Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
كتاب العلم
الإجماع على دخولهم الجنة، ويستدل بظاهر الأحاديث والآيات وبعض
الآثار، قَالَ تعالى: ( وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِم بِمَنٍ أَلْقْنَا) (١)
[الطور: ٢١] الآية.
وبعض المتكلمين يقف فيهم ولا يرى نصًا مقطوعًا به بكونهم فيها
ولم يثبت الإجماع (عندهم)(٢).
قُلْتُ: وما أبعده! فالصواب القطع بالإجماع.
الخامسة: سؤال النساء عن أمر دينهن، وجواز كلامهن مع الرجال
في ذَلِكَ وفيما تمس الحاجة إليه، وقد أخذ العلم عن أمهات المؤمنين
وعن غيرهن من نساء السلف.
(١) قرأها كذلك أبو عمرو، انظر: ((الحجة)) للفارسي ٢٢٤/٦، ((الكشف)) لمكي ٢/
٢٩٠.
(٢) ساقطة من (ج).

٥٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٣٦ - باب مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَرَاجَعَ حَتَّى يَعْرِفَهُ
١٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أبي
مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ - زَوْجَ النَّبِيِّ وََّ - كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَغْرِفُهُ إِلَّ رَاجْعَتْ فِيهِ
حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((مَنْ حُوسِبَ عُذَّبَ)). قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَوَ
لَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾﴾؟ [الانشقاق: ٨] قَالَتْ:
فَقَالَ: ((إِنَّمَا ذَلِكَ العَرْضُ، ولكن مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِك)). [٤٩٣٩، ٦٥٣٦،
٦٥٣٧ - مسلم: ٢٨٧٦ - فتح: ١٩٦/١]
حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أنا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنِي ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ
عَائِشَةَ - زَوْجَ النَّبِيِّ بَّهِ - كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ
حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ بَّرِ قَالَ: (مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ)). قَالَتْ عَائِشَةُ:
فَقُلْتُ: أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا
٨
قَالَتْ: فَقَالَ: ((إِنَّمَا ذَلِكَ العَرْضُ، ولكن مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِلْك)».
الكلام عليه من أوجه :
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع: هنا كما ترى، وفي
التفسير والرقاق عن عمرو بن علي، عن يحيى، عن عثمان بن
الأسود(١)، وفي الرقاق أيضًا عن عبيد الله بن موسى، عن عثمان بن
الأسود(٢)، وفي التفسير عن سليمان بن حرب، عن حماد، عن
أيوب(٣)، وقال عقب حديث عمرو بن علي: تابعه ابن جريج،
(١) سيأتي برقم (٤٩٣٩) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا
(٢) سيأتي برقم (٦٥٣٦) باب: من نوقش الحساب عذب.
(٣) سيأتي برقم (٤٩٣٩).

٥٠٣
= كتاب العلم
ومحمد بن سليم، وأيوب، وصالح بن رستم، عن ابن أبي ملكية:
سمعت عائشة(١).
وأخرجه مسلم في أواخر الكتاب عن أبي بكر، وابن حجر، عن ابن
عُلَية، عن أيوب، وعن أبي الربيع، وأبي كامل، عن حماد، عن أيوب،
وعن عبد الرحمن بن بشر، عن يحيى القطان، عن عثمان بن الأسود
كلاهما عن ابن أبي مليكة(٢).
وأخرجه في التفسير عن مسدد، عن يحيى(٣)، وفي الرقاق عن
إسحاق بن منصور، عن روح (٤).
وأخرجه مسلم أيضًا عن عبد الرحمن بن بشر، عن يحيى كلاهما
عن أبي يونس حاتم، عن ابن أبي ملكية، عن القاسم، عن عائشة،
زاد فيه القاسم: بينهما (٥).
ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف التعريف بهم.
فأما نافع (ع) فهو نافع بن عمر بن عبد الله بن جميل بن عامر (بن
خثيم بن سعيد بن عامر)(٦) بن حذيم بن سلامان بن ربيعة بن سعد بن
جمح القرشي الجمحي المكي، وهو ثبت حجة، مات سنة تسع
وستين ومائة(٧).
(١) سيأتي برقم (٦٥٣٦).
(٢) رواه برقم (٢٨٧٦) كتاب: الجنة وصفة نعيمها، باب: إثبات الحساب.
(٣) سيأتي برقم (٤٩٣٩).
(٤) سيأتي برقم (٦٥٣٧).
(٥) رواه مسلم (٢٨٧٦/ ٨٠).
(٦) كذا في الأصل، و(ج)، لكني لم أقف عليها في ترجمته.
(٧) قال أحمد: ثبتٌ ثبتٌ، صحيح الحديث، ووثقه يحيى بن معين، والنسائي، وأبو
حاتم، وقال ابن سعد: ثقة. انظر: ((الطبقات الكبرى)) ٤٩٤/٥. ((الجرح والتعديل)) =

