Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
- كتاب الإيمان
ثمَّ قَالَ بعد حكاية كلام القاضي: ظاهره أنه صرف محبة النبي
إلى اعتقاد تعظيمه وإجلاله، ولا شك في كفر من لم يعتقد ذَلِكَ. غير أن
تنزيل هذا الحديث عَلَى ذَلِكَ المعنى غير صحيح؛ لأن اعتقاد الأعظمية
ليس بالمحبة ولا الأحبية، ولا مستلزمًا لها؛ إذ قَدْ يجد الإنسان من نفسه
إعظام شخص ولا يجد محبة؛ ولأن عمر ﴾ لما سمع هذا الحديث
قَالَ: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي. فقال
رسول الله وَلي: ((لا والذي نفسي بيده حتَّى أكون أحب إليك من
نفسك)) فقال لَهُ عمر: فإنه الآن، لأنت أحب إلي من نفسي. فقال
وَّر: ((الآن يا عمر)) رواه البخاري في الأيمان والنذور منفردًا به(١).
فهذا كله تصريح بأن هُذِه المحبة ليست باعتقاد تعظيم، بل ميل
إلى المعتقد تعظيمه وتعلق القلب به.
وعلى هذا معنى الحديث -والله أعلم- أن من لم يجد من نفسه ذَلِكَ
الميل لم يكمل إيمانه، عَلَى أن كل من صدَّق بِهِ وَّهِ وآمن به إيمانًا
صحيحًا لم يخل عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة للنبي
وَالثّه، غير أنهم في ذَلِكَ متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك الأرجحية
بالحظ الأوفر كقضية عمر السالفة.
ومن المؤمنين من يكون مستغرقًا بالشهوات محجوبًا بالغفلات عن
ذَلِكَ المعنى في أكثر أوقاته، لكنه إِذَا ذُكر النس وَّر أو شيء من فضائله
أهتاج لذكره واشتاق لرؤيته بحيث يُؤْثِر رؤيته بل رؤية قبره ومواضع آثاره
عَلَى أهله وماله وولده ووالده ونفسه والناس أجمعين، فيخطر له هذا
ونحوه وجدانًا لا شك فيه، غير أنه سريع الزوال والذهاب؛ لغلبة
(١) سيأتي برقم (٦٦٣٢) باب: كيف كانت يمين النبي وَلـ

٥٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ـ
الشهوات وتوالي الغفلات، ويخاف على من هذا حاله ذهاب أصل تلك
المحبة(١).
فرع حسن :
قَالَ القاضي حسين من أصحابنا: يجب عَلَى المرء أن يكون جَزَعُهُ
وحزنُه وقلقُه عَلَى فراق النبي ◌َّ ر أكثر من حزنه عَلَى فراق أبويه، كما
يجب عليه أن يكون عنده أحب إليه من نفسه وأهله وماله.
تنبيه :
قُدِّم في الحديث الوالد عَلَى الولد، ومحبة الإنسان لولده أعظم من
والده غالبًا؛ لأن كثيرًا من الناس لا ولد له وكل أحد له والد، فلذلك قدم
الأعم ثمَّ خصَّ. عَلَى أن في مسلم تقديم الولد عَلَى الوالد في حديث
أنس، وسببه المعنى الآخر، فتنبَّهْ له.
(١) ((المفهم)) ٢٢٥/١ - ٢٢٧.

٥٢٣
كتاب الإيمان
مسـ
٩- باب حَلَاوَةِ الإِيمَانِ
١٦- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ،
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ
الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ
لَا يُحِبّهُ إِلَّ له، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)).
[٢١، ٦٠٤١، ٦٩٤١ - مسلم ٤٣ - فتح ٦٠/١]
ثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى نا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ نا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ،
عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَلِّ قَالَ: ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ
يَكُونَ اللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله،
وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)).
الكلام علیه من وجوه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري قريبًا عن سليمان بن حرب، عن
شعبة، عن قتادة عن أنس (١).
وأخرجه أيضًا في الإكراه عن محمد بن عبد الله بن حوشب، عن
عبد الوهاب (٢).
وأخرجه مسلم هنا عن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن يحيى بن أبي
عمر، وبندار، عن عبد الوهاب (٣)، وتفرد به عبد الوهاب، عن أيوب.
(١) سيأتي برقم (٢١)، باب: من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار.
(٢) سيأتي برقم (٦٩٤١)، باب: من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر.
(٣) رواه مسلم (٦٧/٤٣) باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان .

٥٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
كما قَالَه خلف في ((الأطراف))، لكن ذكر الدارقطني أن وهيب بن خالد
الباهلي رواه عن أيوب موقوفًا.
ولفظ مسلم: ((وجد بهن)) بزيادة: ((بهنَّ))، وفي لفظ له وللبخاري:
((وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه))(١) إلى آخره، وفي
رواية له: ((من أن يرجع يهوديًّا أو نصرانيًّا))(٢).
وأما أنس فسلف.
وأما أبو قلابة -فبكسر القاف، والباء الموحدة- واسمه عبد الله
(ع) بن زيد بن عمرو، وقيل: عامر بن ناتل(٣) - بالمثناة فوق- ابن
مالك الجرمي البصري التابعي الجليل المتفق عَلَى جلالته وثقته.
سمع أنسًا وغيره من الصحابة، وعنه أيوب وغيره من التابعين، مات
بالشام سنة أربع ومائة. وذكر للقضاء فهرب حتَّى أتى اليمامة، وقال:
ما وجدت مثل القاضي العالم إلا مثل رجل وقع في بحر فما عسى
أن يسبح حتَّى يغرق(٤).
وأما أيوب: (ع) فهو الإمام المجمع عَلَى جلالته وإمامته وثقته
وثبته، أبو بكر أيوب بن أبي تميمة -بفتح المثناة فوق- واسمه:
كيسان السختياني - بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة وكسر
(١) سيأتي برقم (٢١) كتاب: الإيمان، باب: من كره أن يعود في الكفر. ومسلم (٤٣/
٦٧) كتاب الإيمان، باب: بيان خصال من أتصف بهن وجد حلاوة الإيمان.
(٢) رواه مسلم (٦٨/٤٣) الموضع السابق.
(٣) ورد في هامش (ف): روجع بخط الدمياطي بالباء الموحدة.
(٤) أنظر: ((طبقات ابن سعد)) ١٨٣/٧، و((التاريخ الكبير)) ٩٢/٥ (٢٥٥)، و((الجرح
والتعديل)) ٥٧/٥ (٢٦٨)، و((تهذيب الكمال)) ٥٤٢/١٤ (٣٢٨٣)، ((سير أعلام
النبلاء)) ٤٦٨/٤ - ٤٧٥ (١٧٨).

٥٢٥
== كتاب الإيمان
التاء- البصري التابعي، مولى بني عنزة، ويقال: جهينة. ومواليه حلفاء
بني الحريش.
وقيل لَهُ: السختياني. لأنه كان يبيع الجلود بالبصرة، وقال
السمعاني: هُذِه النسبة إلى عمل السختيان وبيعه، وهو الجلود الضائنة
ليست بأدم(١).
وقال الصغاني في ((عبابه)): السختيان: جلد الماعز المدبوغ،
فارسي معرب.
وفي ((المطالع» بعد أن ضبطه بالفتح(٢) أن الجوهري قَالَ: سمي
بذلك؛ لأنه يبيع الجلود. وقال: ومنهم من يضم السين.
رأى أنسًا، وسمع عمرو بن سلمة -بكسر اللام- الجرمي، وخلقًا
من كبار التابعين.
وعنه: ابن سيرين، وقتادة، وعمرو بن دينار، وهم من شيوخه،
وغيرهم من التابعين، وغيرهم كمالك، والثوري، وشعبة.
قَالَ ابن علية: كنا نقول: عنده ألفا حديث. وقال شعبة: ما رأيت
مثله، كان سيد الفقهاء. وقال ابن عيينة: لقيت ستة وثمانين تابعيًّا
ما لقيت منهم مثل أيوب. ولد سنة ست أو ثمان وستين، ومات سنة
إحدى وثلاثين ومائة(٣).
وأما عبد الوهاب: (ع) فهو الإمام الحافظ أبو محمد عبد الوهّاب بن
(١) ((الأنساب)) ٧/ ٥٣.
(٢) غير مقروءة في (ف).
(٣) أنظر: ((الطبقات الكبرى)) ٢٤٦/٧ - ٢٥١، ((التاريخ الكبير)) ٤٠٩/١، ٤١٠
(١٣٠٧)، ((الأنساب)) ٥٣/٧، ((تهذيب الكمال)) ٤٥٧/٣ - ٤٦٤ (٦٠٧)، ((سير
أعلام النبلاء)» ١٥/٦- ٢٦ (٧)، ((شذرات الذهب)) ١٨١/١.

