير أبي قلابة الجرمي، وقال الألباني في
(صحيح أبي داود» (٣٥٨): صحيح.
(٢) نقل الإجماع على ذلك ابن هبيرة في ((الإفصاح)) ٢٤٥/١.
(٣) ساقطة من (ج).
(٤) انظر: ((إكمال المعلم)) ١/ ١٠.
(٥) زيادة يقتضيها السياق، مثبتة من ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٢٣/١.
(٦) ((إكمال المعلم)) ١/ ١١.