Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١
كتاب العلم
أنسًا وغيره. وعنه الأنصاري وغيره.
مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، مكث أربعين سنة يصوم يومًا ويفطر
يومًا، ويصلي الصبح بوضوء عشاء الآخرة، وكان مائلاً إلى علي،
وما روى عن الحسن، وابن سيرين فهو صالح إِذَا قَالَ: (سمعت
أو قُلْتُ)(١) (٢).
وأما فقهه فسلف في الحديث قبله.
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: إذا قال: سمعت، أو حدثنا، أو أخبرنا.
(٢) سليمان التيمي أبو المعتمر. قال عبد الله بن أحمدبن حنبل عن أبيه: ثقة، وهو في
أبي عثمان أحب إلي من عاصم الأحول.
وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، والنسائي: ثقة. وقال أحمدبن عبد الله
العجلي: تابعي ثقة، وكان من خيار أهل البصرة.
انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٢٥٢/٧، ((التاريخ الكبير)) ٢٠/٤ (١٨٢٨)،
((معرفة الثقات)) ٤٣٠/١ (٦٧٠)، ((الجرح والتعديل)) ١٢٤/٤ (٥٣٩)، ((تهذيب
الكمال)) ٥/١٢ (٢٥٣١).

٦٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
٥٠ - باب الحَيَاءِ في العِلْم
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحْي وَلَا مُسْتَكْبِرٌ. وَقَالَتْ
عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ
يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ(١).
١٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ
أَبِهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابنةٍ أُمَّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمُّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ أُّ سُلَيْمِ إِلَى رَسُولِ اللهِ
وَلِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْبِي مِنَ الحَقُّ، فَهَلْ عَلَى الَزْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا
أَحْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((إِذَا رَأَتِ المَاءَ)). فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ - تَغْنِي وَجْهَهَا -
وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَحْتَلِمُ الَمَزَةُ؟ قَالَ: (نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا
وَلَدُهَا)). [٢٨٢، ٣٣٢٨، ٦٠٩١، ٦١٢١ - مسلم ٣١٣ - فتح: ٢٢٨/١]
١٣١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قَالَ: ((إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ
المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟». فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا
النَّخْلَةُ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَاسْتَحْبَيْتُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
وَه: ((هِيَ النَّخْلَةُ)). قَالَ عَبْدُ اللهِ فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: لأَنْ تَكُونَ
قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا. [انظر: ٦١ - مسلم: ٢٨١١ - فتح: ٢٢٩/١]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامِ، أنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثنا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
زَيْنَبَ ابنةٍ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمِ إِلَى رَسُولِ
اللهِ وَِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ
(١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: من خط المصنف في هامشه: رواه أبو داود عن
صفية عنها. أهـ
قلت: أبو داود (٣١٥)، (٤١٠٠).

٦٦٣
كتاب العلم
=
عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلِ إِذَا أَحْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ بَرِ: ((إِذَا رَأَتِ المَاءَ)).
فَغَظَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ - تَعْنِي وَجْهَهَا - وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَحْتَلِمُ
المَرْأَةُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا)).
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً .. )). وذكر الحديث
كما سلف.
أراد البخاري رحمه الله بهذا الباب بيان أن الحياء المانع من تحصيل
العلم مذموم، ولذلك بدأ بقول مجاهد وعائشة، والحياء الواقع عَلَى
وجه التوقير والإجلال مطلوب حسن كما فعلت أم سلمة حين غطت
وجهها، وقد أسلفنا في باب أمور الإيمان حقيقة الحياء، وأن
المذموم منه ليس بحياء حقيقة، وإنما هو عجز وخور.
وحديث أم سلمة سلف التعريف برواته خلا زينب بنت أم سلمة.
وأبوها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن
عمر بن مخزوم كان أسمها برة فسماها رسول الله و لو زينب، ولدتها
أمها بأرض الحبشة وقدمت بها، وهي أخت عمر وسلمة ودرة. روی
لها البخاري حديثًا، ومسلم آخر، وقتل لها يوم الحرة ابنان
فاسترجعت، ماتت سنة ثلاث وسبعين(١).
(١) انظر: ترجمتها في ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم ٣٣٣٧/٦ (٣٨٨٤)،
و((الاستيعاب) ٤١٠/٤ (٣٣٩٥)، ((أسد الغابة)) ١٣١/٧ (٦٩٥٨)، ((الإصابة))
٤/ ٣١٧ (٤٨٤).

