Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
- مقدمة التحقيق
فذات مرة قطع له أحد الغرماء خمسةً وعشرين ألفًا، فحاول أصحابه أنْ
يُلاحق غريمه ويستنجد على ذلك بالسلطان، ولكنه أبى وقال: ((إن
أخذتُ منهم كتابًا طمعوا، ولن أبيع ديني بدنياي)).
وكان البخاري يهدف من تجارته أن ينفع خلقِ الله، فكان يُساعد
طلبة العلم والشيوخ والمحدثين، وكان يُنفِقُ من دخله خمسمائة درهم
على الفقراءِ والمساكين وطلبةِ العِلم وأصحاب الحديث كل شهر،
ولم يكن يعرف الترف والبذخ في حياته في المأكل والمشرب.
وكان رحمه الله يعود نفسه على الإيثار والبعد عن حب المال،
وكان ورعا تقيا، وكان شديد التمسك بالسُّنَّة، بعيدًا عن مخالطة
الأمراء ومجالستهم، وبنى رباطا خارج مدينة بخارى، فكان يشارك
العمال في بناءه، فينقل اللبن يحمله على رأسه ويرفعه ويقدمه
للبنائين، فقيل له: يا أبا عبد الله إنَّك تُكفى ذلك! فيقول: ((هذا الذي
ينفعني)).
وكان صاحب فراسة وبصيرة نافذة، واستحضار وذكاء، كان الإمام
قتيبة بن سعيد يقول: ((جالستُ الفقهاء والزهاد والعبَّاد، فما رأيتُ منذ
عقلتُ مثل محمد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة)).
قال الذهبي عنه: ((كان رأسًا في الذكاء، رأسا في العلم، ورأسًا في
الورع والعبادة)).

٦٢
الإمام البخاري وكتابه الصحيح -
مكانة الإمام البخاري
كان الإمام البخاري كلما حلَّ مدينةً أو نزل أرضا يزدحم النَّاسُ
حوله ازدحامًا يفوق الوصف، وكان الناس يتطلعون إلى رؤيته لما
يصل إلى مسامعهم من علمه وأخلاقه، ولما رجع إلى بُخارى عائدًا
من رحلته الدراسية نُصبت له القِباب على فرسخ من البلد، واستقبله
عامة أهلها، ونُثرَ عليه الدراهم والدنانير.
ولازال للبخاري مكانته في قلوب المسلمين حتى عصرنا هذا وإلى
قيام السّاعةِ إن شاء الله، ، وله ذِكر عديم النظير، ولا غرابة في ذلك؛
فهو علم الإسلام وصاحب أصح كتاب بعد كتاب الله رَّ.
أقوال العلماء وثناؤهم عليه :
قال البخاري رحمه الله تعالى: ما قدمتُ على أحدٍ إلا كان انتفاعه
بي أكثر من أنتفاعي به.
وقال أبو الأزهر: كان بسمرقند أربعمائة ممن يطلبون الحديث،
فاجْتَمعوا سبعة أيام، وأحبوا مغالطة محمدبن إسماعيل، فأدخلوا
إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد اليمن في إسناد الحرمين، فما
تعلقوا منه بسقطةٍ لا في الإسناد، ولا في المتن.
وله قصة مشهورة وقعت له ببغداد ورواها ابن عدي قال: سمعت
عدة مشايخ، أن البخاري قدم بغداد فاجتمع به أصحاب الحديث