٥٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
عبد المجيد بن الصلت بن عبيد الله بن (الحكم بن بشر)(١) بن عبد الله بن
دهمان بن (عبد الله بن همام)(٢) بن أبان بن يسار بن مالك بن حطيط بن
جشم بن قسي، وهو ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن
عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان الثقفي البصري.
سمع جمعًا من الأعلام، منهم: يحيى الأنصاري، وأيوب، وخالد
الحذاء، وداود بن أبي هند التابعيون. وعنه الأعلام: الشافعي، وأحمد،
وإسحاق، وغيرهم، وثقه يحيى بن معين، وقال: إنه اختلط بآخره.
وقال عقبة بن مكرم العمي: اختلط قبل موته بثلاث سنين أو أربع.
وقال غيره: إنه لم يحدث بعد الاختلاط، وحجب الناس عنه. ووثقه
العجلي أيضًا.
وقال ابن سعد: كان ثقة وفيه ضعف(٣). وقال عمرو بن علي: كانت
غلة عبد الوهاب في كل سنة ما بين أربعين ألفًا إلى خمسين ألفًا،
لا يحول الحول عَلَى شيء منها كان ينفقها عَلَى أصحاب الحديث.
ولد سنة ثمان أو عشر ومائة، ومات سنة أربع وتسعين (٤).
وأما محمد (ع) بن المثنى: فهو أبو موسى محمد بن المثنى بن
عبيد بن قيس بن دينار العنزي البصري الحافظ المعروف بالزمن،
(١) كذا في (ف)، وفي ((التاريخ الكبير)) ٩٧/٦، ((التعديل والتجريح)) ٩١٩/٢،
(«تاريخ بغداد)» ١٨/١١: الحكم بن أبي العاص بن بشر.
(٢) في (ف): عبد الله بن عبد همام، والمثبت من ((التاريخ الكبير)) ٩٧/٦، ((التجريح
والتعديل)) ٩١٩/٢.
(٣) ((الطبقات الكبرى)) ٢٨٩/٧.
(٤) انظر: ((العلل ومعرفة الرجال)) ١٥٥/١ (٦٥)، ((التاريخ الكبير)) ٩٧/٦ (١٨٢٢)،
و((الثقات)) للعجلى ١٠٨/٢ (١١٤٧)، و((الجرح والتعديل)) ٧١/٦ (٣٦٩)،
و (تهذيب الكمال)» ٥٠٣/١٨ (٣٦٠٤)، و ((سير أعلام النبلاء)» ٩/ ٢٣٧ (٦٧).

٥٢٧
كتاب الإيمان
=
والعنزي -بفتح العين- نسبة إلى عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن
عدنان حي من ربيعة، روى عن سفيان بن عيينة وخلق، وعنه: الجماعة
وابن خزيمة وخلق.
وهو ثقة ورع، ولد سنة سبع وستين ومائة، وهي السنة التي مات
فيها حماد بن سلمة، وولد بندار ومات بالبصرة سنة اثنتين وخمسين
ومائتين(١).
فائدة :
رجال هذا الحديث كلهم بصريون خَرّج لهم الشيخان وباقي الستة.
الوجه الثالث في فوائده:
وهو حديث عظيم أصل من أصول الإسلام، وأصله من كتاب الله
تعالى قوله تعالى: ﴿قُلّ إِن كَانَ ءَابَآؤُّكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ .. إلى قوله تعالى:
﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ثمَّ هدد عَلَى ذَلِكَ وتوعد بقوله:
﴿فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَنْرِهُ﴾ [التوبة: ٢٤].
وخص هذِه الثلاثة بالذكر؛ لأنها لا توجد إلا ممن تنور قلبه بنور
الإيمان واليقين؛ فانكشف لَهُ الأحوال.
الأولى: حلاوة الإيمان.
استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الله تعالى ورسوله، وإيثار
ذَلِكَ عَلَى أغراض الدنيا.
وفي رواية أخرى في ((الصحيح)): ((ثلاث من كن فيه وجد طعم
(١) انظر: ((الجرح والتعديل)) ٩٥/٨ (٤٠٩)، و((الثقات)) لابن حبان ١١١/٩،
و ((تهذيب الكمال)) ٣٥٩/٢٦ (٥٥٧٩)، و((سير أعلام النبلاء)» ١٢٣/١٢ (٤٢)،
(«شذرات الذهب)) ١٢٦/٢.

٥٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الإيمان))(١). فذكره، وفي حديث آخر: ((ذاق طعم الإيمان من رضي بالله
رَبًّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيًّا))(٢)، وهو راجع إلى المعنى الذي
ذكرناه.
الثانية: محبة العبد لربه } تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته،
وكذلك محبة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، وهي التزام شريعته.
قَالَ القاضي عياض: ولا تصحُّ محبة الله تعالى ورسوله حقيقة،
وحب المرء الأذى في الله وكراهة الرجوع إلى الكفر إلا لمن قوي
بالإيمان يقينه، واطمأنت به نفسه، وانشرح لَهُ صدره، وخالط لحمه
ودمه، وهذا هو الذي وجد حلاوة الإيمان، والحب في الله من
ثمرات حب الله تعالى(٣).
قَالَ بعضهم: المحبة مواطأة القلب عَلَى ما يرضي الرب سبحانه،
فنحب ما أحب، ونكره ما يكره. ونظم هذا المعنى محمود الوراق(٤)
فقال :
هذا محال في القياس بديعُ
تعصي الإله وأنت تظهر حُبَّه
إن المحبَّ لمن يحبُّ مطبعُ
لو كان حبُّك صادقًا لأطعته
(١) رواه مسلم (٦٨/٤٣) كتاب الإيمان، باب: بيان خصال من أتصف بهن وجد
حلاوة الإيمان.
(٢) رواه مسلم (٣٤) كتاب الإيمان، باب: الدليل على أن من رضي بالله ربا
وبالإسلام دينا وبمحمد زَّ و رسولا فهو مؤمن وإن أرتكب المعاصي.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٢٧٨/١.
(٤) هو: محمود الوراق بن الحسن البغدادي، شاعر، له نظم بليغ في المواعظ، روی
عنه ابن أبي الدنيا، أنظر: ((تاريخ بغداد)» ٨٧/١٣ (٨٠٧٢)، و((سير أعلام النبلاء)»
٤٦١/١١ (١١٥).

