Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١
كتاب العلم
ثانيها :
الخطاب في قوله تعالى: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]
للنبي وَّمَ، والمراد به غيره، ويجوز كما قَالَ الواحدي: أن يكون
المعنى: أقم عَلَى ذَلِكَ العلم واثبت عليه، ويجوز أن يكون متعلقًا بما
قبله عَلَى معنى: إِذَا جاءتهم الساعة فاعلم ذَلِكَ وأنه لا مُلْكَ لأحدٍ
إلا له (١).
وسئل سفيان بن عيينة عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله تعالى
حين بدأ بـ: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩]،
فأمر بالعمل بعد العلم (٢)، وقال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ
وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]، ثم قَالَ: ﴿فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]،
وقال تعالى: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]،
فالنظر الموصل إلى المعارف واجب وهو أول (الواجبات)(٣) ويكفي
(فيه)(٤) الاعتقاد الجازم وإن لم يعرف الأدلة عَلَى المختار.
ثالثها :
قوله: ( ((وإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَرَّثُوا العِلمَ فمَنْ أخذه أخَذَ بحظٍ
وافِرِ))) هذا حديث مطول أخرجه الترمذي من حديث مَحْمُود بْن خِدَاشٍ،
عن مُحَمَّد بْن يَزِيدَ الوَاسِطِيّ عن عَاصِمُ بْن رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ قَيْسٍ بْنِ
كَثِيرٍ عن أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾ أنَّ رَسُولَ اللهِ نَّه قال: ((مَنْ سَلَّكَ طَرِيقًا يطلبُ
فِيهِ عِلْمًا سَهَّل اللهُ له طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا
(١) ((تفسير الوسيط)) ٤/ ١٢٥.
(٢) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) ٢٨٥/٧.
(٣) في (ف): الواجب.
(٤) في (ج): به.
٣٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
◌ِطَالِبِ العِلْمِ رِضَاءً، وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ
حَتَّى الحِيتَانُ فِي المَاءِ، وَفَضْلُ العَالِم عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ
الكَوَاكِبِ، وإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا
وَلَا دِرْهَمَّا إِنَّمَا وَرَُّوا العِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظَّ وَافِرٍ)).
ثمَّ قَالَ: كذا حَدَّثَنَاه محمود، وَإِنَّمَا يُرْوىُ عَنْ عَاصِم، عَنْ دَاوُدَ
(ابن)(١) جَمِيلٍ، عَنْ كَثِيرٍ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَهُذا أَصَحُ
ولا يعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم، وليس إسناده عندي
بمتصل (٢).
وأما ابن حبان: فأخرجه في ((صحيحه)) من حديث عاصم عن داود
به(٣)، وقال في ((ضعفائه)): روي: ((العلماءُ ورثة الأنبياء)» بأسانيد
صالحة (٤). والتزم الحاكم صحته(٥). وحسنه حمزة مع الغرابة(٦). وأما
الدار قطني فضعفه(٧).
والحق: أن إسناده مضطرب وقد سقتُ لك بعضه، ورواه
الأوزاعي، عن كثير بن قيس، عن يزيد بن سمرة، عن أبي الدرداء،
قَالَ الدار قطني في ((علله)): وليس بمحفوظ (٨).
(١) في (ف): عن.
(٢) ((سنن الترمذي)) (٢٦٨٢).
(٣) ((صحيح ابن حبان)) ٢٨٩/١ (٨٨).
(٤) لم أقف على هذه العبارة في كتب ابن حبان وهي بنصها في ((العلل المتناهية)) لابن
الجوزي ١/ ٧٠ ساقها في كلامه على الحديث المذكور، وقبلها مباشرة كلام ابن
حبان في تجريح أحد رواته مما يوهم أن كلا العبارتين لابن حبان.
(٥) لم أقف عليه في ((المستدرك)) وعزاه له الحافظ في ((الفتح)) ١/ ١٦٠ وأنه صححه.
(٦)
((جامع بيان العلم)) ١/ ١٦٢.
((علل الدارقطني)) ٢١٦/٦ - ٢١٧.
(٧)
(٨) ((علل الدار قطني)) ٢١٧/٦.
٣٢٣
= كتاب العلم
وقال ابن عبد البر: لم يقمه الأوزاعي، وقد خلط فيه. وقال حمزة:
رواه الأوزاعي، عن عبد السلام بن سليم، عن يزيد بن سمرة وغيره من
أهل العلم عن کثیر بن قيس.
قَالَ ابن عبد البر: وعاصم بن رجاء هذا ثقة مشهور، وقال
الدار قطني: عاصم بن رجاء ومن فوقه إلى أبي الدرداء ضعفاء،
وقَالَ: وداود بن جميل مجهول(١).
وقال البزار: لا يعلم إلا في هذا الحديث. وكذا كثير بن قيس،
قَالَ: ولا يعلم روى عن كثير غير داود والوليد بن مرة، ولا يعلم
روی عن داود غير عاصم(٢).
