Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ مقدمة المصنف قَالَ: فهذا تفصيل طبقاتهم مختصرًا نبهت عليه؛ لئلا يظن من لا معرفة له إِذَا حدث البخاري، عن مكي، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة، ثم حدث في موضع آخر عن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة، أن الإسناد الأول سقط منه شيء، وعلى هذا سائر الأحاديث. وكان البخاري يحدث بالحديث في موضع نازلًا وفي موضع عاليًا، فقد حدث في مواضع كثيرة جدًا عن رجل عن مالك(١)، وحدث في موضع عن عبد الله بن محمد المسندي، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن مالك(٢)، وحدث في مواضع عن رجل، عن شعبة، وحدث في مواضع عن ثلاثة عن شعبة، منها : حديثه عن حماد بن حميد عن عبد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة، وحدث في مواضع عن رجل عن الثوري، وحدث في موضع عن ثلاثة عنه، فحدث عن أحمد بن عمر، عن أبي النضر، عن عبيد الله الأشجعي، عن الثوري، وأعجب من هذا كله: أن عبد الله بن المبارك أصغر من مالك وسفيان وشعبة، ومتأخر الوفاة. وحدث البخاري عن جماعة من أصحابه عنه وتأخرت وفاتهم، ثم حدث عن سعيد بن مروان، عن محمد بن عبد العزيز أبي رزمة، عن أبي صالح سلمويه، عن عبد الله ابن المبارك. فقس عَلَى هُذا أمثاله. هو الحال هنا، وكرواية الزهري ويحيى بن سعد الأنصاري عن مالك، وكرواية = العبادلة عن كعب الأحبار. أنظر: ((علوم الحديث)) ص ٣٠٧ - ٣٠٩، ((المقنع)) ٢/ ٥١٨ - ٥٢٠، («تدريب الراوي)) ٣٤٩/٢ - ٣٥٢. (١) كما في أحاديث (٢، ١٩، ٢٢). (٢) سيأتي في حديث رقم (٤٢٣٤) كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر. ٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقد حدث البخاري عن قوم خارج ((الصحيح))، وحدث عن رجل عنهم في ((الصحيح)) منهم: أحمد بن منيع وداود بن رشيد، وحدث عن قوم في الصحيح، وحدث عن آخرين عنهم منهم: أبو نعيم وأبو عاصم والأنصاري وأحمد بن صالح وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وفيهم كثرة. فإذا رأيت مثل هذا فَأَصْلُهُ ما ذكرنا، وقد روينا عنه أنه قَالَ: لا يكون المحدث محدثًا کاملاً حتى یکتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه (١)، وروينا هذا الكلام أيضًا عن وكيع (٢). (١) ذكره الحافظ في «هدي الساري» ص٤٧٩. (٢) رواه الخطيب في ((الجامع لأخلاق الراوي)) ٢١٦/٢ (١٦٥٤ - ١٦٥٥)، والحافظ في «التغلیق)) ٣٩٤/٥. ٦٣ مقدمة المصنف فصل وقد أكثر البخاري رحمه الله في ((صحيحه)) في تراجم أبوابه من ذكر أحاديث وأقوال الصحابة وغيرهم بغير إسناد، وحكم هذا (أن ما)(١) كان منه بصيغة جزم، کقال وروي وشبههما فهو حكم منه بصحته(٢)، وما كان بصيغة تمریض کروي وشبهه فلیس فیه حکم بصحته، ولکن ليس هو واهيًا إذ لو كان واهيًا لم يدخله في ((صحيحه)). ودليل صحة الأول أن هذِه الصيغة موضوعة لـ((الصحيح))، فإذا استعملها هذا الإمام في مثل هذا المصنف الصحيح مع قوله السالف: ما أدخلت إلا ما صح. اقتضى ذَلِكَ صحته، ولا يقال: يَرُدُّ عَلَى هذا إدخاله ما هو بصيغة تمريض؛ لأنه قد نبه عَلَى ضعفه بإيراده إياه بصيغة التمريض. والمراد بقوله: ما أدخلت في ((الجامع)) إلا ما صح. أي: ما ذكرت فيه مسندًا إلا ما صح، كذا قرره النووي(٣)، وأصله للشيخ تقي الدين ابن الصلاح(٤). (١) في ((الأصل)): أنما، والصواب ما أثبتناه. (٢) قلت: ينبغي أن يقيد حكم الصحة بكونه صحيحًا إلى المضاف إليه، فإذا كان الذي مُلِّق الحديث عنه دون الصحابة، فالحكم بصحته متوقف على أتصال الإسناد بينه وبين الصحابي. أنظر: ((المقنع)) ٧٢/١ - ٧٣، ((تدريب الراوي)) ١٤٤/١ - ١٥١، (فتح المغیث)) ٥٣/١- ٥٥. (٣) ((التقريب)) للنووي مع ((التدريب)) ١٥٠/١. (٤) ((مقدمة ابن الصلاح)) ص ٢٥، وابن الصلاح: هو الإمام العلامة تقي الدين = ٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == لكن وقع في ((صحيح البخاري)) ذكر التعليق مرة بغير صيغة جزم، ثم