Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
= كتاب بَدْء الوَحْي
((إن روح القدس نفث في روعي))(١) أي: في نفسي والوحي إلى غير
الأنبياء بمعنى الإلهام كالوحي إلى النحل.
= إن أهل السنة متفقون على أنه ليس بمخلوق منفصل، ومتفقون على أن كلام الله
قائم بذاته، وكان أئمة السنة كأحمد وأمثاله والبخاري وأمثاله، وداود وابن
المبارك وابن خزيمة والدارمي وابن أبي شيبة وغيرهم متفقين على أن الله يتكلم
بمشيئته وقدرته، ولم يقل أحد منهم إن القرآن قديم، وأول من شهر عنه أنه قال
ذلك هو ابن کلاب.اهـ
وقال في ٧/ ٦٦١: ولم يقل أحد منهم إن القرآن قديم، لا معنى قائم بالذات،
ولا أنه تكلم به في القديم بحرف وصوت، ولا تكلم به في القديم بحرف قديم، لم
يقل أحد منهم لا هذا ولا هذا، وأن الذي أتفقوا عليه أن كلام الله منزل غير
مخلوق، والله لم یزل متکلمًا إذا شاء، وكلامه لا نهاية له.اهـ
وقال في ٥٤/١٢ ما معناه:
والسلف يقولون إن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وقالوا لم يزل متكلمًا إذا
شاء، فبينوا أن كلام الله قديم أي جنسه قديم لم يزل، ولم يقل أحد منهم أن نفس
الكلام المعين قديم، ولا قال أحد منهم القرآن قديم، بل قالوا: إنه كلام الله منزل
غير مخلوق، وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن، بمشيئته كان القرآن كلامه، وكان منزلًا
غير مخلوق، ولم يكن أزليًّا قديمًا بقدم الله، وإن كان الله لم يزل متكلمًا إذا شاء
فجنس كلامه قدیم.اهـ
لكن قال شيخ الإسلام في ١٢/ ٥٦٧: فإذا قيل: كلام الله قديم بمعنى أنه لم يصر
متكلمًا بعد أن لم يكن متكلمًا، ولا كلامه مخلوق، ولا معنى واحد قديم قائم
بذاته، بل لم يزل متكلمًا إذا شاء فهذا كلام صحيح. اهـ
وقال في ((درء التعارض)) ١/ ٦٧: إذا قال قائل: القرآن قديم وأراد به أنه نزل من
أكثر من سبعمائة سنة وهو القديم في اللغة، أو أراد أنه مكتوب في اللوح المحفوظ
قبل نزول القرآن فإن هذا مما لا نزاع فيه.اهـ.
(١) رواه الحاكم ٤/٢ من حديث ابن مسعود، وله طريق آخر عن جابر، رواه ابن حبان
(٣٢٣٩)، والحاكم ٤/٢ وصححه على شرط الشيخين، وصححه الألباني في
((الصحيحة)) (٢٨٦٦)، وفي الباب عن حذيفة وأبي أمامة.

٢٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وذكر السهيلي (١) أن في كيفية نزول الوحي عَلَى سيدنا رسول الله وَّل
سبع صور:
الأول: المنام. كما جاء في هذا الحديث (٢).
ثانيها: أن يأتيه الوحي في مثل صلصة الجرس كما جاء فيه أيضًا.
ثالثها: أن ينفث في روعه الكلام كما جاء في الحديث السالف،
وقال مجاهد وغيره في قوله تعالى: ﴿فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ﴾ [الشورى:
ج
٥١] هو أن ينفث في روعه بالوحي.
رابعها: أن يتمثل له الملك رجلًا كما جاء في هذا الحديث وقد كان
يأتيه في صورة دحية (٣).
خامسها: أن يتراءى له جبريل في صورته التي خلقها الله تعالى، له
(١) ((الروض الأنف)) ٢٦٩/١ - ٢٧٠.
(٢) كذا في الأصول: في هذا الحديث، وهو غیر صحیح، بل المعنی یکون صحیحًا
دون لفظة (هذا)؛ لأن الحديث، لم يأت فيه الوحي في المنام بل قال: ((يَأْتِينِي مِثْلَ
صَلْصَلَةِ الجَرَسِ)) وقال: ((وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَُّك رَجُلًا))، ففي الحالتين يكون
الوحي في اليقظة، وأما دليل كون الوحي يكون في المنام فحديث عائشة التالي
وفيه: أول ما بدئ به رسول الله ◌َّليه من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ...
(٣) دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن امرئ القيس بن الخزج، واسمه زيد مناة، بن
عامر بن بكر بن عامر بن عامر الأكبر بن زيد اللات، وقيل: عامر الأكبر بن
عوف بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب الكلبي،
صاحب رسول الله ◌َ، ورسوله إلى قيصر ملك الروم، وكان جبريل يأتي رسول
الله علی صورته، وکان أجمل الناس وجهًا.
أسلم قديمًا، ولم يشهد بدرًا، وشهد المشاهد مع رسول الله وَّقو بعد بدر، وبقي
إلى خلافة معاوية. انظر ترجمته في: ((معرفة الصحابة)) ١٠١٢/٢ - ١٠١٤
(٨٧٨)، ((الاستيعاب)) ٤٤/٢، ٤٥ (٧٠٠)، («أسد الغابة)) ١٥٨/٢ (١٥٠٧)،
((تهذيب الكمال)) ٤٧٣/٨ - ٤٧٥ (١٧٩٤)، ((الإصابة)) ٤٧٣/١.