٥٢٩
كتاب الإيمان
وبالجملة فأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحبوب، والله سبحانه
منزه أن يميل أو يمال إليه (١).
وأما محبة الرسول فيصح فيها الميل إذ يميل الإنسان إلى ما يوافقه،
أما الاستحسان كالصورة الجميلة والصوت والمطاعم الشهية ونحوها،
أو لما يستلذه بعقله من المعاني والأخلاق كمحبة الصالحين والعلماء،
أو لمن يحسن إليه ويدفع الضرر عنه، وهُذِه المعاني كلها موجودة
في رسول الله وَّة؛ لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال
أوصاف الجلال، وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين
بهدايتهم](٢) إياهم إلى صراط مستقيم ودوام النعيم. وأشار بعضهم
إلى أن هذا يتصور في حق الله تعالى. وحب العبد لَهُ عَلَى قدر معرفته
بجلاله وكمال صفاته، و(تنزيهه)(٣) عن النقائص، وفیض إحسانه،
ولا استحالة في ذَلِكَ (٤).
الثالثة: عبر وَله بقوله: ((مما سواهما)) دون من سواهما لعموم ما.
(١) مذهب أهل السنة والجماعة إثبات صفة المحبة لله تعالى كما أثبتها تعالى لنفسه
وأثبتها له رسوله وَحقه.
قال الطوفي: ذهب طوائف من المتكلمين والفقهاء إلى أن الله لا يُحِب ولا يُحَب،
وإنما محبته محبة طاعته وعبادته وقالوا: هو أيضًا لا يُحِب عباده المؤمنين، وإنما
محبته إرادته الإحسان إليهم.
قال الطوفي: والذي دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها
وجميع مشايخ الطريق أن الله تعالى يُحِب ويُحَب لذاته، وأما حُبُّ ثوابه فدرجة
نازلة. اهـ. انظر: ((أقاويل الثقات)) ص ٧٧.
(٢) ينتهي هنا سقط طويل من (ج) أشرنا إلى بدايته.
(٣) من (ج)، وفي (ف): (نقصه).
(٤) ((إكمال المعلم)) ٢٧٨/١ - ٢٧٩. بتصرف يسير.

٥٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وما سواهما: هو جميع المخلوقات من ملك ونبي وغيرهما.
الرابعة: فيه دلالة عَلَى أنه لا بأس بمثل هذه النسبة، أعني قوله:
(سواهما)). وأما قوله وَلير -للذي خطب وقال: ومن يعصهما فقد
غوى -: ((بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله)). أخرجه
مسلم(١) من حديث عدي بن حاتم. فجوابه من أوجه: أحسنها: أنه
ليس من هذا النوع؛ لأن المراد في (الخطب)(٢) الإيضاح لا الرموز
والإشارات، وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ.
ومما يدل عَلَى هذا حديث ابن مسعود في خطبة الحاجة: ((من يطع
الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه)). أخرجه أبو داود
وغيره بإسناد جيد، لأجل عمران بن داور -بالراء في آخره-، وإن خرج
لَهُ البخاري متابعًا، وحكم النووي والقرطبي لإسناده بالصحة(٣).
(١) رواه مسلم (٨٧٠) كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة.
(٢) في (ف): الخطيب، والمثبت من (ج).
(٣) أبو داود (٢١١٩)، والشاشي في («مسنده)) ٢/ ٢٣٤ (٨٠٦)، والطبراني في ((الكبير))
٢١١/١٠ (١٠٤٩٩) وفي ((الأوسط)) ٧٤/٣ (٢٥٣٠)، والبيهقي ١٤٦/٧.
قال النووي في ((شرح صحيح مسلم)) ٦/ ١٦٠: إسناده صحيح.
وقال الحافظ المنذري في ((مختصر سنن أبي داود)» ٣/ ٥٥: في إسناده عمران بن
داور القطان، وفيه مقال.
وقال ابن القيم في نفس الموضع في: ((الحاشية)): وقد روى النسائي وغيرُه من
حديث عدي بن حاتم قال: تشهَّد رجلان عند النبي ◌ِّ، فقال أحدهما: من يطعٍ
الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما. فقال رسول الله وقل له: ((بئس الخطيب أنت))،
فإن صح حديث عمران بن داور، فلعله رواه بعضهم بالمعنى فظن أن اللفظين
سواء، ولم يبلغه حديث ((بئس الخطيب أنت)) وليس عمران بذاك الحافظ.
وقال الألباني في ((تمام المنة)) ص ٣٣٥: فيه أبو عياض، وهو مجهول، وقد أعلهُ
المنذري وابن القيم والشوكاني بغيره، والحق ما ذكرتهُ.

