Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ = كتاب العلم وأما خالد بن خَلي: فهو: أبو القاسم الحمصي الكلاعي، أنفرد به البخاري (عن مسلم)(١) وهو قاضي حمص، صدوق، أخرج له هنا، وفي التعبير، روى عن بقية وطبقته، وعنه ابنه محمد، وأبو زرعة الدمشقي، وأخرج لَهُ من أهل السنن النسائي فقط(٢). وأما الحديث الذي رحل إليه جابر فهو في القصاص كما تقدم، وقد ذكره البخاري في كتاب: الرد عَلَى الجهمية (٣) آخر الكتاب، فقال: ويذكر عن جابر بن عبد الله، عن عبد الله بن أنيس: سمعت النبي وَ ﴾. يقول: ((يحشر (الله)(٤) العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان)»(٥) لم يزد البخاري عَلَى هذا، وقد ذكره كما ترى غير مجزوم به، وذكره هنا مجزومًا به، فكأنه جزم بالرحلة دون الحديث (وألا)(٦) يشكل عَلَى ما تقرر من تعليقات البخاري كما سلف في الفصول أول الكتاب، وقد رواه عبد الله بن عقيل عن جابر، وفيه أنه سمعه من عبد الله بن أنيس بالشام ولفظه: ((يُحْشَرُ العِبَادُ - أو النَّاسُ - عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا فيُنَادِيِهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَن بَعُدَ كما يَسْمعه مَنْ قَرُبَ: أَنَا المَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ، = (١٠٦٣)، ((الجرح والتعديل)) ٢٢٦/٥ (١٢٥٧)، ((تهذيب الكمال)» ٣٠٧/١٧- ٣٠٨ (٣٩١٨)، ((سير أعلام النبلاء)) ١٠٧/٧ - ١٣٤ (٤٨). (١) ساقطة من (ج). (٢) انظر ترجمته في ((التاريخ الكبير) ١٤٦/٣ (٤٩٨)، ((الجرح والتعديل» ٣٢٧/٣ (١٤٦٩)، ((الثقات)) لابن حبان ٢٢٥/٨، ((تهذيب الكمال)) ٥٠/٨-٥٣ (١٦٠٣)، ((سير أعلام النبلاء) ٦٤٠/١٠ - ٦٤١ (٢٢٤). (٣) سيأتي معك في ثنايا الكتاب (الرد على الجهمية) ويراد به (كتاب التوحيد) آخر الصحيح، وقوله (الرد على الجهمية) رواية صحيحة للمستلمي وأبي ذر. (٤) ساقطة من (ف). (٦) في (ج): ولا. (٥) سبق تخريجه. ٤٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى يقْتصه مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةُ)) قَالَ: وكَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي عُرَاةً غُرْلًا؟ قَالَ: ((بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ))(١). ومعنى: ((فيناديهم)) يأمر ملكا ينادي، أو يخلق صوتًا يسمعه الناس، وإلا فكلامه ليس بحرف ولا صوت(٢). وفي رواية أبي ذر: ((فينادى)) عَلَىْ ما لم يسم فاعله (٣). (١) رواه أحمد ٤٩٥/٣، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) ١٦٩/٧ - ١٧٠ (٧٦١)، وفي ((الأدب المفرد)» (٩٧٠)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٥١٤)، وفي ((الآحاد والمثاني)) ٧٩/٤ - ٨٠ (٢٠٣٤)، والطبراني في (الأوسط)) ٢٦٥/٨، ٢٦٦ (٨٥٩٣)، والحاكم ٢/ ٤٣٧ وصحح إسناده، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) ١٩٦/١ - ١٩٧ (١٣١)، ٢٩/٢ (٦٠٠)، والخطيب فى ((الرحلة في طلب الحديث)) ص١٠٩ - ١١٨ (٣١- ٣٣)، وفي ((الجامع لأخلاق الراوي)) ٢٢٥/٢- ٢٢٦ (١٦٨٦)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) ٣٨٩/١ - ٣٩٠ (٥٦٥)، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٣٩٣/٢٣، ٣٩٤، قال الهيثمي في ((المجمع)) ١/ ١٣٣: عبد الله بن محمد ضعيف -يعني: ابن عقيل. قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) ١/ ١٧٤: إسناده صالح. وحسنه الألباني في ((الأدب المفرد)) (٩٧٠). (٢) قلت: هذا الكلام من مذهب الأشاعرة المخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة في الصفات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((الرسالة البعلبكية)) ص١٧٤ قوله: ﴿وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَآَ مُوسَى لِمِيقَلِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقوله: ﴿وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ اٌلْكُورِ آلْأَيْمَنِ وَقَرَّيْنَهُ فِيََّ [مريم: ٥٢] وقوله: ﴿فَلَمَّا أَنَهَا نُورِىَ يَمُوسَى (١) إِّ أَنَا رَبُّكَ فَأَخْلَعَ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِأَلْوَادِ اُلْمُقَدَّسِ طَوِّى ﴾ وَأَنَا أَخْتَرْتُكَ فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوَى (٣)﴾ [طه ١١ - ١٣]. الآيات دليلٌ على تكليم سمعهُ موسى والمعنى المجرد لا يُسمع بالضرورة، ومن قال إنه يسمع فهو مکابر. ودليل على أنه ناداه، والنداء لا يكون إلا صوتًا مسموعًا، لا يعقل في لغة العرب لفظ النداء لغير صوت مسموع لا حقيقة ولا مجازًا. اهـ (٣) هكذا ذكر المصنف، ولم تُذْكر هذه الرواية في ((اليونينية)) ١٤١/٩. ٤٠٣ - كتاب العلم (ومعنى: (غُرلا)) غير مختونين و((بهما)): أصحاء)(١). وهذا الطريق الذي سقناه أخرجه الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)(٢) وغيره. ورواه الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب ((الرحلة))(٣) من (حديثه)(٤) عنه قَالَ: قدمت عَلَى أنيس مصر، ورواه كذلك من طريق أبي جارود العبسي عن جابر وهي ضعيفة(٥). وذكر ابن يونس أيضًا قدومه إلى مصر في حديث القصاص، لكن لعقبة بن عامر، فيحتمل تعدد الواقعة، ووقع في كتاب ابن بطال أن الحديث الذي رحل بسببه جابر إلى عبد الله بن أنيس هو حديث الستر عَلَى المسلم(٦)، وليس كذلك، فذاك رحل فيه أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر. أخرجه الحاكم بإسناده، وأنه لما أتى إلى عقبة قَالَ: ما جاء بك؟ قَالَ: حديث لم يبق أحد سمعه من رسول الله وَّل غيري وغيرك، في ستر المؤمن؛ فقال عقبة: نعم، سمعت رسول الله وَالله يقول: ((مَنْ سَتَر مُؤمنًا في الدُّنيا عَلَى خزية سَتَّرَهُ الله يومَ القيامة)) فقال أبو أيوب: صدقتَ، ثمَّ أنصرف أبو أيوب إلى راحلته، فركبها راجعًا إلى المدينة(٧). (١) ساقطة من (ج). (٢) كما في ((بغية الباحث)) ص٣٢ (٣٩) باب: الرحلة في طلب العلم. قلت: إسناده ضعيف جدًّا: فيه الواقدي شيخ الحارث قال عنه الحافظ ابن حجر في ((التقريب)) (٦١٧٥): متروك مع سعة علمه. (٣) في هامش (س): رحلة جابر إلى الشام، أخرجها الإمام أحمد في ((المسند)) وقال: حدثنا يزيد بن هارون، أنا عمار بن يحيى ... [باقي الكلام غير واضح بالأصل). في (ف): حدیث. (٤) (٥) ((الرحلة في طلب الحديث)) ص١٠٩ - ١١٨ (٣١ - ٣٣). (٦) ((شرح ابن بطال)) ١٥٩/١. ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم ص٧-٨. (٧) ٤٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - فائدة : رحل جماعات إلى حديث واحد من أماكن شاسعة. قَالَ عمرو بن أبي سلمة للأوزاعي: أنا ألزمك منذ أربعة أيام ولم أسمع منك إلا ثلاثين حديثًا. فقال: وتستقل ثلاثين حديثًا في أربعة أيام؟! لقد سار جابر إلى مصر واشترى راحلة يركبها حتَّى سأل عقبة عن حديث واحد وانصرف، وهذا قَدْ قدمناه. وعن مالك أن رجلًا خرج إلى مسلمة بن مخلد بمصر في حديث سمعه(١). وعن ابن بريدة، أن رجلًا من الصحابة رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر في حديث سمعه. وعن سعيد بن المسيب: لقد كنت أسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد. ورحل عُبيد الله بن عدي بن الخيار إلى عليّ بن أبي طالب بالعراق لحديثٍ واحدٍ، وأبو عثمان النهدي من العراق إلى المدينة في حديثٍ واحدٍ عن أبي هريرة، وابن الديلمي رَحَلَ من فلسطين إلى عبد الله بن عمرو بالطائف لحديثٍ واحدٍ، وأبو معشر من الكوفة إلى البصرة الحديث واحد بَلَغَه عن أبان بن أبي عياش، وشُعبة من البصرة إلى مكة - شرَّفها الله تعالى- ولم يرد الحج لحديث واحد، وعلي بن المبارك من مَرو إلى هارون بن المغيرة بالبصرة لحديث واحد، (١) رواه أحمد ١٠٤/٤، والطبراني في ((الكبير)) ١٩/ (١٠٦٧)، وفي («الأوسط)) ٦/ ٧٢ (٥٨٢٧)، وفي ((مسند