٢٢٣
- كتاب بَدْء الوَحْي
ستمائة جناح ينتثر منها اللؤلؤ والياقوت.
سادسها: أن يكلمه الله من وراء حجاب إما في اليقظة كليلة
الإسراء، أو في النوم كما جاء في الترمذي مرفوعًا: ((أتاني ربي في
أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ .. )) الحديث(١).
وحديث عائشة الآتي: ((فجاءه الملك فقال: اقرأ))(٢) ظاهره أن ذَلِكَ
كان يقظة، وفي ((السيرة)): ((فأتاني وأنا نائم)) (٣) ويمكن الجمع بأنه جاءه
أولًا منامًا توطئة وتیسیرًا عليه ورفقًا به.
وفي ((صحيح مسلم)) من حديث ابن عباس مكث رَلل بمكة خمس
عشرة سنة يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئًا،
وثمان سنين يوحى إليه (٤) .
سابعها: وَحْيُ إسرافيل كما جاء عن الشعبي أن النبي وَلُّ وكِّل به
إسرافيل فكان يتراءى لَّهُ ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء
ثمّ وگّل به جبريل(٥)، وأنكر الواقدي وغيره كونه وگَّل به غير جبريل.
وقال أحمد بن محمد البغدادي: أكثر ما في الشريعة مما أوحي إلى
رسول الله وَ لٍ عَلَى لسان جبريل الظَّال.
قَالَ الغزالي: وسماع النبي ◌َّ والملك الوحي من الله تعالى بغير
(١) رواه الترمذي (٣٢٣٣، ٣٢٣٤)، وأحمد ٣٦٨/١ عن ابن عباس قال الترمذي:
هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، والحديث صححه الألباني في ((الإرواء))
(٦٨٤).
(٢) سيأتي برقم (٣) باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله وَله.
(٣) رواه ابن إسحاق في ((السيرة)) ص ١٠٠ - ١٠١.
(٤) مسلم (٢٣٥٣ / ١٢٣) كتاب: الفضائل، باب: كم أقام النبي بمكة والمدينة.
(٥) رواه الطبري في (تاريخه)) ٥٧٣/١، ٥٧٤، وابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ١/
١٤٠، وقال القرطبي في ((التفسير)) ١٧٧/١٠: سنده صحيح.

٢٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
واسطة يستحيل أن يكون بحرف أو صوت لكن يكون بخلقه تعالى
للسامع علمًا ضروريًّا بثلاثة أمور: (بالمتكلم) (١) وبأن ما سمعه كلامه
وبمراده من كلامه، والقدرة الأزلية لا تقتصر عن اضطرار النبي
والملك إلى العلم بذلك. وكما أن كلامه تعالى ليس من جنس كلام
البشر فسماعه الذي يخلقه لعبده ليس من جنس سماع الأصوات،
ولذلك عسر علينا فهم كيفية سماع موسى القنيّة لكلامه تعالى الذي
ليس بحرف ولا صوت كما يعسر عَلَى الأكمه كيفية إدراك البصر
للألوان، أما سماعه وَّ﴾ فيحتمل أن يكون بحرف وصوت دال عَلَى
معنى كلام الله.
والمسموع الأصوات الحادثة، وهي فعل الملك دون نفس الكلام،
ولا يكون هذا سماعًا لكلام الله تعالى من غير واسطة، وإن كان يطلق
عليه أنه سماع كلام الله تعالى، وسماع الأمة من الرسول كسماع الرسول
من الملك، وطريق الفهم فيه تقديم المعرفة بوضع اللغة التي يقع بها
.(٢)
المخاطبة (٢).
(١) في الأصول: للمتكلم، والصواب ما أثبتناه كما في ((عمدة القاري)) ١/ ٤٥ وهو
الموافق للسياق.
(٢) مذهب أهل السنة والجماعة أن الكلام صفة من صفاته تعالى، ليس شيئًا بائنًا منه
مخلوقًا، فهو يتكلم بكلام حقيقي، متى شاء، كيف شاء، بما شاء، بحرف
وصوت لا يشبه أصوات المخلوقين.
قال شيخ الإسلام كما في ((مجموع الفتاوى)) ٢٤٣/١٢ - ٢٤٤: والصواب الذي
عليه سلف الأمة -كالإمام أحمد والبخاري وغيره وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم-
أتباع النصوص الثابتة، وإجماع السلف، وهو أن القرآن جميعه كلام الله، حروفه
ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلامًا لغيره؛ ولكن أنزله على رسوله، وليس القرآن
اسمًا لمجرد المعنى، ولا لمجرد الحرف، بل لمجموعهما، وكذلك سائر
الكلام ليس هو الحروف فقط؛ ولا المعاني فقط، كما أن الإنسان المتكلم =