٦٣
= مقدمة التحقيق
وعمدوا إلى مئة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها .. إلى آخر القصة
المعروفة، وقد تُكلم في هذِه القصة لجهالة المشايخ، والصواب والله
أعلم قبولها فإن نقلها عن عدد من المشايخ يدل على صحتها، وهي
ليست حديث أو دليل شرعي لنطبق عليه قواعد الحديث بحذافيرها،
بل هي قصة تحتمل التساهل في قبولها، ولم يكن هم العلماء في مثل
هذِه القصص النظر الدقيق في الإسناد.
وقال رحمه الله تعالى: ما استصغرتُ نفسي عند أحدٍ إلا عند عليّ
ابن المديني، وربما كنت أغْرِبُ علیه.
وقال: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث
غير صحيح.
وقال: إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا.
وقال مشايخ البصرة: كان لا يتقدمه أحدٌ، وكان أهل المعرفة من
البصريين يَعْدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على
نفسه، ويجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن
يكتب عنه، وكان شابًا لم يخرج وجهه (١)، ولما دخل البصرة قال
محمد بن بشار: دخل اليوم سيد الفقهاء، وقال: حفاظ الدنيا أربعة:
أبو زرعة بالرَّيَّ، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن
عبد الرحمن الدَّارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى.
وكان ابن صاعدٍ إذا ذكره يقول: الكبش النّطاح.
(١) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١/ ١٧٠، سير أعلام النبلاء ٤١١/١٢-٤١٥،
((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي ٢١٧/٢.

٦٤
الإمام البخاري وكتابه الصحيح =
وقال محمود بن النضر الشافعي: دخلت البصرة والشام والحجاز
والكوفة ورأيت علماءها فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه
على أنفسهم.
وقال عمرو بن عليّ الفلّاس: حديثٌ لا يعرفه محمد بن إسماعيل
لیس بحدیث.
وقال محمد بن سلَّام البيكَنْدِيُّ للبخاري: أنظر في كتبي، فما
وجدت فيها من خطأ فاضرب عليه، فقال له أصحابه: من هذا
الفتى؟ فقال: هذا الذي ليس مثله.
وقال قتيبة بن سعيد: لو كان محمد بن إسماعيل في الصحابة، لكان
آیة.
وقال رجاء بن رجاء: فَضْلُ محمد بن إسماعيل على العلماء،
كفضل الرجال على النساء.
وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدَّرامي: قد رأيتُ العلماء بالحرمين
والحجاز والشام والعراق، فما رأيت منهم أجمع من محمد بن
إسماعيل، وقال: هو أعلمنا وأفقهنا وأكثرنا طلبًا.
وقال عبد الله بن سعيد بن جعفر: سمعت العلماء بمصر يقولون:
ما في الدنيا مثل محمد بن إسماعيل في المعرفة والصلاح، ثم قال
عبد الله: وأنا أقول قولهم.
وقال موسى بن هارون الحافظ: عندي لو أن أهل الإسلام اجتمعوا
على أن يصيبوا آخر مثل محمد بن إسماعيل لما قدروا عليه.
وقال أحمد بن حنبل: لم يجئنا من خراسان مثل محمد بن
إسماعيل.

٦٥
- مقدمة التحقيق:
وقال له مسلم بن الحجاج: أشهد أنه ليس في الدنيا مثلك، وجاء
إليه فقبله بين عينيه، وقال: دعني حتى أُقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين
وسيد المحدثين ويا طبيب الحديث في علله.
وقال أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي: لم أرَ أعلم بالعلل
والأسانيد من محمد بن إسماعيل البخاري.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما تحت أديم السماء
أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري (١).
هذا وإن ثناء الأئمة الحفاظ على الإمام البخاري يطول سرده
وصنَّف الأئمة والحفاظ في سيرته ومناقبه مصنفات متنوعة، لذا
أكتفيت بهذِه المقتطفات من بحر فضله.
(١) ينظر: ((تاريخ بغداد)) ٤/٢-٣٦، ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٦٧/١، ((تهذيب
الكمال)» ٢٤/ ٤٣١، ٤٤٥ وما بعدها، ((سير أعلام النبلاء)) ٤٠٨/١٢، وما بعدها،
((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي ٢١٨/٢ وما بعدها، «هدي الساري)» ٤٨٦ وما
بعدها.