٥٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وأما سعيد: فهو أبو محمد (ع) سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي
مريم الجمحي البصري.
سمع مالگا وغيره، وعنه البخاري هنا وغيره، وروى مسلم
والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه، وروى
البخاري في تفسير سورة الكهف عن محمد بن عبد الله عنه. قَالَ
الحاكم: يقال: إنه الذهلي محمد بن يحيى، وكان فقيهًا مصريًّا ثقة،
مات سنة أربع وعشرين ومائتين.
قَالَ أحمد بن عبد الله: كان لَهُ دهليز طويل، يأتيه الرجل يقف يسلم
عليه فيرد عليه: لا سلم الله عليك ولا حفظك. فأقول: ما لهذا؟ فيقول:
قدري. ويقول مثله لآخر، فأقول: ما لهذا؟ فيقول: رافضي خبيث.
لا یظن إلا ردَّ علیه سلامه.
وكان عاقلًا، لم أر بمصر أعقل منه. وأتاه رجل فسأله أن يحدثه
فامتنع، وسأله آخر فأجابه، فقال لَهُ الأول: سألتك فلم تجبني،
وسألك فأجبته؟ فقال: إن كنتَ تعرف الشيباني من السيناني، وأبا
جمرة من أبي حمزة، وكلاهما عن ابن عباس حدثناك(١).
= ٤٥٦/٨ (٢٠٨٨). ((تهذيب الكمال)) ٢٨٧/٢٩ (٦٣٦٧)، ((سير أعلام النبلاء)» ٧/
٤٣٣ - ٤٣٤ (١٦٣)، ((شذرات الذهب)) ٢٧٠/١.
(١) قال عنه الحسين بن الحسن الرازي: سألت أحمد بن حنبل، عمّن أكتب بمصر؟
فقال: عن ابن أبي مريم. وقال أبو داود: ابن أبي مريم عندي حجة. وقال أحمد بن
عبد الله العجلي: ثقة. وقال أبو سعيد بن يونس: ولد سنة أربع وأربعين ومائة،
ومات سنة أربع وعشرين ومائتين. انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٤٦٥/٣
(١٥٤٧). ((ثقات العجلي)) ٣٩٦/١ (٥٨١). ((الجرح والتعديل)) ١٣/٤ (٤٩).
((تهذيب الكمال)» ٣٩١/١٠ (٢٢٥٣)، ((سير أعلام النبلاء)) ٣٢٧/١٠ - ٣٣٠
(٨٠)، ((شذرات الذهب)) ٥٣/٢.

٥٠٥
كتاب العلم
ثالثها :
استدرك الدارقطني هذا الحديث عَلَى الشيخين وقال: اختلفت
الرواية فيه عن ابن أبي مليكة فروى عنه عن عائشة، وعنه عن القاسم
عنها (١).
والجواب أن هذا ليس علة لجواز أن يكون سمعه منها ومن القاسم
عنها.
رابعها :
قوله: (كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ): أنفرد به
البخاري عن مسلم، وفي بعض طرقه: ((ليس أحد يناقش الحساب يوم
القيامة إلا عذب))(٢). وذكره البخاري في التفسير بلفظ: ((إلا هلك))(٣)
قَالَ الهروي: أنتقشت منه حقي: استقضيته منه، ومنه نقش الشوكة
استخرجها (٤).
ومعنى الحديث: أنه مفض إلى استحقاق العذاب، إذ لا حسنة للعبد
يعملها إلا من عند الله وبفضله وإقداره لَهُ عليها وهدايته لها، وأن
الخالص من الأعمال قليل، ويؤيده قوله: ((يهلك)) مكان ((یعذب)).
ويحتمل كما قَالَ القاضي: أن نفس مناقشة الحساب يوم عرض
الذنوب والتوقيف عَلَى قبيح ما سلف له تعذيب وتوبيخ (٥). وسيأتي
إيضاح هذا الحديث في سورة الانشقاق من التفسير إن شاء الله تعالى.
(١) انظر: ((الإلزمات والتتبع)) ٣٤٨ - ٣٤٩ (١٩٠).
(٢) سيأتي برقم (٦٥٣٧).
(٣) سيأتي برقم (٤٩٣٩).
(٤) أنظر: ((غريب الحديث)) ١٢٤/١ - ١٢٥.
(٥) انظر: ((إكمال المعلم)) ٤٠٧/٨.

٥٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٧ - باب لِيُبَلِّغِ العِلْمَ الشّاهِدُ الغَائِبَ
قَالَهُ ابن عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ.
١٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ
أَبِ شُرَيْحِ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: آَتْذَنْ لِيٍ أَنَّهَا الأَمِيرُ
أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ بَّهَ الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَاي، وَوَعَاهُ قَلْبِي،
وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَاي حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ،
وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِإِمْرِئٍ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا
دَمًّا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فِيهَا،
فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ
نَهَارٍ ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ)).
فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحِ مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَّا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحَ، لَا يُعِيذُ عَاصِيًّا، وَلَا
فَارَّا بِدَم، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. [١٨٣٢، ٤٢٩٥ - مسلم ١٣٥٤ - فتح: ١٩٧/١]
١٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ،
عَنِ ابن أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ذُكِرَ النَّبِيُّ ◌َِّ قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَ الَكُمْ - قَالَ
مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِيُّهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ - عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا فِي شَهْرِكُمْ
هذا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ)). وَكَانَ يُحَمَّدٌ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللهِ وَّلِ كَانَ
ذَلِكَ ((أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟)) مَرَّتَيْنِ. [انظر: ٦٧ - مسلم ١٦٧٩ - فتح: ١/ ١٩٩]
حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ - هو ابن أبي
سَعِيد- عَنْ أَبِي شُرَيْحِ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى
مَكَّةَ: أَئْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ◌َّزَ الغَدَ مِنْ يَوْمِ
الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَاي، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَاي حِينَ تَكَلِّمَ بِهِ،
حَمِدَّ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا
النَّاسُ، فَلَا يَحِلَّ لإِمْرِئٍ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًّا،