٢٢٥
= كتاب بَدْء الوَحْي
وحكى القرافي خلافًا للعلماء في أبتداء الوحي هل كان جبريل القبيلة
ينقل له ملك عن الله تعالى أو يخلق لَهُ علم ضروريًّا بأن الله تعالى طلب
منه أن يأتي محمدًا وغيره من الأنبياء بسور كذا، أو خلق له علمًا ضروريًا
بأن يأتي اللوح المحفوظ فينقل منه كذا.
الثاني: قوله ◌َّهِ: (((أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ))) الأحيان:
الأوقات جمع حين يقع عَلَى القليل والكثير، قَالَ تعالى: ﴿هَلْ أَفَ عَلَى
اُلْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] أي مدة من الدهر والصلصلة
- بفتح الصادين المهملتين -: الصوت المتدارك الذي لا يفهم أول وهلة،
قَالَ الخطابي: يريد أنه صوت متدارك يسمعه ولا ينتبه أول ما يقرع سمعه
حتَّى يفهمه من بَعدُ(١).
قيل: الحكمة في ذَلِكَ أن يتفرغ سمعه، ولا يبقى فيه مكان لغير
صوت الملك ولا في قلبه (٢)، وكذلك قَالَ المهلب يعني قوة صوت
الملك الوحي ليشغله عن أمور الدنيا، وتفرغ حواسه فلا يبقى في
سمعه ولا في قلبه مكان لغير صوت الملك.
= الناطق ليس هو مجرد الروح، ولا مجرد الجسد، بل مجموعهما، وأن الله
تعالى يتكلم بصوت. كما جاءت به الأحاديث الصحاح، وليس ذلك كأصوات
العباد، لا صوت القارئ ولا غيره. وأن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته،
ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق
وقدرته وحياته فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق، ولا معانيه تشبه معانيه،
ولا حروفه تشبه حروفه، ولا صوت الرب يشبه صوت العبد، فمن شبه الله بخلقه
فقد ألحد في أسمائه وآياته، ومن جحد ما وصف به نفسه فقد ألحد في أسمائه
وآياته.اهـ
(١) ((أعلام الحديث)) للخطابي ١٢١/١.
(٢) (شرح النووي على مسلم)) ٨٨/١٥.

٢٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قَالَ أبو الحسن علي بنُ بطال(١): وعلى مثل هذِه الصفة تتلقى
الملائكة الوحي من الله تعالى، وقد ذكر البخاري في كتاب التوحيد
وغيره عن ابن مسعود: إِذَا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات
شيئًا، فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا :
ماذا قَالَ ربكم؟ قالوا: الحق(٢).
وعن أبي هريرة قَالَ: (إِذَا قضى الله تعالى الأمرَ في السماءِ ضربت
الملائكةُ بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع
عن قلوبهم قالوا: ماذا قَالَ ربكم؟ قالوا: الحق. وهو العلي الكبير
فيسمعها مسترقو السمع هكذا بعضه فوق بعض -ووصف سفيان بكفه
فحركها وبدد بين أصابعه- فيستمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثمَّ
يقليها الآخر إلى من تحته حتَّى يلقيها عَلَى لسان الساحر والكاهن
فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب
معها مائة كذبة، وقال: أليس قَدْ كان كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة
التي سمعت من السماء))(٣)، وقيل: معنى فزع: كشف. وهو دال عَلَى
(١) هو العلامة أبو الحسن، عليّ بن خلف بن بطال البكري، القرطبي، ثم البلنسي،
ويعرف بابن اللّجّام قال ابن بشكوال: كان من أهل العلم والمعرفة، عني بالحديث
العناية التامة، شرح ((الصحيح)) في عدة أسفار، رواه الناس عنه، واستقضى
بحصن لُؤْرَقَة. اهـ وقد كان من كبار المالكية. توفي في صفر سنة تسع وأربعين
وأربعمائة.
انظر ترجمته في: ((الصلة)) ٤١٤/٢، ((الوافي بالوفيات)) ٥٦/١٢، ((سير أعلام
النبلاء)» ٤٧/١٨ - ٤٨، ((شذرات الذهب)» ٢٨٣/٣.
(٢) علقه البخاري عن ابن مسعود قبل الرواية (٧٤٨١) كتاب: التوحيد، باب: قول الله
تعالى: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ﴾. ورواه في ((خلق أفعال العباد)» ص١٣٩، ورواه
مرفوعًا أبو داود (٤٧٣٨)، والحديث صححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٢٩٣).
(٣) سيأتي في التفسير برقمي (٤٧٠١، ٤٨٠٠).

٢٢٧
- كتاب بَدْء الوَحْي
أنه يصيبهم فزع شديد من شيء يحدث من أمر الله تعالى، والمراد
بالحق: الوحي، وقال ابن جبير: ينزل الأمر من رب العزة فيسمعون
مثل وقع الحديد عَلَى الصفا فيفزع أهل السماء حتَّى (يستبين)(١) لهم
الأمر الذي نزل فيه، فيقول بعضهم لبعض: ماذا قَالَ ربكم؟ فيقول:
قَالَ: الحق.
وروي مرفوعًا: ((إِذَا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت
السماء منه رجفة -أو قَالَ: رعدة- شديدة خوفًا من الله، فإذا سمع
ذَلِكَ أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدًا، فيكون أول ما يرفع
رأسه جبريل فيكلمه من وحيه بما (أراد)(٢)، ثمَّ يمر جبريل عَلَى
الملائكة، كلما مر عَلَى سماء سأله ملائكتها: ماذا قَالَ ربنا يا جبريل؟
قَالَ: الحق وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قَالَ جبريل،
فينتهي جبريل حيث أمره الله))(٣).
الوجه الثالث: قَدْ أسلفنا أن الصلصلة الصوت المتدارك، قَالَ
أبو علي الهَجَري في ((أماليه)): الصلصلة للحديد والنحاس والصفر
ويابس الطين، وما أشبه ذَلِكَ صوته.
وقال في ((المحكم)): صل يصل صليلًا، وصلصل صلصلة
(وتصلصلًا) (٤): صَوَّت(٥). فإن توهمت ترجيع صوت قُلْتَ: صلصل
وتصلصل (٦).
(١) في (ج): يتبين.
(٢) فى (ف): أراه.
(٣) رواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٥١٥) عن النواس بن سمعان وضعفه الألباني.
(٤) في (ج): وتصليلًا.
(٥) عبارة ((المحكم)): صلصل صلصلة مصلصلا، ثم قال: وصل اللجام امتد صوته.
(٦) ((المحكم)) ١٧٦/٨.