٦٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ثمَّ الكلام عليه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وفي الطهارة(١)، والأدب(٢)،
وخلق آدم (٣)، كما (ستعلمه) (٤) إن شاء الله، وأخرجه مسلم(٥)
والأربعة في الطهارة (٦).
ثانیھا :
معنى قولها: (إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ) أي: لا يأمر بالحياء فيه،
ولا يمنع من ذكره فتعتذر به، فعبر بالحياء عن الأمر به، من باب إطلاق
اسم التعلق عَلَى المتعلق؛ لأن الله لا يوصف بالاستحياء عَلَى حد
ما يوصف به المخلوق؛ لأنه منهم تغير وانكسار بتغير الأحوال،
تعالى الله عن ذَلِكَ(٧).
(١) سيأتي برقم (٢٨٢) كتاب: الغسل، باب: إذا احتلمت المرأة.
(٢) سيأتي برقم (٦٠٩١) كتاب: الأدب، باب: التبسم والضحك، وبرقم (٦١٢١)
باب: مالا يستحيى من الحق للتفقه في الدين.
(٣) سيأتي برقم (٣٣٢٨) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته.
(٤) كذا في الأصل، وفي (ج): ستعرفه.
(٥) مسلم برقم (٣٢/٣١٣) كتاب: الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج
المني منها.
(٦) أبو داود معلقًا بعد حديث (٢٣٧)، الترمذي (١٢٢)، النسائي ١١٤/١، ابن ماجه
(٦٠٠).
(٧) قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في تعليقه على فتح الباري (٣٨٩/١):
والصواب: أنه لا حاجة إلى التأويل مطلقًا، فإن الله يوصف بالحياء الذي يليق به
ولا يشابه فيه خلقه كسائر صفاته، وقد ورد وصفه بذلك في نصوص كثيرة؛ فوجب
إثباته له على الوجه الذي يليق به، وهذا قول أهل السنة والجماعة في جميع
الصفات الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة، وهو طريق النجاة فتنبه واحذر،
والله أعلم.

٦٦٥
-- كتاب العلم
ثالثها :
قدمت أم سليم هذا القول؛ بسطًا لعذرها في ذكر ما تستحيي النساء
من ذكره.
رابعها :
معنى: (تَرِبَتْ)) افتقرت. يقال: ترب الرجل إِذَا أفتقر، وأترب إِذَا
استغنى، هذا هو المشهور، وهُذِه الكلمة وشبهها تجري عَلَى ألسنة
العرب من غير قصد الدعاء، وعليه يحمل كل ما جاء من الأحاديث
من هذا وشبهه.
ومنه قوله في حديث خزيمة: ((أَنْعِمْ صباحًا تربت يداك))(١) فأراد
الدعاء لَهُ ولم يرد الدعاء عليه. والعرب تقول: لا أم لك، ولا أب
لك، يريدون: لله درك، فتستعمل هذه الألفاظ عند الإنكار عَلَى
الشيء أو التأنيب أو الإعجاب أو الاستعظام، دون إرادة معناها
الأصلي.
خامسها :
أخرج مسلم -منفردًا به- من حديث أنس أن أم سليم سألت ذَلِكَ
بحضرة عائشة، وأن عائشة أنكرت ذَلِكَ عليها(٢)، فيحتمل كما قَالَ
القاضي أن عائشة وأم سلمة كانتا أنكرتا عليها، فأجاب بو سليم كل
واحدة بما أجاب، وإن كان أهل الحديث يقولون: إن الصحيح هنا أم
سلمة لا عائشة(٣).
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٣٧٣/١٦.
(٢) مسلم (٢٩/٣١٠) كتاب: الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج
المني.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٢/ ١٥٠.

٦٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
سادسها :
إنما قالت أم سلمة ما قالت؛ لأنهن یستحیین منه؛ لأن خروجه منهن
يدل عَلَى قوة شهوتهن، أو لأنه يقل فيهن، ولهذا جاء في ((صحيح
مسلم)): فضحت النساء(١)، أي: كشفت من أسرارهن ما يكنه من
الحاجة إلى الرجال، ورؤية الاحتلام.
سابعها :
الشِّبه، والشَّبه واحد يريد: شبه الابن لأحد أبويه كما جاء مبينًا في
((الصحيح)): ((إِذَا علا ماؤها ماءه؛ أَنَّث - أي: أشبه أخواله- وإذا عكس
أذكر))، أي: أشبه أعمامه(٢).
ثامنها :
استدل به بعضهم عَلَى رد من يقول: إن ماء الرجل يخالط دم
المرأة، وإن ماءه كالأنفحة ودمها كاللبن الحليب.
تاسعها :
أن المرأة تحتلم ويعرف منيها بالتدفق والتلذذ والرائحة - كمني
الرجل - وأنكر جماعة تدفقه، والمسألة مبسوطة في الفروع،
وأوضحتها في شروحي.
عاشرها :
أن الحياء لا يمنع من طلب الحق.
(١) رواه مسلم (٣١٣) كتاب: الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج
المني منها.
(٢) مسلم (٣١٤/ ٣٣) كتاب: الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج
المني من حديث عائشة بنحوه.