٥٠٧
= كتاب العلم
وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فِيهَا، فَقُولُوا:
إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ تَهَارٍ ، ثُمَّ
عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلَّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ)). فَقِيلَ لأَبِي
شُرَيْحٍ: مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، لَا يُعِيذُ عَاصِيًا،
وَلَا فُّارًّا بِدَم، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ، يعني: السرقة.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، ثنا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ،
عَنِ ابنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ذُكِرَ النَّبِيُّ نَّهِ قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ
وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ - عَلَيْكُمْ حَرَامٌ
كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا فِي شَهْرِكُمْ هذا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ)).
وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللهِ وَّ كَانَ ذَلِكَ ((أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟)) مَرَّتَيْنِ.
الكلام عليهما من وجوه :
أحدها :
أما حديث ابن عباس فقد أسنده في كتاب: الحج في باب: الخطبة
أيام منى. عن علي بن عبد الله، عن يحيى بن سعيد، عن فضيل بن
غزوان، عن عكرمة، عنه مطولًا(١).
وأما حديث أبي شريح: فأخرجه هنا كما ترى، وفي الحج عن
قتيبة(٢). وفي المغازي عن سعيد بن شرحبيل(٣).
وأخرجه مسلم في الحج عن قتيبة، كلهم عن الليث، به (٤).
(١) سيأتي برقم (١٧٣٩).
(٢) سيأتي برقم (١٨٣٢) باب: لا يعضد شجر الحرم.
(٣) سيأتي برقم (٤٢٩٥) كتاب: المغازي.
(٤) مسلم (١٣٥٤) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها
ولقطتها، إلَّا لمنشد على الدوام.

٥٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وأخرجاه بمعناه من حديث ابن عباس، وأبي هريرة ﴾(١)، وأخرجه
في كتاب الحج -أعني: حديث أبي شريح- وفيه: (إن الحرم لا يعيذ))،
إلى آخره(٢) .
وفي حديث ابن إسحاق، عن أبي شريح، في أوله: لما كان الغد من
يوم الفتح عدت خزاعة عَلَى رجل من هذيل (فقتلوه)(٣) وهو مشرك، فقام
الَّ خطيبًا، فقال: ((إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي
حرام إلى يوم القيامة))، وفيه: ((لا تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي،
ولم تَحْلُلْ لي إلا هذِه الساعة غضبًا عَلَى أهلها ألا ثمَّ رجعت لحرمتها
بالأمس))، وفيه: (يا معشر خزاعة، أرفعوا أيديكم من القتل، فمن قتل
بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين))، وذكر الحديث(٤).
وأخرجاه من حديث أبي هريرة: أن خزاعة قتلوا قتيلاً من بني ليث
عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه. وفي رواية: بقتيل لهم في الجاهلية،
فأخبر بذلك رسول الله وب زر فركب راحلته، فخطب فقال: ((إن الله
حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم
تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ألا وإنها أحلت لي ساعة من
(١) حديث ابن عباس سيأتي برقم (١٣٤٩) كتاب: الجنائز، باب: الإذخر والحشيش
في القبر. من حديث ابن عباس، رواه مسلم (١٣٥٥) كتاب: الحج، باب: تحريم
مكة وصيدها، وحديث أبي هريرة سيأتي برقم (١٣٥٣) كتاب: الحج، باب:
تحریم مكة وصيدها.
(٢) سيأتي برقم (١٨٣٢) كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يعضد شجر الحرم.
(٣) في الأصل: قتلوه، والمثبت من (ج).
(٤) رواه أحمد ٣٢/٤، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٣٢٧/٣-٣٢٨ والطبراني
١٨٥/٢٢ - ١٨٦ (٤٨٥)، والبيهقي في ((الدلائل)) ٨٣/٥-٨٤.