يسنده في موضع آخر؛ فقال في كتاب الصلاة: ويذكر عن أبي موسى قَالَ: كنا نتناوب النبي ◌َّر لصلاة العشاء(١). ثم أسنده في باب: فضل العشاء، فقال: ثنا محمد بن العلاء، ثنا أبو أسامة، عن بُرَيْد، عن أبي بردة، عن أبي موسى(٢)، وقال في كتاب: الإشْخَاص: ويذكر عن جابر أنه عليه الصلاة والسلام رد المتصدق عَلَى صدقته(٣) ثمَّ أسنده في موضع آخر (٤). وقال في كتاب الطب: ويذكر عن ابن عباس عن النبي بَّ في الرقى بفاتحة الكتاب(٥)، وأسنده مرة(٦). وقال أبو العباس القرطبي (٧) في كتابه في السماع: البخاري لا يعلق = أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الكردي، الشهرزوري، الموصلي، الشافعي، ولد سنة (٥٧٧هـ)، ومات سنة: (٦٤٣هـ)، من تصانيفه: ((علوم الحديث))، و((شرح صحيح مسلم))، ((الفتاوى)). انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ٢٤٣/٢ - ٢٤٥، ((السير)» ١٤٠/٢٣ - ١٤٤. (١) يأتي معلقًا قبل حديث (٥٦٤) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعًا. (٢) يأتي مسندًا برقم (٥٦٧). (٣) يأتي معلقًا في كتاب: الخصومات، باب: من رد أمر السفيه. (٤) يأتي مسندًا برقم (٢١٤١) كتاب: البيوع، باب: بيع المزايدة. (٥) يأتي معلقًا قبل حديث (٥٧٣٦ت) باب: الرقى بفاتحة الكتاب. (٦) يأتي مسندًا بعده برقم (٥٧٣٧) باب: الشرط في الرقية بقطيع من الغنم. (٧) هو أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري الأندلسي القرطبي المالكي، ضياء الدين أبو العباس، الإمام الفقيه المحدث المدرس الشاهد بالإسكندرية، ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة في قرطبة، من مصنفاته («المفهم في شرح ما أشكل من تلخيص كتاب مسلم))، ((مختصر البخاري))، ((شرح التلخيص))، توفي في ذي القعدة من سنة ستة وخمسين وستمائة. انظر ترجمته في: ((تذكرة الحفاظ)) ١٤٣٨/٤. ٦٥ = مقدمة المصنف في كتابه إلا ما كان في نفسه صحيحًا مسندًا، لكنه لم يسنده؛ ليفرق بين ما كان عَلَى شرطه في أصل كتابه، وبين ما ليس كذلك. ولم يصب ابن حزم الظاهري(١) في رده تعليق حديث: ((ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر)(٢) إلى آخره، فإنه ليس منقطعًا بل معلقًا، وقد ثبت أتصاله في غيره كما سنوضحه إن شاء الله في موضعه(٣). ثمَّ أعلم أن هذِه تسمى تعليقًا إِذَا كانت بصيغة جزم، كذا أسماها الحميدي الأندلسي(٤)، وغيره من العلماء المتأخرين، وسبقهم بهذِه (١) ابن حزم: هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، وكنيته أبو محمد، عالم الأندلس في عصره، وأحد الأئمة في الإسلام، ولد بقرطبة يوم الأربعاء عام (٣٨٤هـ - ٩٩٤م) حفظ القرآن، وتلقى العلوم على أكابر العلماء بقرطبة، نشأ - رحمه الله- شافعي المذهب، ثم انتقل إلى مذهب أهل الظاهر، له مصنفات كثيرة بلغت أربعمائة منها: ((الفصل في الملل والأهواء والنحل))، و((المحلى))، و((جمهرة الأنساب))، و((مراتب الإجماع))، و((الناسخ والمنسوخ)) وغيرها. توفي بقرية (منليشتم) من أعمال (لبله) من بلاد الأندلس أو آخر شعبان سنة (٤٥٦هـ - ١٠٦٤م). انظر: ((الصلة)) لابن بشكوال ٤١٥/٢ - ٤١٧ (٨٩٤)، ((معجم الأدباء)) ٥٤٦/٣- ٥٥٦ (٥٤٢)، ((وفيات الأعيان)) ٣٢٥/٣ - ٣٣٠ (٤٤٨)، ((تاريخ الإسلام)» ٣٠/ ٤٠٣-٤١٧ (١٦٨)، ((سير أعلام النبلاء)) ١٨٤/١٨ - ٢١٢ (٩٩)، ((تذكرة الحفاظ)) ١١٤٦/٣ - ١١٥٥ (١٠١٦)، ((مرآة الجنان)) ٧٩/٣ - ٨١، («البداية والنهاية)) ١٢/ ٥٥٣. (٢) يأتي برقم (٥٥٩٠) كتاب: الأشربة، باب: ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير أسمه. (٣) سيأتي تخريجه مفصلًا إن شاء الله. (٤) هو الإمام القدوة الأثري، المتقن الحافظ، شيخ المحدثين، أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح، بن حميد بن يصل، الأزدي، الحميدي، الأندلسي الفقيه، الظاهري صاحب ابن حزم وتلميذه، قال: مولدي قبل سنة عشرين و أربعمائة، من مصنفاته: ((الجمع بين الصحيحين))، ((جمل تاريخ = ٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = التسمية