٢٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وعبارة القاضي: الصلصلة: صوت الحديد فيما له طنين. وقيل:
معنى الحديث هو: قوة صوت حفيف أجنحة الملائكة لشغله عن غير
ذَلِكَ، ويؤيده الرواية الأخرى: ((كأنه سلسلة عَلَى صفوان))(١) أي:
حفيف الأجنحة. والجرس هو الجلجل الذي يعلق في رأس الدواب،
كره وَل صحبته في السفر؛ لأنه مزمار الشيطان كما أخرجه أبو داود
وصححه ابن حبان(٢). وقيل: كرهه لأنه يدل عَلَى أصحابه بصوته،
وكان يحب ألا يعلم العدو به حتَّى يأتيهم فجأة، حكاه ابن الأثير(٣)
قَالَ ابن دريد: واشتقاقه من الجرس أي: الصوت والحس(٤).
وقال ابن سيده: الجَرْس والجِرْس والجَرَس -الأخير عن كراع-
الحركة والصوت من كل ذي صوت، وقيل: الجرس بالفتح إِذَا أفرد،
فإذا قالوا: ما سمعت له حسًّا ولا جرسًا كسروا فأتبعوا اللفظ اللفظ (٥).
وقال الصغاني: قَالَ ابن السكيت: الجَرَس والجِرْس الصوت ولم
يفرق. وقال الليث: الجَرْسُ: مصدر الصوت المجروس، والجِرس
بالكسر: الصوت نفسه.
الوجه الرابع: قوله: ( ((وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا))) يحتمل
تمثيل جبريل له رجلًا أن الله تعالى أفنى الزائد من خلقه ثمَّ أعاده
إليه، ويحتمل أنه يزيله عنه ثمَّ يعيده إليه بعد التبليغ، نبه عَلَى ذَلِكَ
(١) ستأتي برقم (٤٨٠٠)، كتاب: التفسير، باب: ﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ
رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِرُ﴾.
(٢) رواه مسلم (٢١١٤) كتاب: اللباس والزينة، باب: كراهة الكلب والجرس في
السفر، وأبو داود (٢٥٥٦)، وابن حبان (٤٧٠٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٦١/١.
(٤) ((جمهرة اللغة)) ٤٥٦/١.
(٣)
(٥) ((المحكم)) ١٨٩/٧.

٢٢٩
كتاب بَدْء الوَحْي
إمام الحرمين، وأما التداخل فلا يصح عَلَى مذهب أهل الحق، وأبدى
الشيخ عِزُّ الدين ابن عبد السلام سؤالًا فقال: إن قيل: إِذَا لقي جبريل
النبي ◌َّ في صورة دحية، فأين تكون روحه؟ فإن كان في الجسد
الذي له ستمائة جناح، فالذي أتى لا روح جبريل ولا جسده، وإن
كانت في هذا الذي هو في صورة دحية فهل يموت الجسد العظيم أم
يبقى خاليًا من الروح المنتقلة عنه إلى الجسد المشبه بجسد دحية؟ ثم
أجاب بأنه لا يبعد أن لا يكون انتقالها موجب موته فيبقى الجسد حيًّا
لا ينقص من معارفه شيء، ويكون انتقال روحه (إلى)(١) الجسد
الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طير خضر، قَالَ: وموت
الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلًا، بل بعادة أجراها الله
تعالى في بني آدم، فلا تلزم في غيرهم (٢).
الوجه الخامس: قوله: (((فَيُقْصَمُ عَنِّ)) ) فيه روايات: أصحها:
((يَفْصِم)) بفتح الياء المثناة تحت وإسكان الفاء وكسر الصاد، قَالَ
الخطابي: معناه: يقطع وينجلي ما يغشاني منه، قَالَ: وأصل الفصم
القطع ومنه: ﴿لَا أَنْفِصَامَ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وقيل: إنه الصدع بلا إبانة،
وبالقاف قطع مع إبانة (٣). فمعنى الحديث: أن الملك فارقه ليعود.
الثانية: بضم أوله وفتح ثالثه، وهي رواية أبي ذر الهروي.
والثالثة: بضم أوله وكسر ثالثه من أفصم المطر إِذَا أقلع رباعي،
وهي لغة قليلة.
(١) في (ج): من.
(٢. الأسلم للمرء في دينه ترك الخوض في مثل هذا، والإعراض، واقتضاء طريقة
السلف، فإنهم لم يخوضوا في شيء من هذا ولم يبحثوا عنه.
(٣) ((أعلام الحديث)) ١/ ١٢٠ - ١٢١.