٥٠
٩
= كتاب العلم
نهار، ألا وإنها ساعتي هذِه)) الحديث وسيأتي قريبًا (١).
وأما حديث أبي بكرة: فتقدم الكلام عليه في باب: رب مبلغ أوعى
من سامع(٢). ثمّ أعلم أنه وقع في البخاري فيه اضطراب من الرواة عن
الفربري.
قَالَ أبو علي الغساني: وقع في نسخة أبي ذر الهروي فيما قيده عن
الحموي وأبي الهيثم، عن الفربري، عن محمد، عن أبي بكرة فأسقط
ابن أبي بكرة، ورواه سائر رواة الفربري بإثبات ابن أبي بكرة بينهما،
ووقع الخلل فيه أيضًا في كتاب بدء الخلق والمغازي(٣)، وقال
أبو الحسن القابسي في نسخة أبي زيد: أيوب عن محمد بن أبي
بكرة، وفي نسخة الأصيلي: محمد عن أبي بكرة على الصواب.
وذكر الدارقطني في ((علله)) أن إسماعيل بن علية وعبد الوارث
روياه، عن أيوب، عن محمد، عن أبي بكرة(٤)، ورواه قرة بن خالد،
عن محمد بن سيرين قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن أبي بكرة ورجل
آخر أفضل منه(٥)، وسماه أبو عامر العقدي: حميد بن عبد الرحمن
(٦)
الحمیري " .
(١) سيأتي برقم (١١٢) باب: كتابة العلم، ورواه مسلم برقم (١٣٥٥) كتاب: الحج،
باب: تحریم مكة وصیدها.
(٢) سلف برقم (٦٧)، كتاب: العلم.
(٣) سيأتي في بدء الخلق برقم (٣١٩٧) باب: ما جاء في سبع أرضين، وسيأتي في
المغازي برقم (٤٤٠٦)، باب: حجة الوداع.
(٤) ((علل الدارقطني)) ١٥١/٧ -١٥٧.
(٥) سيأتي برقم (١٧٤١) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى، (٧٠٧٨) كتاب:
الفتن، باب: قول النبي ◌َّار: ((لا ترجعوا بعدي كفارًا)).
(٦) مسلم (١٦٧٩) كتاب: القسامة والمحاربين، باب: تغليظ تحريم الدماء
والأعراض والأموال.

٥١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
قَالَ الغساني: واتصال هذا الإسناد وصوابه: أن يكون عن محمد بن
سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه. وعن محمد بن سیرین،
أيضًا عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي بكرة (١).
الوجه الثاني: في الكلام عَلَى رجالهما غير من سلف.
أما حديث أبي شريح فسلف التعريف بهم، وأبو شريح خزاعي
عدوي كعبي، وفي أسمه أقوال وصلتها في ((شرح العمدة)) إلى
ستة(٢)، وأصحها كما قَالَ ابن عبد البر: خويلد(٣) بن عمرو بن
صخر بن عبد العزى بن معاوية بن المحترش(٤) بن عمرو بن
زمَّان(٥) بن عدي بن عمرو بن ربيعة. أسلم قبل الفتح وحمل لواء من
ألوية بني كعب بن خزاعة يومئذ. روى عن النبي وَل﴿ عشرين حديثًا،
أتفقا عَلَى حديثين، هذا أحدهما، والآخر: ((من كان يؤمن بالله
واليوم الآخر فليكرم جاره))(٦)، وانفرد البخاري بحديث: ((والله لا يؤمن
- ثلاثًا- من لا يأمن جاره بوائقه))(٧) روى عنه: نافع بن جبير وغيره.
(١) (تقييد المهمل))٥٦٩/٢-٥٧٢ بتصرف، وانظر في ذلك كتاب ((اختلاف رواة
البخاري عن الفربري)) لابن عبد الهادي ص٢١-٢٤.
(٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٦/ ٩٨ - ٩٩.
(٣) وقع في (ج): حرملة.
(٤) وقع في الأصل: المحتوش، والمثبت من كتب التراجم، انظر: ((تهذيب الكمال))
٣٣/ ٤٠٠ (٧٤٢٤).
(٥) ورد في ((أسد الغابة)) ١٥٢/٢، ((تهذيب التهذيب)) ٥٣٦/٤: ابن مازن.
(٦) سيأتي برقم (٦٠١٩) كتاب: الأدب، باب: من كان يؤمن بالله.
((صحيح مسلم)) (٤٨) كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من خصال الإيمان
أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير.
(٧) سيأتي برقم (٦٠١٦) كتاب: الأدب، باب: إثم من لا يأمن جاره بوائقه.

٥١١
كتاب العلم
قَالَ الواقدي: وكان من عقلاء أهل المدينة، وكان يقول: إِذَا
رأيتموني أبلغ من أنكحته أو نكحت إليه (السلطان)(١) فاعلموا أني
مجنون فاكووني، وإذا رأيتموني أمنع جاري أن يضع خشبة في
حائطي، فاعلموا أني مجنون فاكووني، ومن وجد لأبي شريح سمنًا
أو لبنّا أو جداية(٢) فهو لَهُ حل(٣).
مات سنة ثمان وستين بالمدينة، وقيل: سنة (ثمان) (٤) وخمسين،
حكاه العسكري(٥).
فائدة :
في الصحابة من يشترك معه في كنيته أثنان: أبو شريح هانئ بن يزيد
الحارثي(٦)، وأبو شريح راوي حديث: ((أعتى الناس عَلَى الله رَّت))(٧)
الحديث (٨).
(١) في (ج): للسلطان.
(٢) الْجَدَايةُ والجِدَايةُ: الذكر والأنثى من أولاد الظباء إذا بلغ ستة أشهر وسبعة وعدا
وتشدَّد، والجداية، بمنزلة العناق من الغنم.
انظر: ((الصحاح)) ٢٢٩٩/٦، و((لسان العرب)) ٥٨٣/١ مادة: [جدا].
(٣) ((الاستيعاب)) ٢٥٠/٤ - ٢٥١ (٣٠٦٣).
(٤) في الأصول: ثماني.
(٥) انظر ترجمته في: ((معجم الصحابة)) للبغوي ١٢١/٥ - ١٢٣، («أسد الغابة» ٢/
١٥٢ (١٥٠٠)، ((الإصابة)) ١٠١/٤ (٦١٣).
(٦) أنظر ترجمته في: ((معجم الصحابة)) لابن قانع ٢٠١/٣ (١١٧٩)، ((الاستيعاب))
٤/ ٢٥٠ (٣٠٦١)، («أسد الغابة)) ١٦٥/٦ (٥٩٩٨)، ((الإصابة)) ٥٦٩/٣ (٨٩٢٧).
(٧) أنظره في ((الاستيعاب)) ٢٥٠/٤ (٣٠٦٢)، («أسد الغابة)) ١٦٦/٦ (٥٩٩٩)،
((الإصابة)) ١٠٢/٤ (٦١٥). قال ابن حجر بعد أن ذكر أنه روى هذا الحديث:
وهذا من حديث أبي شريح الخزاعي.
(٨) رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٢٧٧/٧ (١١٧٢)، وأحمد ٣١/٤-٣٢، ٣٢.
والفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) ٣٩٧/١ -٣٩٨. وابن أبي عاصم في ((الآحاد =