الشاميين)) ٣٤١/٤ (٣٥٠٢)، قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٣٤/١ رجال ((الكبير)) رجال الصحيح. تنبيه: والرجل الذي رحل إلى مسلمة بن مخلد كما ذكر في الحديث هو: عقبة بن عامر. ٤٠٥ - كتاب العلم وزيد بن الحباب رحل من البصرة إلى المدينة في حديث واحد، ومن المدينة إلى موسى بن علي بمصر، وصالح بن محمد جزرة رحل إلى خراسان بسبب حديث عن الأعمش(١). فائدة أخرى: ذكر البخاري قريبًا الرحلة في المسألة النازلة وذكر فيه حديث المرضعة(٢) ومن الدليل على الرحلة أيضًا قوله وَله: ((من سلك طريقًا يطلب به علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة))(٣) الحديث بطوله. وقوله وَله: ((إنَّ الناسَ لكم تَبَعٌ وإنَّ رجالًا يأتونَكم مِنْ أقطارِ الأرضِ يَتَفقهون في الدين، فإذا أتوکم فاسْتوصوا بهم خیرًا) أخرجه الترمذي، وفيه: ((رجال مِنْ قِیل المشرق يتعلمون، فإذا جاءوكم فاسْتَوصوا بهم خَيْرا)) قَالَ: وكان أبو سعيد إِذَا رآنا يقول: مرحبًا بوصية رسول الله وَّةَ(٤). وقال الشعبي: لو أن رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقْصَی الیمن، فحفظ كلمةً تنفعه فيما بقي من عمره، لم أر سفره يضيع(٥). وقيل في قوله تعالى حكاية عن موسى وَله: ﴿أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠] جمع حقب وهو ثمانون سنة. (١) انظر في ذلك: ((المحدث الفاصل بين الراوي والواعي)) ص٢٢٩ - ٢٣٣. ((الرحلة في طلب الحديث)) ص١٠٩-١٦٥ (٣١ - ٦٦). ((جامع بيان العلم)) ٣٨٨/١ - ٤٠٠ (٥٦٣ - ٥٧٨). (٢) سيأتي برقم (٨٨). (٣) سبق تخريجه. (٤) رواه الترمذي (٢٦٥٠)، وابن ماجه (٢٤٩)؛ وضعفه الألباني في ((ضعيف ابن ما جه)) (٥٠). (٥) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٣١٣/٤. ٤٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٠ - باب فَضْلٍ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ ٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ نَِِّّ قَالَ: ((مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الهُدى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالْعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَتَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرِىُ، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءَ، وَلَا تُنْبِتُ كَلَّاً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدىُ اللهِ الذِي أُرْسِلْتُ بِهِ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ. قَاعٌ: يَغْلُوهُ المَاءُ، وَالصَّفْصَفُ: المسْتَوِي مِنَ الأَرَضِ. [مسلم: ٢٢٨٢ - فتح: ١ /١٧٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ ثَنَا حَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الهُدى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَقَتِ الكَّلاَ وَالْعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَتَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرِى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَّ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدى اللهِ الذِي أُرْسِلْتُ بِهِ)). قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ. قَاعٌ: يَعْلُوهُ المَاءُ، وَالمُصطَفُّ: (١) المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ. (١) في الأصل: وَالصَّفْصَفُ. وكذا باليونينية، وصوبها في الهامش إلى المصطف، وسيأتي تعليق المصنف على هذا الاختلاف. ٤٠٧ = كتاب العلم الكلام عليه من أوجه: أحدها : هذا الحديث أخرجه مسلم في الفضائل من حديث حماد أيضًا(١). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا شيخ البخاري وشيخ شيخه. أما شيخه فهو: محمد بن العلاء (ع)، أبو كريب الهمداني الكوفي. روى عنه: مسلم أيضًا والأربعة وغيرهم وهو صدوق لا بأس به، وهو مكثر. قَالَ أبو العباس بن سعيد: ظهر لَهُ بالكوفة ثلاثمائة ألف حديث، مات سنة ثمان وأربعين ومائتين(٢). وأما شيخ شيخه فهو: أبو أسامة، (ع) حمَّاد بن أسامة بن زيد الهاشمي القرشي الكوفي، مولى الحسن بن علي أو غيره. روى عن بريد وغيره، وأكثَرَ عن هشام بن عروة، لَهُ عنه ستمائة حديث. وعنه الشافعي وأحمد وغيرهما. وكان ثقة ثبتًا صدوقًا. رُوي عنه أنه قَالَ: كتبت بأصبعي هاتين مائة ألف حدیث. مات سنة إحدى ومائتين وهو ابن ثمانين سنة فيما قيل، وليس في الصحيحين من هو بهذِه الكنية سواه(٣). (١) رواه مسلم (٢٢٨٢) باب: بيان مثل ما بعث النبي ◌ٍّ من الهدى والعلم. (٢) أنظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٢٠٥/١ (٢٤٤). ((الجرح والتعديل)) ٥٢/٨ (٢٣٩). ((تهذيب الكمال)) ٢٤٣/٢٦ (٥٥٢٩)، ((سير أعلام النبلاء)) ٣٩٤/١١- ٣٩٨ (٨٦)، ((شذرات الذهب)) ١١٩/٢. (٣) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٢٨/٣ (١١٣). ((الجرح والتعديل)) ١٣٢/٣ (٦٠٠). ((تهذيب الكمال)) ٢١٧/٧ (١٤٧١). ((مقدمة فتح الباري)) ص٣٩٩. ٤٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- وفي النسائي: أبو أسامة الرقي النخعي زيد بن علي بن دينار صدوق(١). وليس في الكتب الستة من اشتهر بهُذِه الكنية سواهما. وبُريد -بضم أوله- وأبو بُردة، اسمه: عامر، عَلَى الأصح كما سلف. وأبو موسى أسمه: عبد الله بن قَيْس كما سلف كل ذَلِكَ في باب: أي الإسلام أفضل؟. ثالثها: قوله: (قَالَ إسحاق): كذا وقع في البخاري غير منسوب في غير ما موضع منه، وهو من المواضع المشكلة في البخاري، وهو يروي عن إسحاق جماعة، وقيل: إنه ابن راهويه. قَالَ أبو علي الجياني: روى البخاري عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وإسحاق بن إبراهيم السعدي، وإسحاق بن منصور الكَوْسَج، عن حمَّاد بن أسامة. وروى مسلم أيضًا عن إسحاق بن منصور الكوسج، عن حماد أيضًا هذا كلامه(٢). وإسحاق هذا لا يخرج عن أحد هؤلاء ويظهر أن يكون ابن راهويه؛ لإكثار البخاري عنه. وقد حكى الجيَّاني عن ابن السكن الحافظ أن ما كان في كتاب البخاري عن إسحاق غير منسوب، فهو ابن راهويه. رابعها : في ضبط ألفاظه ومعانيه : فـ ((الغيث)): المطر وغِيثت الأرض فهي مغيثة ومَغْيُوثة، يقال: غاث الغيث الأرض إِذَا أصابها، وغاث الله البلاد يغيثها غيئًا. (١) انظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ٥٦٩/١ (٢٥٧٩). ((الثقات)) لابن حبان ٨/ ٢٥١. (تهذيب الكمال)) ٩٩/١٠ (٢١٢٢). ((الكاشف)» ٤١٨/١ (١٧٥٠). (٢) ((تقييد المهمل)) ٣/ ٩٧٣ -٩٧٤. ٤٠٩ كتاب العلم = قوله: ((نَقِيَّةٌ)) هو -بنون مفتوحة ثمَّ قاف مکسورة ثمَّ یاء مثناة تحت- أي: طيبة كما جاء في رواية مسلم(١). ورواه الخطابي وغيره بثاء مثلثة، ثمَّ غين معجمة، ثمَّ باء موحدة. قَالَ: وهو: مستنقع الماء في الجبال والصخور(٢). قَالَ القاضي: وهو تصحيف ولم نّرْوه إلا ((نقية)) -بالنون(٣) - والذي ذكره الخطابي فيه قلب للمعنى؛ لأن الثغاب لا تنبت، وإنما يمكن حمله عَلَى الطائفة الثانية دون الأولى، وذكر بعضهم: ((بقعة)) بدل ذلك، والصحيح الأول وهو الرواية. وقوله: (قَبِلَتِ المَاءَ) هو بالموحدة بعد القاف (والْكَلاَ): مقصور مهموز، يقع عَلَى الرطب واليابس من النبات كما قاله الجوهري وغيره(٤)، ويطلق العشب والخلا عَلَى الرطب منه. وقال الخطابي(6) وابن فارس(٦): يقع الخلا عَلَى اليابس. وهو شاذ ضعيف، كما قاله النووي(٧). ويقال لليابس: الهشيم والحشيش. قَالَ الجوهري: ولا يطلق الحشيش عَلَى الرطب(٨). وهو ما نقله البطليوسي في ((أدب الكاتب)) عن الأصمعي، ونقل عن أبي حاتم إطلاقه عليه. (١) برقم (٢٢٨٢) كتاب: الفضائل، باب: مثل ما بعث النبي 38َّ من الهدى والعلم. (٢) ((أعلام الحديث)) ١٩٨/١. (٣) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٢٥٠. (٤) ((الصحاح)) ٦٩/١. و((لسان