٥٣١
كتاب الإيمان
-
ثانيها: إنه إنما أنكر الجمع تعظيمًا لله تعالى، وقد قَالَ وَّ:
((لا يقولن أحدكم: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن: ثمَّ ما شاء
فلان))(١)؛ لما في ثمَّ من التراخي بخلاف الواو التي تقتضي التسوية.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيْ﴾ [الأحزاب: ٥٦]
فيه اشتراك الضمير أيضًا، لكن قدره آخرون بأن الله يصلي وملائكته
يصلون.
ثالثها: أنه إنما أنكر عليه وقوفه عَلَى: ومن يعصهما. لكن قوله:
((قل(٢): ومن يعص الله ورسوله)) يرد ذَلِكَ.
رابعها: أنه ◌َّلَهُ أن يجمع بخلاف غيره.
خامسها: أن الجمع يوهم التسوية من قصده فلهذا منعه، قَالَه ابن
عبد السلام.
سادسها: أن كلامه ◌َاليه جملة واحدة، فيكره (لغة)(٣) إقامة المضمر
مقام (الظاهر)(٤) بخلاف كلام الخطيب؛ فإنه جملتان. قاله ابن
رزين، وبعضهم أجاب بأن المتكلم لا يتوجه تحت خطاب نفسه إِذَا
و جهه لغيره.
الخامسة: فيه الحث عَلَى المحبة في الله تعالى والإخلاص فيها.
(١) رواه أبو داد (٤٩٨٠)، وأحمد ٣٨٤/٥ (٢٣٢٦٥)، والطيالسي ٣٤٤/١ (٤٣١)،
وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٣٤٠/٥ (٢٦٦٨١)، والنسائي في (الكبرى)) ٦/
٢٤٥ (١٠٨٢١)، والبيهقي ٢١٦/٣ كلهم عن حذيفة، وصححه الألباني في
((الصحيحة)) (١٣٧).
(٢) من (ف).
(٣) في (ج): (لغيره).
(٤) في (ج): (المظهر).

٥٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقد قَالَ مالك وغيره: المحبة في الله من واجبات الإسلام. وفيه أحاديث
كثيرة، منها: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) فقال:
((ورجلان تحابا في الله))(١). ومنها قوله: ((المتحابون بجلالي اليوم
أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي))(٢)، وهو دأب أولياء الله تعالى.
وقد قَالَ يحيى بن معاذ الرازي: حقيقة المحبة أن لا تزيد بالبر،
ولا ينقص بالجفاء، وأما المحبة المشوبة بالأغراض الدنيوية
والحظوظ البشرية فغير مطلوبة؛ لأن من أحب لذلك أنقطعت عند
حصول غرضه أو إياسه منه، بخلاف المحبة (الخالصة)(٣)؛ فإنه
تحصل الألفة الموجبة للتعاون عَلَى البر والتقوى.
السادسة: معنى: ((يعود في الكفر)): يصير، والعود والرجوع قَدْ
اُستعملا بمعنى الصيرورة، قَالَ تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَّعُودَ فِيهَا﴾
[الأعراف: ٨٩] والمعنى أن هذِه الكراهة إنما توجد عند وجود سببها،
وهو ما دخل قلبه من نور الإيمان، وكشف لَهُ عن المحاسن
والطغيان، وقيل: المعنى أن من وجد حلاوة الإيمان علم أن الكافر
في النار، يكره الكفر ككراهيته لدخول النار.
ومعنى («يقذف في النار)): يصير فيها عافانا الله منها ومن كل البلاء.
(١) سيأتي برقم (٦٦٠) كتاب الآذان، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة،
وفضل المساجد.
(٢) رواه مسلم (٢٥٦٦) كتاب البر والصلة، باب: فضل الحب في الله.
(٣) في (ج): (الخاصة).

٥٣٣
كتاب الإيمان
١٠- باب عَلَامَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ
١٧- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بنِ جَْرٍ
قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّسَاء عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ قَالَ: «آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النَّفَاقِ
بُغْضُ الأَنْصَارِ)). [٣٧٨٤- مسلم ٧٤ - فتح ٦٢/١]
ثَنَا أَبُو الوَلِيدِ ثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ:
سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ ، وَآيَةُ
النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنَّصَارِ)).
الكلام عليه من وجوه :
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري (رباعيًّا عاليًا هنا)(١)، وفي فضائل
الأنصار: عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة(٢)، وأخرجه مسلم خماسيًّا
عن ابن المثنى عن عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة به. ولفظه: ((آية
المؤمن)) ((وآية المنافق)) (٣). وأخرجا من حديث البراء بن عازب في
الأنصار: ((لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه
الله، ومن أبغضهم أبغضه الله))(٤). وأخرج مسلم من حديث أبي
هريرة: ((لا يبغض الأنصار رجل مؤمن بالله واليوم الآخر)) (٥).
(١) في (ج): رباعيا كما يأتي هنا.
(٢) سيأتي برقم (٣٧٨٤) كتاب مناقب الأنصار، باب: حب الأنصار من الإيمان.
(٣) مسلم (٧٤) كتاب الإيمان، باب: الدليل على أن حب الأنصار وعلي * من
الإيمان.
(٤) سيأتي برقم (٣٧٨٣) كتاب مناقب الأنصار، باب: حب الأنصار من الإيمان،
ورواه مسلم (٧٥) كتاب الإيمان، باب: الدليل على أن حب الأنصار وعلي
من الإيمان.
(٥) رواه مسلم (٧٦) الموضع السابق.