٥١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قالوا: هو الخزاعي، وقالوا غيره، وفي الرواة أيضًا أبو شريح
المعافري(١) وآخر أخرج لَهُ ابن ماجه(٢).
وأما عمرو بن سعيد فهو: الأشدق، أرسل(٣). ووالده مختلف في
= والمثاني)» ٢٨٣/٤ (٢٣٠٣-٢٣٠٤) (٦٩٧)، والطبراني ٢٢ /١٩٠ - ١٩١،
والحاكم ٣٤٩/٤ كتاب: الحدود، والبيهقي ٢٦/٨ قال الحاكم: هذا حديث
صحيح الإسناد ولم يخرجاه، إلا أن يونس بن يزيد رواه عن الزهري، وقال
الذهبي: صحيح، لكن اختلف على الزهري فيه، وذكره الهيثمي في ((المجمع))
٧/ ١٧٤، وقال: هو في الصحيح غير قوله: ((أو بصر عينيه)) رواه أحمد والطبراني
ورجاله رجال الصحيح.
وقال الألباني في ((إرواء الغليل)) ٢٧٦/٧ - ٢٧٩ (٢٢٢٠): أخرجه أحمد والبيهقي
عن يونس عن الزهري عنه ورجاله ثقات رجال الشيخين غير مسلم بن يزيد وهو
مقبول عند ابن حجر.
(١) هو: عبد الرحمن بن شريح بن عبيد الله بن محمود المعافري أبو شريح
الإسكندراني، قال أحمد ویحیی بن معین والنسائي : ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس
به. وقال أبو سعيد بن يونس: توفي بالإسكندرية سنه سبع وستين ومئة، وكانت له
عبادة وفضل. وروى له الجماعة.
انظر: ترجمته في: (الطبقات الكبرى)) ٥١٦/٧، (التاريخ الكبير)) ٢٩٦/٥
(٩٦٦)، ((المعرفة والتاريخ)) ١٥٤/١، ((الجرح والتعديل)) ٢٤٣/٥ (١١٦١)،
(تهذيب الكمال)) ١٦٧/١٧ (٣٨٤٥).
(٢) هو: أبو شريح الذي روى عن أبي مسلم مولى زيد بن صوحان، وروى عنه قتادة،
ومحمد بن زيد العبدي قاضي مرو، وذكره ابن حبان في كتاب ((الثقات))، وقال ابن
حجر: مقبول من السادسة. أنظر ترجمته في: ((الثقات)) ٧/ ٦٦٠، ((تهذيب الكمال))
٤٠١/٣٣ (٧٤٢٥)، ((التقريب)» ص٦٤٨ (٨١٥٩).
(٣) هو عمرو بن سعيد بن العاص أبو أمية المدني، المعروف بالأشدق، وهو عمرو
الأصغر؛ لأن الأكبر عم أبيه. وعمرو هذا يقال: له رؤية من النبي وَّ. وقال
البخاري: كان غزا ابن الزبير ثم قتله عبد الملك بن مروان. وقال ابن حجر: وقد
أخطأ من زعم أن له رؤية؛ فإن أباه لا تصح له صحبة، بل يقال: إن له رؤية، وإن
النبي ◌َسي لما مات كان له نحو ثماني سنين. وقال أبو حاتم: ليست له صحبة . =

٥١٣
= كتاب العلم
صحبته، وترجمته موضحة في شرحي للعمدة فراجعها منه(١).
وأما حديث أبي بكرة فسلف التعريف برجاله خلا عبد الله بن
عبد الوهاب (خ، س) وهو أبو محمد الحجبي البصري، روى عن
مالك، وأبي عوانة. وعنه البخاري منفردًا به، وروى النسائي عن رجل
عنه، ولم يخرِّج لَهُ مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وهو
ثقة ثبت، مات سنة ثمانٍ وعشرين ومائتين(٢).
الوجه الثالث: في فوائدها :
أما حديث ابن عباس فسيأتي إن شاء الله في موضعه. وأما حديث
أبي بكرة فسلف الكلام عليه فيما مضى.
وأما حديث أبي شريح فالكلام عليه من وجوه:
أحدها :
البعوث: جمع بعث بمعنى: المبعوث، وهو من باب تسمية
المفعول بالمصدر، والمراد بالبعوث: القوم المرسلون للقتال ونحوه.
= روى عن النبي ◌َّل مرسلًا، وعن أبيه وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وعنه: أولاده
ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم. قال أبو سعيد بن يونس: قتل سنة سبعين،
وذلك ما رجحه ابن حجر.
انظر ترجمته في ((الطبقات الكبرى)) ٢٣٧/٥، ((التاريخ الكبير)) ٣٣٨/٦ (٢٥٧٠)،
((الجرح والتعديل)) ٢٣٦/٦ (١٣٠٨)، («تهذيب التهذيب)) ٢٧٢/٣.
(١) ((الإعلام بفوائد الأحكام)) ٦/ ١٠٠-١٠١.
(٢) هو أبو محمد الحَجَبي، وعند ابن سعد الجُحَني، وذكره البخاري في ((تاريخه
الكبير)) ١٤١/٥ (٤٢٥) وقال: الجمحِي. وثقه يحيى بن معين وأبو داود، وقال أبو
حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن حجر: ثقة من العاشرة.
انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٣٠٧/٧، ((الثقات)) ٣٥٣/٨،
و(تهذيب الكمال)) ٢٤٦/١٥ (٣٤٠٠)، ((التقريب)» ص ٣١٢ (٣٤٤٩).