وذكر ابن القطان: أنه أضطرب عاصم فيه فرواه عبد الله بن داود،
عن عاصم كما سلف، ورواه أبو نعيم، عن عاصم عمن حدثه، عن
كثير، ورواه محمد بن يزيد الواسطي، عن عاصم، عن كثير لم يذكر
بينهما أحدا، قَالَ: والمتحصل من علة هذا الخبر هو الجهل بحال
راويين من رواته، والاضطراب فيه ممن لم تثبت عدالته(٣).
قُلْتُ: وقد رواه عن محمد، عن قيس بن کثیر كما سلف، وقيل:
الوليد بدل داود، وقيل جميل بن قيس، ذكره ابن عبد البر في ((بيان
العلم)) له، ثمَّ قَالَ: والقلب إلى ما قاله محمد بن يزيد، عن عاصم،
عن كثير، أميل(٤).
وزعم ابن قانع أن كثير بن قيس صحابي وأنه راوي هذا الحديث
(١) ((علل الدارقطني)) ٢١٦/٦ - ٢١٧، ((جامع بيان العلم)) ١٦٤/١.
(٢) أنظر ((مسند البزار)) ٨٠/١٠ (٤١٤٥).
(٣)
(بيان الوهم والإيهام)) ٢٨/٤ - ٢٩.
((جامع بيان العلم)) ١/ ١٦٢.
(٤)
٣٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وتبعه ابن الأثير، وهو غريب فتنبه لذلك كله(١).
وسموا ورثة الأنبياء لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا
مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] وسيأتي قريبًا حديث ابن عمرفي الرؤيا لأبيه،
وأن النبي ◌َّ أوله بالعلم(٢).
رابعها :
قوله: ((وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى
الجَنَّةِ))، قَدْ علمت أن هذا أول الحديث المذكور، لكنه ثابت في
(صحيح مسلم)) من حديث أبي هريرة في حديث طويل أوله: ((من
نفس عن مؤمن كربة .. ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله لَهُ
(به)(٣) طريقًا إلى الجنة))(٤).
خامسها :
معنى (يخشى): يخاف، قَالَ ابن عباس: إنما يخاف الله من خلقه
من علم جبروته وعزته وسلطانه، وقال مقاتل: أشد الناس لله خشية
أعلمهم به. وقال مسروق: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله
جھلًا.
وقال مجاهد والشعبي: العالم من خاف الله، وقال ابن عباس: من
خشي الله فهو عالم، ومعنى قوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِمُونَ﴾
(١) أنظر: ((معجم الصحابة)) لابن قانع ٣٨٧/٢ - ٣٨٨ (٩٣٩)، ((أسد الغابة» ٤٦١/٤
(٤٤٢٨).
(٢) سيأتي برقم (٨٢) كتاب: العلم، باب: فضل العلم.
(٣) من (ج).
(٤) (٢٦٩٩) كتاب: الذكر والدعاء، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى
الذكر.
٣٢٥
- كتاب العلم
[العنكبوت: ٤٣] أي: وما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله،
وروى جابر أنه وَّ لما تلى هُذِهِ الآية قَالَ: ((العالم الذي عقل عن الله
فعمل بطاعته واجتنب سخطه))(١).
ومعنى قوله: ﴿لَوْ كُنَّا نَّمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك: ١٠] الآية أي: لو كنا
نسمع سمع من يعي أو يفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل
النار، قاله الزجاج.
وروى أبو سعيد الخدري مرفوعًا: ((إن لكل شيء دعامة، ودعامة
المؤمن عقله فبقدر ما يعقل يعبد ربه، ولقد ندم الفجار يوم القيامة
فقالوا: (﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾))(٢) الآية.
وروى أنس مرفوعًا: ((إن الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور
الفاجر، وإنما يرتفع العباد غدًا في الدرجات، وينالون الزلفى من ربهم
عَلَى قدر عقولهم))(٣).
(١) رواه الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده) كما في ((بغية الباحث)) ص٢٦٠ (٨٤٥)،
((المطالب العالية)) ٧١٥/١٣ (٣٣٠٥)، والواحدي في ((الوسيط)) ٤٢٠/٣،
والبغوي في (معالم التنزيل)» ٢٤٣/٦.
قال الحافظ في ((المطالب)) ٧٢٥/١٣: هذِه الأحاديث من كتاب: ((العقل))
لداود بن المحبر كلها موضوعة ذكرها الحارث في («مسنده) عنه.
(٢) رواه الديلمي في ((الفردوس)) ٣٣٣/٣ (٤٩٩٩)، الحارث بن أبي أسامة في
(مسنده)) كما في ((بغية الباحث)) ص٢٦١ (٨٤٩).
(٣) رواه الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) كما في ((بغية الباحث)) ص٢٥٥ (٨٢٢).