٢٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
السادس: قوله: (((وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ)) ) أي: فهمت وجمعت
وحفظت. قَالَ صاحب ((الأفعال)): وعيت العلم: حفظته، ووعيت
الأذان: سمعته، وأوعيت المتاع جمعته في الوعاء.
قَالَ ابن القطاع: وأوعيت العلم مثل وعيته، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ
أَعْلَمُ بِمَا يُؤْعُونَ ﴾ [الانشقاق: ٢٣] أي: بما يضمرون في قلوبهم
من التكذيب(١)، وقال الزجاج: بما يحملون في قلوبهم، فهذا من
أوعيت المتاع.
السابع: قوله ( ((يَتَمَثَّلُ)) ) أي: يتصور وانتصب (رَجُلًا) عَلَى
التمييز، والملَك هنا بفتح اللام المراد به واحد الملائكة، ويقال
للجمع أيضًا.
الثامن: قولها: (وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا) الجبين غير الجبهة وهو
فوق الصدغ، والصدغ: ما بين العين إلى الأذن، وللإنسان جبينان
يكتنفان الجبهة، ومعنى (يتفصد) بالفاء والصاد المهملة يسيل.
و(عرقًا): منصوب عَلَى التمييز، والمعنى: أن الوحي إِذَا كان ورد
عليه يجد لَهُ مشقة ويغشاه كرب لثقل ما يُلقى عليه، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّا
سَتُلْفِى عَلَيْكَ قَوْلًا فَقِيلًا ﴾﴾ [المزمل: ٥] ولذلك كان يعتريه مثل حال
المحموم، كما روي أنه كان يأخذه عند الوحي الرحضاء يعني: البُهْر
والعرق من الشدة، وأكثر ما يسمى به عرق الحمى، فكان جبينه
يتفصد عرقًا كما يتفصد لذلك، وإنما كان ذَلِكَ ليبلو صبره ويحسن
تأديبه، ويرتاض لاحتمال ما كُلِّف من أعباء النبوة.
وفي حديث يعلى: ورآه حين نزل عليه الوحي مُحَمرَّ الوجه وهو
(١) ((الأفعال)) ٣٣٣/٣.

٢٣١
كتاب بَدْء الوَحْي
=
يغظُّ. سيأتي في المناسك حيث ذكره البخاري(١).
ومنه في حديث عبادة بن الصامت أنه وَّير كان إِذَا نزل عليه الوحي
کرب لذلك وتربد وجهه(٢).
وفي حديث الإفك قالت عائشة: فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء
عند الوحي حتَّى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم
الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه(٣).
وفي «صحيح مسلم)): کان إِذًا نزل عليه الوحي نکس رأسه ونکص
أصحابه رءوسهم، فإذا انجلى عنه رفع رأسه(٤).
التاسع: ذكر في هذا الحديث حالين من أحوال الوحي وهما : ((مِثْلَ
صَلْصَلَةِ الجَرَسِ))، وتمثيل الملك لَهُ رجلًا، ولم يذكر الرؤيا في النوم مع
إعلامه لنا أن رؤياه حق لوجهين:
أحدهما: أن الرؤيا الصالحة قَدْ يشركه فيها غيره بخلاف الأولين.
ثانيهما: لعله علم أن قصد السائل بسؤاله ما خص به ولا يعرف
إلا من جهته.
(١) سيأتي برقم (١٥٣٦) كتاب: الحج، باب: غسل الخلوق ثلاث مراتٍ من الثياب،
و(١٧٨٩) كتاب: العمرة، باب: يفعل في العمرة ما يفعل في الحج، و(١٨٤٧)
كتاب: جزاء الصيد، باب: إذا أحرم جاهلًا وعليه قميص
(٢) رواه مسلم (١٦٩٠) كتاب: الحدود، باب: حد الزنا، وأبو داود (٤٤١٥-
٤٤١٧)، والترمذي (١٤٣٤)، وابن ماجه (٢٥٥٠)، وأحمد ٥/ ٣١٣.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٥٠) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿لَّوْلَّ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾. ورواه مسلم: (٢٧٧٠) كتاب: التوبة، باب: في حديث
الإفك وقبول توبة القاذف.
(٤) مسلم (٢٣٣٥) كتاب: الفضائل، باب: عرق النبي وَّر في البرد وحين يأتيه
الوحي.

٢٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
العاشر: في الحديث إثبات الملائكة، والرد عَلَى من أنكرهم من
الملحدة والفلاسفة، ذكر ذَلِكَ أبو عبد الله بن المرابط.
الحادي عشر: فيه - كما قَالَ ابن عبد البر- دلالة عَلَى أن الصحابة
كانوا يسألونه عن كثير من المعاني، وكان ◌َّ يجمعهم ويعلمهم وكانت
طائفة تسأل وأخرى تحفظ وتؤدي وتبلغ، حتَّى أكمل الله دينه (ولله
الحمد)(١).
(آخر الجزء الثاني من تجزئة المصنف)(٢).
في (ف): (وله الحمد)، وانظر ((التمهيد)» ١١٣/٢٢.
(١)
(٢) من (ف) وورد بهامشها تعليق نصه: بلغ إبراهيم الحلبي قراءة على المصنف
وسمعه الأئمة الحاضري ( ... ) وابن بهرام وولد المصنف نور الدين علي والعاملي
ومحمد بن أحمد بن عمر البرموي ( ... ) شيخنا الصفدي والنظام الحموي وآخرون.