٦٦٧
- كتاب العلم
فائدة: جاء عن جماعة من الصحابيات أنهن سألن کسؤال أم سلیم،
منهن خولة(١) بنت حكيم، أخرجه ابن ماجه(٢) وفي إسناده علي بن زيد بن
جُدعان(٣)، وبسرة ذكره ابن أبي شيبة(٤)، وسهلة بنت سهيل رواه
الطبراني في ((الأوسط)) وفي إسناده ابن لهيعة (٥).
وأما حديث ابن عمر فسلف الكلام عليه في باب: قول المحدِّث:
ثنا وأنبا(٦).
وفيه: حرص الرجل عَلَى ظهور ابنه في العلم عَلَى من هو أكبر سنًّا
منه، فإن في آخره (قَالَ عبد الله: فحدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال:
لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا).
(١) ورد بهامش (ج) ما نصه: حديث خولة أخرجه النسائي بسند جيد، فعزوه إليه
أولی.اهـ
قلت: أخرجه النسائي في ((الكبرى)) ٢٠٩/١ (٢٠٤).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: في أصل سماعنا .... ولا غيره، ولأبي وخلف ....
أجمع مستحضرًا هذِه .... فليحرر. اللهم إلا أن .... بعض النسخ دون بعض عزاه
إلى ابن ماجه ... أيضًا المزي في ... في («مسند خولة)).
(٣) (سنن ابن ماجه)) (٦٠٢) كتاب: الطهارة وسننها، باب: في المرأة ترى في منامها
ما یری الرجل،
وقال البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) ص١١٣ (٢٠٨) وإسناد طريق ابن ماجه
ضعيف لضعف علي بن زید.
وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه)): حسن.
(٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٨٠/١ (٨٨١).
(٥) ((المعجم الأوسط)) للطبراني ٢٧٦/٨ (٨٦٢٥)، وقال: لم يرو هذا الحديث عن
ابن هبيرة إلا ابن لهيعة.
ورواه في ((الكبير)) ٢٩٢/٢٤ (٧٤٣). وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» ١/
٢٦٧، وقال: رواه الطبراني في ((الكبير)) وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف.
(٦) حديث رقم (٦١).

٦٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وإنما تمنى ذَلِكَ رجاء أن يسر النبي ◌َّ بإجابته، فيدعو له، وقد كان
عمر بن الخطاب يسأل ابن عباس وهو صغير مع شيوخ الصحابة.
وذكر ابن سلام أن الحطيئة أتى مجلس عمر، فرأى ابن عباس قَدْ
نزع الناس بلسانه فقال: من هذا الذي نزل عن القوم في سنه ومدته
وتقدمهم في قوله وحكمته.
وإن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفت عليه المحافل
وفيه: أن الابن العالم الموفق أفضل مكاسب الدنيا؛ لقوله: (لأن
تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا).

٦٦٩
كتاب العلم
٥١ - باب: مَنِ اسْتَحْيَا فَأَمَرَ غَيَّْهُ بِالسُّؤَّالِ
١٣٢- حَدَّثَنَا مُسَنَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ
الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءَ، فَأَمَرْتُ اِقْدَادَ أَنْ
يَسْأَلَ النَّبِيَّ وَهِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: ((فِيهِ الْوُضُوءُ)). [١٧٨، ٢٦٩- مسلم: ٣٠٣ - فتح: ١ /
٢٣٠]
حدثنا مُسَدَّدٌ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرِ الثَّوْرِيِّ،
عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيِّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ
أَنْ يَسْأَلَ النَّبِّ وَّهِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: ((فِيهِ الوُضُوءُ)).
الكلام علیه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الطهارة كما سيأتي (١)،
ورواه مسلم في الطهارة عن أبي بكر، عن وكيع وغيره. وعن يحيى بن
حبيب، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن الأعمش به(٢).
ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف.
أما منذر (ع) فهو أبو يعلى منذر بن يعلى الثوري الكوفي الثقة، عن
ابن الحنفية وغيره. وعنه فطر وغيره. قَالَ منذر: لزمت محمد بن الحنفية
حتَّى قَالَ بعض ولده: لقد غلبنا هذا النبطي عَلَى أبينا (٣).
وأما عبد الله (خ، ٤) بن داود فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن
(١) سيأتي برقم (١٧٨) كتاب: الوضوء، باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين.
(٢) مسلم (٣٠٣) كتاب: الحيض، باب: المذي.
(٣) انظر ترجمته في: (الطبقات الكبرى)) ٣١٠/٦، (التاريخ الكبير)) ٣٥٧/٧
(١٥٤٠)، ((معرفة الثقات)) ٢٩٨/٢ (١٧٩١)، ((الجرح والتعديل)) ٢٤٢/٨
(١٠٩٣)، ((الثقات)) ٥١٨/٧، ((تهذيب الكمال)) ٥١٥/٢٨ (٦١٨٧).