قال الألباني في ((الضعيفه)) ١/ ٥٣- ٥٤: ومما يحسن التنبيه عليه أن كل ما ورد في
فضل العقل من الأحاديث لا يصح منها شيء، وهي تدور بين الضعف والوضع ..
وقد قال العلامة ابن القيم في ((المنار)) ص٢٥: أحاديث العقل كلها كذب.
٣٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
سادسها :
قوله: ((إِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلَّم)) هذا قد ورد في حديث مرفوع بإسناد
منقطع رواه الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب ((الفقيه والمتفقه)) من
حديث مكحول، عن معاوية ولم يسمع منه، قَالَ رسول الله وٍَّ:
(يا أيها الناس، إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه))(١).
سابعها :
قوله: (وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَهِّمْهُ فِي الدِّينِ)) )،
هذا التعليق قَدْ أسنده قريبًا من حديث معاوية ﴾(٢).
ثامنها :
قوله: (وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ) إلى آخره(٣) رويناه من
حديث الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن مرثد بن أبي مرثد(٤)، عن
(١) ((الفقيه والمتفقه)) ٧٩/١ (١٢)، ورواه أيضًا الطبراني ٣٩٥/١٩، قال الحافظ في
((الفتح)) ١٦١/١: هو حديث مرفوع أيضًا أورده ابن أبي عاصم والطبراني من
حديث معاوية .. إسناده حسن إلا أن فيه مبهما اعتضد بمجيئه من وجه آخر.اهـ
والحديث حسنه لغيره الألباني في ((صحيح الترغيب والترهيب)) ١٣٦/١ (٦٧).
(٢) سيأتي برقم (٧١) كتاب: العلم، باب: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
(٣) أسنده الدارمي في ((سننه)) ٤٥٦/١ (٥٦٢)، وإسحاق بن راهويه كما في ((المطالب
العالية)) ٦٧٩/١٢ (٣٠٦٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ١/ ١٩٠، وقال العيني في
((عمدة القاري)) ٤٢١/١: ورواه أحمد بن منيع. قال الحافظ في ((المطالب) ١٢/
٦٧٩ : هذا حديث صحيح.
(٤) الصواب أنه مالك بن مرثد، والذي وقع في مصادر التخريج: أبو كثير، وهي كنيته
كذا عند الدارمي: حدثنا الأوازعي، حدثني أبو كثير، حدثني أبي. ووقع في
((الحلية)): حدثني مرثد أبو كبير، ولعله تحريف الطابع، وفي ((المطالب)): حدثني
أبو كثير أنه سمع أباه.
لكن الحافظ بينه في ((الفتح)) ١٦١/١ فقال: رويناه موصولًا في ((مسند الدارمي)) =.
٣٢٧
= كتاب العلم
أبيه قَالَ: جلست إلى أبي ذر الغفاري إذ وقف عليه رجل فقال: ألم ينهك
أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فقال أبو ذر: والله لو وضعتم (هذِه)(١)
الصمصامة عَلَى هذِه -وأشار إلى حلقه- عَلَى أن أترك كلمة سمعتها
من رسول الله وَل﴿ لأنفذتها قبل أن يكون ذَلِكَ.
أنبأنيه شيخنا قطب الدين عبد الكريم الحلبي، حَدَّثَنِي الحافظ شرف
الدين عبد المؤمن الدمياطي، أنبأنا الحسين الخليلي، أنا ابن كاره، أنا
ابن عبد الباقي، عن ابن حيوية، عن ابن معروف، عن الحسين بن فهم،
عن محمد بن منيع، عن سليمان، (عن)(٢) عبد الرحمن، عن الوليد به.
تاسعها :
الصَّمصامة -بفتح الصادين المهملتين -: السيف بحد واحد، قَالَ
ابن سيده والجوهري وغيرهما: الصمصامة والصمصام: السيف الصارم
= وغيره من طريق الأوزاعي: حدثني أبو كثير - يعني: مالك بن مرثد - عن أبيه. فجزم
الحافظ أنه مالك بن مرثد، وقبله المزي في ((تهذيب الكمال)) ١٥٥/٢٧ (٥٧٥٠)
ثم ذكر اضطراب الأوزاعي في اسمه، فقال: وروى عنه الأوزاعي فقال مرة:
مرثد بن أبي مرثد، وقال مرة: عن ابن مرثد، أو أبي مرثد.
قلت: يؤيد هذا ما قاله ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢١٣/٢ في شرح حديث أبي ذر
في تعيين ليلة القدر وسنده مثل هذا السند، فقال: هكذا قال الأوزاعي: عن
مرثد بن أبي مرثد وهو خطأ، وإنما هو مالك بن مرثد، عن أبيه ولم يقم الأوزاعي
إسناد هذا الحديث ولا ساقه سياقة أهل الحفظ له.