=
كتاب بَدْء الوَحْي
٢٣٣
٣- باب
٣- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ
ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ بَّهَ مِنَ الوَخْي
الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرِىْ رُؤْيَا إِلَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ
الَخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ
يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الَحَقُّ
وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءِ، فَجَاءَهُ الَلَكُ فَقَالَ أَقْرَأْ. قَالَ: ((مَا أَنَا بِقَارِئٍ)). قَالَ: ((فَأَخَذَنِي فَغَطَِّي
حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ. قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَِّي
الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ. فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي
فَغَطَّنِي الثَّالِئَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِكَ الَّذِى خَلَقَ ﴿٦ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ
آقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَُ ﴾﴾)). فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ وَهِ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى
خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها فَقَالَ: ((زَمِّلُونِي زَمِّلُونِ)). فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ
الرَّوْعُ، فَقَالَ لَخْدِيجَةً وَأَخْبَرَهَا الَبَ((لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي)). فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّ والله
مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المغدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ،
وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ
عَبْدِ العُزى ابن عَمِّ خَدِيجَةَ - وَكَانَ أَمْرَأَ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَائِيّ،
فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ"
فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابن عَمِّ أَسْمَغْ مِنَ ابن أَخِيكَ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابن أَخِي مَاذَا تَرى؟
فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ خَبَرَ مَا رَأَىُ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هذا النَّامُوسُ الذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى
مُوسَى. يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
((أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ)). قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّ عُودِيَ، وَإِنْ
يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرَا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُقِيَ وَفَتَرَ الوَحْيٌّ. [٣٣٩٢،
٤٩٥٣، ٤٩٥٥، ٤٩٥٦، ٤٩٥٧، ٦٩٨٢ - مسلم ١٦٠ - فتح ١/ ٢٢]

٢٣٤
:
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
الحديث الثالث:
قَالَ البخاري رحمه الله :
نَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرِ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ
ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِىَ بِهِ رَسُولُ اللهِ
وَّ﴿ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، وَكَانَ لَا يَرىُ رُؤْيَا إِلَّ جَاءَتْ
مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحَ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ
-وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ،
ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ
حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ أَقْرَأُ. فَقَلت: ((مَا أَنَا بِقَارِئٍ». قَالَ: ((فَأَخَذَنِي
فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: أَثْرَأْ. قُلْتُ: مَا أَنَّا
بِقَارِيٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ:
أَقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِئَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ:
آقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
٢
﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ اَلَّذِىِ خَلَقَ ﴿٦ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ
فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ نَّهَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ
خُوَيْلِدٍ فَقَالَ: ((زَمِّلُونِي زَمِّلُونِ)). فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ
لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ ((لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي)». فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا
والله مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ
المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ
خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزى ابن عَمِّ
خَدِيجَةَ- وَكَانَ أَمْرَأْ تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ
العِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ
شَيْخَا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ- فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابن عَمِّ أَسْمَعْ مِنَ
ابن أَخِيكَ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابن أَخِي مَاذَا تَرى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ

٢٣٥
= كتاب بَدْء الوَحْي
وَلَّهُ خَبَرَ مَا رَأىُ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هذا النَّامُوسُ الذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى.
يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيَّ إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
وَلّ: (أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ)). قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطْ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ
إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ
أَنْ تُوُنِّيَ وَفَتَرَ الوَحْيُ.
الكلام عليه من وجوه :
أحدها :
هذا الحديث من مراسيل الصحابة كما نبهنا عليه في الفصول السابقة
أول الشرح. فإن عائشة لم تدرك هذِه (القصة) (١) فروتها إما سماعًا من
النبي ◌َّ، أو من صحابي آخر.
ثانیھا :
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التفسير والتعبير، عن
عبد الله بن محمد، عن عبد الرازق، عن معمر(٢)، وفي: التفسير،
عن سعيد بن مروان، عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، عن
أبي صالح سلمويه، عن ابن المبارك، عن يونس(٣)، وفي الإيمان عن
ابن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، وعن عبد الملك، عن أبيه،
عن جده، عن عقيل، وعن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن يونس
كلهم عن الزهري(1).
(٢) سيأتي برقم (٤٩٥٦) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
(١)
في (ف): القضية.
و(٦٩٨٢) في التعبير، باب: أول ما بدئ به رسول الله وَّلّ من الوحي الرؤيا الصالحة.
(٣) يأتي برقم (٤٩٥٣) باب: (١).
(٤) قلت: عزو المصنف هذا الحديث هنا يوهم أنه في البخاري، إلا أن هذِه الطرق =

٢٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وأخرجه مسلم في الإيمان (١)، والترمذي(٢)، والنسائي في
(٣)
التفسير(٣).
ثالثها: في التعريف برواته:
أما عائشة وعروة فسلفا في الحديث قبله، وأما ابن شهاب فهو :
الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن
عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي
الزهري المدني، سكن الشام وهو تابعي صغير، سمع أنسًا وربيعة بن
عباد وخلقًا من الصحابة، وسعيد بن المسيب وعطاء وخلقًا من كبار
التابعين، ورأى ابن عمر، وروى عنه، ويقال: (سمع منه حديثين) (٤)،
وعنه جماعات من كبار التابعين منهم: عطاء وعمر بن عبد العزيز،
ومن صغارهم ومن الأتباع أيضًا، صحَّ عنه أنه قَالَ: ما أُستودعت
حفظي شيئًا فخانني. وصحَّ عنه أنه أخذ القرآن في ثمانين ليلة، وجمع
علم التابعين، واتفقوا عَلَى جلالته وبراعته وإمامته وحفظه وإتقانه.
قَالَ الشافعي: لولا الزهري ذهبت السنن من المدينة. مات بالشام
وأوصى بأن يدفن عَلَى الطريق بقرية يقال لها: (شَغْب وبدّا)(٥) في
= الثلاثة في مسلم (٢٥٢/١٦٠-٢٥٤) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى
رسول الله مَلآدم
(١) مسلم (١٦٠) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله وَلؤ.
(٢) الترمذي (٣٦٣٢).
(٣) لم أقف عليه عند النسائي.
(٤) في (ف): إنه روى عنه حديثين.
(٥) الذي وقع في مصادر الترجمة أنه توفى بضيعة يقال: لها أداما، وهي خلف شَغْب
وبَدّا، وهما واديان، وقيل: قريتان بين الحجاز والشام في موضع هو آخر عمل
الحجاز وأول عمل فلسطين. أنظر: ((الثقات)) ٢٤٩/٥، (وفيات الأعيان)) ٤/ =