٦٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
داود بن عامر بن الربيع الخريبي البصري الهمداني الشعبي، أصله كوفي
نزل البصرة بالخريبة وهي محلة منها. روى عن هشام وغيره. وعنه بندار
وغيره. ثقة حجة ناسك. قَالَ: ما كذبت كذبة قط إلا مرة في صغري قَالَ
لي أبي: ذهبت إلى الكتاب؟ قُلْتُ: نعم، ولم أكن ذهبت. قَالَ أبو حاتم:
وكان يميل إلى الرأي، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين(١).
فائدة :
ليس في البخاري والأربعة عبد الله بن داود غير هذا، نعم، في
الترمذي آخر واسطي مختلف في ثقته (٢).
ومحمد ابن الحنفية: أبوه علي، والحنفية أمه، يروي عن أبيه،
وعثمان، وغيرهما. وعنه بنوه وعمرو بن دينار وغيره. مات سنة ثمانين
عَلَى المشهور، ابن سبع وستين سنة(٣).
(١) ((الجرح والتعديل)) ٤٧/٥ (٢٢١).
وانظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٢٩٥/٧، ((التاريخ الكبير)) ٨٢/٥ (٢٢٣)،
((تهذيب الكمال)» ٤٥٨/١٤ (٣٢٤٨).
(٢) عبد الله بن داود الواسطي أبو محمد التمار. قال البخاري: فيه نظر.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي حدَّث بحديث منكر، عن حنظلة بن أبي سفيان، وفي
حديثه مناكير.
وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. وقال ابن حجر في ((التقريب)):
ضعيف من التاسعة.
وانظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير» ٨٢/٥ (٢٢٦). ((الجرح والتعديل)) ٤٨/٥
(٢٢٢)، ((المجروحين)) ١٣٤/٢، ((تهذيب الكمال)) ٤٦٧/١٤ (٣٢٤٩) ((ميزان
الاعتدال)) ١٢٩/٣ (٤٢٩٤)، ((تقريب التهذيب)) ص٣٠٢ (٣٢٩٨).
(٣) محمد بن علي بن أبي طالب القرشي.
قال العجلي: تابعي ثقة كان رجلًا صالحًا. قال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد:
لا نعلم أحدًا أسند عن علي، عن النبي ◌َّر أكثر ولا أصح مما أسند محمد =

٦٧١
كتاب العلم
ثالثها: في ألفاظه :
قوله: (كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً) هو: بتشديد الذال المعجمة والمد، فعَّال
من المذي أي: كثير المذي، وهو بإسكان الذال عَلَى الأفصح، وفيه لغة
ثانية: كسر الذال مع تشديد الياء، وثالثة: كسرها مع تخفيف الياء،
ويقال: أمذى ومذَّى ومذَى بتشديد الذال وتخفيفها، وهُذِه الثلاث في
المني والودي.
والمذي: ماء أبيض رقيق يخرج بلا شهوة عند الشهوة، وهو في
النساء أغلب منه في الرجال، وفي المثل: كل ذكر يمذي، وكل أنثى
تقذي. أي: تلقي بیاضًا.
رابعها: في فوائده :
الأولى: إيجاب الوضوء منه وهو إجماع(١)، وللبخاري في
الطهارة: ((توضأ واغسل ذكرك))(٢).
ولمسلم: ((توضأ وانضِح فرجك))(٣).
والمراد: غسل ما أصابه منه، واختلف عن مالك في غسل الذكر كله
وهل يحتاج إلى نية أم لا؟(٤)
ابن الحنفية.
=
انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٩١/٥، ((التاريخ الكبير)) ١٨٢/١ (٥٦١)،
((معرفة الثقات) ٢٤٩/٢ (١٦٣١)، ((الجرح والتعديل)) ٢٦/٨ (١١٦)، ((تهذيب
الكمال)» ١٤٧/٢٦ (٥٤٨٤).
(١) نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر في ((الأوسط)) ١٣٤/١، وابن عبد البر في
((التمهيد)) ٢٠٦/٢١.
(٢) سيأتي برقم (٢٦٩) كتاب: الغسل، باب: غسل المذي والوضوء منه.
(٣) مسلم (١٩/٣٠٣) كتاب: الحيض، باب: المذي.
(٤) ((المنتقى)) ٨٧/١، ((الذخيرة)) ٢١٣/١.