ومما يحسن التنبيه إليه أن محقق الدارمي سماه: يزيد بن عبد الرحمن بن أزينة
لاشتراكهما في الكنية ورواية الأوزاعي عنهما وروايتهما عن أبويهما، عن أبي ذر،
ومن ثم ضعف حديثنا هذا، ولعله لم يمعن النظر أثناء التحقيق فوقع في هذا
الوهم.
(١) من (ج).
(٢) في (ج): بن.
٣٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الذي لا ينشي(١).
ومعنى قوله: (قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ)، أي: تقطعوا رأسي، أراد عظ﴾
بذلك الحض عَلَى العلم والاغتباط بفضله، حيث سهل عليه قتل نفسه في
جنب ما يرجو من ثواب نشره وتبليغه.
ويؤخذ منه: أنه يجوز للعالم أن يأخذ في الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر بالشدة ويحتمل الأذى ويحتسبه رجاء ثواب الله، ويباح له
أن يسكت إِذَا خاف الأذى كما قَالَ أبو هريرة: لو حدثتكم بكل
ما سمعت من رسول الله صل﴿ لقطع (مني)(٢) هذا البلعوم(٣). وعنه:
لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر(٤). قَالَ الحسن:
صدق. وكأنه أراد والله أعلم عنى به ما يتعلق بالفتن مما لا يتعلق
بذكره مصلحة شرعية.
عاشرها:
قوله: (وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿كُونُواْ رَبَّكِيِّنَ﴾ [آل عمران: ٧٩] عُلَمَاءَ(٥)
فُقَهَاءَ)، هذا التعليق رواه الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب ((الفقيه
والمتفقه)) بإسناد صحيح عن أبي بكر الجيري، (ثنا)(٦) أبو محمد
(١) انظر: ((المحكم)) ٨/ ١٨٥، (الصحاح)) ١٩٦٨/٥، ((تهذيب اللغة)» ٢٠٦٠/٢،
(لسان العرب)) ٢٥٠٣/٤، مادة: (صمم).
(٢) من (ج).
(٣) سيأتي في رواية البخاري برقم (١٢٠) باب: حفظ العلم عنه: حفظت من رسول
الله ◌َ﴿ وعاءين فأما أحدهما فبثئته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم.
(٤) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٣٣١/٤.
(٥) كذا في (ج)، (ف) وفي ((اليونينية)) ١/ ٢٥: حلماء، وفي هامشها أنه وقع في بعض
النسخ حكماء.
(٦) في (ف): نا.
٣٢٩
- كتاب العلم
حاجب بن أحمد الطوسي، (ثنا) (١) عبد الرحيم بن منيب، (نا)(٢)
الفضيل بن عياض، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عنه(٣).
ورواه ابن أبي عاصم في كتاب ((العلم)) عن المقدمي، (ثنا)(٤)
أبو داود عن معاذ، عن سماك، عن عكرمة، عنه.
الحادي عشر :
الرباني: المتأله العارف بالله تعالى، قاله الجوهري وغيره(٥)،
وربيت القوم: سستهم أي: كنت فوقهم. وقال أبو نصر: من الربوبية
أي: معرفتها، كما قاله صاحب ((العين))(٦).
وقال الإسماعيلي: منسوب إلى الرب كأنه الذي يقصد قصد ما أمره
الرب، وقال أحمد بن يحيى: إنما قيل للعلماء: الربانيون؛ لأنهم يربون
العلم، أي: يقومون به، وقيل: لأنهم أصحاب العلم وأربابه، وزيدت
الألف والنون للمبالغة. وقيل: أصله من رب الشيء إِذَا ساسه وقام به ثمَّ
زيد ياءً. وقيل: من معنى التربية، كانوا يربون المتعلمين بصغار العلم قبل
كباره وهو ما حكاه البخاري، وقال ابن الأعرابي: لا يقال للعالم رباني
حتَّى يكون عاملاً معلمًا (٧).
وفي موضع آخر: هو العالي الدرجة في العلم. وقال مجاهد فيما
(١)
في (ف): نا.
(٢)
في (ج): ثنا.
(٣) ((الفقيه والمتفقه)) ١/ ١٨٥ (١٧٨)، وفيه انتهى السند إلى سعيد بن جبير ولم يذكر
ابن عباس، ولفظه: حكماء فقهاء. وهي إحدى نسخ البخاري.
(٤) في (ف): نا.
(٥) ((الصحاح)) ١٣٠/١.
(٦) ((العين)) ٢٥٦/٨.
(٧) ((الفقيه والمتفقه)) ١٨٥/١ (١٨٠).
٣٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح :
حكاه الخطيب في كتاب ((الفقيه والمتفقه)): الربانيون: الفقهاء وهم فوق
الأحبار (١).
وقال أبو عبيد: أحسب الكلمة ليست بعربية؛ وذلك أن أبا عبيدة
زعم أن العرب لا تعرف الربانيين، سمعت رجلا عالمًا بالكتب
يقول: الربانيون: العلماء بالحلال والحرام.
