Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ كتاب بَدْء الوَحْي = خامسها: أنه لما كان يدارسه القرآن زادت معاينته الآخرة فأخرج ما في يده (من)(١) الدنيا. الثانية: استحباب مدارسة القرآن وكذا غيره من العلوم الشرعية، وحكمة المدارسة أن الله تعالى ضمن لنبيه أن لا ينساه فأنجزه بها، وخص بذلك رمضان؛ لأن الله تعالى أنزل القرآن فيه إلى سماء الدنيا جملة من اللوح المحفوظ ثمَّ نزل بعد ذَلِكَ نجومًا عَلَى حسب الأسباب في عشرين سنة، يروى أن الله تعالى أنزله في ليلة (أربعة)(٢) وعشرين منه(٣)، وقال الحسن: ذكر لنا أنه كان بين أوله وآخره ثماني عشرة سنة نزل عليه بمكة ثماني سنين قبل أن يهاجر، وبالمدينة عشر سنين(٤)، وقال الشعبي: فرق الله تنزيله، بين أوله وآخره عشرون أو (نحو)(٥) من عشرين سنة (٦). ويقال: إن الذي نزل بالمدينة ثمان وعشرون سورة، وسائرها بمكة وقد أسلفنا ذَلِكَ في حديث الوحي عن ابن عباس وابن الزبير، ويقال: إن = قال ابن الجوزي في ((العلل)): هذا حديث لا يصح، وقال في ((الموضوعات)) ٢/ ٥٥٢: إسناده لا يثبت، وكذا قال الشوكاني في ((الفوائد)) ص٨٩. ورواه ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (١١٢٠) من حديث أبي هريرة، وقال: حديث موضوع على رسول الله ◌َۇر، وفيه مجاهيل. وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٢٩٩، ٥٤٦٨): موضوع. (١) في (ج): في. (٢) كذا في الأصول. وفي ((تفسير الطبري)): (أربع). (٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٢١/١١ (٣١٠٢٦) عن قتادة. (٤) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٦٣/٨ (٢٢٧٨٧، ٢٢٧٨٩). (٥) روي نحوه عن قتادة، رواه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٣٣١/١ (١٦٣٦)، والطبري ٨/ ١٦٢ - ١٦٣ (٢٢٧٧٩ - ٢٢٧٨٨). (٦) في (ج): (نحوًا). ٣٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = في ليلة أربع وعشرين من رمضان نزلت صحف إبراهيم والتوارة والإنجيل. وقيل: نزلت صحف إبراهيم أول ليلة منه، والتوارة لست والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين. الثالثة: مجالسة الصالحين فإنه ينتفع بهم. الرابعة: استحباب إكثار قراءة القرآن في رمضان فإنه رَ * فعل ذَلِكَ للتأسي. الخامسة: الحث عَلَى الجود والإفضال في كل الأوقات والزيادة منه في شهر رمضان، ومواطن الخير، وعند الاجتماع بالصالحين، وعقب فراقهم؛ ليتأثر بلقائهم. السادسة: زيارة الصالحين وأهل الفضل ومجالستهم كما سلف وتكرير زيارتهم وتواصلها إِذَا كان المزور لا يكره ذَلِكَ ولا يتعطل به عن مهم هو عنده أفضل من مجالسة زائره، فإن كان بخلاف ذَلِكَ استحب تقليلها. السابعة: أنه لا بأس بقول: رمضان من غير ذكر شهر، وهذا هو المذهب الصحيح المختار، وسيأتي في كتاب الصيام إن شاء الله بيان الاختلاف فيه حيث ذكره البخاري، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة بإطلاق رمضان(١). الثامنة: أن قراءة القرآن أفضل من التسبيح وسائر الأذكار، لأنه تكرر اجتماعهما عليه دون الذكر، لا يقال: المقصود تجويد الحفظ، فإنه كان حاصلًا والزيادة فيه تحصل ببعض هذِه المجالس. (١) سيأتي الكلام على هذه المسألة مفصلًا في كتاب: الصوم، باب: هل يقال رمضان أو شهر رمضان، ومن رأی کله واسعًا. حديث (١٨٩٨ - ١٩٠٠). ٣٦٣ كتاب بَدْء الوَحْي ٧- باب ٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الَحَكَمُ بْنُ نَافِعِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَزْبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ - وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّأْمِ- في المدَّةِ التِي كَانَ رَسُولُ اللهِ لَّ مَاذَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي ◌َجْلِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الزُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَزْجُمَانِهِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بهذا الرَّجُلِ الذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا. فَقَالَ أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرَّبُوا أَصْحَابَهُ، فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّ سَائِلٌ هذا عَنْ هذا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللَّهِ لَوْلَا الَحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلََّّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ قَالَ هذا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَخْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَذْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هذِهِ الكَلِمَةِ. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قَالَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: أَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ. ٣٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبٍ قَوْمِهَا، وَسَأَلَّتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هذا القَوْلَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ: هذا القَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكِ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَزْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَغْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ، وَسَأَلَّتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَخْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ أَتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلَّتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، وَسَأَلَّتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلَّتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ، فَذَكَزْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَغْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوَثَانِ، وَيَأْمُرُّكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ. فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنٍ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَّ أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابٍ رَسُولِ اللهِ وَِّ الذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمٌ بُصرى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدىُ، أَمَّا بَعْدُ فَإِّ أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَّ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنٍ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ و﴿يَتَأَهْلَ اَلْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَّكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِن دُونِ الَّهِ فَإِن تَوَلَوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتِ الأَضْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لِأَضْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابن أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ. فَمَا زِلْتُ مُوقِنَا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَّيَّ الإِسْلَامَ. وَكَانَ ابن النَّاظُورِ، صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ، سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ، يُحَدِّثُ ٠ ٣٦٥ - كتاب بَدْء الوَحْي أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَزْنَا هَيْئَتَكَ. قَالَ ابن النَّاظُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءٌ يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِّ رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ في النُّجُومِ مَلِكَ الخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّ الَهُودُ فَلاَ يُهِمَّنَّكَ شَأْتُهُمْ وَاكْتُبْ إِلَىْ مَدَائِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ التَّهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُنَّ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَانَ، يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللهِ وََّ، فَلَمَّا أَسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: آَذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَخْتَتِنْ هُوَ أَمْ لَا. فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ العَرَبِ فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ. فَقَالَ هِرَقْلُ: هذا مَلِكُ هذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَّةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي العِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ خِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْي هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ نَِّ وَأَنَّهُ نَبِيّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءٍ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ أَطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَغْشَرَ الزُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هذا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا حَيْصَةً مُمرِ الوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَىْ هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ قَالَ: رُذُوهُمْ عَلَيَّ. وَقَالَ: إِّ قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَىْ دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنٍ هِرَقْلَ. رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَيُونُسُ وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [٥١، ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠، ٧١٩٦، ٧٥٤١ - مسلم ١٧٧٣ - فتح ١/ ٣١] الحديث السابع : قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِع أبْنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ -وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّأُمِ- فِي المُدَّةِ التِي كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مَاذَّ فِيهَا ۵٠ ٣٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِلِيَاءَ(١)، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِالترجمان، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بهذا الرَّجُلِ الذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا. فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّ، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ، فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هُذا عَنْ هُذا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللَّهِ لَوْلَا الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبِ. قَالَ: فَهَلْ قَالَ هُذا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطْ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ اتبعوه أَمْ ضُعَفَا ؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَذْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هذِهِ الكَلِمَةِ. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قَالَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: أَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ. فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبٍ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هذا القَوْلَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هُذا القَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَتَأَسَى بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ (١) هنا انتھی الحدیث من (ج) وفيها : رواه صالح بن کیسان ویونس ومعمر عن الزهري. ٣٦٧ - كتاب بَدْء الوَحْي مَلِكِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِهِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا ، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ، وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ أَتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ أَتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطٌ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ (فقلت:)(١) فَذَكَرْتَ أَنْ لَا ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ. فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَىَّ هَاتَيْنٍ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابٍ رَسُولِ اللهِ بَّهِ الذِي بَعَثَ بِهِ مع دحِيَةَ إِلَى عَظِيمِ بُصْرِىْ، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيم الرُّوم. سَلَامٌ عَلَى مَنِ أَتَّبَعَ الهُدى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنٍ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ وَ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةِ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُنْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ (١) في هامش (ف): فَذَكَرْتَ. : ٣٦٨ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ فَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابن أَبِ كَبْشَةَ، إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ. فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ. وَكَانَ ابنِ النَّاطُورِ، صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ، سُقُّفَّا عَلَى نَصَارَى الشَّامِ، يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ. قَالَ ابن النَّطُورِ وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءَ يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هُذِهِ الأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلََّ اليَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ وَاكْتُبْ إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ، فَلَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَىْ أَمْرِهِمْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَلَمَّا أَسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: أَذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَيِّنٌ هُوَ أَمْ لَا. فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِزٌ، وَسَأَلَّهُ عَنِ العَرَبِ فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ. فَقَالَ هِرَقْلُ: هذا مَلِكُ هذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي العِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأَىُ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ نَّهِ وَأَنَّهُ نَبِيٍّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصََ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ أَطَلَعَ فَقَالَ: يَاَ مَعَاشِرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِ الفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هذا النَّبِيَّ؟ فَخَاصُوا خَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأىْ هِرَقْلُ نَفْرَتَّهُمْ، وَأَبِسَ مِنَ الإِيمَانِ قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ. وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَىْ دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ. رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَيُونُسُ وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. ٣٦٩ كتاب بدء الوحي الكلام عليه من عشرة وجوه : أحدها : هذا الحديث وجه مناسبته للباب عدم اتهامه بالكذب، وأنه لم يكن ليذر الكذب عَلَى الناس ويكذب عَلَى الله تعالى، وأيضًا فهو مشتمل عَلَى ذكر آيات أنزلت عَلَى من تقدم من الأنبياء، وعلى ذكر جملة من أوصاف من يوحى إليه، وكرره البخاري في (صحيحه)) في مواضع: أخرجه هنا كما ترى، وفي الجهاد عن إبراهيم بن حمزة، عن إبراهيم بن سعد عن صالح(١). وفي التفسير عن إبراهيم بن موسى، عن هشام. وفيه: عن عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق قالا: حَدَّثَنَا معمر، كلهم عن الزهري به(٢). وفي الشهادات عن إبراهيم بن حمزة، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن الزهري مختصرًا: سألتك هل يزيدون أو ينقصون(٣)؟ وفي الجزية عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن يونس عن الزهري مختصرًا (٤). وفي الأدب عن ابن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري مختصرًا أيضًا(٥)، وعن محمد بن مقاتل عن عبد الله عن يونس عن (١) سيأتي برقم (٢٩٤٠) باب: دعاء النبي ◌َّ. (٢) سيأتي برقم (٤٥٥٣) باب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء ... ﴾. (٣) سيأتي برقم (٢٦٨١) دون هذا اللفظ، أما هذا اللفظ فقد أخرجه في كتاب الجهاد برقم (٢٩٤٠)، ولعل هذا اللبس سببه أن السند في الحديثين واحد. (٤) سيأتي برقم (٣١٧٤) باب: فضل الوفاء بالعهد. (٥) سيأتي برقم (٥٩٨٠) باب: صلة المرأة أمها ولها زوج. ٣٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الزهري مختصرًا(١). وأخرجه أيضًا في الإيمان (٢)، والعلم(٣)، والأحكام(٤)، والمغازي(٥)، وخبر الواحد(٦)، والاستئذان(٧). فهذِه أربعة عشر موضعًا (٨). وأخرجه مسلم في المغازي عن خمسة من شيوخه: إسحاق بن إبراهيم، وابن أبي عمر، وابن رافع، وعبد بن حميد، والحلواني عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري به بطوله، وعن الأخيرين عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح، عن الزهري به(٩). (١) هو في كتاب: الاستئذان (٦٢٦٠)، باب: كيف يكتب الكتاب إلى أهل الكتاب. و