العرب)) ٣٩٠٩/٧. (٥) ((أعلام الحديث)) ٢١٥/١. (٦) ((مجمل اللغة)) ٢٩٨/١. (٧) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ٤٦/١٥. (٨) (الصحاح)» ١٠٠١/٣. ٤١٠ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح وقوله: ((أَجَادِبُ)): هو : -بالجيم والدال المهملة- جمع جدب عَلَى غير قياس، وقياسه أن يكون جمع أجدب كما قالوا في جمع حسن: محاسن، وقياسه أن يكون جمع محسن، وفيه رواية ثانية: أنها بالمعجمة، حكاها القاضي، والخطابي وقال: هي صلاب الأرض التي تمسك الماء(١). قَالَ القاضي: لم يرو هذا الحرف في مسلم وغيره إلا بالدال المهملة من الجدب الذي هو ضد الخِصَب. وعليه شرح الشارحون وصحفه، فقال بعضهم: أحارب - بالحاء والراء المهملتين(٢) - وليس بشيء كما قاله الخطابي. وقال بعضهم: أجارد -بالجيم والراء والدال- وهو صحيح المعنى إن ساعدته الرواية. قَالَ الأصمعي: الأجارد من الأرض: التي لا تنبت الكلأ، معناه: أنها جرداء بارزة لا يسترها النبات. وقال بعضهم: إنما هي أخاذات -بالخاء والذال المعجمتين سقط منها الألف- جمع أخاذة وهي: المساكات التي تمسك الماء كالغدران (٣). وقوله: (وَسَقَوْا) (يقال) (٤): سقى وأسقى بمعنى، وقيل: سقاه: ناوله (ليشرب)(٥) وأسقاه: جعل لَهُ سقيا. وقوله: (طَائِفَةً أُخْرى) أي: قطعة أخرى. (١) ((إكمال المعلم)) ٢٤٩/٧ - ٢٥٠. ((أعلام الحديث)) ١٩٨/١. (٢) لا حاجة إلى تقييد الراء بالإهمال، إذ لا نظير لها، كما يأتي تنبيه سبط بن العجمي على ذلك مرارًا. (٣) ذكره المازري في ((المعلم)) ٢/ ٣٠٠. (٤) في (ج): (يعني). (٥) في (ف): الشرب. ٤١١ = = كتاب العلم و((القيعان)) - بكسر القاف- جمع قاع وهي الأرض المستوية، وقيل: الملساء، وقيل: التي لا نبات فيها. ويجمع أيضًا عَلَى قوع وأقواع. والقيعة : -بكسر القاف- بمعنى القاع، والفقه: الفهم كما سلف. وقوله: (مَنْ فَقِهَ): ضم القاف فيه أشهر من كسرها، والوجهان مرویان. وقوله: (قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قِيَلَتِ المَاءَ) قيده الأصيلي: بالمثناة تحت. قَالَ: وهو تصحيف منه، وإنما هو بالباء الموحدة. وقال غيره: معناه: شربت القيل، وهو شرب نصف النهار، يقال: قيلت الإبل: إِذَا شربت نصف النهار. وقيل معناه: جمعت وحبست. قَالَ القاضي: ورواه سائر الرواة غير الأصيلي: قبلت(١). يعني: -بالموحدة- في الموضعين أول الحديث. وفي قول إسحاق، فعلى هذا إنما خالف إسحاق في لفظ (طائفة) جعلها مكان (نقية). قوله: (والمصطف): المستوي من الأرض، كذا وقع في نسخ والصواب (وَالصَّفْصَفُ): المستوي من الأرض وكذا ذكره البخاري في كتاب التفسير في سورة طه، وهذا إشارة إلى تفسير قوله تعالى: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦]. خامسها: هذا الحديث من بديع كلامه ووجيزه وبليغه بَّ في السَّبْر والتقسيم ورد الكلام بعضه عَلَى بعض، فإنه ذكر ثلاثة أمثلة ضربها في الأرض، اثنان منها محمودان، ثمَّ جاء بعده بما تضمنه ذَلِكَ فقال: ((فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللهِ) إلى آخره، فهو جامع لمراتب الفقهاء والمتفقهين، فالأول: مثل الأرض التي قبلت الماء وأنبتت الكلأ (١) ((إكمال المعلم)) ٢٤٩/٧. ٤١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == والعشب الكثير، فانتفعت بالري والتربي في نفسها، وانتفع الناس بالرعي بما أنبتت، فهذا كالذي فقه في نفسه، وكان قلبه نقيًّا من الشكوك، فعلم ما يحمله وعلمه الناس. والثاني: مثل الأرض التي أمسكت الماءَ، فانتفع الناس به فشربوا وسقوا وزرعوا، فهذا كالذي حمل علما وبلغه غيره، فانتفع به ذَلِكَ الغير. قَالَ القاضي: قوله: (وزرعوا) راجع إلى المثال الأول أيضًا؛ إذ ليس في المثال الثاني أنها أنبتت شيئًا (١). قُلْتُ: لكن المراد أنهم انتفعوا بالماء فزرعوا عليه، فلا حاجة إلى كونها أنبتت. والثالث: مثل الأرض السباخ التي لا تنبت كلاًّ ولا تمسك ماءً، فهذا كالذي سمع العلم فلم يحفظه ولم يعه، فلم ينتفع ولم ينفع غيره. (١) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٢٥٠. ٤١٣ كتاب العلم ٢١ - باب رَفْعِ العِلْمِ وَظُهُورِ الجَهْلِ وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أَنْ يُضَبِّعَ نَفْسَهُ. ٨٠ - حَذَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِ التَّيَّحِ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ: ((إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَعْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزُّنَا)). [٨١، ٥٢٣١، ٥٥٧٧، ٦٨٠٨ - مسلم ٢٦٧١ - فتح: ١٧٨/١] ٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ شُغْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لِأُحَدُثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّه يَقُولُ: ((مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزُّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ أَمْرَأَةَ القَيِّمُ الوَاحِدُ)). [انظر: ٨٠ - مسلم: ٢٦٧١ - فتح: ١٧٨/١] حدثنا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، ثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الَعِلْمُ، وَيَثْبُتَّ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا)). حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لأَخَّدٌثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَل يَقُولُ: ((مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ آمْرَأَةَ القَيِّمُ الوَاحِدُ)). الكلام عليه من أوجه: أحدها : ٤١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في العلم عن شيبان، عن عبد الوارث به(١)، وأخرج الثاني عن محمد بن المثنى وبندار، عن غندر، عن شعبة (به)(٢)، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر، [و](٢) عن أبي كريب، عن أبي أسامة (وعبدة)(٤)؛ كلهم عن شعبة به ولفظه: ((ويفشو الزنا ويذهب الرجال ويبقى النساء»(٥). وفي بعض طرق ((الصحيح)): ((ويكثر الجهل ويكثر الزنا)) وفي أخرئ: ((ویکثر شرب الخمر)»(٦). ثانيها: في التعريف برجاله: وقد سلف التعريف بهم خلا عمران بن ميسرة وأبا التياح، ويحيى هو ابن سعيد القطان. فأما أبو التياح فهو: بمثناة فوق ثمَّ مثناة تحت ثمَّ ألف ثمَّ حاء مهملة، واسمه يزيد بن حميد الضبعي من أَنْفَسِهم، وليس في الستة من يشترك معه في هذِه الكنية، وربما كني بأبي حماد، وهو ثقة ثبت صالح. وعنه ابن علية وغيره، مات سنة ثمانٍ وعشرين ومائة(٧). (١) برقم (٨/٢٦٧١) باب: رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان. (٢) ساقطة من (ج). (٣) زيادة يقتضيها السياق؛ لأن أبا كريب شيخ الإمام مسلم. (٤) في (ف): وعنه. (٥) رواه مسلم (٩/٢٦٧١) كتاب: العلم، باب: رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان. (٦) ستأتي برقم (٥٢٣١) كتاب: النكاح، باب: يقلُّ الرجال ويكثر النساء. (٧) هو الإمام الحجة أبو التياح يزيد بن حميد الضبعي البصري. حدث عن أنس بن مالك، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، ومطرف بن الشخير، وأبي عثمان النهدي، وحمران بن أبان، وغيرهم. وعنه: سعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وهمام، وحماد بن سلمة وغيرهم، وثقه أحمد ويحيى بن معين، والنسائي. = مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقيل: بل توفي سنة ثلاثين ومائة. ٤١٥ - كتاب العلم وأما عمران فهو: أبو الحسين المنقري البصري، روى عنه البخاري وأبو داود وأبو زرعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين(١). ثالثها : مناسبة قول ربيعة للتبويب في رفع العلم (أن من كان فيه فهم وقبول للعلم فلا يضيع نفسه بإهماله بل