وفي ((جامع القزاز)) الرِّبي: والجمع الربيون هم: العباد الذين
يصحبون الأنبياء ويصبرون معهم، وهم الربانيون، نسبوا إلى عبادة
الرب . وقيل: هم العلماء الصُبَّر. وقال القزاز: وأنا أرى أن يكون
عربيًا.
الثاني عشر:
مقصود البخاري -رحمه الله- فيما ترجمه أن العمل لا يكون
إلا مقصودًا به معنى متقدمًا وهو العلم بما يفعله وما يترتب عليه من
الثواب، فعند ذَلِكَ يخلص فيه ويقصد به الثواب، ومتى خلى العمل
عن ذَلِكَ فليس بعمل.
(١) ((الفقيه والمتفقه)) ١٨٤/١ (١٧٧).
٣٣١
كتاب العلم
=
١١- باب مَا كَانَ النَّبِيُّ
صَلى الله
وَسْتِم
يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ كَيْ لَا يَنْفِرُوا
٦٨ - حَذَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ،
عَنِ ابن مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يَتَخَوَّلْنَا بِالْوْعِظَةِ فِي الأيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
[٧٠، ٦٤١١ - مسلم: ٢٨٢١ - فتح: ١/ ١٦٢]
٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُغْبَةُ قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا
وَلَا تُتَفِّرُوا)). [٦١٢٥ - مسلم ١٧٣٤ - فتح: ١/ ١٦٣]
ذكر فيه حديث ابن مسعود وحديث أنس.
أما حديث ابن مسعود فقال في سياقته: نَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا
سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ
وَّهِ يَتَخَوَّلْنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّمَةِ عَلَيْنَا.
الكلام علیه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه (إثر)(١) الباب الذي بعده، عن عثمان بن أبي
شيبة، (نا)(٢) جرير، عن منصور، عن أبي وائل (". وأخرجه في
الدعوات عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش به (٤).
(١) من (ج).
(٢) في (ج): ثنا.
(٣) سيأتي برقم (٧٠) كتاب: العلم، باب: من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة.
(٤) سيأتي برقم (٦٤١١) كتاب: الدعوات، باب: الموعظة ساعة بعد ساعة.
٣٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأخرجه مسلم في التوبة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع وأبي
معاوية وعلي بن نمير، عن أبي معاوية، وعن الأشج، عن (ابن)(١)
إدريس، وعن منجاب، عن علي بن مسهر، وعن إسحاق بن إبراهيم،
وابن خشرم، عن (يونس)(٢)، وعن ابن أبي عمر، عن سفيان،
(كلهم)(٣) عن الأعمش، زاد الأعمش(٤) في رواية ابن مسهر: وحَدَّثَنِي
عمر بن مرة، عن (شقيق)(٥)، عن عبد الله مثله(٦).
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلفوا غير محمد بن يوسف، وهو الإمام الثقة أبو عبد الله
محمد (ع) بن يوسف بن واقد الفريابي (الضبي)(٧)، مولاهم سكن
قيسارية من ساحل الشام(٨).
أدرك الأعمش وروى عنه، وعن السفيانين وغيرهم، وعنه: أحمد
والذهلي وغيرهما، أكثر عنه البخاري، وروى في الصداق عن إسحاق
غير منسوب عنه، وروى مسلم والأربعة عن رجل عنه.
(١) في (ج)، (ف): أبي، وهو خطأ فهو عبد الله بن إدريس.
(٢) كذا في (ج)، (ف) والصواب: عيسى بن يونس كما عند مسلم (٢٨٢١/ ٨٢) أنظر
ترجمته في ((التهذيب)) ١٦/٢٣ (٤٦٧٣).
(٣) من (ج).
(٤) وقع في ((صحيح مسلم)): وزاد منجاب في روايته عن ابن مسهر: قال الأعمش ..
(٥) في (ف): سفيان.
(٦) (صحيح مسلم)) (٢٨٢١) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: الاقتصار في الموعظة.
(٧) من (ج).
(٨) قيسارية: بالفتح ثم السكون، وسين مهملة وبعد الألف راء ثم ياء مشددة: بلد على
ساحل بحر الشام تعد من أعمال فلسطين، قديمًا كانت من أعيان أمهات المدن
واسعة الرقعة طيبة البقعة كثيرة الخير والأهل، أما الآن فهي ليست كذلك. أنظر:
((معجم ما استعجم)) ١١٠٦/٣. ((معجم البلدان)) ٤/ ٤٢١.
٣٣٣
= كتاب العلم
وقال البخاري: كان من أفضل أهل زمانه. وقال أحمد: كان رجلًا
صالحًا. ووثقه النسائي وغيره. مات في ربيع الأول سنة أثنتي عشرة
ومائتين(١).