٥٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأخرجا من حديث أنس: ((الأنصار كرشي وعيبتي، وإن الناس
يكثرون ويقلون، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم))(١).
الوجه الثاني: في التعريف برواته.
أما أنس وشعبة فسلفا.
وأما عبد الله (ع) بن عبد الله بن جبر بن عتيك فهو أنصاري مدني ثقة.
أهل المدينة يقولون: جابر، والعراقيون يقولون: جبر. وقال ابن منجويه:
لا يصحُّ، إنما هو جابر، وقيل: هما اثنان، سمع عمر وأنسًا، وعنه
مالك ومسعر وشعبة(٢).
وأما أبو الوليد فهو هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري مولى
باهلة. سمع جمعًا من الأعلام: مالكًا والحمادين وغيرهما، وعنه:
البخاري، وأبو داود، والباقون بواسطة، وثقته، وحفظه، وإتقانه،
وجلالته، وإمامته مجمع عليها، وكانت الرحلة بعد أبي داود الطيالسي
إليه. ولد سنة ست وثلاثين ومائة ومات سنة (سبع)(٣) وعشرين
(٤)
ومائتين
.
(١) سيأتي برقم (٣٨٠١) كتاب مناقب الأنصار، باب: قول النبي وَّير ((اقبلوا من
محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم))، ورواه مسلم ١٩٤٩/٤ (٢٥١٠) كتاب: فضائل
الصحابة، باب: في فضائل الأنصار.
(٢) أنظر: ((التاريخ الكبير)) ١٢٦/٥ (٣٧٤)، ((الجرح والتعديل)) ٩٠/٥ (٤١٥)،
((الثقات)) ٢٩/٥، ((تهذيب الكمال)) ١٧١/١٥ - ١٧٢ (٣٣٦٢)، ((تقريب التهذيب))
(٣٤١٣).
(٣) في (ج): (تسع).
(٤) انظر: ((الطبقات الكبرى)) ٣٠٠/٧، ((التاريخ الكبير)) ١٩٥/٨ (٢٦٧٩)، («التاريخ
الصغير)) ٣٥٥/٢، ((الجرح والتعديل)) ٦٥/٩ (٢٥٣)، ((الثقات)) ٥٧١/٧،
((الثقات)) لابن شاهين (١٥٣٥)، ((تهذيب الكمال)) ٢٢٦/٣٠ - ٢٣٢ (٦٥٨٤)،
((سير أعلام النبلاء)) ٣٤١/١٠، ((شذرات الذهب)) ٦٢/٢.

٥٣٥
كتاب الإيمان
وأبو داود الطيالسي سليمان بن داود الحافظ صاحب ((المسند)). مات
سنة أربع ومائتين عن إحدى وتسعين سنة (١).
فائدة :
أبو الوليد جماعة: هذا والمجاشعي(٢)، والدمشقي(٣)، والمكي(٤)
عن جابر وآخر عن ابن عمر(٥).
(١) هو سليمان بن داود بن الجارود، يكنى أبا داود ولد سنة ١٣٣هـ، وقد رحل مبكرا
في طلب العلم فرحل إلى بغداد وسمع من عبد الرحمن المسعودي، ورحل إلى
الكوفة، وسمع من متقدمي الكوفة؛ كالثوري وإسرائيل، ورحل إلى المدينة،
وسمع من فليح بن سليمان والإمام مالك بن أنس وغيره.
ومن شيوخه: شعبة، وحماد بن سلمة، والوضاح بن عبد الله، وأبو عوانة، ومحمد
ابن عبد الرحمن بن المغيرة، وورقاء بن عمر، ومن تلاميذه: يونس بن حبيب،
وأحمد بن حنبل، ومحمد بن بشار، توفي بالبصرة سنة ٢٠٣، أو ٢٠٤ هـ
انظر: ((الطبقات الكبرى)) ٢٩٨/٧، ((تاريخ الدارمي)) (١٠٧، ١١٠)، ((التاريخ
الكبير)) ١٠/٤ (١٧٨٨)، ((التاريخ الصغير)) ٢٩٩/٢، ((الجرح والتعديل)) ١١١/٤-
١١٣ (٤٩١)، ((تهذيب الكمال)) ٤٠١/١١ (٢٥٠٧)، ((سير أعلام النبلاء)) ٣٧٨/٩.
(٢) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٤٧/٢ (٢٠٠٢)، ((الجرح والتعديل)) ٤٣٢/٢
(١٧١٨)، ((تهذيب الكمال)) ٤ / ٤٧ (٦٥٦).
(٣) نسبة لاثنين وهما :
أ - عمير بن هانئ العنسي انظر ترجمته في ((التاريخ الكبير)) ٥٣٥/٦ (٣٢٣٦)،
((الجرح والتعديل)) ٣٧٨/٦ (٢٠٩٧)، ((تهذيب الكمال)» ٣٨٨/٢٢ (٤٥٢١).
ب- هشام بن عمار بن نصير انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١٩٩/٨ (٢٧٠١)،
((الجرح والتعديل)) ٦٦/٩ (٢٥٥)، ((تهذيب الكمال)) ٢٤٢/٣٠ (٦٥٨٦).
(٤) هو سعيد بن مينا انظر ترجمته: ((التاريخ الكبير)) ٥١٢/٣ (١٧٠١)، ((الجرح
والتعديل)) ٦١/٤ (٢٦٣)، ((تهذيب الكمال)) ٨٤/١١ (٢٣٦٥).
(٥) هو عبد الله بن الحارث الأنصاري، انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٦٤/٥
(١٥٨)، (الجرح والتعديل)) ٣١/٥ (١٣٨)، ((تهذيب الكمال)) ٤٠٠/١٤
(٣٢١٧)، ((تقريب التهذيب)) (٣٢٦٦).
١