الدارقطني(١)، وشبهوه بتعليق الجدار لقطع الاتصال، ثمَّ إنه يسمى تعليقًا إِذا أنقطع من أول إسناده واحد فأكثر، ولا يسمى بذلك ما سقط وسط إسناده أو آخره، ولا ما كان بصيغة تمريض، كما نبه عليه ابن الصلاح(٢). واعلم أن هذا التعليق إنما يفعله البخاري لما سيأتي أن مراده بهذا الكتاب الاحتجاج بمسائل الأبواب، فيؤثر الاختصار. وكثير من هذا التعليق أو أكثره مما ذكره في هذا الكتاب في باب آخر كما أسلفناه، وربما كان قريبًا(٣). = الإسلام))، ((الذهب المسبوك في وعظ الملوك))، ((ذم النميمة))، ((حفظ الجار))، توفي في سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) ١٢٠/١٩ - ١٢٧، (الوافي بالوفيات)) ٣١٧/٤ - ٣١٨، (وفيات الأعيان)) ٤/ ٢٨٢، ((شذرات الذهب)) ٣٩٢/٣. (١) هو الإمام الحافظ المجود، شيخ الإسلام، علم الجهابذة، أبو الحسن، علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار بن عبد الله البغدادي، من أهل محلة دار القطن ببغداد، ولد سنة ست وثلاث مائة، وتوفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وكان من بحور العلم ومن أئمة الدنيا، وكان على مذهب الإمام الشافعي، من مصنفاته: ((السنن))، ((المختلف والمؤتلف)). انظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)» ٣٤/١٢ - ٤٠، ((وفيات الأعيان)) ٢٩٧/٣ - ٢٩٩، (السير)) ٤٤٩/١٦ - ٤٦١، ((تذكرة الحفاظ)) ٩٩١/٣ - ٩٩٥، ((شذرات الذهب)) ١١٦/٣- ١١٧. (٢) ((علوم الحديث)) ص٦٧ - ٧٢. (٣) قلت: للحافظ ابن حجر كلام نفيس حول تعليقات البخاري قلَّ أن تجد مثله، آنظره في ((هدي الساري)) ص١٧ - ١٩، وإنما لم نورده هنا خشية الإطالة، وبالله التوفيق. ٦٧ مقدمة المصنف فصل لا يجوز العمل في الأحكام ولا يثبت إلا بالحديث الصحيح أو الحسن، ولا يجوز بالضعيف لكن يُعمل به فيما لا يتعلق بالعقائد والأحكام، كفضائل الأعمال والمواعظ وشبههما(١). (١) اختلف العلماء في الأخذ بالحديث الضعيف على ثلاثة مذاهب: المذهب الأول : لا يعمل به مطلقًا لا في الفضائل ولا في الأحكام، حكاه ابن سيد الناس، عن ابن معين، وإليه ذهب أبو بكر بن العربى، والظاهر أنه مذهب البخاري ومسلم، لما عرفناه من شرطيهما، وهو مذهب ابن حزم. المذهب الثاني: أنه يعمل بالحديث الضعيف، وعزي هذا إلى أبي داود والإمام أحمد رضي الله عنهما، وأنهما يريان ذلك أقوى من رأي الرجال. المذهب الثالث: أنه يعمل به في الفضائل والمواعظ، إذا توفرت له بعض الشروط، وقد ذكر ابن حجر هُذِه الشروط وهي: ١- أن يكون الضعف غير شديد، ونقل العلائي الاتفاق على هذا الشرط. ٢- أن يندرج تحت أصل معمول به. ٣- أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط. وقال: هذان ذكرهما ابن عبد السلام وابن دقيق العيد. وإلى المذهب الأول - وهو أن لا يعمل به مطلقًا - ذهب المصنف - رحمه الله- فقال في ((المقنع)) ١/ ١٠٤ : في قول من قال بأنه تجوز روايته والعمل به في غير الأحكام. قال: فیه وقفة فإنه لم يثبت، فإسناد العمل إليه يوهم ثبوته، ويوقع من لا معرفة له في ذلك فيحتج به.اهـ وذهب إليه أيضًا شيخ الإسلام فقال: لا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة، لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى في فضائل الأعمال ما لم يعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه = ٦٨ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح وإذا كان الحديث ضعيفًا لا يورد بصيغة الجزم بل بصيغة التمريض؛ لأن صيغة الجزم تقتضي صحته عن المضاف إليه فلا تطلق إلا فيما صح، وإلا فيكون في معنى الكاذب عليه، وقد اشتد إنكار البيهقي (١) الحافظ = كذب، وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروعٍ بدليل شرعي، وروي في فضله حديث لا يعلم أنه كذب، جاز أن يكون الثواب حقًّا، ولم يقل أحد من الأئمة أنه يجوز أن يجعل الشيء واجبًا أو مستحبًا بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع. ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وما كان أحمد بن حنبل ولا أمثاله من الأئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث في الشريعة، ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن، فقد غلط عليه .. اهـ ((مجموع الفتاوى)) ٢٥٠/١ - ٢٥١. وذهب إليه أيضًا العلامة أحمد شاكر فقال: لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة، بل لا حجة لأحد إلا بما صح عن رسول الله وَ ل﴿ من حديث صحيح أو حسن، وأما ما قاله أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك: إذا روينا في الحلال والحرام شددنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا، فإنما يريدون به - فيما أرجح، والله أعلم - أن التساهل إنما هو في الأخذ بالحديث الحسن الذي لم يصل إلى درجة الصحة، فإن الاصطلاح في التفرقة بين الصحيح والحسن، لم يكن في عصرهم مستقرًّا واضحًا، بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث إلا بالصحة أو بالضعف فقط.اهـ (الباعث الحثيث)) ص٧٦. وكذا الألباني فقال: إننا ننصح إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يَدَعُوا العمل بالأحاديث الضعيفة مطلقًا، وأن يوجهوا همتهم إلى العمل بما ثبت عن النبي ◌َّ ففيها ما يغني عن الضعيف. اهـ ((صحيح الجامع)) ٥٦/١. (١) البيهقي: هو أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخراساني، الخسروجردي، الإمام الحافظ، العلامة، شيخ خراسان، من أكابر فقهاء الشافعية في عصره، ولد في (خسروجرد من قرى بيهق بخراسان)، في شعبان عام (٣٨٤هـ- ٩٩٤م)، نشأ في بيهق، ورحل إلى بغداد، ثم الكوفة، ومكة، وغيرها. صنَّف زُهاء ألف جزء لم يُسبق إليها، من تصانيفه: ((السنن الكبرى))، و((السنن = ٦٩ مقدمة المصنف عَلَى من خالف هذا من العلماء، وقد اعتنى البخاري بهذا التفصيل في ((صحيحه)) كما ستعلمه، فيذكر في الترجمة الواحدة ما يورد بعضه بجزم وبعضه بتمريض، ونِعْمَتِ الخصلة. = الصغرى))، و((دلائل النبوة))، وغيرها. توفي بنيسابور عاشر جمادى الأولى عام (٤٥٨ هـ - ١٠٦٦م)، ودفن بها، وقيل: نقل إلى بيهق. وترجمته في: ((الأنساب)) ٣٨١/٢-٣٨٣، ((المنتظم)) ٢٤٢/٨ (٢٩٢)، ((الكامل)) ٥٢/١٠، ((وفيات الأعيان)) ٧٥/١، ٧٦ (٢٨)، ((سير أعلام النبلاء)) ١٨/ ١٦٣-١٧٠ (٨٦٠)، ((تذكرة الحفاظ)) ١١٣٢/٣-١١٣٥ (١٠١٤)، ((طبقات السبكي)) ٨/٤-١٦ (٢٥٠)، ((طبقات الإسنوي)) ١٩٨/١-٢٠٠ (١٩٨)، ((البداية والنهاية)) ٥٥٦/١٢، ((طبقات ابن قاضي شهبة)) ٢٢٠/١-٢٢٢ (١٨٢)، ((طبقات ابن هداية الله)) ٢٣٣، ((شذرات الذهب)) ٣٠٤/٣، ٣٠٥. ٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فصل قَدْ أكثر البخاري رحمه الله من إعادة الحديث في أبواب، وفائدته: إظهار دقائق الحديث، واستنباط لطائفه، وما أشتمل عليه من الأصول والفروع والزهد والآداب والأمثال، وغيرها من الفنون. وهذا هو مقصود البخاري بهذا الصحيح، وليس مقصوده الاقتصار عَلَى الحديث وتكثير المتون؛ فلهذا أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث، واقتصر عَلَى قوله فيه: فلان الصحابي عن النبي ◌ِّ، أو فيه : حديث فلان ونحو ذلك. وقد يذكر متن الحديث بغير إسناد، وقد يحذف من أول الإسناد واحدًا فأكثر، وهذان النوعان يسميان تعليقًا كما سلف؛ وإنما يفعل هذا؛ لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجم لها، واستغنى عن إسناد الحديث أو عن إسناده ومتنه وأشار إليه لكونه معلومًا، وقد يكون مما تقدم وربما تقدم قريبًا. وذكر في تراجم الأبواب آيات كثيرة من القرآن العزيز، وربما أقتصر في بعض الأبواب عليها فلا يذكر معها شيئًا أصلًا. وذكر أيضًا في تراجم الأبواب أشياء كثيرة جدًا من فتاوى الصحابة والتابعين فمن بعدهم(١). (١) قال الحافظ: أنواع التراجم في البخاري ظاهرة وخفية، أما الظاهرة فليس ذكرها من غرضنا هنا وهي أن تكون الترجمة دالة بالمطابقة لما يورد في مضمونها وإنما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة كأنه يقول = ٧١ مقدمة المصنف = = قَالَ ابن طاهر: كان البخاري يذكر الحديث في موضع يستخرج منه - بحسن استنباط وغزارة فقه - معنى يقتضيه الباب، وقلما يورد حديثًا في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد، بل يورده ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليقوي الحديث بكثرة طرقه، أو يختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقصه، أو يكون في الإسناد الأول مدلس، أو غيره لم يذكر لفظ السماع فيعيده بطريق فيه التصريح بالسماع، أو غير ذَلِكَ(١). = هذا الباب الذي فيه كيت وكيت، أو باب ذكر الدليل على الحكم الفلاني مثلًا، وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له أو بعضه أو بمعناه إلى أن قال: وربما أكتفى أحيانًا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه، وأورد معها أثرًا أو آية، فكأنه يقول: لم يصح في الباب شيء على شرطي، وللغفلة عن هذِه المقاصد الدقيقة أعتقد من لم يمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض، ومن تأمل ظفر، ومن جد وجد.اهـ وانظر تمام كلام الحافظ في: ((هدي الساري)) ص١٣ - ١٤. (١) نقله الحافظ في ((هدي الساري)) ص١٥، وعزاه إلى جزء ابن طاهر ((جواب المتعنت)). ٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == فصل في ((الصحيح)) جماعة قليلة جرحهم بعض المتقدمين، وهو محمول عَلَى أنه لم يثبت جرحهم بشرطه، فإن الجرح لا يثبت إلا مفسرًا مبين السبب عند الجمهور؛ لئلا يجرح بما يتوهمه جارحًا وليس جارحًا، كذا قرره ابن الصلاح(١) وسبقه إليه الخطيب(٢)، ومثَّله -أعني ابن الصلاح- بعكرمة، وإسماعيل بن أبي أويس، وعاصم بن علي، وعمرو بن مرزوق، وغيرهم، قَالَ: واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة أشتهر الطعن فيهم قَالَ: وذلك دالٌّ عَلَى أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يقبل إلا إِذَا فُسِّر سببُه(٣). ولك أن تقول: قد فسر الجرح (٤) في هؤلاء(٤). (١) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح ص١٠٦ - ١٠٧. (٢) ((الكفاية)) للخطيب البغدادي ص١٠٨. (٣) ((علوم الحديث)) ص١٠٧. (٤) قال الحافظ في ((هدي الساري)): ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته ولاسيما ما أنضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خُرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول، فأما إن خرَّج له في المتابعات والشواهد والتعاليق، فلهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول أسم الصدق لهم، وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنًا فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام فلا يقبل إلا مبين السبب مفسرًا بقادح يقدح في عدالة هذا = ٧٣ مقدمة المصنف أما عكرمة (١)، فقال ابن عمر لنافع: لا تكذب علي كما كذب عكرمة عَلَى ابن عباس (٢)، وفي ((الأنساب)) لمصعب الزبيري: إن سبب ذَلِكَ في عكرمة: أنه عَزا رأي الإباضية إلى ابن عباس فقيل ذَلِكَ، قُلْتُ: وقد كذبه مجاهد وابن سيرين ومالك، وقال حماد بن زيد: قيل لأيوب: أكانوا يتهمون عكرمة؟ فقال: أما أنا فلم أكن أتهمه (٣). الراوي وفي ضبطه أو في ضبطه لخبر بعينه؛ لأن الأسباب الحاملة للأئمة على = الجرح متفاوتة منها ما يقدح ومنها لا يقدح. ذكر كلامًا نفيسًا جدًّا ندر أن تجد مثله، ثم أورد أسماء هؤلاء المطعون فيهم مرتبًا لهم على حروف المعجم، رادًا على أكثر هذِه الطعون. ((هدي الساري)) ص٣٨٤ - ٤٥٦. (١) هو عكرمة القرشي الهاشمي أبو عبد الله، مولى ابن عباس، وستأتي ترجمته مفصلة في شرح حديث (٧٥) كتاب: العلم، باب: قول النبي ◌َّر: ((اللهم علمه الكتاب)) فانظرها هناك. (٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخه)) ١٠٧/٤١ من طريق عبد الله بن عيسى أبي خلف، عن يحيى البكاء قال: سمعت ابن عمر، ... ثم ذكره. وفيه أبو خلف الخزاز، قال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة. وأما