سیکرر ذکره. (٢) سيأتي برقم (٥١) باب: ٣٨. (٣) لم يخرجه البخاري في كتاب العلم، بل أخرج في كتاب العلم من حديث ابن عباس في قصة بعث النبي ◌َّر بكتابه إلى كسرى، رقم (٦٤). (٤) سيأتي برقم (٧١٩٦) باب: ترجمة الحكام، هل يجوز ترجمان واحد. (٥) لم يخرجه البخاري في كتاب المغازي، بل أخرج في كتاب المغازي حديث ابن عباس في قصة بعث النبي ◌َّر بكتابه إلى كسرى، رقم (٤٤٢٤). (٦) سيأتي معلقًا قبل حديث (٧٢٦٤) باب: ما كان يبعث النبي ◌ُّ من الأمراء والرسل واحدًا بعد واحد. (٧) تقدم في تخريج سابق (٦٢٦٠)، فهما حديث واحد لكن التبس على المصنف. (٨) قلت: فات المصنف بعض المواضع إليك بيانها: كتاب الجهاد، باب: قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدى الحُسْنَيْنِ .. ﴾، (٢٩٣٦) كتاب الجهاد، باب: هل يرشد المسلم أهل الكتاب أو يعلمهم الكتاب، (٢٩٧٨) كتاب الجهاد، باب: قول النبي ◌َّل: ((نصرت بالرعب مسيرة شهر)). ورواه معلقًا قبل حديث (١٣٩٥) كتاب الزكاة، باب: وجوب الزكاة، (٧٥٤١) كتاب التوحيد، باب: ما يجوز من تفسير التوارة وغيرها من كتب الله بالعربية وغيرها. (٩) مسلم (١٧٧٣) باب: كتاب النبي وَيّ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام. ٣٧١ = كتاب بَدُّء الوَحْي وأخرجه أبو داود في الأدب(١)، والترمذي في الاستئذان(٢)، والنسائي في التفسير (٣)، ولم يخرجه ابن ماجه. ثانيها : هذا الحديث ليس لأبي سفيان في الصحيحين وهُذِه الكتب الثلاثة سواه، ولم یروه عنه إلا ابن عباس. ثالثها : لما ساق البخاري الحديث قَالَ في آخره: (رواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري، وذكر مسلم رواية صالح وفيها: وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرًا لما (آتاه)(٤) الله تعالى (٥). قَالَ الحميدي: أختصر مسلم زيادة صالح. وقد أتمها أبو بكر البرقاني بعد قوله: لما أبلاه الله تعالى. فلما جاء قيصرَ كتابُ رسول الله ◌َّ قَالَ حين قرأه: التمسوا ههنا أحدًا من قومه نسألهم عن رسول اللهِ وََّ، قَالَ ابن عباس: فأخبرني أبو سفيان بن حرب أنه كان بالشام (وقته)(٦)، فوجدنا رسول قيصر، فانطلق بي وبأصحابي حين قدمنا إيليا فأدخلنا عليه، فإذا هرقل جالس على مجلس ملكه علیه التاج، وإذا حوله عظماء الروم فذكر نحوه. (١) أبو داود (٥١٣٦) باب: كيف يكتب إلى الذمي. (٢) الترمذي (٢٧١٧) باب: ما جاء كيف يكتب إلى أهل الشرك. (٣) النسائي في ((السنن الكبرى)) ٣٠٩/٦ (١١٠٦٤). (٤) كذا في (ف)، وفي (ج) أبلاه. (٥) مسلم (١٧٧٣). (٦) في (ج) وفيه. ٣٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- رابعها: في التعريف برواته : وقد سلف التعريف بابن عباس وعبيد الله والزهري ويونس ومعمر. وأما أبو سُفيان: فهو صَخْر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي المكي، ويكنى بأبي حنظلة أيضًا، وُلِد قبل الفيل بعشر سنين. وأسلم ليلة الفتح، وشهد الطائف وحنينًا، وأعطاه النبي ◌َّر من غنائم حنين مائة من الإبل وأربعين أوقية، وفقئت عينه الواحدة يوم الطائف والأخرى يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد، (نزل المدينة، ومات بها سنة إحدى وثلاثين، وقيل: أربع، ابن ثمان وثمانين سنة وصلى عليه عثمان بن عفان)(١). وهو والد معاوية وإخوته، وأمه صفية بنت حزن بن بجير بن الهُزَم بن رويْبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة، وهي عمة ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، روى عنه مع ابن عباس ابنه معاوية وغيره(٢). وقال له وَلليه لما ذهبت عينه وهي في يده: ((أيما أحب إليك عين في الجنة، أو أَدْعُ الله أن يردها عليك؟))(٣) قَالَ: بل عين في الجنة. فائدة : أبو سفيان في الصحابة جماعة، لكن هذه الترجمة -أعني: ابن حرب- من الأفراد. وأما شعيب: (ع) فهو ابن أبي حمزة دينار القرشي الأموي، مولاهم (١) ساقط من (ج). (٢) انظر ترجمته في: ((معجم الصحابة)) للبغوي ٣٥٢/٣ - ٣٦١، ((معجم الصحابة)) لابن قانع ١٩/٢ (٤٦٠)، ((الاستيعاب)» ٢٧٠/٢- ٢٧١ (١٢١١)، («أسد الغابة» ١٠/٣ - ١١ (٢٤٨٤)، ((الإصابة)) ١٧٨/٢ - ١٨٠ (٤٠٤٦). (٣) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٤٣٥/٢٣. ٣٧٣ كتاب بَدْء الوحي أبو بشر الحمصي. سمع خلقًا من التابعين منهم الزهري، وعنه خلق، وهو ثقة حافظ متقن. مات سنة اثنتين وقيل: ثلاث وستين ومائة، وقد جاوز السبعين(١)، وهذا الأسم مع أبيه من أفراد الكتب الستة ليس فيها سواه. وأما أبو اليمان: (ع) الحكم بن نافع فهو