٥٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الوجه الثالث:
الأنصار لقب إسلامي، سموا بذلك لنصرتهم النبي وَّر وهم(١) ولد
الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء -لطول عنقه- بن عمرو
مزيقيا -الخارج من اليمن أيام سيل العرم- بن عامر بن ماء السماء بن
حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول، بن مازن،
وهو جماع غسان بن الأزد، واسمه ذراء عَلَى وزن فعال بن الغوث بن
نبت بن مالك بن زيد كهلان أخي حمير بن يعرب بن يقطن، وهو قحطان
وإلى قحطان جماع اليمن، وهو أبو اليمن كلها، ومنهم من ينسبه إلى
إسماعيل فيقول: قحطان بن الهميسع بن تيمن بن نبت بن إسماعيل،
هذا قول الكلبي.
ومنهم من نسبه إلى غيره فيقول: قحطان بن فالخ بن عابر بن
شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. فعلى الأول العرب كلها من ولد
إسماعيل، وعلى الثاني من ولد إسماعيل وقحطان. وقال حسان بن
ثابت الأنصاري:
إمّا سألت فإنا معشر نجبٌّ الأزد نسبتنا والماء غسان
وغسان ماء كان شربًا لولد مازن بن الأزد. وكذا أسلفنا هذه النسبة
أيضًا في الحديث الأول في الصحيح بزيادة البعض.
الرابع في فوائده:
((آية الإيمان)) علامته ودلالته و((حب الأنصار)) من حيث كانوا أنصار
الدين ومُظهريه، وباذلي أنفسهم وأموالهم، وقتالهم الناس كافة دونه
علامة ودلالة قاطعة عَلَى الإيمان، فمن عرف حق الأنصار ومبادرتهم
(١) في (ج): وأنصار النبي وَّد.

٥٣٧
= كتاب الإيمان
ونصرهم ومحبتهم لَّهُ وَّر أحبهم ضرورة بحكم صحة إيمانه، ومن كان
منافقًا لم يسره ما جاء منهم فيبغضهم.
وهذا جارٍ في أعيان الصحابة كالخلفاء، وبقية العشرة،
والمهاجرين، بل في كل الصحابة إذ (كل واحد منهم له)(١) سابقة
وسالفة، وغناء في الدين وأثر حسن فيه.
فحبهم لذلك المعنى محض الإيمان، وبغضهم محض النفاق، ويدل
عليه الحديث الوارد في فضل الصحابة كلهم: ((من أحبهم فبحبي أحبهم،
ومن أبغضهم فيبغضي أبغضهم)) (٢)، وأما من أبغض أحدًا منهم من غير
تلك الجهة لأمر طارئ من حديث وقع لمخالفة غرض أو لضرر ونحوه لم
يصر بذلك منافقًا ولا كافرًا، فقد وقع بينهم حروب ومخالفات، ومع
ذَلِكَ لم يحكم بعضهم عَلَى بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذَلِكَ
حال المجتهدين في الأحكام.
فإما أن يقال: كلهم مصيب أو المصيب واحد، والمخطئ معذور مع
أنه مخاطب بما يراه ويظنه، فمن وقع لَهُ بغض في واحد منهم - والعياذ
بالله- لشيء من ذَلِكَ فهو عاص تجب عليه التوبة، ومجاهدة نفسه بذكر
سوابقهم وفضائلهم، وما لهم (عَلَى كل)(٣) من بعدهم من الحقوق؛ إذ
لم يصل أحد من بعدهم لشيء من الدين والدنيا إلا بهم، وبسببهم قَالَ
تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ١٠] نبه عَلَى ذَلِكَ
(١) في (ج): لكل واحد منهم.
(٢) رواه الترمذي (٣٨٦٢)، وأحمد ٨٧/٤، وابن أبي عاصم في ((السنة)) ٩٩٢ وابن
حبان ٢٢٤/١٦ (٧٢٥٦) عن عبد الله بن مغفل قال الترمذي: هذا حديث غريب لا
نعرفه إلا من هذا الوجه. وضعفه الألباني في ((ظلال الجنة في تخريج السنة)) (٩٩٢).
(٣) في (ج): على ذلك.