يحيى البكاء، فهو ضعيف. أنظر: ((الضعفاء والمتروكين)) للنسائي ص١١٠، (الجرح والتعديل)) ١٢٧/٥، ١٨٩/٩، ((المجروحين)) ١١٠/٣، ((تهذيب الكمال)) ٤١٦/١٥، ٥٣٤/٣١ - ٥٣٥، ((تهذيب التهذيب)) ٤٠١/٢. ورواه الباجي في ((التعديل والتجريح)) ١٠٢٣/٣، وابن عساكر في ((تاريخه)) ٤١/ ١٠٨ من طريق هارون بن معروف قال: حدثنا ضمرة، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: قال ابن عمر لنافع ... وقال ابن عساكر: أيوب عن ابن عمر. وقد روي أيضًا عن سعيد بن المسيب أنه قال ذلك لمولاه برد. رواه الباجي في ((التعديل والتجريح)) ١٠٢٤/٣، وابن عساكر في ((تاريخه)) ١١٠/٤١ من طريق موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو هلال الراسبي، قال: حدثنا الحكم بن أبي إسحاق قال: كتبت عن سعيد، وثمَّ مولى له فقال: أنظر لا تكذب عليَّ كما كذب ... ثم ذكره. (٣) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) ٢٨٩/٥. ٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقال أحمد: يرى رأي الخوارج الصفرية. وقال ابن المديني: كان عكرمة يرى رأي نجدة. وقال غيره: كان يرى السيف. وأمَّا الجمهور فوثَّقُوه واحتَّجوا به، ولعله لم يكن داعية(١). وأما إسماعيل بن أبي أويس فأقر عَلَى نفسه بالوضع، كما حكاه النسائي؛ عن سلمة بن (شبيب)(٢) عنه(٣)، وقال ابن معين: يساوي (١) تعقب جماعة من الأئمة ما قيل في عكرمة وصنفوا في الذب عنه، منهم: الطبري، ومحمد بن نصر المروزي، وابن منده وابن حبان، وابن عبد البر. انظر: ((التمهيد)) ٢٧/٢ - ٣٤، ((الثقات)) لابن حبان ٢٢٩/٥، ((تهذيب الكمال)) ٢٦٤/٢- ٢٩٢، ((ميزان الاعتدال)) ١٣/٤ - ١٧، ((سير أعلام النبلاء)) ٢٢/٥ - ٣٦، ((تهذيب التهذيب)) ١٣٤/٣ - ١٣٨، ((هدي الساري)» ص ٤٢٥ - ٤٣٠. (٢) في الأصل: شعيب، والمثبت هو الصواب كما في مصادر التخريج. (٣) قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) ١/ ١٥٨: قرأت على عبد الله بن عمر، عن أبي بكر بن محمد أن عبد الرحمن بن مكي أخبرهم كتابة: أخبرنا أبو طاهر السلفي، أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن بن أحمد الباقلاني، أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البرقاني، حدثنا أبو الحسن الدارقطني، قال: ذكر محمد ابن موسى الهاشمي - وهو أحد الأئمة وكان النسائي يخصه بما لم يخص به ولده فذكر عن أبي عبد الرحمن- قال، حكى لي سلمة بن شبيب، قال: بما توقف أبو عبد الرحمن؟ قال: فما زلت بعد ذلك أداريه أن يحكي لي الحكاية حتى قال: قال لي سلمة بن شبيب: سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول: ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم. قال البرقاني: قلت للدار قطني: من حكى لك هذا عن محمد بن موسى؟ قال الوزير: كتبتها من كتابه وقرأتها عليه - يعني: بالوزير الحافظ الجليل جعفر بن حنزابة -. ثم قال الحافظ ابن حجر: وهذا هو الذي بان للنسائي منه حتى تجنب حديثه وأطلق القول فيه بأنه ليس بثقة، ولعل هُذا كان من إسماعيل في شبيبته ثم أنصلح، وأما الشيخان فلا يظن بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات وقد أوضحت ذلك في مقدمة شرحي على البخاري، والله أعلم. اهـ. وانظر: ((هدي الساري)) ص٣٩١. ٧٥ ـسـ مقدمة المصنف = فلسين، وهو وأبوه يسرقان الحديث(١). وقال النضر بن سلمة المروزي -فیما حكاه الدولا بي عنه -: كذاب، كان يحدث عن مالك بمسائل ابن وهب(٢). وقال أبو حاتم: محله الصدق، مغفل(٣). وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح (٤). وأما عاصم بن علي فقال ابن معين: لا شيء(٥). وقال غيره: كذاب ابن كذاب(٦)، وقال مسلمة: كثير المناكير، وقال ابن سعد: ليس بالمعروف بالحديث، كثير الخطأ في حديثه(٧)، وأما أحمد فصدقه وصدق أباه(٨). (١) رواه العقيلي في ((الضعفاء)) ٨٧/١، وابن عدي في ((الكامل)) ٥٢٥/١. (٢) رواه ابن عدي في ((الكامل)) ٥٢٥/١. (٣) ((الجرح