حمصي أيضًا بهراني، مولى أمرأة من بهراء يقال لها: أم سلمة. روی عن خلق، منهم إسماعيل بن عياش، وعنه أحمد وخلائق، ولد سنة ثمان وثلاثين ومائة، ومات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين (٢) ومائتين(٢). فائدة : في هذا من لطائف الإسناد: رواية حمصي عن حمصي، والزهري شامي. وأما صالح بن كيسان فهو أبو محمد الغفاري مولاهم المدني، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، سمع ابن عمر وابن الزبير، وغيرهما من التابعين، وعنه من التابعين عمرو بن دينار وغيره، سُئِلَ أحمد عنه فقال: بخ بخ(٣)، قَالَ الحاكم: توفي وهو ابن مائة سنة ونيف وستين (١) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٤٦٨/٧، ((التاريخ الكبير)) ٢٢٢/٤ (٢٥٧٦)، ((معرفة الثقات)) ٤٥٨/١ (٧٣٢)، ((الجرح والتعديل)) ٣٤٤/٤ - ٣٤٥ (١٥٠٨)، ((تهذيب الكمال)) ٥١٦/١٢ - ٥٢٠ (٢٧٤٧). (٢) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٤٧٢/٧، ((التاريخ الكبير)) ٣٤٤/٢ (٢٦٩١)، ((معرفة الثقات)) ٣١٤/١ - ٣١٥ (٣٤١)، ((الثقات)) ١٩٤/٨، ((الجرح والتعديل)) ١٢٩/٣ (٥٨٦)، ((تهذيب الكمال)) ١٤٦/٧ - ١٥٥ (١٤٤٨). (٣) أنظر: ((الجرح والتعديل)) ١٩٤/٨ - ٤١١ (١٨٠٨). ٣٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - سنة، وكان لقي جماعة من الصحابة ثمَّ بعد ذَلِكَ تلمذ عَلَى الزهري وتلقن منه العلم وهو ابن تسعين سنة، أبتدأ (بالتعلم)(١) وهو ابن (تسعين)(٢) سنة. قَالَ ابن معين: وصالح أكبر من الزهري يعني: في السن. قَالَ الواقدي: توفي بعد الأربعين ومائة، قَالَ غيره: سنة خمس وأربعين(٣)، قُلْتُ: فعلى هذا يكون أدرك النبي وَّر وعمره نحو العشرين، وفيما قاله الحاكم نظر. فائدة : ليس في الكتب الستة الحكم بن نافع وصالح بن کیسان غیر هذین، وفي الرواة الحكم بن نافع آخر، روى عنه الطبراني، وهو قاضي القلزم، ذكره الخطيب في ((المتفق والمفترق)). الوجه الخامس: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه ممن ليس له رواية فيه. هِرَقل وهو بكسر الهاء وفتح الراء على المشهور، وحكى جماعة إسكان الراء وكسر القاف منهم: الجوهري(٤) كخندف، ولم يذكر القزاز غيره. وكذا صاحب ((الموعب))، ولما أنشد صاحب ((المحكم)) بيت لبيد بن ربيعة(٥) : غَلبَ اللَّيالِي خَلْفَ آل محرِّق وكما فعلن بِتُبَّعِ وبِهِرْقِلٍ (١) في (ج): العلم. (٢) في (ف): سبعين. ويوجد بالهامش تعليق نصه: تسعين، كذا بخط النووي. (٣) أنظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٢٨٨/٤ (٢٨٤٨)، ((معرفة الثقات)) ٤٦٥/١ (٧٥٢)، ((الثقات)) ٤٥٤/٦ - ٤٥٥، ((تهذيب الكمال)) ٧٩/١٣ - ٨٤ (٢٨٣٤). (٤) (الصحاح)) ١٨٤٩/٥ مادة (هرقل). (٥) هو لبيد بن ربيعة بن مالك بن كلاب العامري، كان من شعراء الجاهلية وأدرك = ٣٧٥ = كتاب بَدْء الوَحْي قال: أراد هرقلًا فاضطر فغير. والهرقل(١): المنخل(٢) ، ولا ينصرف للعلمية والعجمة، وزعم الجواليقي(٣) أنه عجمي تكلمت به العرب، وهو اسم علم له ولقبه قيصر، وكذا كل مَنْ مَلَكَ الروم يقال له: قَيْصَر، كما أن كل مَنْ مَلَكَ الفرس يقال له: كِسرى، والترك: خَاقان، والحبشة: النَّجاشي، والقبط: فِرْعَون (٤) ، ومصر: العَزِيز، وحمير: تبع، والهند: دُهمى وفَغْفور، والزنج: عانة، واليونان: بطليموس، واليهود: (فِطيون}(٥) أو مالخ، ورأس جالوت لمن كان ملكًا منهم من بني داود خاصة، = الإسلام وأسلم، وقدم على رسول الله وَّل في وفد بني كلاب، مات بالكوفة في خلافة معاوية، وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة. انظر ترجمته في: ((الشعر والشعراء)) ص١٦٧، (طبقات ابن سعد)) ٣٣/٦، (الإصابة)) ٣٢٦/٣، ((الخزانة)) ٢٤٦/٢. في «المحكم)): الهرلق. (١) ((المحكم)) ٤/ ٣٣٢. (٢) (٣) هو العلامة الإمام اللغوي، أبو منصور، موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الحسن بن الجواليقي، إمام الخليفة المقتفي، مولده سنة ٤٦٦هـ سمع من أبي القاسم بن البُسري، وأبي طاهر بن أبي الصقر، والنقيب طِراد بن محمد الزينبي، وعدة. وطلب بنفسه مدة، ونسخ الكثير. حدَّث عنه: ابنته خديجة، والسمعاني، وابن الجوزي والتاج الكندي ويوسف بن كامل، قال السمعاني: إمام في النحو واللغة من مفاخر بغداد، قرأ الأدب على أبي زكريا التبريزي ولازمه وبرع، وهو ثقة ورع غزير الفضل، وافر العقل، مليح الخط، كثير الضبط، صنف التصانيف. مات في المحرم سنة أربعين وخمسمائة. انظر: ((الأنساب)) ٣٣٧/٣، ((المنتظم)) ١١٨/١٠، ((اللباب)) ٣٠١/١، ((وفيات