٦٦
الإمام البخاري وكتابه الصحيح =
رحلاته العلمية
تعددت رحلات البخاري العلمية للأخذ عن الشيوخ والرواية عن
المحدثين، والاختلاف إلى حلقات الدرس، حيث ابتدأت برحلته إلى
الحج في صحبة والدته وأخيه، وكان ذلك سنة عشر ومائتين للهجرة،
وسنه لا تتجاوز ست عشرة سنة، وما كان يفرغ من حجه والاتصال
بعلماء مكة ومحدثيها، حتى رحل إلى المدينة المنورة لزيارة الرسول
وَ لجر والأخذ عن علمائها.
لقد آثر البخاري أن يجعل الحرمين الشريفين طليعة رحلاته
العلمية للتحصيل والرواية، حيث أقام بها ستة أعوام حتى إذا استوفى
حظه من الرواية والسماع، انطلق في سياحته العلمية متنقلًا عبر
الأقاليم والأقطار.
روى سهل بن السدي عن البخاري قال: ((دخلت إلى الشام ومصر
والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام،
ولا أحصي كم مرة دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين)) (١) ثم
تتابعت رحلات البخاري وسفره في سبيل الحديث والرواية، حتى
شملت أغلب الحواضر العلمية في وقته، واستغرقت معظم حياته، كل
ذلك يجالس العلماء ويحاورهم ويجمع الحديث ويرويه، ويعقد
(١) «هدي الساري)) ص٤٧٩.

٦٧
= مقدمة التحقيق
مجالس التحديث والمناقشة، ويتعرض للامتحان والكيد، فيخرج سالمًا
منتصرًا على الكائدين والمتربصين.
روى محمد بن أبي حاتم قال: سمعت البخاري يقول: ((دخلت
بغداد ثماني مرات، كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل فقال لي آخر
ما ودعته: يا أبا عبد الله تترك العلم والناس وتصير إلى خراسان))(١)
وهكذا تكون الأقطار والأقاليم التي رحل إليها البخاري، وحدث فيها
وزارها هي: مكة- المدينة- بغداد- واسط- البصرة- الكوفة- دمشق-
حمص - قيسارية- عسقلان- خراسان- نيسابور - مرو- هراة-
بخارى- مصر وغيرها (٢).
(١) ((طبقات الشافعية)) ٥/٢.
(٢) المصدر السابق ٣/٢.

٦٨
الإمام البخاري وكتابه الصحيح -=
شيوخ البخاري
تقدم أن البخاري رحل كثيرًا وطوف بالأقطار والأقاليم والحواضر
العلمية، فلقي أغلب المحدثين في زمانه، وأخذ عن الأئمة والشيوخ
المشهورين في عصره، فاتسعت مداركه وکثرت روايته للحديث،
وكان ينتقي شيوخه ويتحرى في اختيارهم واضعًا لنفسه خطة ونهجًا
في ذلك، حتى لا يأخذ إلا عن الثقات، يقول البخاري: ((كتبت عن
ألف ثقة من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث لا أذكر إسناده))(١)
وليس معنى ذلك أن اختياره لشيوخه وتثبته في الأخذ عنهم، جعله
قليل الشيوخ بل بعكس ذلك، فقد أكثر من الأخذ من الشيوخ والرواية
عنهم، حتى زادوا على كما تقدم من قوله: ((كتبت عن ألف وثمانين
نفسًا ليس فيهم إلا صاحب حديث))(٢).
وقد أُلُّف في شيوخه عدة كتب، بعضها خاص بشيوخ البخاري،
وبعضها خاص برجال الصحيح، أو رجال الصحيحين، إضافةً إلى
رجال الكتب الستة.
أما الكتب الخاصة بشيوخه فنوردها بالتفصيل إن شاء الله في كتابنا
عن شروح صحيح البخاري وما يتعلق به، والذي أوردنا شيئا منه عند
كلامنا على شروح البخاري في هذِه المقدمة.
(١) ((مقدمة شرح البخاري)) للنووي ٨/١.
(٢) ((هدي الساري)) ص٤٧٩.