والتعديل)) ١٨٠/٢. (٤) هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي. قال ابن حجر في «هدي الساري)) ص٣٩١. احتج به الشيخان إلا أنهما لم يكثرا من تخريج حديثه ولا أخرج له البخاري مما تفرد به سوى حديثين وأما مسلم فأخرج له أقل مما أخرج له البخاري وروى له الباقون سوى النسائي. انظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ٢/ ١٨٠ - ١٨١ (٦١٣)، ((تهذيب الكمال)) ١٢٤/٣ (٤٥٩)، ((ميزان الاعتدال)) ٩٠/١، ((تهذيب التهذيب)) ١٥٨/١. (٥) رواه ابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) ٦/ ٤٠٧، والخطيب في ((تاريخه)) ٢/ ٢٤٩. (٦) رواه ابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) ٦/ ٤٠٧ عن يحيى بن معين أيضًا. (٧) ((الطبقات الكبرى)) ٣١٦/٧. (٨) هو عاصم بن علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، أبو الحسين، ويقال: أبو الحسن القرشي التيمي، مولى قريبة. مات سنة إحدى وعشرين ومائتين. قال ابن حجر في ((هدي الساري)) ص٤١٢: روى عنه البخاري قليلًا عن عاصم بن محمد بن زید. وروی في كتاب الحدود عن رجل عنه عن ابن أبي ذئب حديثًا واحدًا. انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٤٩١/٦ (٣٨٠١)، ((الجرح والتعديل)) ٣٤٨/٦ (١٩٢٠)، ((تهذيب الكمال)) ٥٠٨/١٣ (٣٠١٦). ٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وأما عمرو بن مرزوق(١)، فنسبه أبو الوليد الطيالسي إلى الكذب. وكان يحيى القطان لا يرضاه (٢). وقال الدار قطني: كثير الوهم. وأما أبو حاتم فوثقه(٣). وقال سليمان بن حرب: جاء بما ليس عندهم فحسدوه(٤). وأما سويد بن سعيد(٥) فمعروف بالتلقين وقال ابن معين: كذاب ساقط، وقال أبو داود: سمعت يحيى يقول: هو حلال الدم (٦). (١) هو: عمرو بن مرزوق الباهلي أبو عثمان البصري. قال ابن سعد في ((الطبقات)) ٧/ ٣٠٥: كان ثقة كثير الحديث عن شعبة، مات بالبصرة في صفر سنة أربع وعشرين ومائتين. قال الحافظ في ((هدي الساري)» ص٤٣٢: لم يخرج عنه البخاري في ((الصحیح)) سوی حدیثین. ثم قال: فوضح أنه لم يخرج له احتجاجًا. وقال في ((التقريب)) (٥١١٠): ثقة فاضل له أوهام. انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير» ٣٧٣/٦ (٢٦٧٧)، ((الجرح والتعديل)) ٢٦٣/٦ (١٤٥٦)، ((تهذيب الكمال)» ٢٢٤/٢٢ (٤٤٤٦). (٢) ((الجرح والتعديل)) ٢٦٤/٦. (٣) المرجع السابق. (٤) رواه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٢٦٤/٦. (٥) هو سويد بن سعيد بن سهل بن شهريار الهروي. قال عبد الله بن أحمد: عرضت علي أبي أحاديث لسويد بن سعيد، عن ضمام بن إسماعيل، فقال لي: أكتبها كلها، أو قال: تتبعها فإنه صالح، أو قال: ثقة. وقال أبو القاسم البغوي: كان من الحفاظ، وقال عبد الله بن علي بن المديني: سئل أبي عن سويد الأنباري فحرك رأسه وقال: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: كان صدوقًا وكان يدلس ويكثر ذلك، وقال البخاري: كان قد عمي فتلقن ما ليس من حديثه، وقال النسائي: ليس بثقة ولا مأمون. قال الحافظ في ((التقريب)) (٢٦٩٠): صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول. أنظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ٤/ ٢٤٠ (١٠٢٦)، ((المجروحين)) لابن حبان ٢٥٣/١، ((تاريخ بغداد)» ٢٢٨/٩، ((تهذيب الكمال)» ٢٤٧/١٢ (٢٦٤٣). (٦) رواه الخطيب في ((تاريخه)) ٢٣٠/٩. ٧١ مقدمة المصنف فصل استدرك الدارقطني في كتابه المسمى بـ((الاستدراكات والتتبع)) عَلَى البخاري ومسلم أحاديث، وطعن في بعضها، وذلك في مائتي حديث مما في الكتابين(١). ولأبي مسعود الدمشقي(٢) عليهما استدراك(٣)، وكذا لأبي علي الغساني(٤) في ((تقييده)(٥). وقد أجبت عن ذَلِكَ كله أو أكثره، وسترى ما يخص البخاري من (١) مطبوع بتحقيق العلامة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي باسم ((الإلزامات والتتبع)) وسماه غير واحد من أهل العلم ((الاستدراكات والتتبع)) كالمصنف والنووي كما في ((شرح مسلم)) ٢٧/١، وجملة ما في الكتاب مائتان