الأعيان)) ٣٤٢/٥ - ٣٤٤، ((سير أعلام النبلاء)) ٨٩/٢٠ - ٩١ (٥٠)، «شذرات الذهب)) ١٢٧/٤. (٤) ورد بهامش (ف) تعليق نصه: فرعون بلغة القبط: التمساح. (٥) في (ج) فيطون. ٣٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ـ ومَنْ مَلَكَ الصائبة يقال له: نمرود، والتبابعة: ملوك اليمن من بني قحطان، وجالوت: لملك البربر. والإخشيد: لمن ملك فرغانة، والنعمان: لمن ملك العرب من قبل العجم، وجرجير: لمن ملك إفريقية، وشهرمان: لمن ملك خلاط، وفور: لمن ملك السند، والأصفر: لمن ملك عَلوى، ورتبيل: لمن ملك الخزر، وكابل: لمن ملك النوبة، وماجد: لمن ملك الصقالبة. وتنازع ابنا (عبد الحكم)(١) في أنه يقال له: هرقل أم قيصر وترافعا إلى الشافعي فقال: هو هرقل، وقيصر الأول علم له والثاني لقب كأمير المؤمنين، وهو أول من ضرب الدنانير وأحدث البيعة. ومعنى الحديث الصحيح: ((إِذَا هَلَكَ كِسْرِى فَلَا كِسْرِى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَبْصَرُ فَلَا قَبْصَرَ بَعْدَهُ))(٢) لا قيصر بعده بالشام ولا كسرى بعده بالعراق(٣) كما قاله الشافعي في ((المختصر))، قال: وسبب الحديث أن قريشًا كانت تأتي الشام والعراق كثيرًا للتجارة في الجاهلية فلما أسلموا خافوا أنقطاع سفرهم إليهما لمخالفتهم أهل الشام والعراق بالإسلام، فقال ◌َ: ((لا قيصر ولا كسرى)) أي: بعدهما في هذين الإقليمين ولا ضرر عليكم فلم يكن قيصر بعده بالشام ولا كسرى بعده بالعراق ولا يكون (٤)، وقال ◌َّ: ((والذي نفسي بيده (لتنفقن (١) في (ج): الحكم. (٢) رواه البخاري (٣٦١٨) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، ومسلم (٢٩١٨) كتاب: الفتن، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل ... (٣) ورد بهامش (ف) تعليق نصه: للأولاد، كذا في ((مرج البحرين)). (٤) ((مختصر المزني بهامش الأم)) ١٩٥/٥ - ١٩٦. ٣٧٧ - كتاب بَدْء الوَحْي كنوزهما)(١) في سبيل الله))(٢) ففتحت الصحابة الإقليمين في زمن عمر وسيمر بك قريبًا حاله إن شاء الله. فائدة : معنى قيصر: البقير والقاف على لغتهم (غير صافية)(٣) وذلك أن أمه لما أتاها الطلق به ماتت فبقر بطنها عنه فخرج حيًّا، وكان يفخر بذلك؛ لأنه لم يخرج من فرج، واسم قيصر في لغتهم مشتق من القطع؛ لأن أحشاء أمه قُطعت حتى أخرج منها؛ لأنها لما ماتت عندما اشتد بها الطلق بقي الولد يضطرب في جوفها فشقوا جوفها وأخرجوه، وكان شجاعًا جبارًا مقدامًا في الحروب نبه على ذلك ابن دحية في: ((مرج البحرین)). وفيه أيضًا: دحية هو بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان اختلف في أرجحهما. قال المطرز: والدحى: الرؤساء، واحدهم دحية، وهو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزج -بخاء معجمة مفتوحة ثم زاي ساكنة ثم جيم -وهو العظيم- واسمه زيد مناة -سمي بذلك لعظم بطنه- بن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف -وهو زيد اللات- وقيل: ابن عامر الأكبر بن بكر بن زيد اللات، وهو ما ساقه المزي أولًا، قال: وقيل: عامر الأكبر بن عوف بن بكر بن (١) في (ف): لتنفق كنوزها. (٢) سيأتي برقم (٣١٢٠) كتاب: فرض الخمس، باب: قول النبي وَ له: ((أحلت لكم الغنائم))، ورواه مسلم (٢٩١٨) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيتمنى أن يكون مكان الميت، عن أبي هريرة. (٣) في (ج): عرضًا فيه. ٣٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = عوف بن عبد بن زيد اللات بن (رُفَيدة) (١) -بضم الراء وفتح الفاء- بن ثور بن كلب (٢)، بن وبرة -بفتح الباء- بن تغلب - بالغين المعجمة- بن حلوان بن عمران بن إلحاف -بالحاء والفاء- بن قضاعة بن معد بن عدنان، وقيل: قضاعة إنما هو ابن مالك بن حمير بن سبأ، كان من أجمل الصحابة وجهًا ومن كبارهم، وكان جبريل الشَّيْفي يأتي النبي وَله في صورته، وذكر السهيلي عن ابن سلام في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَوْا أَنْفَضُّواْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] قال: كان اللهو نظرهم إلى وجه دحية لجماله، وروي أنه كان إذا قدم الشام لم يبق (معصرة)(٣) إلا خرجت (٤) تنظر إليه (٤). قال ابن سعد: أسلم قديمًا ولم يشهد بدرًا وشهد المشاهد بعدها وبقي إلى خلافة معاوية (٥). وقال غيره: شهد اليرموك وسكن المزة قرية بقرب دمشق (٦). فائدة : كان بعث الكتاب سنة ست، قاله أبو عمر (٧)، قال خليفة: سنة (١) في (ج): رفید. (٢) ((تهذيب الكمال)» ٨/ ٤٧٣. (٣) ورد بهامش الأصل: معصبة، والصواب ما أثبتناه