Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ = مقدمة التحقيق أخرجت هذا الكتاب يعني الجامع الصحيح، من نحو ستمائة ألف حديث، وصنفته في ستة عشر سنة، وجعلته حجة بيني وبين الله(١). وقال أيضًا: ((ما وضعت في الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصلیت ركعتين)). أما مكان تصنيفه فبين الحرمين الشريفين، فقد صنفه في المسجد الحرام، ووضع تراجمه بين قبر النبي ◌َّه ومنبره، وفي ذلك يقول: ((صنفت كتاب الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا إلا بعدما استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته))(٢). إن طول زمان تأليفه، يؤكد تحري البخاري وطول بحثه، وكبير استيعابه، كما أن أختيار الحرمين الشريفين، يدل على تقدير المسؤولية في اختيار الصحيح وانتفائه، مما يوحي جلال المهمة التي تصدى لها البخاري، وكان يقدرها حق قدرها، فقد بلغ من حرص البخاري وعنايته، أنه أعاد النظر فيه مرات لكثرة ما تعهده بالتهذيب والتنقيح، قبل أني يخرجه للناس، ولذلك صنفه ثلاث مرات(٣). عدد أحاديث الصحيح : قال النووي: جملة ما في ((صحيح البخاري)) من الأحاديث المسندة سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثا، بالأحاديث المكررة، وبحذف المكررة، نحو أربعة آلاف(٤). (١) (طبقات الشافعية)) ٧/٢، ((التهذيب)) لابن حجر ٤٩٥/٩، ((الوفيات)) ٦٥٠/١، «التلخيص شرح البخاري)» للنووي ٢١٦/١. (٢) ((هدي الساري)) (١١). (٣) ((طبقات الشافعية)) ٧/٢. (٤) ((التلخيص)) للنووي ٢١٩/١. ٨٢ الإمام البخاري وكتابه الصحيح - وقد فصلها ابن الملقن على الكتب في مقدمة ((التوضيح)) وعلقنا عليه بالمقارنة مع كلام الحافظ ابن حجر بما يغني عن التكرار هنا . * استدراك الدارقطني على البخاري: يمكن إيجاز الكلام في هذا الموضوع بقول النووي: قد استدرك الدَّرقطني على البخاري ومسلم أحاديث، وطعن في بعضها، وذلك الطعن الذي ذكره فاسدٌ، مبنيٌّ على قواعد لبعض المحدثين، ضعيفة جدًا، مخالفة لما عليه الجمهور من أهلِ الفقهِ والأصولِ وغيرهم ولقواعد الأدلة، فلا تغتر بذلك(١). (١) ((التلخيص)) للنووي ٢٤٥/١. ٨٣ = مقدمة التحقيق منهج البخاري في رواية الصحيح وشروطه فيه يمكن استيعاب منهج الإمام البخاري في الحديث الصحيح وشروطه فیه، من أمرین : ١- من الأسم الذي سمى به الجامع الصحيح. ٢- ومن الاستقراء من تصرفه. فهو قد سماه («كتاب الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله (َ﴿ وسننه وأيامه)) وهو ((الجامع)) بمعنى: أنه لم يختص بصنف دون صنف ولذلك أورد فيه الأحكام والقضايا والأخبار المحضة والآداب والرقاق، كما أن من جُملة أغراضه بيان عقيدة السلف والرد على ما كان سائدًا في عصره من البدع. وهو ((الصحيح)) أي: أنه ليس فيه شيء ضعيف عنده لقوله: ((ما أدخلت في الجامع إلا ما صح)). وهو ((المسند)) أي: أنه خرج فيه الأحاديث المتصلة الإسناد ببعض الصحابة عن النبي ◌َّقه سواء من قوله أو فعله أو تقريره. وهكذا يمكن حصر شروط البخاري في صحة الحديث فيما يلي: أن يكون الحديث متصلًا، وأن يكون رواته عدولًا، وأن يخلو الحديث من العلة، أي: ليس فيه علة قادحة، ولا شاذًا بأن يخالف راويه الثقة من هو أوثق منه، أو أكثر عددًا منه وأشد ضبطًا، وقد ٨٤ الإمام البخاري وكتابه الصحيح - أوضح البخاري منهجه