يقبل عليه ويهتم به، فإنه إِذَا لم يفعل ذَلِكَ أدى إلى رفع العلم)(٢)؛ لأن البليد لا يقبل العلم فهو عنه مرتفع، فلو لم تصرف الهمة إليه أدى إلى رفعه مطلقًا. ويحتمل أن المراد به أن العالم ينبغي له تعظيم العلم بأن لا يأتي أهل الدنيا؛ إجلالًا له، فإنه إِذَا أكثر منهم أداه ذَلِكَ إلى قلة الاشتغال والاهتمام به، ويحتمل معنى ثالثًا أن من هذا حاله لا يضيع نفسه بأن يجعله للأغراض الدنيوية، بل يقصد به الإخلاص؛ لتحصل له الثمرات الأخروية فيكون جامعًا للعلم والعمل به. رابعها : في ألفاظه ومعانيه : الأشراط: العلامات كما تقدم الكلام علیه في حدیث جبريل، = انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى))٢٣٨/٧، ((طبقات خليفة)) ص٢١٦، ((التاريخ الكبير)) ٣٢٦/٨ (٣١٨٨)، ((تهذيب الكمال)) ١٠٩/٣٢ - ١١٢ (٦٩٧٨)، («سير أعلام النبلاء)) ٢٥١/٥- ٢٥٢ (١١٥)، ((شذرات الذهب)) ١٧٥/١. (١) عمران بن ميسرة المنقري، أبو الحسن البصري الأدمي. روى عن: نجادة بن سلم، وحفص بن غياث، وعباد بن العوام، وعبد الله بن إدريس، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، وعبد الوارث بن سعيد. روى عنه، وأبو بكر محمد بن هانئ الأثرم، مات سنة ثلاث عشرين ومائتين. انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير» ٤٢٩/٦ (٢٨٨٣)، ((الجرح والتعديل)) ٣٠٦/٦ (١٦٩٩)، ((الثقات)) لابن حبان ٤٩٨/٨، ((تهذيب الكمال)) ٣٦٣/٢٢ - ٣٦٤ (٤٥٠٨)، ((الكاشف)» ٩٥/٢ (٤٢٧٨). (٢) ساقط من (ج). ٤١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == والشَّرَط أيضًا: رذال المال، والأشراط: (الأرذال)(١)؛ فعلى هذا يكون المعنى: ما ينكره الناس من صغار أمورها قبل قيامها. ونقل الجوهري، عن يعقوب أن الأشراط: الأشراف أيضًا(٢). فهو إذن من الأضداد. والمراد برفع العلم قبض أهله كما سيأتي قريبًا في باب: كيف يقبض العلم، وكذا قلته بموتهم لا بمحوه من الصدور، فيتخذ الناس عند ذَلِكَ رءوسًا جهالا يتحملون في دين الله برأيهم، ويفتون بجهلهم. قَالَ القاضي عياض: وقد وجد ذَلِكَ في زمننا كما أخبر وه لو فنسأل الله السلامة والعافية في القول والعمل(٣). قُلْتُ: فكيف لو أدرك زماننا؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقوله: (وَيَثْبُتَ الجَهْلُ) هو من الثبوت. قَالَ النووي: وكذا هو في أكثر نسخ مسلم(٤)، وفي بعضها: ((يبث)) بمثناة تحت في أوله ثمَّ باء موحدة ثمّ ثاء مثلثة أي: ينتشر. وقوله: (وَيُشْرَبَ الخَمْرُ) أي: يشرب شربًا فاشيًا كما جاء في رواية: ((ويكثر شرب الخمر))(٥). والزنا: يمد ويقصر، والأولى: لغة أهل نجد، والثانية: لغة أهل الحجاز وقوله: (لأُحَدِّثَنَّكُمْ) كذا في البخاري، وفي ((صحيح مسلم)): (١) في (ج): الأراذل. (٢) («الصحاح)» ١١٣٦/٣. (٣) ((إكمال المعلم)) ٨/ ١٦٧. (٤) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٦/ ٢٢١. (٥) سيأتي برقم (٥٢٣١) كتاب: النكاح، باب: يقل الرجال ويكثر النساء. ٤١٧ كتاب العلم ألا أحدثكم (١)، بـ (ألا) التي للاستفتاح. وفيه أيضًا: لا يحدثكموه(٢). ومراد أنس بذلك أن الصحابة انقرضوا ولم يبق من يحدث به غيره. ويمكن أن يكون قَالَ ذَلِكَ لما رأى من نقص العلم فوعظهم بما سمع من النبي وَّر في نقصه وأنه من أشراط الساعة؛ ليحثهم عَلَى طلبه. وقوله: (وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ) قلة الرجال بكثرة القتل وذلك عند فتح القسطنطينية وما شابهها من الملاحم، فتكثر النساء إذ ذاك ويكثر الفساد. و(القيم) والقيام: القائم بالأمر، أراد قبض المال فيكسب الإماء فيكون للرجل الواحد الإماء الكثيرة، أو بسبب قتل الرجال يكثر النساء (فيقل)(٣) من يقوم بمصالحهن، أو إِذَا قل الرجال وغلب الشبق عَلَى النساء يتبع الرجل الواحد ما ذكر من النساء، كل واحدة تقول: آنکحني. وهذا الحديث علم من أعلام نبوته وَير؛ حيث أخبر بقلة الرجال