٦٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
الثانية: جواز الاستنابة في الاستفتاء.
الثالثة: جواز الاعتماد عَلَى الخبر المظنون مع القدرة عَلَى
المقطوع؛ لأن عليًّا بعث من يسأل مع القدرة على المشافهة، وإن
كان جاء في النسائي أنه كان حاضرًا وقت السؤال إذ فيه: فقلت
الرجل جالس إلى جنبي: سله. فقال: ((فيه الوضوء)) (١).
الرابعة: عموم قضايا الأحوال، وفيه خلاف في الأصول.
الخامسة: استحباب حسن العشرة مع الأصهار، وأن الزوج ينبغي
ألا يذكر ما يتعلق بالجماع والاستمتاع بحضرة أبي المرأة، وأخيها
وغيرهما من أقاربها؛ لأن المذي غالبًا إنما يكون عند الملاعبة.
السادسة: خصَّ أصحاب مالك إيجاب الوضوء بما إِذَا حصل
المذي عن ملاعبة؛ لأن في ((الموطأ)) أنه سأل عن الرجل إِذَا دنى من
أهله وأمذى، ماذا يجب عليه؟(٢)
والجواب خرج عَلَى مثله في المعتاد بخلاف المستنكح، والذي به
علة فإنه لا وضوء عليه. ويدل عليه استحياء علي إذ لو كان (عن)(٣) مرض
أو سلس لم يستحي منه(٤).
وعمم الشافعي وأبو حنيفة فأوجبا منه الوضوء عملًا بإطلاق سؤال
المقداد(٥).
(١) ((سنن النسائي)) ١/ ٩٦.
(٢) ((الموطأ)) ص ٥٠، ورواه أبو داود (٢٠٧)، والنسائي ٩٧/١، وابن ماجه (٥٠٥)،
وابن حبان ٣٨٣/٣ (١١٠١). قال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٠٢): حديث
صحیح.
(٣) كذا في الأصل، وفي (ج): في.
(٤) انظر: ((المنتقى)) ٨٨/١.
(٥) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ٤٥/١ - ٤٨،((المبسوط)) ٦٧/١، ((البيان)) ٢٤٢/١،
((المجموع)) ١٦٤/٢.

٦٧٣
- كتاب العلم
وفي ((سنن أبي داود)) عنه قَالَ: كنت رجلًا مذاءً فجعلت أغتسل حتَّى
تشقق ظهري(١). وهذا دال عَلَى كثرة وقوعه منه ومعاودته.
السابعة: جاء أيضًا أنه أمر عمارًا أن يسأل(٢)، وجاء أيضًا أنه سأل
بنفسه(٣)، فيحمل عَلَى أنه أرسلهما ثمَّ سأل بنفسه.
الثامنة: جاء في أبي داود الأمر بغسل الأنثيين أيضًا (٤)، وعللت
بالإرسال وغيره. وقال بعضهم بوجوب ذَلِكَ والجمهور عَلَى خلافه(٥).
وأولت هذه الرواية عَلَى الاستظهار، وفي بعض أحوال انتشاره،
ويقال: إن الماء البارد إِذَا أصاب الأنثيين رد المذي وكسره (٦).
(١) أبو داود (٢٠٦).
(٢) رواه النسائي ٩٦/١، ٩٧، وعبد الرزاق في ((مصنفه)) ١٥٥/١ (٥٩٧)، وأحمد
٣٢٠/٤، والبيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) ٤٧٣/١ (١٤١٣).
(٣) رواه أبو داود (٢٠٦)، والترمذي (١١٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح،
وأحمد ٨٧/١، ١٠٧، ١٠٩، ١١٠، ١١١، ١٢١، ١٢٥، وابن خزيمة ١٤/١
(٢٠)، وابن حبان ٣٨٥/٣ (١١٠٢).
(٤) أبو داود (٢٠٨). قال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٠٣): إسناده صحيح.
(٥) انظر: ((الاستذكار)) ١٤/٣، ١٩، ((المنتقى)) ٨٦/١، ((البيان)) ٢٤٢/١، ((المغني))
٢٣٢/١.
(٦) وقع بهامش الأصل ما نصه: قال النووي في ((شرح المهذب)) عن حديث أبي
داود: رواه أبو داود وغيره بإسناد صحیح، قال: قد أخذ به الإمام أحمد في رواية،
وهو في أبي داود من حديث عبد الله بن سعد الأنصاري.اهـ
قلت: أنظر ((المجموع)) ١٦٤/٢.