في الاتصال بدقة متناهية لا نجدها عند غيره، إذ أشترط في المعنعن شرطين: وهما اللقاء والمعاصرة وفي ذلك يقول: (الاتصال عندهم أن يعبر كل من الرواة في روايته عن شيخه، بصيغة صريحة في السماع منه، كسمعت وحدثني وأخبرني، أو ظاهرة كعن وأن فلانًا قال))، أي أن يكون الراوي قد ثبت له لقاء من حدث عنه ولو مرة واحدة، مع اشتراط أن يكون ثقة، فإذا ثبت عنه ذلك حملت عنه عنعنته على السماع، وعلة ذلك أنه لم يثبت لقاؤه له، وإنما كان معاصرًا له، احتمل أن تكون روايته عن طريق الإرسال، وأما إذا حدث عن شيخه بما لم يسمعه منه كان مدلسًا، وبذلك كان شرط البخاري في الاتصال أقوى وأتقن عنده من غيره، وخاصة مسلم وابن حنبل وغيرهما الذين أكتفوا بالمعاصرة دون اللقاء. إن طريق ثبوت اللقاء عند البخاري، تدور على التصريح بالسماع في الإسناد، فإذا ثبت السماع عنده في موضع يحكم به سائر المواضع، ومن أجل ذلك كان البخاري يتثبت في الرجال الذين يخرج عنهم ينتقي أكثرهم صحبة لشيخه، وأعرفهم بحديثه، وإن فعل فإنما يخرج في المتابعات بشرط أن تقوم قرينة، وأن يكون ذلك مما ضبطه الراوي(١). أما ابن الملقن فقال: يشترط [يعني لاتصال الإسناد] ثبوت اللقاء وحده، وهو قول البخاري والمحققين (٢). وإضافةً لما سبق، فقد خلص بعض الباحثين أنه بالرغم من شيوع سـ (١) انظر: ((هدي الساري)) ص٧ . (٢) انظر: ((التوضيح)) ج٢ الوجه الحادي عشر في شرح أول حديث. ٨٥ == مقدمة التحقيق : شرط اللقاء والمعاصرة عن البخاري فإنه لا يوجد ما يدل دلالة قاطعة على هذا الأمر (١). قال ((ابن خلدون)) في مقدمة تاريخه في علوم الحديث، عن منهج البخاري: ((وجاء محمد بن إسماعيل البخاري إمام المحدثين في عصره، وخرج أحاديث السنة على أبوابها في مسنده الصحيح، بجميع الطرق التي للحجازيين والعراقيين والشاميين، واعتمد منها ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه، كما روى عن أهل الري وواسط وخراسان ومرو وبلخ وهراة ونيسابور وبخارى وغيرها، بخلاف غيره الذين لم يرحلوا إلى تلك البلاد)). وفي الجرح والتعديل كان للبخاري منهج دقيق وأسلوب فريد، كان فيه كثير من التحري والتثبت، فإذا أنكر السماع من راو كان يقول: ((لم يثبت سماع فلان من فلان)». ولا يقول ورعًا ((إن فلانًا لم يسمع من فلان)» كما أكد ذلك صاحب ((فيض الباري)) نقلًا عن ابن حزم(٢) كما كان أكثر ما يقول في الرجل المتروك أو الساقط ((سكتوا عنه)) أو ((فيه نظر)) أو ((تركوه)). وقل أن يقول کذاب أو وضاع بل يقول: «كذبه فلان)) أو ((رماه فلان)) يعني بالكذب. وكان أبلغ تضعيفه للمجروح قوله: ((مُنكر الحديث))(٣). (١) انظر ((منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها)) رسالة من إعداد أبي بكر الكافي، بإشراف د. حمزة المليباري، نشر دار ابن حزم ص ١٨٧، ٣٦٥ . (٢) ((هدي الساري)) ص ٤٨٨، ((طبقات الشافعية)) ٧/٢، ((التعريف بالبخاري)) ص١٢٠. (٣) ((طبقات الشافعية)) ٩/٢. ٨٦ الإمام البخاري وكتابه الصحيح -= هذا ولم تقف ريادة البخاري ومنهجيته عند هذا الحد، بل تجلت في مواضع كثيرة من صحيحه: في تراجمه، وتقطيعه للحديث، واختصاره، وإعادته، ومكرراته، وتجريد الصحيح، مما ميزه عن غيره، وسجل له الأفضلية والأسبقية. ٨٧ = مقدمة التحقيق تراجم صحيح البخاري المقصود بتراجم البخاري أسماء أبواب كتابه