ثالثها :
معنى (يتخولنا) -بالخاء المعجمة -: يصلحنا ويقوم علينا، يقال:
خال المال يخول خولًا إِذَا ساسه وأحسن القيام عليه. والخائل
المتعاهد للشيء المصلح له. وقال الخطابي: يتخولنا: يتعهدنا ويراعي
الأوقات في وعظنا ويتحرى منها ما كان مظنة القبول، ولا يفعله كل
يوم لئلا نسأم، ومثله: التخون بالنون(٢).
وقال أبو عمرو الشيباني فيما حكاه صاحب ((الغريبين)): الصواب
يتحولنا -بالحاء المهملة- أي: يطلب أحوالهم التي ينشطون فيها
للموعظة فيعظهم ولا يكثر عليهم فيملوا. وكان الأصمعي يرويه
يتخوننا -بالنون والخاء المعجمة- أي: يتعهدنا. وحكاه صاحب
((مجمع الغرائب)) وابن الأثير(٣).
رابعها :
السآمة: الملل، يقال: سئمت أسأم سأمًا وسامًا وسآمة إِذَا مللته،
ورجل سئوم.
(١) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٤٨٩/٧، ((الجرح والتعديل)) ١١٩/٨ - ١٢٠
(٥٣٣)، ((التاريخ الكبير)) ٣٣/١- ٣٤ (٨٤٤)، (معرفة الثقات)) ٢٥٧/٢
(٢١٦٣)، ((المعرفة والتاريخ)) ١٩٧/١ - ١٩٨. ((الثقات)) ٥٧/٩، ((تهذيب
الكمال)» ٥٢/٢٧- ٦١ (٥٧١٦).
(٢) ((أعلام الحديث)) ١٩٤/١.
(٣) ((النهاية في غريب الحديث)) ٨٨/٢.
٣٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
خامسها :
أراد النبي ◌َلير الرفق بأمته؛ ليأخذوا الأعمال بنشاط (وحرص)(١)
عليها، وقد وصفه تبارك تعالى بذلك حيث قَالَ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا
عَنِتُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] الآية.
وأما الحديث الثاني فقال في سياقته: نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، نَا يَحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ، نَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ:
((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفَّرَو)).
الكلام عليه من وجوه :
أولها:
هذا الحديث أخرجه هنا كما ترى، وفي الأدب، عن آدم، عن شعبة
به، وفيه: ((وسكنوا)) بدل: ((ويسرو)) (٢)، وكذا جاء في مسلم فإنه أخرجه
في المغازي، عن عبد الله بن معاذ، عن أبيه وعن أبي بكر بن أبي شيبة،
عن عبيد بن سعيد، وعن محمد بن الوليد، عن غندر، كلهم عن شعبة
(٣)
به(٣).
فوقع للبخاري عاليا رباعيًا من طريق آدم، وآدم مما انفرد به عن
مسلم.
ثانيها : في التعريف برواته غير ما سلف:
فأبو التياح (ع) اسمه: يزيد بن حميد الضبعي، من أنفسهم، سمع
أنسًا وعمران بن حصين وخلقًا من التابعين، ومن بعدهم، قَالَ أحمد:
(١) في (ف): وحرض.
(٢) سيأتي برقم (٦١٢٥) كتاب: الأدب، باب: قول النبي وَالر: ((بشروا ولا تنفروا.)).
(٣) (١٧٣٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: في الأمر بالتيسير وترك التنفير.
٣٣٥
كتاب العلم
هو ثبت ثقة. وقال ابن المديني: معروف ثقة. مات سنة ثمان وعشرين
ومائة(١).
ومحمد بن بشار: هو الإمام أبو بكر محمد بن بشار بن عثمان بن
داود بن كيسان العبدي البصري بندار، لقب بذلك لأنه كان بندار
الحديث، جمع حديث بلده، والبندار الحافظ البارع، الثقة، ولا عبرة
بمن لینه.
قَالَ أبو داود: كتبت عنه نحوًا من خمسين ألف حديث. روى عنه
البخاري ومسلم والأربعة وخلق منهم: الرازيان وابن خزيمة، وعنه
قَالَ: (كتبت عن)(٢) خمسة قرون، وسألوني الحديث وأنا ابن ثمان
عشرة سنة، وولدت سنة سبع وستين ومائة. قَالَ البخاري: ومات في
وجب سنة اثنتين وخمسين. يعني: ومائتين(٣).
(١) أنظر ترجمته في: (الطبقات الكبرى)) ٢٣٨/٧، (التاريخ الكبير)) ٣٢٦/٨
(٣١٨٨)، ((معرفة الثقات)) ٣٦٢/٢ (٢٠١٢)، ((الثقات)) ٢٣٤/٥، ((تهذيب
الكمال)) ١٠٩/٣٢ - ١١٢ (٦٩٧٨).
(٢) في (ج): كتب عني.