٦٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٥٢ - باب ذِكْرِ العِلْمِ وَالْفُتْيَا في المَسْجِدِ
١٣٣ - حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَغدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ -
مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الَخَطَّابِ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي المسْجِدِ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرْنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِهِ: «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ
مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرٍْ)).
وَقَالَ ابن عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((وَيُهِلَّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ)).
وَكَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هذِه مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلِّ. [١٥٢٢، ١٥٢٥، ١٥٢٧، ١٥٢٨، ٧٣٤٤
- مسلم: ١١٨٢ - فتح: ٢٣٠/١]
حدّثْنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا اللَّيْثُ، عن نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ
رَجُلًا قَامَ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مِّنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: (يُهِلَّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلَّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ
الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرٍْ)). وَقَالَ ابن عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ
اللهِ وَِّ قَالَ: ((وَيُهِلَّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ)). وَكَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ
هُذِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ.
الكلام عليه من أوجه :
أحدها :
هذا الحديث أخرجه في الحج أيضًا وقال: لم أسمع هذِه من رسول
اللّه ◌َلَ﴾(١). بدل: (أفقه)، وأخرجها مع مسلم أبو داود، والنسائي من
حديث ابن عباس مرفوعًا (٢) كما سيأتي هناك، وفي مسلم من حديث
(١) سيأتي برقم (١٥٢٨) كتاب: الحج، باب: مهل أهل نجد.
(٢) مسلم (١١/١١٨١) كتاب: الحج، باب: مواقيت الحج والعمرة، وأبو داود
(١٧٣٨)، والنسائي ١٢٣/٥-١٢٤.

٦٧٥
= كتاب العلم
جابر غير مجزوم برفعه: ((ومهل أهل العراق ذات عرق))(١).
وفي أبي داود والترمذي من حديث ابن عباس أنه رَّه وقت لأهل
المشرق العقيق(٢). وسيأتي في البخاري أن تحديد ذات عرق من
اجتهاد عمر(٣).
ثانیھا :
سيأتي الكلام عَلَى هذِه المواضع في الحج فإنه أليق به.
و(قرن): بسكون الراء، وغلط الجوهري في فتحها وفي نسبة أويس
القرني إليها، وإنما هو منسوب إلى قبيلة (٤).
وأصل القرن: الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير.
ثالثها :
هُذِهِ المواقيت الأربعة المذكورة في حديث ابن عباس، وابن عمر
ثابتة بالنص والإجماع(٥)، واختلف في ذات عرق لأهل العراق،
والجمهور عَلَى أنه من أجتهاد عمر(٦)، ولأصحابنا أضطراب في
تصحيحه(٧) كما أوضحته في كتب الفروع، وسنقف عليه إن شاء الله
في موضعه.
(١) مسلم (١٨/١١٨٣) كتاب: الحج، باب: مواقيت الحج والعمرة.
(٢) أبو داود (١٧٤٠)، والترمذي (٨٣٢). وقال: هذا حديث حسن، وقال الألباني في
(ضعيف أبي داود)) (٣٠٦): ضعيف.
(٣) سيأتي برقم (١٥٣١) كتاب: الحج، باب: ذات عرق لأهل العراق.
(٤) ((الصحاح)) ٦/ ٢١٨١، مادة: (قرن).
(٥) نقل الإجماع على ذلك ابن حزم في ((مراتب الإجماع)) ص ٧٥، وابن عبد البر في
((التمهيد)) ١٤٠/١٥.
(٦) انظر: ((التمهيد)) ١٤٠/١٥-١٤١، ((البيان)) ١٠٧/٤-١٠٨، ((المغني)) ٥٦/٥-٥٨.
(٧) انظر: ((المجموع)) ٢٠١/٧ -٢٠٢.

٦٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ستـ
٥٣ - باب مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَا سَأَلَهُ
١٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ
وَلَهُ . وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ
المُخْرِمُ؟ فَقَالَ: ((لَا يَلْبَسِ الْقَمِيصَ، وَلَا العِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْبُرْنُسَ،
وَلَا ثَوْبًّا مَسَّهُ الوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ،
وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ)). [٣٦٦، ١٥٤٢، ١٨٣٨، ١٨٤٢، ٥٧٩٤، ٥٨٠٣،
٥٨٠٥، ٥٨٠٦، ٥٨٤٧، ٥٨٥٢ - مسلم: ١١٧٧ - فتح: ١/ ٢٣١]
حَدّثَنَا آدَمُ، ثنا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَل.
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ:
مَا يَلْبَسُ المُخْرِمُ؟ فَقَالَ: ((لَا يَلْبَسِ القَمِيصَ، وَلَا العِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ،
وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الثَّعْلَيْنِ
فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ)).
الكلام عليه من أوجه :
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري في اللباس عن عليّ (عن)(١) سفيان،
وفي الصلاة عن عاصم بن عليّ، عن ابن أبي ذئب، وفي الحج عن
أحمدبن يونس، عن إبراهيم، وأخرجه من طريق عبد الله بن دينار،
عن ابن عمر أيضًا(٢).
(١) في الأصل، (ج): ابن والصواب ما أثبتناه.
(٢) سيأتي برقم (٣٦٦) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في القميص والسراويل، وبرقم
(١٨٤٢) كتاب: جزاء الصيد، باب: لبس الخفين للمحرم، وبرقم (٥٨٠٦)
كتاب: اللباس، باب: العمائم، وبرقم (٥٨٤٧) كتاب: اللباس، باب: الثوب
المزعفر.