التي روى بعدها أحاديث الباب، ولقد راعى البخاري في هذِه التراجم مقاصد عالية رفيعة وأهدافًا سامية، فهو في بعض الأحيان يشير إلى النكات الفقهية، وأحيانا الأصول الحديثية، وعللها الغامضة، ولقد صدق من قال: ((إن فقه البخاري في تراجمه)) ذلك أن تراجم الصحيح تعطي الصورة الواضحة والدليل القاطع، على مقدرة البخاري وسعة علمه، وقوة حفظه ودرجة تفوقه في فهم الكتاب والسنة، واستنباط الأحكام منهما، والاستدلال لأبواب أرادها من الأصول والفروع، والزهد والرقائق، واستخراج فقه الحديث وماله صلة بالحديث المروي فيه فكان فيها كما قال عنه ابن حجر: ((استخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة، فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة))(١). كما كان في تراجمه سباق غايات، وصاحب آيات في وضع تراجم لم يسبق إليها، ولم يستطع أن يحاكيه أحد من المتأخرين، فنبه على مسائل مظان الفقه من القرآن، بل أقامها منه ودل على طرق التأنيس (١) «هدي الساري) ص٦. ٨٨ الإمام البخاري وكتابه الصحيح == منه، وبه ربط الفقه والحديث بالقرآن بعضه مع بعض، فكانت تراجمه صورة حية لاجتهاده وعبقريته ومنهجيته. ولزيادة التوضيح نورد أمثلة من تراجمه، تدليلًا على نبوغه وريادته، وتفوقه وتمكنه، وقوة استنباطه المعاني، واستخراج لطائف فقه الحديث، وتراجم الأبواب الدالة على ماله صلة بالحديث المروي فيه. وقد تحدث ابن الملقن في مقدمة ((التوضيح)) عن تراجم البخاري وبيَّن منهجه فيها وأولاها اهتمامه في الشرح، لذا قال في المقدمة: (وأَخْصُرُ مقصودَ الكلام في عشرة أقسام : ... سابعها: في بيان غامض فقهِهِ، واستنباطه، وتراجم أبوابه؛ فإنّ فيه مواضع يتحیرُ الناظرُ فيها، كالإحالة عَلَى أَصْل الحديث ومخرجه، وغير ذَلِكَ مما ستراه). لقد كان منهجه عجيبًا وفريدًا في تراجمه، فقد يكون منها ما هو ظاهر، والترجمة فيه دالة بالمطابقة لما ترجم له، أي عنوان لما ترجم له، كقوله: ((باب قول النبي وَ ل زر اللهم علمه الكتاب)) كما جاء في الحديث المتصل عن ابن عباس قال: ((ضمني رسول الله وَ يه وقال اللهم علمه الكتاب))(١). وقد تكون الترجمة تعبيرًا للمعنى المراد من كلمة في الحديث مثاله. ((باب الاغتباط في العلم والحكمة وقال عمر: تفقهوا قبل أن تسودوا)). كما جاء في الحديث المسند عن عبد الله بن مسعود قال: ((قال النبي وَفقر، لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالاً فسلط على هلكته في (١) (شرح الكرماني)) للبخاري- كتاب العلم ٢/ ٤٧-٤٩. ٨٩ - مقدمة التحقيق : الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها))(١). فبين في هذِه الترجمة، أن المراد بالحسد هو الغبطة لا الحسد، وبذلك كانت ترجمته هنا بيانًا وتأويّلًا لمعنى الحديث. وقد يترجم بأية ويأتي بعدها بالحديث، مثاله من كتاب العلم. (باب قول الله تعالى ﴿وَمَّا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. وساق السند المتصل عن علقمة عن عبد الله قال: بينما أنا أمشي مع النبي ◌َّير في خرب المدينة، وهو يتوكأ على عسيب معه، فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنه فقام رجل منهم فقال: يا أيا القاسم ما الروح؟ فسكت فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت فلما انجلى عنه فقال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى وَمَا أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾﴾ قال الأعمش: هكذا في قراءتنا، يريد البخاري أن يفيد إثبات الحكم بالمصدرين الكريمين الكتاب والسنة(٢) إلى غير ذلك من المعاني الدقيقة في تراجم البخاري التي يحفل بها صحيحه، والتي أفردها بعض العلماء بمصنفات مستقلة، منها : - ((المتواري على تراجم البخاري)) لابن المنير. - ((فك أغراض البخاري المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة)» للعلامة محمد بن منصور ابن حمامة المغربي. - ((ترجمان التراجم)) لابن رشيد السبتي، ولم يتمه. (١) المصدر السابق ٤١/٢ - ٤٣. (٢) المصدر السابق ١٤٩/٢ - ١٥٠. ٩٠ الإمام البخاري وكتابه الصحيح == - (مناسبات تراجم البخاري)) لابن جماعة. - ((شرح تراجم أبواب صحيح البخاري)). ولي الله الدهلوي، وهي رسالة جامعية. إضافة إلى كتاب ابن حجر ((تغليق التعليق)) ففيه اهتمام كبير بالمعلقات الموجودة في تراجم البخاري. ٩١ - مقدمة التحقيق منهجه في تكرار الحديث واختصاره وتقطيعه وهذا مظهر آخر من منهجية البخاري وبراعته وعبقريته، استعاض به عن هذا العدد العديد من الأحاديث التي ضمها ((الجامع الصحيح)) على كثرتها؛ حتى يجمع هذه الثروة الحديثية الشاملة، وإلا أحتاج إلى مجلدات حتى يستوفي أبواب صحيحه وكتبه، مراعاة لشروطه في الصحيح، والتي ألزم نفسه بها وهو يدون الحديث الصحيح في جامعه متحريًا خالصة لذاته وحسب شروطه. يقول ابن الملقن في مقدمة ((التوضيح)): (القاعدة الثانية عشر: اختصار الحديث والاقتصار عَلَى بعضه، الصحيح جوازه إِذَا كان ما فصله غير مرتبط الدلالة بالباقي، بحيث لا تختلف الدلالة، مفصلة كالحديثين المستقلين. ومنعه إن لم يكن كذلك. وأما تقطيع المصنف الحديث وتفريقه في أبواب فهو إلى الجواز أقرب ومن المنع أبعد، وقد فعله مالك والبخاري وغير واحد من أئمة الحديث). وفي ذلك يقول الكشميري: ((إن المصنف لما شدد في شروط الأحاديث، قلَّت ذخيرة الحديث في كتابه، ولما أراد أن يتمسك منها على جملة أبواب الفقه، اضطر إلى التكرار والتوسع في وجوه الاستدلال، وذلك من كمال بداعته، ومن لا دراية له بغوامضه، ولا ذوق له في علومه، يتعجب من صحيحه، ٩٢ الإمام البخاري وكتابه الصحيح -- ولا يدري أن التوسع فيه من أجل تضييقه على نفسه في مادة الأحاديث، فيستدل بالإيماءات، ويكتفي بالإيماضات))(١) وكان مصداق ما قيل: أعيا فحول العلم حل رموز ما أبداه في الأبواب من أسرار. فإذا صح أن البخاري أعاد الحديث الواحد وكرره في صحيحه أكثر من مرة، فإنما يلجأ إلى ذلك لمراميَ وأمور تتعلق بالإسناد أو بالمتن أو بهما معًا، على أن الصحيح في الأمر أنه لا يكرر، بل هو أسلوب أتخذه الإمام البخاري لما كان يرومه ويقصده من ترجمة أو معنى أو استدلال، وقلما يكون هناك حديث ورد في صحيحه أكثر من مرة كما هو إسنادا ومتنا، وإنما يختلف من حيث راويه أو أختصاره أو الاستدلال به كاملًا، ولنورد على ذلك أمثلة لتوضيح مقاصده في هذا الباب: من ذلك أحاديث يرويها بعض الرواة تامة ويرويها بعضهم مختصرة، فيوردها هو كما جاءت تحريًا للدقة وإزالة للشبهة عن ناقلها، وليصل المنقطع منها على أصله فيقوي بعضها بعضًا، ويذكر الروايتين، مثال ذلك: ما أورده في ((باب ليبلغ الشاهد الغائب)) رواه ابن عباس عن النبي