٥٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
القرطبي (١) ففيه: الحث عَلَى حب الأنصار، وبيان فضلهم لما كان منهم
من مناصحتهم لله تعالى ولرسوله وللمهاجرين وسائر المسلمين،
وإعزازهم للدين، وإيثارهم به على أنفسهم وغير ذَلِكَ.
(١) ((تفسير القرطبي)) ١٨/ ٣٢، والقرطبي هو الإمام العلامة أبو عبد الله الأنصاري.
الخزرجي، القرطبي محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح إمام متفنن متبحر في
العلم، لهُ تصانيف مفيدة تدلُّ على كثرة اطلاعه ووفور فضله. منها كتاب ((الجامع
لأحكام القرآن))، وكتاب ((الأسنى في الأسماء الحُسنى))، وكتاب ((التذكرة))،
وأشياء تدل على إمامته وكثرة اطلاعه. توفي في أوائل سنة ٦٧١ هـ بمنية بني خصيب
من الصعيد الأدنى بمصر. وقد سارت بتفسيره الرُكبان وهو كامل في معناه.
انظر ترجمتهُ في: «تاريخ الإسلام)» ٧٤/٥٠، ٧٥ (٢٦)، ((معجم المؤلفين)) ٣/
٥٢، «شذرات الذهب» ٣٣٥/٥،

٥٣٩
- كتاب الإيمان
١١- باب
١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَبِ أَبُو إِذْرِيسَ
عَائِذُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﴿ - وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا ، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ
لَيْلَةَ العَقَبَةِ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: (بَايِعُونِي عَلَى أَنْ
لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا
بِيُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُونٍ، فَمَنْ وَفَى
مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ به فِي الدُّنْيَا فَهُوَ
كَفَّارَةٌ لَهُ ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ ، فَهُوَ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا
عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ)). فَبَا يَغْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ. [٣٨٩٢، ٣٨٩٣، ٣٩٩٩، ٤٨٩٤، ٦٧٨٤، ٦٨٠١،
٦٨٧٣، ٧٠٥٥، ٧١٩٩، ٧٢١٣، ٧٤٦٨ - مسلم ١٧٠٩ - فتح ٦٤/١]
نا أَبُو الْيَمَانِ أنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِذْرِيسَ عَائِذُ
اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ
لَيْلَةَ العَقَبَةِ - أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: ((بَايِعُونِي
عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا ، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ،
وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ،
فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ [به](١)
فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ ، فَهُوَ إِلَى
اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ)). فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ.
الكلام عليه من وجوه :
أحدها :
هكذا وقع هذا الباب في البخاري غير مضاف، وهو صحيح،
(١) من (ج).

٥٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وأخرجه البخاري -أعني: هذا الحديث- في خمسة مواضع: هنا
والمغازي (١) والأحكام عن أبي اليمان عن شعيب (٢)، وفي وُفود
الأنصار، عن إسحاق بن منصور، عن يعقوب عن ابن أخي
الزهري (٣)، وعن عليّ عن ابن عيينة.
قَالَ البخاري عقبه: وتابعه عبد الرزاق عن معمر (٤)، وفي الحدود
عن ابن يوسف، عن معمر (٥). وأخرجه مسلم في الحدود عن يحيى بن
يحيى، وأبي بكر والناقد وإسحاق وابن نمير عن ابن عيينة، وعن
عبد الرزاق عن معمر، كلهم عن الزهري به (٦).
الوجه الثاني: في التعريف برواته.
فأما أبو اليمان وشعيب والزهري فسلف ذكرهم.
وأما عبادة (ع) فهو: أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس بن
أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم -وهو: قوقل - بن سالم بن عوف بن
عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، شهد العقبتين
الأولى والثانية، وبدرًا وأحدًا، وبيعة الرضوان والمشاهد كلَّها.
روي له مائة حديث وأحد وثمانون حديثًا، اتفقا منها عَلَى ستة،
وانفرد كل واحد بحديثين. روى عنه جمع من الصحابة منهم أنس
(١) سيأتي برقم (٣٩٩٩) باب (١٢).
(٢) سيأتي برقم (٧٢١٣) باب: بيعة النساء.
(٣) سيأتي برقم (٣٨٩٢) كتاب: مناقب الأنصار، باب: وفود الأنصار إلى النبي وَله
٠٠
(٤) سيأتي برقم (٤٨٩٤) كتاب: التفسير، باب: ﴿إِذَا جَآءَلَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ﴾.
(٥) سيأتي برقم (٦٨٠١) باب: توبة السارق.
(٦) مسلم (١٧٠٩ / ٤١ - ٤٢) باب: الحدود كفارات لأهلها.