كما جاء في التخريج. (٤) ((الروض الأنف)) ٢٦٩/١، والقصة أوردها: ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) ٢/ ٣٦٠، والزمخشري في ((الفائق)) ٢/ ٤٤٠، وابن عساكر في ((تاريخه)) ٢١٥/١٧، والنووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١٨٤/١، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٤٧٤/٨، والذهبي في ((السير)) ٢/ ٥٥٤، والصفدي في ((الوافي بالوفيات)) ١٤/ ٥، كذا بلا إسناد، ولم يعلق عليها أحد، والله أعلم بصحتها. (٥) ((الطبقات الكبرى)) ٢٤٩/٤ - ٢٥١. (٦) تقدمت ترجمة دحية الكلبي في شرح حديث رقم (١). (٧) ((الاستيعاب)) ٢٥١/٤. ٣٧٩ كتاب بَدْء الوَحْي = خمس، وقال محمد بن عمر لقيه بحمص فدفع له الكتاب في المحرم سنة سبع(١). وروى الحارث بن أبي أسامة في حديث دحية أنه وَّلو قال: (من ينطلق بكتابي هذ إلى قيصر وله الجنة)). قالوا: وإن لم يقتل يا رسول الله؟ قال: ((وإن لم يقتل)). فانطلق به رجل. يعني: دحية. وساق الحديث(٢). وقال السهيلي: لم يذكر ابن إسحاق في غزوة تبوك ما كان من أمر هرقل فإنه يَّر كتب إليه من تبوك مع دحية ثم كتب كتابًا وأرسله مع دحية إلى رسول الله وَ﴾ يقول فيه: إني مسلم ولكني مغلوب على أمري، وأرسل إليه بهدية، فلما قرأ الكتاب قال: ((كذب عدو الله ليس هو بمسلم بل هو على نصرانيته)) وقبل هديته وقسمها بين المسلمين. قلت: وكانت تبوك في السنة التاسعة كما سيأتي(٣). (١) أنظر: ((الطبقات الكبرى)) ٢٥١/٤. (٢) رواه الحارث بن أبي أسامة كما في ((بغية الباحث)) (٦٣٨)، و(«إتحاف الخيرة المهرة)) ١٣٣/٥ - ١٣٤ (٤٣٨٩)، و((المطالب العالية)) ٥٠٢/١٧ من طريق معاوية بن عمرو ثنا أبو إسحاق، عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله به. قال البوصيري في ((الإتحاف)) ١٣٤/٥: هذا إسناد مرسل رواته ثقات.اهـ ورواه أبو عبيد في ((الأموال)) من طريق مروان بن معاوية ويزيد بن هارون، عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني به. قال الحافظ في (الفتح)) ٣٧/١: وإسناده صحيح من مرسل بكر بن عبد الله المزني.اهـ. وأخرجه أيضًا ابن حبان ١٠/ ٣٥٧ (٤٥٠٤)، ومحمد بن عبد الواحد المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) ٩٨/٦ (٢٠٨٣) من طريق محمد بن عبد الرحيم عن عليّ بن بحر، عن مروان بن معاوية، عن حميد، عن أنس به. والحديث صححه الألباني في ((صحيح موارد الظمآن)) ١٠٤/٢ (١٣٥١)، وقال في ((فقه السيرة)) ص٣٥٦: إسناده صحيح لكنه مرسل.اهـ (٣) ((الروض الأنف)) ١٩٦/٤. ٣٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فائدة : ليس في الصحابة من اسمه دحية سواه. فائدة ثالثة : لم يخرج من الستة حديثه إلَّا السجستاني في ((سننه))(١) وهو من أصحاب الحديثين قاله ابن البرقي(٢). وقال البزار(٣) لما ساق حديثه من طريق عبد الله بن شداد بن الهاد عنه: لم يحدث عن النبي وَّ إلا هذا الحديث (٤). (١) انظر حديث رقم (٢٤١٣)، و(٤١١٦). (٢) أحمد بن عبد الله بن البرقي أبو بكر المحدث الحافظ، الصادق. سمع من: عمرو بن أبي سلمة، وأسد السنة، وابن هشام، وأبي صالح، وعدة. حدَّث عنه: أحمد بن علي المدائني، والطحاوي، وخلق. وله كتاب في ((معرفة الصحابة وأنسابهم))، وكان من أئمة الأثر. رفسته دابة، فمات في شهر رمضان سنة سبعين ومائتين، وكان من أبناء الثمانين، وهو الذي استمر فيه الوهم على الطبراني، ويقول كثيرًا في كتبه: حدثنا أحمد بن عبد الله البرقي، ولم يلقه أصلًا، وإنما وهم الطبراني، ولقي أخاه عبد الرحيم، وأكثر عنه، واعتقد أن اسمه أحمد فغلط في اسمه. انظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ٦١/٢ (٩٣)، ((المنتظم)) ٧١/٥، ((تذكرة الحفاظ)) ٢/ ٥٧٠، ((سير أعلام النبلاء)) ٤٧/١٣، ٤٨ (٣٣)، ((الوافي بالوفيات)) ٨٠/٧ (٣٠٢٠)، ((شذرات الذهب)) ١٥٨/٢. (٣) البزَّار: أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، البصري، أبو بكر صاحب المسند الكبير، الذي تكلم على أسانيده، ولد سنة نيف عشرة ومائتين. قال الدراقطني: ثقة، يخطئ ويتكل على حفظه، وقال أبو عبد الله الحاكم: يخطئ في الإسناد والمتن، وجرحه النسائي. أدركه أجله بالرملة فمات في سنة اثنتين وتسعين ومائتين. أنظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)) ٣٣٤/٤، ٣٣٥، ((المنتظم)» ٦/ ٥٠، ((سير أعلام النبلاء)) ٥٥٤/١٣، ٥٥٧ (٢٨١)، ((لسان الميزان)) ٢٣٦/٨ - ٢٣٩، ((شذرات الذهب)) ٢٠٩/٢. (٤) الحديث المشار إليه سيورده المصنف قريبًا في شرح هذا الحديث والكلام عليه =