٦٧٧
كتاب العلم
ثانيها :
الزائد عَلَى السؤال في الحديث قوله: (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الَّعْلَيْنِ) إلى
آخره، وله تعلق به؛ فلذا ذکره عقبه.
ثالثها :
جوابه ◌َّليه مما لا يلبس، وإن كان السؤال عما يلبس من بديع الكلام
وجزله، فإن المسئول عنه غير منحصر، إذ الأصل الإباحة، وأجابه
بالمنحصر الذي كان من حق السؤال أن يقع به.
وأيضًا لو أجاب بما يلبس لتوهم المفهوم، وهو أن غير المحرم
لا يلبسه، فانتقل إلى ما لا يلبس لإزالة ذَلِكَ، عَلَى أن سفيان رواه
مرة عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قَالَ: سأل رجل رسول الله وَله
ما يترك المحرم من الثياب؟ فقال .. الحديث، رواه أحمد في ((مسنده))
وأبو داود والدار قطني في ((سننهما)) فجاء عَلَى الأصل(١).
رابعها :
الإجماع قائم عَلَى أن ما ذكر لا يلبسه المحرم (٢)، وعداه القياسيون
إلى ما رأوه في معناه، وأنه ◌َّ نبه بكل واحد من المذكورات عَلَى ما في
معناه.
فنبه بالقميص والسراويل عَلَى كل مخيط أو مُحيط معمول عَلَى قدر
البدن أو عضو منه كالجوشن والتبان وغيرهما.
ونبه بالعمائم والبرانس عَلَى كل ساتر للرأس مخيطا كان أو غيره،
(١) ((سنن أبي داود)) (١٨٢٣)، وأحمد ٤/٢، ((سنن الدارقطني)) ٢٣٢/٢ (٦٨).
(٢) نقل الإجماع على ذلك ابن حزم في ((مراتب الإجماع)) ص٧٦، وابن عبد البر في
((التمهيد)) ١٥/ ١٠٣.

٦٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وبالخفاف عَلَى كل ساتر للرجل، ونبه بالزعفران والورس عَلَى كل
طيب، والورس: نبت أصفر تصبغ به الثياب معروف.
خامسها :
جاء قطع الخفين لفاقد النعلين، وفي حديث ابن عباس(١) وجابر(٢)
لم يذكر القطع، وبه أخذ الإمام أحمد(٣)، وخالف الثلاثة
(والجمهور)(٤) وحملوا المطلق عَلَى المقيد(٥)، ومن الغريب إعلال
(١) سيأتي برقم (١٨٤١) كتاب: جزاء الصيد، باب: لبس الخفين للمحرم، ورواه
مسلم (١١٧٨) كتاب: الحج، باب: بيان ما يباح للمحرم بحج أو عمرة ...
(٢) رواه مسلم (١١٧٩) كتاب: الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة ...
(٣) انظر: ((المغني)) ١٢٠/٥- ١٢١، ((الممتع)) ٣٥٠/٢ - ٣٥١، ((المبدع» ١٤٢/٣-
١٤٣، ((كشاف القناع)) ٤٢٦/٢ - ٤٢٧. قال الخطابي في ((معالم السنن)) ١٥٢/٢:
وأنا أتعجب من أحمد في هذا، فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقَلَّتْ سنة لم
تبلغه.اهـ
قال ابن مفلح في ((المبدع)) ١٤٣/٣ : قال المروزي: احتججت على أبي عبد الله
بحديث ابن عمر، وقلت: هو زيادة في الخبر، فقال: هذا حديث وذاك حديث.
فقد أطلع على السنة، وإنما نظر نظر المتبحرين الذين أمدهم الله بعونه، مع أن
خبرنا فيه زيادة حكم، وهو جواز اللبس بلا قطع؛ لأن هذا الحكم لم يشرع
بالسنة، قاله الشيخ تقي الدين.اهـ
(٤) من (ف) وانظر قول الجمهور في: ((مختصر الطحاوي)) ص٦٩، ((الهداية))
١٤٩/١ -١٥٠، ((عيون المجالس)) ٧٩٩/٢-٧٨٠، ((المنتقى)) ١٩٦/٢،
((المجموع)) ٢٨٧/٧. قال ابن قدامة في ((المغني)) ١٢٢/٥: والأولى قطعهما
عملًا بالحديث الصحيح، وخروجًا من الخلاف وأخذًا بالاحتياط.اهـ
(٥) قال ابن القيم رحمه الله في ((تهذيب سنن أبي داود)) ٣٤٧/٢ - ٣٤٨:
فإن قيل: فحديث ابن عمر مقيد، وحديث ابن عباس مطلق، والحكم والسبب
واحد، وفي مثل هذا يتعين حمل المطلق على المقيد، وقد أمر في حديث ابن عمر
بالقطع؟
فالجواب من وجهين:

٦٧٩
كتاب العلم
أحدهما: أن قوله في حديث ابن عمر: ((وليقطعهما)» قد قيل: إنه مدرج من كلام
=
نافع. قال صاحب ((المغني)): كذلك روي في ((أمالي أبي القاسم بن بشران)) بإسناد
صحيح: أن نافعًا قال بعد روايته للحديث: ((وليقطع الخفين أسفل من الكعبین))،
والإدراج فيه محتمل؛ لأن الجملة الثانية يستقل الكلام الأول بدونها فالإدراج فيه
ممکن، فإذا جاء مصرحًا به أن نافعًا قاله زال الإشكال.
ويدل على صحة هذا أن ابن عمر كان يفتي بقطعهما للنساء، فأخبرته صفية بنت
أبي عبيد، عن عائشة أن رسول الله وَلجم رخص للمحرم أن يلبس الخفين
ولا يقطعهما، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع.
الجواب الثاني: أن الأمر بالقطع كان بالمدينة ورسول الله وَلؤ يخطب على المنبر،
فناداه رجل فقال: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فأجابه بذلك، وفيه الأمر بالقطع،
وحديث ابن عباس وجابر بعده، وعمرو بن دينار روى الحديثين معًا، ثم قال:
انظروا أيهما كان قبل. وهذا يدل على أنهم علموا نسخ الأمر بحديث ابن عباس.
وقال الدارقطني: قال أبو بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل؛ لأنه قال: نادى
رجل رسول الله و8َّ وهو في المسجد. فذكره، وابن عباس يقول: سمعت رسول
الله ◌َل و يخطب بعرفات.
فإن قيل: حديث ابن عباس رواه أيوب والثوري وابن عيينة وابن زيد وابن جريج،
وهشيم، كلهم عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، ولم يقل
أحد منهم ((بعرفات)) غير شعبة، ورواية الجماعة أولى من رواية الواحد.
قيل: هُذا عبث، فإن هذِه اللفظة متفق عليها في الصحيحين، وناهيك برواية شعبة
لها، وشعبة حفظها وغيره لم ينفها، بل هي في حكم جملة أخرى في الحديث
مستقلة، وليست تتضمن مخالفة للآخرين، ومثل هذا يقبل ولا يرد؛ ولهذا رواها
الشيخان.
وقد قال علي : قطع الخفين فساد، يلبسهما كما هما. وهذا مقتضى القياس،
فإن النبي ◌ّ سوى بين السراويل وبين الخف في لبس كل منهما عند عدم الإزار،
والنعل، ولم يأمر بفتق السراويل لا في حديث ابن عمر ولا في حديث ابن عباس
ولا غيرهما؛ ولهذا كان مذهب الأكثرين أنه يلبس السراويل بلا فتق عند عدم
الإزار فكذلك الخف يلبس ولا يقطع، ولا فرق بينهما. وأبو حنيفة طرد القياس =

٦٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ابن الجوزي حديث ابن عمر هذا بالوقف(١)، وصاحب ((المنتقى))
وغيره بالنسخ(٢)، وهو ضعيف جدًا، وسيأتي بسط الكلام عَلَى هذا
الحديث في بابه إن شاء الله وقدره(٣).
وقال: يفتق السراويل، حتى يصير كالإزار.
=
والجمهور قالوا: هذا خلاف النص؛ لأن النبي وَّم قال: ((السراويل لمن لم يجد
الإزار»، وإذا فتق لم يبق سراويل، ومن اشترط قطع الخف خالف القياس مع
مخالفته النص المطلق بالجواز.
ولا يسلم من مخالفة النص والقياس إلا من جوز لبسهما بلا قطع، أما القياس
فظاهر، وأما النص فما تقدم تقريره.اهـ
(١) ((التحقيق)) ٣٤٠/٥.
(٢) ((المنتقى من أخبار المصطفى)) لمجد الدين ابن تيمية ٢٤١/٢.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر الجزء الرابع من الجزء الثاني من تجزئة
المصنف.