٥١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ويعني بها : الجيوش التي وجهها يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن الزبير،
وذاك أنه لما توفي معاوية وجه يزيد إلى عبد الله يستدعي منه بيعته، فخرج
إلى مكة ممتنعًا من بيعته، فغضب يزيد وأرسل إلى مكة يأمر واليها
يحيى بن حكيم بأخذٍ بيعة عبد الله، فبایعه، وأرسل إلى يزيد ببيعته،
فقال: لا أقبل حتَّى يؤتى به في وثاق، فأبى ابن الزبير، وقال: أنا
عائذ بالبيت. فأبى يزيد وكتب إلى عمرو بن سعيد أن يوجه إليه جندًا،
فبعث هُذِه البعوث.
قَالَ ابن بطال: وابن الزبير عند علماء أهل السنة أولى بالخلافة من
يزيد وعبد الملك؛ لأنه بويع لابن الزبير قبل هؤلاء، وهو صاحب النبي
وَ لَه، وقد قَالَ مالك: إن ابن الزبير أولى من عبد الملك(١).
ثانیھا :
مكة سيأتي إن شاء الله في الحج بيان أسمائها مستوفاة، سميت بذلك
لقلة مائها، أو لأنها تمك الذنوب.
ومن أسمائها أيضًا بكة بالباء، وهي لغة فيها؛ لأنها تبك أعناق
الجبابرة أي: تدقها. والبك: الدق، أو لازدحام الناس ما يبك
بعضهم بعضا أي: يدفعه في زحمة الطواف.
وقال آخرون: إن مكة غير بكة، فقيل: الأولى الحرم كله، والثانية
المسجد خاصة. وقيل: الأولى البلد، والثانية البيت. قيل: وموضع
الطواف أيضًا (٢).
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٨٠/١.
(٢) ((معجم ما استعجم)) ٢٦٩/١، و((معجم البلدان)) ١٨٢/٥، و((تهذيب الأسماء)) ٣/
٣٩.

٥١٥
- كتاب العلم
ثالثها :
أصل (ائذن) آأذن بهمزتين همزة وصل وفاء الكلمة، فقلبت الثانية
ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فبقيت آئذن.
وقوله: (أيها الأمير)، الأصل يا أيها، فحذف حرف النداء.
رابعها :
فيه حسن التلطف في الإنكار، لاسيما مع الملوك فيما يخالف
مقصودهم، لأنه أدعى لقبولهم، لا سيما من عرف منهم بارتكاب هواه،
وأن الغلظة عليهم قد تكون سببًا لإثارة نفسه ومعاندته، فاستأذنه (في
ذلك)(١) لأجل ذَلِكَ في التحديث.
خامسها :
فيه النصيحة لولاة الأمور، وعدم الغش لهم والإغلاظ عليهم.
سادسها :
فيه تبليغ الدين ونشر العلم، وذكر ابن إسحاق في آخره أنه قَالَ لَهُ
عمرو بن سعيد: نحن أعلم بحرمتها منك. فقال لَهُ أبو شريح: إني
كنتُ شاهدًا وكنتَ غائبًا، وقد أمرنا رسول الله بَّهو أن يبلغ شاهدنا
لغائبنا، وقد أبلغتك، فأنت وشأنك(٢).
قَالَ ابن بطال: كل من خاطبه الشارع بالعلم فتبليغه عليه متعين،
وأما من بعدهم ففرض كفاية.
وقال ابن العربي: التبليغ عنه فرض كفاية، وقد كان الكلئه إِذَا نزل
عليه الوحي والحكم لا يبوح به في الناس، لكن يخبر به من حضره،
(١) من (ج).
(٢) ذكره ابن هشام في ((سيرته)) ٤/ ٣٥ عن ابن إسحاق.