في آخر الزمان وكثرة النساء. (١) رواه مسلم برقم (٩/٢٦٧١) كتاب: العلم، باب: رفع العلم وقبضه. (٢) سيأتي برقم ٥٢٣١)، (٦٨٠٨) كتاب: الحدود، باب: إثم الزناة. ورواه مسلم (٩/٢٦٧١). (٣) في (ج): فيقتل. ٤١٨ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٢ - باب فَضْلِ العِلْمِ ٨٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابن عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَّبَنِ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرَِّّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَّرَ بْنَ الخَطَّابِ)). قَالُوا: فَمَا أَوَلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الْعِلْمَ)). [٣٦٨١، ٧٠٠٦، ٧٠٠٧، ٧٠٢٧، ٧٠٣٢ - مسلم: ٢٣٩١ - فتح: ١ / ١٨٠] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرِ ثنا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابن عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ لِ قَالَ: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّىٍ إِنِّي لأَرِى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِيَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ)). قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الْعِلْمَ)). الكلام عليه من أوجه: أحدها : الحديث أخرجه البخاري في التعبير عن يحيى بن بكير وعن قتيبة؛ كلهم(١) عن الليث، وعن عبدان وغيره من طرق(٢). وأخرجه مسلم في: فضائل عمر، عن قتيبة، عن ليث به، وعن غيره(٣). ثانيها : وجه مناسبة التبويب أنه عبر عن العلم بأنه فضلة النبي ◌َّ ر وناهيك به فضلًا، فإنه جزء من أجزاء النبوة. (١) بإضافة سعيد بن عفير، كما هنا، إليهم. (٢) سيأتي برقم (٧٠٠٦) باب: الحلم من الشيطان. (٣) رواه مسلم (٢٣٩١) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر. ٤١٩ = كتاب العلم ثالثها: في التعريف برواته: وقد سلفوا خلا حمزة وهو: أبو عمارة حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، تابعي سمع أباه وعائشة، وأمه أم ولد، وهي أم سالم وأم عبيد الله، وكان ثقة قليل الحديث(١). رابعها: قوله: (حَتَّى إِنِّي لأَرى الرِّيَّ) يحتمل أن يكون من باب النظر وبمعنى العلم فالري -بكسر الراء- يقال: روي من الماء والشراب -بكسر الواو-، ويَرْوى -بفتحها-، رِيًّا - بالكسر- في الاسم والمصدر، وحكى القاضي عن الداودي الفتح في المصدر(٢). وقال الجوهري: رِيًّا وريًّا، ورِوى مثل رِضى(٣). ومثله: رويت الأرض من المطر، وأما من الراوية فعكسه تقول: رويت الحديث أرويه رواية بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل، والرَّواء ما يروي من الماء إِذَا مددت فتحت الراء، وإذا كسرت قصرت. وقوله: (فِي أَظْفَارِي) كذا رواه هنا ورواه في التعبير: ((من أطرافي)) (٤) و((من أظافيري))(٥) والكل واحد، والتأويل: ما يؤول إليه الشيء، والتأويل: التعبير. خامسها: رؤية اللبن في النوم يدل عَلَى الفطرة والسنة والعلم والقرآن؛ لأنه أول شيء يناله المولود من طعام الدنيا وبه تقوم حياته (١) أنظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٢٠٣/٥. ((التاريخ الكبير» ٤٧/٣ (١٧٨). (معرفة الثقات)) للعجلي ٣٢٢/١ (٣٥٨). ((الجرح والتعديل)) ٢١٢/٣ (٩٣٠). ((تهذيب الكمال)» ٣٣٠/٧ - ٣٣٢ (١٥٠٧). (٢) ((مشارق الأنوار)) ٣٠٣/١. (٣) ((الصحاح)) ٦/ ٢٣٦٤. (٤) سيأتي برقم (٧٠٠٧) باب: إذا جرى اللبن في أطرافه أو أظافره. (٥) سيأتي برقم (٧٠٠٦). ٤٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = كما تقوم بالعلم حياة القلوب، فهو مناسب للعلم من هذِه الجهة، وقد يدل عَلَى الحياة وعلى الثواب؛ لأنه من نعيم الجنة إِذَا رأى نهرًا من لبن، وقد يدل عَلَى المال الحلال، وإنما أوله الشارع بالعلم في عمر؛ لعلمه بصحة فطرته ودينه والعلم زيادة في الفطرة.