٢٣٧
= كتاب بَدْء الوَحْي
رمضان سنة أربع وعشرين ومائة، ابن اثنتين وسبعين سنة(١).
وأما الراوي عنه فهو أبو خالد، عُقيل - بضم العين كما سلف في
الفصول السابقة أول الكتاب- بن خالد بن عقيل -بفتح العين- الأيلي
-بالمثناة تحت- (القرشي)(٢) الأموي مولى عثمان بن عفان،
الحافظ، روى عن عكرمة والقاسم وسالم والزهري وخلق، وعنه
الليث وضمام بن إسماعيل.
قَالَ يحيى بن معين: أثبت من روى عن الزهري مالك ثم معمر ثمَّ
عقيل. وقيل: عقيل أثبت من معمر، مات سنة إحدى وأربعين ومائة،
وقيل: سنة أربع بمصر فجأة، وليس في الكتب الستة من أسمه عقيل
بضم العين غيره(٣).
وأما الراوي عنه فهو الإمام أبو الحارث، الليث بن سعد بن
عبد الرحمن الفهمي مولاهم المصري، عالم أهل مصر من تابعي
التابعين، مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي، وقيل: مولى
خالد بن ثابت، وفهم بن قيس غيلان، ولد بقرقشندة -عَلَى نحو أربع
فراسخ من بلدنا مصر- سنة ثلاث أو أربع وتسعين، سمع عطاء وابن
= ١٧٨، ((تهذيب الكمال)) ٤٤٢/٢٦، ((سير أعلام النبلاء»٣٤٩/٥. وقال النووي في
((تهذيبه)) ٩٢/١: قرية يقال لها: شغبدا أهـ.
(١) انظر ترجمته في: (التاريخ الكبير)) ٢٢٠/١- ٢٢١ (٦٩٣)، ((معرفة الثقات)) ٢/
٢٥٣ (١٦٤٥)، ((الثقات)) ٣٤٩/٥ - ٣٥٠، ((تهذيب الكمال)» ٢٦/ ٤١٩- ٤٤٣
(٥٦٠٦)، ((تهذيب التهذيب)) ٦٩٦/٣ - ٦٩٨.
(٢) في (ج): الدمشقي.
(٣) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٥١٩/٧، ((التاريخ الكبير)) ٩٤/٧ (٤١٩)،
((الجرح والتعديل)) ٤٣/٧ (٢٤٣)، ((الثقات)) ٣٠٥/٧، ((تهذيب الكمال)» ٢٠/
٢٤٢ - ٢٤٥ (٤٠٠١).

٢٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح سد
أبي مليكة وخلقًا. وعنه قتيبة ومحمد بن رمح وعيسىُ زُغْبةُ(١)، وخلائق
من التابعين وغيرهم، ومنهم: محمد بن عجلان، وهو من كبار التابعين،
ومن شيوخه.
وإمامته وبراعته وجلالته وحفظه وإتقانه وجوده وإفضاله وورعه
وعبادته مجمع عليه، وغير ذَلِكَ من المحاسن والمكارم، ووصفه
الشافعي بكثرة الفقه، إلا أنه ضيعه أصحابه -يعني: لم يعتنوا بكتبه
ونَقْلِها والتعليق عنه- ففات الناس معظم علُّمه، وكان دَخْلُه في السنة
ثمانين ألف دينار وما وجبت عليه زكاة قط، ولمّا قَدِمَ المدينة أهدى
لَهُ مالك من طرفها، فبعث إليه ألف دينار.
قَالَ يحيى بن بكير: كان الليث أفقه من مالك، ولكن كانت الحظوة
المالك، ورأيت من رأيت فما رأيت مثل الليث، كان فقيه البدن، عربي
اللسان، يحسن القرآن، ويحفظ الحديث والنحو والشعر، حسن
المذاكرة، ومازال يعقد خصالًا جميلة حتَّى عقد عشرة.
وقال ابن وهب: ما كان في كتب مالك: أخبرني من أرضى من أهل
العلم فهو الليث.
وقال أيضًا: لولا أن الله أنقذني به وبمالك لضللت.
وقال أحمد: كان كثير العلم، صحيح الحديث، ما في هؤلاء
المصریین أثبت منه، ما أصح حديثه!
وقال أحمد بن صالح: الليث إمام أوجب الله تعالى علينا حقه.
(١) هو عيس بن حماد زُغْبة، وهو آخر من حدث عنه من الثقات. انظر: ((تهذيب
الكمال)» ٢٦٠/٢٤.