وثمانية عشر حديثًا. (٢) هو أبو مسعود، إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي، صنف كتاب ((أطراف الصحيحين))، وكانت وفاته سنة إحدى وأربعمائة، وقيل: سنة أربعمائة. أنظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» ٢٢٧/١٧، ((شذرات الذهب» ١٦٢/٣. (٣) وله أيضًا كتاب أجاب فيه عن انتقاد الدار قطني لمسلم في أحاديث أخرجها في ((صحیحه)) سماه كتاب ((الأجوبة)) وهو مطبوع. (٤) هو أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الجياني، صاحب كتاب: ((تقييد المهمل)) ولد في سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وكانت وفاته في سنة ثمان وتسعين وأربعمائة وكان من جهابذة الحفاظ، قويَّ العربية، بارع اللغة، مقدمًا في الآداب والشعر والنسب، له تصانيف كثيرة في هذه الفنون. أنظر: ((سير أعلام النبلاء)) ١٤٨/١٩ (٧٧)، ((شذرات الذهب)) ٤٠٨/٣، ٤٠٩. (٥) هو كتاب: ((تقييد المهمل وتمييز المشكل)) جمع فيه الأوهام التي تتعلق بـ((صحيح البخاري)) و((صحيح مسلم)) و((موطأ مالك)) وهو مطبوع عدة طبعات وقد طبع جزء (صحيح مسلم)) باسم ((التنبيه على الأوهام الواقعة في صحيح الإمام مسلم)). ٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ذَلِكَ في مواضعه إن شاء الله تعالى وقدره(١) . وقال النووي: الطعن الذي ذكره فاسد مبني عَلَى قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جدًا مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول، ولقواعد الأدلة فلا يُغْتَرّ بذلك(٢). (١) وقد تصدى للرد على كثير من هذه الانتقادات التي وجهت لـ((الصحيحين)) جماعة من الأئمة منهم القاضي عياض في شرحه لمسلم وكذا النووي والحافظ ابن حجر في شرحه للبخاري. (٢) قاله في مقدمة ((شرح البخاري)) كما في ((هدي الساري)) ص٣٤٦. ٧٩ = مقدمة المصنف فصل ألزم الدارقطني وغيره البخاري ومسلمًا إخراج أحاديث تركا إخراجها، مع أن أسانيدهما أسانيد قد أخرجا لرواتها في صحيحيهما. وذكر الدارقطني أن جماعة من الصحابة رووا عن النبي ◌َّر، ورويت أحاديثهم من وجوه صحاح لا مطعن في ناقليها، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئًا فلزمهما إخراجها عَلَى مذهبهما١) . وذكر البيهقي أنهما اتفقا عَلَى أحاديث من صحيفة همام بن منبه، وأنَّ كل واحد منهما أنفرد عن الآخر بأحاديث منها مع أن الإسناد واحد. وصنف الدارقطني والهروي (٢) في هذا النوع الذي ألزموهما. وهذا الإلزام ليس بلازم في الحقيقة، فإنهما لم يلزما استيعاب الصحيح بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعباه، وإنما قصدا جمع جمل (١) ((الإلزامات والتتبع)) ص ٨٣. (٢) هو الحافظ الإمام العلامة، شيخ الحرم، أبو ذر، عَبْد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير بن محمد، المعروف ببلده بابن السماك، الأنصاري الخراساني الهروي المالكي، راوي ((الصحيح)) عن المستملي، والحموي، والكشميهني، ولد سنة خمس أو ست وخمسين وثلاثمائة، من مصنفاته ((مستدرك على الصحيحين))، ((السنة))، ((الجامع))، ((الدعاء))، ((فضائل القرآن))، ((دلائل النبوة)). توفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة وقيل: في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. انظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)» ١٤١/١١، ((تذكرة الحفاظ)» ١١٠٣/٣- ١١٠٨، ((سير أعلام النبلاء)) ٥٥٤/١٧ - ٥٦٣، ((شذرات الذهب)) ٢٥٤/٣. ٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = من الصحيح كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملة من مسائله لا أنه يحصر جميع مسائله، لكنهما إِذَا كان الحديث الذي تركاه أو تركه أحدهما مع صحة إسناده في الظاهر أصلًا في بابه ولم يخرجا له نظيرًا ولا ما يقوم مقامه، فالظاهر من حالهما أنهما أطلعا فيه عَلَى علة إن كان روياه أو تركاه إيثارا لترك الإطالة، أو لأنهما رأيا أن غيره مما ذكراه يسد مسده أو لغير ذَلِكَ.