وآلات. ولكنه أسنده في كتاب الحج في باب الخطبة أيام منى، عن علي بن عبد الله، عن يحيى بن سعيد، عن فضيل بن غزوان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله وَله خطب الناس يوم النحر فقال: (يا أيها الناس أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام إلى أن قال: اللهم هل بلغت هل بلغت)). (١) ((فيض الباري)) ص٤. ٩٣ = == مقدمة التحقيق قال ابن عباس فوالذي نفسي بيده، إنها لوصيته إلى أمته ليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض(١). ومن ذلك، أنه كان يخرج الحديث عن صحابي ويورده عن صحابي آخر، وقصده أن يخرج به عن حد التفرد والغرابة، وكذلك يفعل في أهل الطبقة التالية للصحابة فمن بعدهم إلى مشايخه كما هو واضح في المتابعات، وأورد في هذا الباب: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثني الليث، قال: حدثني سعيد بن أبي شريح أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: إنذن لي أيها الأمير أحدثك قولًا قام به النبي وَّو، الخ الحديث، ذكره مطولًا ثم ذكره في كتاب الحج- باب فضل الحرم، بإسناد مغاير ومتن مختصر قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((قال رسول الله وَالر يوم فتح مكة، إن هذا البلد حرمه الله لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها))(٢). وليس في هذا الحديث الجزء الذي بوب له في الباب السابق، ويرمي البخاري من ذلك إلى أن ترك بعض المتن أو السند اختصارًا لا يضر إطلاقًا، وإنما يزيل الشبهة عن الناقل. ومن ذلك أحاديث تعارض فيها الوصل والإرسال ورجح عنده في الموصول. (١) ((شرح الكرماني)) للبخاري ٢٠١/٨. (٢) ((شرح الكرماني) للبخاري ١٠٧/٨. ٩٤ الإمام البخاري وكتابه الصحيح -- ومنها أحاديث زاد فيها بعض الرواة رجلًا في الإسناد ونقصها بعضهم، فيوردها البخاري على الوجهين، إذ صح عنده أن الراوي سمعه من شيخ حدثه به عن آخر، ثم لقي الآخر فحدثه به، فكان يرويه على الوجهين. وقد يورد البخاري الحديث لتسمية راو، أو التنبيه على زيادة في الرواية، فيراعي تقدیم الحدیث الأولى. ومن أجل ذلك يتضح أن الإمام البخاري، لم يكن يورد الحديث الواحد في صحيحه أكثر من مرة، إلا لفائدة ولغاية من ترجمته، قال ابن حجر: ((وبهذا يعلم أن البخاري لا يعيد إلا هادفًا للفائدة، حتى لو لم تظهر لإعادته فائدة، من جهة الإسناد، ولا من جهة المتن، لكانت الفائدة لإعادته من أجل مغايرة الحكم الذي تشتمل عليه الترجمة الثانية، موجبًا أنه لا يعد مكررًا بلا فائدة، وهي تعدد الطرق، فضلًا عن إبراز الأحكام المتعددة(١). وما ألطف ما قال في هذا المعنى ابن الديبع: قالوا: المسلم فضل. قلتُ: البخاري أعلى. قالوا: المُكرر فيه. قلتُ: المُكرر أخلى. لقد كان هدف البخاري دائمًا استخراج المسائل واستنباط الفوائد، والنزول إلى أعماق الحديث، والتقاط درره، فقد روى حديث بريرة عن عائشة أكثر من اثنتين وعشرين مرة، لإبراز أحكام وقواعد جديدة منه في كل مرة يرويه. (١) ((الإمام البخاري محدثًا وفقيهًا)) ص٢٠٣. ٩٥ = - مقدمة التحقيق وروى حديث جابر أكثر من عشرين مرة، ((كنت مع النبي وَّر في غزوة فأبطأ بي جملي وأعيا .. الحديث)). وروي حديث عائشة: ((أن النبي ◌َّلهو اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل ورهنه درعًا من