٥١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ثَمَّ عليهم التبليغ إلى من وراءهم قومًا بعد قوم، فالتبليغ فرض كفاية،
والإصغاء فرض عين، والوعي والحفظ يترادان(١) عَلَى معنى
ما يستمع، فإن كان مما يخصه تعين عليه، وإن كان يتعلق به وبغيره،
أو بغيره، فالعمل فرض عين والتبليغ فرض كفاية(٢).
وذلك عند الحاجة إليه ولا يلزمه أن يقوله ابتداءً ولا بعضه، فقد كان
قوم يكثرون الحديث فحبسهم عمر حتَّى مات وهم في سجنه(٣).
(١) كذا بالأصل، وفي ((عارضة الأحوذي)): يتركبان.
(٢) ((عارضة الأحوذي)) ١٢٥/١٠.
(٣) هذا الأثر رواه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) ص٥٥٣ (٧٤٥) عن أبي
عبد الله بن البري، عن عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، عن معن بن
عيسى، عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن إدريس، عن شعبة بن الحجاج، عن
سعد بن إبراهيم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب حبس بعض أصحاب النبي ◌َّ فيهم
ابن مسعود وأبو الدرداء، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله وَله.
قال أبو عبد الله بن البري: يعني منعهم الحديث، ولم يكن لعمر حبس. ورواه أيضًا
الطبراني في «الأوسط)» ٣٧٨/٣ (٣٤٤٩) وقال: لم يحدث به إلا إسحاق بن
موسى الأنصاري.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٤٩/١: رواه الطبراني في ((الأوسط)) وهذا أثر
منقطع، وإبراهيم ولد سنة عشرين ولم يدرك من حياة عمر إلا ثلاث سنين، وابن
مسعود کان بالكوفة، ولا يصح هذا عن عمر.
- ولقد ناقش ابن حزم هذا الخبر ورده حيث قال في ((الإِحكام في أصول الأحكام)»
١٣٩/٢: هذا مرسل ومشكوك فيه ولا يجوز الاحتجاج به، ثم هو في نفسه ظاهر
الكذب والتوليد؛ لأنه لا يخلو عمر من أن يكون آتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه،
أو يكون نهى عن نفس الحديث، وعن تبليغ سنن رسول الله ويشير إلى المسلمين،
وألزمهم كتمانها وجحدها وأن لا يذكروها لأحد، فهذا خروج عن الإسلام، وقد
أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، ولئن كان سائر الصحابة متهمين بالكذب على
النبي ◌َّي فما عمر إلا واحد منهم، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلا، ولئن كان
حبسهم وهم غير متهمين لقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه =

٥١٧
كتاب العلم
سابعها :
يوم الفتح هو: فتح مكة، وكان في عشرين رمضان في السنة الثامنة
.(١)
من الهجرة(١).
ثامنها :
قوله: (سَمِعَتْهُ أُذُنَاي) إلى آخره. هو إشارة منه إلى مبالغته في حفظه
من جميع الوجوه، ففي قوله: (سَمِعَتْهُ أُذُنَاي). نفى أن يكون سمعه من
غيره، كما جاء في حديث النعمان بن بشير: وأهوى النعمان بأصبعيه إلى
أذنيه (٢) .
(وَوَعَاهُ قَلْبِي): تحقيق لفهمه والتثبت في تعقل معناه.
(وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَاى حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ)، زيادة في
تحقيق السماع والفهم عنه بالقرب منه والرؤية، وأن سماعه منه ليس
اعتمادًا عَلَى الصوت دون حجاب، بل بالرؤية والمشاهدة.
والهاء، في قوله: (تكلم به) عائدة عَلَى قوله: (أحدثك قولًا).
تاسعها :
يؤخذ من قوله: (وَوَعَاهُ قَلْبِي). أن العقل محله القلب لا الدماغ،
الروايات الملعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء، ولا بد له من أحدهما .. ثم قال:
=
وقد حدث عمر بحدیث کثیر، فإنه قد روی خمسمائة حديث ونيفا على قرب موته
من موت النبي وَلّر، فهو كثير الرواية، وليس في الصحابة أكثر رواية منه إلا بضعة
عشر منهم.
(١) ورد في هامش الأصل: اختلف في تاريخ الفتح ...
(٢) سبق حديثه برقم (٥٢) كتاب: الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه، واللفظة هذِه
رواها مسلم برقم (١٥٩٩) كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات،
وابن ماجه (٣٩٨٤).

٥١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وهو قول الجمهور(١).
لأنه لو كان محله الدماغ لقال : ووعاه رأسي. وفي المسألة قول
ثالث: أنه مشترك بينهما.
عاشرها :
قوله: (حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ): يؤخذ منه استحباب الحمد والثناء بين
يدي تعليم العلم وتبيين الأحكام، وقد يؤخذ منه وجوب الحمد والثناء
عَلَى الله تعالى في الخطبة(٢).
(١) قال القرطبي في ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٢/ ٧٧ في معرض حديثه عن قوله
تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦] أضاف العقل إلى القلب؛ لأنه
محله، كما أن السمع محله الأذن. وقد قيل: إن العقل محله الدماغ؛ وروي عن
أبي حنيفة، وما أراها عنه صحيحة.
وانظر: ((زاد المسير)) لابن الجوزي ٨/ ٢٢. وكتاب (ذم الهوى)) ص٥ حيث يقول
فيه :
أكثر أصحابنا يقولون: محله القلب. وهو مروي عن الشافعي رحمه الله، ودليلهم
قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾، وقوله: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ
لَهُ قَلْبُ﴾ [ق: ٣٧] قالوا: المراد: لمن كان له عقل فعبر بالقلب عن العقل؛ لأنه
محله.
ونقل الفضل بن زياد عن أحمد أن محله الدماغ، وهو اختيار أصحاب أبي حنيفة.
وذهب ابن القيم -رحمه الله- إلى أن شق صدر النبي وَيل والاعتناء بتطهير قلبه
وحشوه إيمانًا وحكمة دليل على أن محل العقل القلب. أنظر: ((بدائع الفوائد)) ٣/
٧٢١.
(٢) قال ابن القيم -رحمه الله- في ((زاد المعاد)) ١٨٦/١: وكان لا يخطُب خُطبة
إلا افتتحها بحمد الله. وأما قولُ كثير من الفقهاء: إنه يفتتح خطبة الاستسقاء
بالاستغفار، وخطبة العيدين بالتكبير، فليس معهم فيه سنة عن النبي وَّ البتة،
وسنته تقتضي خلافه، وهو افتتاحُ جميع الخطب بـ((الحمد لله))، وهو أحد الوجوه
الثلاثة لأصحاب أحمد، وهو اختيار شيخنا قدَّس الله سِرَّه.