(٣) قال ابن حجر: أحد الثقات المشهورين، روى عنه الأئمة الستة وضعفه عمرو بن
علي الفلاس، ولم يذكر سبب ذلك فما عرجوا على تجريحه. وقال القواريري:
كان يحيى بن معين يستضعفه. وقال أبو داود: لولا سلامة فيه لترك حديثه، يعني:
أنه كانت فيه سلامة فكان إذا سها أو غلط يحمل على أنه لم يتعمد، وقد احتجَّ به
الجماعة ولم یکثر البخاري من تخريج حديثه؛ لأنه من صغار شيوخه، وکان بندار
يفتخر بأخذ البخاري عنه.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير" ٤٩/١ (٩٨)، ((معرفة المات)) ٢٣٣/٢
(١٥٧٣)، ((الجرح والتعديل)) ٢١٤/٧ (١١٨٧)، ((الثقات)) ١١١/٩، ((تهذيب
الكمال)) ٥١١/٢٤ - ٥١٨ (٥٠٨٦)، ((مقدمة فتح الباري)، ص ٤٣٧.
٣٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ثالثها :
إنما جمع بين هذِه الألفاظ وهي: (يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا
وَلَا تُنَفِّرُوا)). فذكر الشيء وضده؛ لأنه قد يفعلها في وقتين، فلو أقتصر
عَلَى يسروا صدق ذَلِكَ عَلَى من يسر مرة أو مرات وعسر في معظم
الحالات، فلما قَالَ: ((ولا تعسروا)) أنتفى التعسير من كل وجه، وهذا
هو المطلوب، وكذا يقال في: ((بشروا ولا تنفروا))، ثمَّ إن المحل
قابل للإسهاب وكثرة الألفاظ؛ لشبهه بالوعظ. والبشارة بكسر الباء
وضمها: الخبر الذي يغير البشرة، وهي عند الإطلاق للخير.
رابعها :
فيه الأمر بالتبشير بفضل الله وعظيم ثوابه وجزيل عطائه وسعة
رحمته، والنهي عن التنفير بذكر التخويف، وأنواع الوعيد محضة من
غير ضمها إلى التبشير، فيتألف التائب ويتلطف به، ويدرج في أنواع
الطاعة قليلًا قليلًا، وقد كانت أمور الإسلام في التلطف عَلَى
التدريج، ومتى يسر عَلَى المريد للطاعة سهلت عليه وتزايد فيها،
ومتى عسرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك عدم
دوامه علیھا.
٣٣٧
كتاب العلم
١٢- باب مَنْ جَعَلَ لأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً
٧٠- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ
قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ ◌َمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَّ أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِّ
أَخَوَّلُكُمْ بِالْوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يَتَخَوَّلْنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآَمَةِ عَلَيْنَا. [انظر: ٦٨ -
مسلم ٢٨٢١ - فتح: ١/ ١٦٣]
نَاعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ
عَبْدُ اللهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ
أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ وَهِ يَتَخَوَّلْنَا بِهَا،
مَخَافَةَ السَّآَمَةِ عَلَيْنَا.
الكلام عليه من وجوه :
أحدها :
قدمت لك في الباب الماضي تعداد البخاري لَّهُ في مواضع منها هذا.
ثانيها: في التعريف برواته :
وقد سلف التعريف بأبي وائل وعبد الله، وأما منصور (ع) فهو بن
المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، ويقال: ابن المعتمر بن عتاب بن
عبد الله بن ربيعة - بضم الراء- أبو عتاب السلمي من أئمة الكوفة.
روى عن أبي وائل وزيد بن وهب، وعنه: السفيانان وخلق.
وهو (ثبت)(١) ثقة أريد عَلَى القضاء فامتنع، قيل: صام أربعين سنة
وقام ليلها. وقيل: ستين سنة. وعمش من البكاء. مات سنة ثلاث، وقيل:
(١) من (ج).
٣٣٨
-
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
اثنتين وثلاثين ومائة(١).
وأما جرير (ع) فهو: ابن عبد الحميد الضبي القاضي عالم أهل الري
ذو التصانيف، روى عن منصور وحصين وغيرهما. وعنه: أحمد وابن
معين وغيرهما. وهو ثقة كثير العلم يرحل إليه، ولد سنة مات الحسن
سنة عشر ومائة، ومات سنة ثمان أو سبع وثمانين ومائة، ونسب في
آخر عمره إلى سوء الحفظ (٢).
وأما عثمان بن أبي شيبة: فهو الحافظ أبو الحسن عثمان بن محمد بن
إبراهيم بن أبي شيبة بن عثمان بن خواستي -بضم الخاء المعجمة وبسين
مهملة (ثمَّ مثناة)(٣) فوق- العبسي الكوفي.