حديد)) في أحد عشر موضعًا، وعقد له أبوابًا وتراجم. وروى قصة موسى والخضر، في أكثر من عشرة مواضع. وأخرج حديث كعب بن مالك في قصة غزوة تبوك في أكثر من عشرة مواضع. وروى حديث أسماء في كسوف الشمس وخطبته بَّه في عشرة مواضع. ونجد أنزل سند فيه، سند إسماعيل بن إدريس، وهو تساعي. وأعلى سند فيه الثلاثيات، وقد بلغت ثلاثة وعشرين على ما ذهب إليه الشبيهي في شرحه للجامع الصحيح(١). وأكثر سند ذكرًا للصحابة، سند أبي سليمان في باب رزق الحكام من كتاب الأحكام، فإن فيه أربعة من الصحابة السائب ومن ذكر بعده. وأطول حديث فيه حديث عمرة الحديبية المذكور في كتاب الصلح. وأكثر أبوابه أحاديث باب ذكر الملائكة، وأكثر من روى عنه من الصحابة أبو هريرة ﴾. (١) ((الفجر الساطع على الصحيح الجامع)) ج١ ص١٣، وما بعدها، بتصرف. . ٩٦ الإمام البخاري وكتابه الصحيح = كيف وصل إلينا الصحيح أو الطرق التي تسلسل بها لقد حدث البخاري بالحجاز والعراق وخراسان وما وراء النهر، وكتب عنه العلماء والمحدثون وما في وجهه شعرة، وقد روى عنه: أبو زرعة وأبو حاتم والترمذي ومسلم ومحمد بن نصر المروزي وصالح بن محمد وابن خزيمة وأبو العباس السراج، وأبو قريش محمد بن جمعة وأبو حامد بن الشرقي وغيرهم من الرواة الكثير الذين لا يحدهم حصر(١). أما بخصوص ((الجامع الصحيح)) فقد أورد الحافظ ابن حجر رواية عن أحمد بن يوسف بن مطر بن صالح الفربري (٣٢٠هـ) أن من سمعوا من البخاري كتابه الجامع الصحيح وحده كانوا تسعين ألفًا وكان هو منهم، كما يذكر الفربري أنه لم يبق ممن سمعه من البخاري إلا هو (٢). وقد رد الحافظ ابن حجر على الفربري مستدركًا واحدًا من تلامذة البخاري الذين سمعوا منه الصحيح بقي متأخرًا عن الفربري، بحوالي تسعة أعوام، وهو أبو طلحة منصور بن محمد بن علي بن قريبة البزدوي المتوفى سنة ثلاثمائة وتسعة وعشرين للهجرة، فيكون هذا (١) ((طبقات الشافعية)) ٤/٢. (٢) «هدي الساري» ص٤٩٢، ٤٩٣. ٩٧ = مقدمة التحقيق آخرهم سماعًا منه كما يقول الحافظ ابن حجر(١) وإذا كان من حمل عن البخاري جامعه الصحيح من تلامذته بلغوا تسعين ألفًا ويزيد، فإن رواية الفربري هي أشهر رواية عن البخاري من بين الروايات الواصلة إلينا منذ عهد البخاري إلى الآن. وقد سمع الفربري الصحيح عن البخاري مرتين(٢): مرة بفربر سنة ثمانية وأربعين ومائتين، ومرة ببخارى سنة اثنين وخمسين ومائتين. ولذلك كانت رواية الفربري أشهر الروايات وأتقنها لكونه آخر الرواة سماعًا عن البخاري وآخرهم حياة بعده، وعن هذه الرواية تسلسلت كل الطرق المعاصرة التي وقعت عليها، وعن رواية الفربري كتب الكرماني، وابن حجر العسقلاني، والعيني، وقد جرت العادة أن يذكر أصحاب الشروح المعروفة الأسانيد التي سمعوا بها البخاري. ونذكر على سبيل المثال الطرق التي تسلسل بها الصحيح إلى ابن حجر (ت ٨٥٢)، فقد عد منها أربعة عشر طريقًا وصلت بها إليه رواية صحيح البخاري، ومنها طريق أبي ذر، وهي نفس طريق الكرماني. قال ابن حجر: إن أحسن الطرق التي وصل بها البخاري إليه هو هذا الطريق، ومن الطرق التي وصلته الجرجاني عن السبكي والهمداني عن أبي ذر وهي أكثر الروايات عددًا(٣). وقد انتشر الرواة عن الفربري في الأقطار والأمصار، غير أن أشهر النسخ والروايات من طريقه، هي رواية أبي ذر، وهو ما أكده الحافظ في (١) «هدي الساري» ص ٤٩٣. (٢) ((هدي الساري)) ص٤٩٣، ((التنويه والإشادة)) عبد الحي الكتاني ص٢٥. (٣) ((التنويه والإشادة)) ص(٣). ٩٨ الإمام البخاري وكتابه الصحيح - ((الفتح)). فهي أحسن الروايات لضبطه لها وتمييزه لاختلاف سياقها. أما في المغرب فقد أورد المحدث سيدي عبد الحي الكتاني رواية عن القاضي عياض: ((قال القاضي عياض في ((المشارق)): أكثر الرواة عندنا من طريق الفربري والنسفي، ولم يصل إلينا من غير هذين الطريقين عنه ولا دخل المغرب والأندلس إلا عنهما، على كثرة رواة البخاري عنه لكتابه))(١). وقد أخذ أبو ذر روايته عن شيوخه: السرخسي وأبي الهيثم الكشمهيني، وأبي إسحاق المستملي، وعنهم عن الفربري، عن البخاري، وقد كثرت الرواية عن أبي ذر وتشعبت وتفرقت الطرق وتعددت في العالم الإسلامي. غير أن معتمد المغاربة هي رواية ابن سعادة وهو أبو عمران موسى بن سعادة، مولى سعيد بن نصر مولى الناصر عبد الرحمان بن محمد الأموي المتوفى سنة اثنين وعشرين وخمسمائة (٢). وقد أخذ ابن سعادة روايته للصحيح عن الإمام الصدفي، عن الباجي، عن أبي ذر، فيكون بينه وبين البخاري خمسة وسائط(٣). أما المشارقة فقد اعتمدوا في رواية الصحيح على النسخة اليونينية التي حررها الإمام الحافظ شرف الدين أبو الحسين علي بن محمد بن أحمد اليونيني، وكان قد قرأ الصحيح على عبد الله بن مالك الجياني النحوي، وقابل ذلك بأصل الحافظ أبي ذر والحافظ الأصيلي، (١) المصدر السابق. (٢) ((معجم أصحاب الصدفي)) لابن الآبار- ((التنويه والإشادة)) ص٥ . (٣) ((مختصر العروة الوثقى)): فهرست محمد بن الحسن الحجوي ص٢٥. ٩٩ - مقدمة التحقيق = والحافظ أبي القاسم الدمشقي، وبأصل مسموع عن الحافظ أبي الوقت (١) سنة ٦٧٦ هـ . ثم عمد الإمام جمال الدين محمد بن مالك الذي سمع من الیونیني، إلى توضيح مشكلات ألفاظ روايات البخاري حتى صارت هذِه النسخة أضبط النسخ على الإطلاق، وأصبح عمل اليونيني هو العمدة لكل من تعرض بعده لضبط روايات الصحيح(٢). ولأخي ومشاركي في هذا العمل، الدكتور جمعة فتحي، رسالته (الدكتوراه) في هذا الموضوع، يسَّر الله نشرها. (١) ((التنويه والإشادة)) ص٣. (٢) ((دائرة المعارف الإسلامية)) المجلد الثالث ص٤٢٥. ١٠٠ الإمام البخاري وكتابه الصحيح مظاهر اهتمام الأمة الإسلامية بصحيح البخاري (شروح البخاري) لعل المكتبة الإسلامية لا تعرف كتابًا من كتب البشر الدينية اهتم به الباحثون والدارسون والعلماء ووقفوا جهودهم عليه، مثلما تناولوا كتاب الجامع الصحيح لأبي عبد الله البخاري بالشرح والتعليق والدراسة، وذلك منذ العصور الأولى منذ ألف هذا الكتاب وصدر عن صاحبه للناس. فقد كانت هذِه العناية والاهتمام من لدن الباحثين والدارسين هي التي أحلت كتاب البخاري محل الصدارة بين الكتب المؤلفة في المكتبة الإسلامية، وجعلته في مقدمتها على الدوام، بفضل استمرار الاهتمام وتواصل العناية، مما يعتبر مظهرًا من مظاهر التقدير والاعتبار لهذا التراث العظيم الخالد الذي عم مشارق الأرض ومغاربها. وقد أمتدت العناية به إلى العلماء غير المسلمين حيث درس وترجم وكتبت حوله مئات المؤلفات من طرق الكتاب والمستشرقين الأجانب في مختلف أصقاع الدنيا، حتى وضع أحد المستشرقين ختمة عليه سماها ((ختم البخاري)) (١). (١) ((ختم البخاري)) لجولد تسهير، ((تاريخ التراث العربي)) المجلد الأول ص٣١١.