٢٣٩
كتاب بَدْء الوَحْي
وقال شرحبيل بن جميل: أدركت الناس أيام هشام، وكان الليث بن
سعد حدیث السن، وهم يعرفون له فضله وورعه مع حداثة سنه. وقال
ابن سعد: استقل بالفتوى في زمانه بمصر، وكان سريًّا نبيلًا سخيًّا
ومناقبه جمة (١).
قَالَ الشافعي: ما ندمت عَلَى أحد ما ندمت عَلَى الليث.
مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة، وقبره عندنا بمصر
يزار (٢)، وعليه من الجلالة والبهاء ما هو لائق به، وليس في الكتب
(١) ((الطبقات الكبرى)) ٧/ ٥١٧. وابن سعد: هو محمد بن سعد بن منيع، الحافظ
العلامة الحجة، أبو عبد الله البغدادي، كاتب الواقدي، ومصنف ((الطبقات
الكبير))، و((الطبقات الصغير)) وغير ذلك، ولد بعد الستين ومائة، وكان من أوعية
العلم ، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: صدوق. توفي ببغداد يوم الأحد
لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة ٢٣٠هـ، وهو ابن اثنتين وستين سنة.
انظر ترجمته في :
((الجرح والتعديل)) ٧/ ٢٦٢، ((تاريخ بغداد)) ٣٢١/٥، ٣٢٢، و(«سير أعلام النبلاء)»
١٠/ ٦٦٤ (٢٤٢).
(٢) قد أكثر المصنف في كتابه هذا من قوله: وفلان قبره يزار فاعلم أنه لا يجوز شرعًا
تخصيص قبر بعينه للزيارة، وإن كان للعبرة والعظة؛ لعموم قوله ◌َله: كنت نهيتكم
عن زيارة القبور فزوروها. ولم يحدد قبرًا بعينه، ثم اعلم أن الزيارة الشرعية إنما هي
في التفكر والاتعاظ بالموتى والدعاء لهم لا غير، فإن صاحب ذلك نوع من أنواع
الشرك، فقد قال ◌َّله: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) ٤٠٠ - ٤٠١: غلب في
عرف كثير من الناس استعمال لفظ: زرنا، في زيارة قبور الأنبياء والصالحين على
استعمال لفظ: زيارة القبور، في الزيارة البدعية الشركية لا في الزيارة الشرعية؟
ولم يثبت عن النبي ◌ّ حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا رَوى في ذلك
شيئًا لا أهل الصحيح ولا السنن ولا الأئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد
وغيره، وإنما روى ذلك مَن جَمَع الموضوع وغيره. ا.هـ

٢٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
الستة من اسمه الليث بن سعد سواه(١)، نعم في الرواة ثلاثة غيره:
أحدهم: بصري وكنيته أبو الحارث أيضًا، وهو ابن أخي سعيد بن
الحکم.
ثانيهم: يروي عن ابن وهب. ذكرهما ابن يونس(٢) في ((تاريخ مصر)).
وثالثهم: تنيسي حدث عن بكر بن سهل نبه عَلَى ذَلِكَ الخطيب(٣).
وأما الراوي عنه فهو أبو زكريا، يحيى بن عبد الله بن بكير، نسبه
البخاري إلى جده، القرشي المخزومي مولاهم، المصري الحافظ
(١) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٥١٧/٧، ((معرفة الثقات)) ٢٣٠/٢ (١٥٦٥)
((التاريخ الكبير)) ٢٤٦/٧ - ٢٤٧ (١٠٥٣)، ((الجرح والتعديل)) ١٧٩/٧ (١٠١٥)،
((سير أعلام النبلاء)) ١٣٦/٨ (١٢)، ((تهذيب الكمال)) ٢٤/ ٢٥٥ (٥٠١٦).
(٢) هو علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري،
أبو الحسن، الفلكي المؤرخ، مصنف ((تاريخ أعيان مصر»، توفي في شوال سنة
تسع وتسعين وثلاثمائة، انظر ترجمته في: ((الأنساب)) ٤٦/٨، ((وفيات الأعيان))
٤٢٩/٣ - ٤٣١، ((تاريخ الإسلام)» ١١٢/٤، ((سير أعلام النبلاء)» ١٧/ ١٠٩.
(٣) قلت: هذا يسمى: المتفق والمفترق، كما هو مقرر في مصطلح الحديث، وهو أن
تتفق أسماء الرواة لفظًا وخظًا وتختلف أو تفترق أشخاصهم، مثاله: أبو بكر بن
عياش ثلاثة، وأحمد بن جعفر بن حمدان أربعة، وأبو عمران الجوني، اثنان،
وصالح بن أبي صالح أربعة، والليث بن سعد -كما ذكره المصنف هنا - أربعة.
وللخطيب فيه كتاب ((المتفق والمفترق)».
انظر: ((علوم الحديث)) ص٣٥٨ - ٣٦٥، و((المقنع)) ٦١٤/٢ - ٦٢١، ((فتح
المغيث)) ٢٦٩/٣ - ٢٨٣، و((تدريب الراوي)) ٤٥٥/٢- ٤٧٤.
وما عزاه المصنف هنا للخطيب مظنه كتاب: ((المتفق والمفترق))، وذكره الخطيب
أيضًا في كتابه ((تالي تلخيص المتشابه)) ٦١٧/٢ - ٦١٨ (٤٣٦ - ٤٣٩) وعزاه
محققه (للمتفق والمفترق)) للخطيب (ق ٢٢٥/ ب). وذكر المصنف هنا أن الليث بن
سعد ابن أخي سعيد بن الحكم، بصري، ووقع في «تالي التلخيص» أنه مصري،
وكذا ذكر العيني في ((عمدة القاري)) ٥٣/١ أنه مصري.