أخو أبي بكر وقاسم، وهو أكبر من أبي بكر بثلاث سنين، وأبو بكر
أجل منه، والقاسم ضعيف، رحل وكتب. وعنه: الذهلي والبخاري،
(١) أنظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٣٣٧/٦، ((التاريخ الكبير)) ٣٤٦/٧
(١٤٩١)، (معرفة الثقات)) ٢٩٩/٢ (١٧٩٥)، ((الجرح والتعديل)) ١٧٧/٨-
١٧٨ (٨٧٨)، ((تهذيب الكمال)) ٥٤٦/٢٨ - ٥٥٥ (٦٢٠١).
(٢) قال علي بن المديني: كان جرير صاحب ليل. وقال أبو خيثمة: لم يكن يدلس.
وقال النسائي: ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال أبو القاسم اللالكائي: مجمع
على ثقته.
وقال ابن حجر: وقال أبو خيثمة: لم یکن یدلس، وروى الشاذکوني عنه ما يدل
على التدليس، لكن الشاذكوني فيه مقال. وقال أحمد بن حنبل: لم يكن بالذكي،
وقال البيهقي: نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، ولم أر ذلك لغيره بل احتجّ به
الجماعة.
انظر: ترجمته في ((الطبقات الكبرى)) ٣٨١/٧، ((معرفة الثقات)) ٢٦٧/١ (٢١٥)،
((التاريخ الكبير)) ٢١٤/٢ (٢٢٣٥)، ((الثقات)) لابن حبان ١٤٥/٦، ((تهذيب
الكمال، ٤/ ٥٤٠- ٥٥١ (٩١٨)، «مقدمة فتح الباري» ص٣٩٥.
(٣) من (ج).
١
--
٣٣٩
- كتاب العلم
ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة، وروى النسائي في ((اليوم والليلة)) عن
رجل، عنه. وهو ثقة.
قَالَ أحمد: ما علمت إلا خيرًا. وأثنى عليه، وكان ينكر عليه
أحاديث حدث بها، منها: حديث جرير، عن الثوري، عن ابن عقيل،
عن جابر قَالَ: شهد النبيِ وَّر عيدًا للمشركين(١). مات سنة تسع
وثلاثين ومائتين (٢).
(١) قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: عرضت على أبي حدیثًا حدثنا عثمان، عن جرير،
عن شيبة بن نعامة، عن فاطمة بنت حسين، عن فاطمة الكبرى، عن النبي ◌َّ في
العصبة، وحديث جرير، عن الثوري، عن ابن عقيل، عن جابر أن النبي ◌َّ ر شهد
عيدًا للمشركين. فأنكرها جدًّا، وعدة أحاديث من هذا النحو فأنكرها جدًا.
وقال: هذِه أحاديث موضوعة، أو كأنها موضوعة: وقال: ما كان أخوه- يعني
عبد الله بن أبي شيبة- تَطيب نفسه لشيء من هذِه الأحاديث؛ ثم قال: نسأل الله
السلامة في الدين والدنيا. وقال: نراه يتوهم هُذِه الأحاديث نسأل الله السلامة
اللهم سلِّم سلم. انظر: ((العلل ومعرفة الرجال)) ٥٥٩/١ (١٣٣٣).
(٢) وثقة يحيى بن معين وابن نمير والعجلي وجماعة. وقال أبو حاتم في ((الجرح
والتعديل)) ١٦٧/٦: كان أكبر من أخيه أبي بكر إلا أن أبا بكر ضعيف وعثمان
صدوق.
وتتبع الخطيب الأحاديث التي أنكرها أحمد على عثمان وبيَّن عذره فيها. وذكر له
الدارقطني في كتاب: التصحيف أشياء كثيرة صحفها من القرآن في ((تفسيره)).
وأورد له ابن الجوزي في ((آفة أصحاب الحديث)) بعض تصحيفاته، والراجح أن
أكثرها كان من جهة الدعابة والمزاح، وقال ابن حجر: أحد الحفاظ الكبار ..
روی له الجماعة سوی الترمذي.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٢٥٠/٦ (٢٣٠٨)، ((معرفة الثقات)) ١٣٠/٢
(١٢١٨)، ((الجرح والتعديل)) ٦/ (٩١٣)، ((الثقات)) ٤٥٤/٨، ((تاريخ بغداد)»
٢٨٣/١١- ٢٨٨ (٦٠٥٤). ((تهذيب الكمال)) ٤٧٨/١٩- ٤٨٧ (٣٨٥٧)، ((مقدمة
فتح الباري) ص٤٢٤.
١
٣٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ثالثها: في ضبط لفظه وفوائده، وقد سلفت في الباب قبله.
وفيه: بيان ما كانت الصحابة عليه من الاقتداء بفعله، والمحافظة
عَلَى استعمال (سننه)(١)، وتجنب مخالفته لعلمهم بما في موافقته من
عظيم الأجر وما في مخالفته من الوعيد والزجر، أعاننا الله عَلَى ذَلِكَ.
(١) في (ج): سنته.