٥١٩
- كتاب العلم
الحادي عشر:
يؤخذ منه أيضًا الخطبة للأمور المهمة والأحكام العامة.
الثاني عشر:
قوله: ( (إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ)) ) معناه: تفهيم
المخاطبين تعظيم قدر مكة بتحريم الله تعالى إياها، ونفي ما يعتقده
(الجاهلون) (١) وغيرهم من أنهم يحرموا ويحللوا (٢) كما حرموا أشياء
من قبل أنفسهم، وأكد ذَلِكَ المعنى بقوله: ((وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ)).
فتحريمها ابتدائي من غير سبب يُعزى لأحد، لا مدخل فيه لا لنبي
ولا لعالم، ثمَّ بين التحريم بقوله: (فَلاَ يَحِلُّ لإِمْرِئٍ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًّا)) إلى آخره؛ لأن من آمن بالله لزمه طاعته،
ومن آمن باليوم الآخر لزمه القيام بما وجب عليه، واجتناب ما نهي
عنه مخلصًا خوف الحساب عليه.
الثالث عشر :
فيه أن التحريم والتحليل من عند الله تعالى لا مدخل لبشر فيه، وأن
الرجوع في كل حالة دنيوية وأخروية إلى الشرع، وأن ذَلِكَ لا يعرف
إلا منه فعلًا وقولًا وتقريرًا.
الرابع عشر:
فيه عظم مكة وشرفها، زادها الله شرفًا وتعظيمًا.
الخامس عشر:
يقال: أمرؤ، ومرء. وسمي يوم القيامة اليوم الآخر؛ لأنه لا ليل
(١) في الأصل: الجاهلية، والمثبت مناسب للسياق.
(٢) ورد في هامش الأصل: الجادة: يحرمون ويحللون.

٥٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
بعده، ولا يقال يوم إلا لما تقدمه ليل.
السادس عشر:
قَدْ يتوهم من قوله: ((واليوم الآخر)) أن فيه دلالة على أن الكفار
ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة(١)، وليس كذلك، بل هذا من خطاب
(١) قال النووي -رحمه الله- في ((المجموع)) ٥/٣ :
وأما الكافر الأصلي فاتفق أصحابنا في كتب الفروع على أنه لا يجب عليه الصلاة
والزكاة والصوم والحج وغيرها من فروع الإسلام.
فأما في كتب الأصول فقال جمهورهم: هو مخاطب بالفروع كما هو مخاطب
بأصل الإيمان، وقيل: لا يخاطب بالفروع. وقيل: يخاطب بالمنهي عنه كتحريم
الزنا والسرقة والخمر والربا وأشباهها دون المأمور به كالصلاة.
والصحيح الأول، وليس هو مخالفا لقولهم في الفروع؛ لأن المراد هنا غير المراد
هناك، فمرادهم في كتب الفروع أنهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم، وإذا
أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي، ولم يتعرضوا لعقوبة الآخرة، ومرادهم في
كتب الأصول أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر، فيعذبون
عليها وعلى الكفر جميعا لا على الكفر وحده، ولم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا
فذكروا في الأصول حكم أحد الطرفين وفي الفروع حكم الطرف الآخر، والله
أعلم.
وهو ما ذهب إليه جمهور المالكية من أنهم مخاطبون بفروع الشريعة، ومعاقبون
على المخالفات في أحكام الشرائع، وهو قول الإمام أحمد في إحدى الروايتين
عنه، وذهب إليه العراقيون من أصحاب أبي حنيفة.
وإليه ذهب أكثر المعتزلة واحتجوا في ذلك بعموم من القرآن، كقوله تعالى: ﴿مَا
:[المدثر: ٤٢، ٤٣]. وأيضًا قوله
قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ
٤٢
سَلَڪَكُرْ فِ سَقَرَ
تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ [فصلت: ٦]
وقال أبو حنيفة وجماهير أصحابه، وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد: إنهم غير
مخاطبين، واحتجوا في ذلك بأن قالوا: لو وجبت الصلاة على الكافر مثلًا،
لوجبت إما في حال كفره، أو بعده، والأول: باطل؛ لامتناع الصلاة من الكافر
حال كفره، والثاني: أيضًا باطل؛ لاتفاقنا على أن الكافر إذا أسلم لا يؤمر بقضاء =