٦٩
= مقدمة التحقيق
وفاة البخاري
لقد ذكر الإمام البخاري في وصيته الرباعية أمورًا يبتلي بها العلماء
والمحدثون، ولا بد لهم من الصبر عليها، وهي شماتة الأعداء، وملامة
الأصدقاء، وطعن الجهلاء، وحسد العلماء. ولعله كان يتحدث عن
نفسه، وعما يلاقيه من معاصريه، الكائدين له، والمؤتمرین به.
فلم يكد يقصد نيسابور للإقامة فيها والاستقرار بها إلا وضاق به
الحساد والمغرضون من علماء نيسابور ومحدثيها، بسبب ظهوره
وتألقه، والتفاف الناس من حوله، فسعوا بالوشاية بينه وبين أميرها،
واختلقوا لذلك أقاويل وأكاذيب يتنزه البخاري عن مثلها، بسبب فتنة
خلق القرآن التي كانت رائجة آنذاك، فكثر القيل والقال من حوله،
وكثر لغط العامة واختلافهم بسبب وجوده، مما أشاعه خصومه عنه،
فوجد عليه أمير نيسابور، مما أضطر معه البخاري إلى مغادرتها
والخروج منها، عائدًا إلى بلاده بخارى.
وقد أحسن أهل بخارى استقباله، وبالغوا في الحفاوة به وفي ذلك
يروي الحافظ ابن حجر، عن أحمد بن محمد بن منصور الشيرازي
يقول: ((لما رجع أبو عبد الله البخاري إلى بخارى، نصبت له القباب
على فرسخ من البلد، واستقبله عامة أهلها حتى لم يبق مذكور،
ونثرت عليه الدراهم والدنانير، فبقي مدة ثم وقع الخلاف بينه وبين

٧٠
الإمام البخاري وكتابه الصحيح
الأمير فأمره بالخروج من بخارى، فخرج إلى بيكند))(١).
وكذلك لم يكد يستقر به المقام حتى وقعت بينه وبين أمير بخارى
خالد بن أحمد الذهلي جفوة عكرت صفو البخاري، وكانت سبب
خروجه منها مرغمًا، إلى أن مات بعيداً عنها. ذلك أن الأمير الذهلي
بعث إلى محمد بن إسماعيل ((أن أحمل إلي كتاب الجامع والتاريخ
لأسمع».
فقال البخاري لرسول الأمير: قل له إنني لا أذل العلم ولا أحمله
إلى أبواب السلاطين، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضرني في
مسجدي أو في داري فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان، فامنعني من
المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة أني لا أكتم العلم)» (٢).
وقد كان هذا الجواب الحق وحده ثقيلًا وكفيلًا بإثارة أمير بخارى
وإصابته في كبريائه التي لم تألف مثل هذا الكلام، فاغتاظ من البخاري
وكان سبب الوحشة بينهما، فأغرى به جماعة فهيجوا الفتنة عليه وتكلموا
في مذهبه وأوغروا صدور بعض العلماء عليه، وأثاروا الناس من حوله،
فأمر الأمير بنفيه عن بلده، فخرج من بخاری إلى خرتنك.
ولعل قرار الأمير الذهلي بنفي البخاري عن بلده، كان بداية النهاية
لحياة هذا الإمام العظيم، ولعل البخاري لم يتألم في حياته، ولم يتأثر
تأثره وتألمه لهذا القرار الخطير.
فقد خرج فيما قبل من بخارى إلى نيسابور، وكله أمل في أن يجد
الراحة فيها والاستقرار، بعد الكيد والمضايقة والشغب، إلا أن المقام
(١) «هدي الساري)) ٤٩٤.
(٢) ((طبقات الشافعية)) ١٤/٢.

٧١
=
- مقدمة التحقيق
لم يستقر به فيها، حتى ظهرت رؤوس الفتنة من كل جانب وحامت حوله
الأقاويل والدسائس، مما اضطره إلى العودة إلى بخاري، غير أن حظه
فيها لم يكن أحسن منه بنيسابور، حيث وقعت الجفوة بينه وبين أميرها،
بسبب طلبه أن يحمل إليه الصحيح والتاريخ، وجواب البخاري الذي
اعتبر طلب الأمير إذلالا للعلم والعلماء، مما يؤكد اعتزازه الشديد
بنفسه، واحترامه لعلمه وشخصيته.
روى ابن عدي قال: سمعت عبد القدوس بن عبد الجبار يقول:
خرج البخاري إلى ((خَرْتَنْك)) وكان له بها أقرباء فنزل عندهم. ولعل
البخاري قصد قرية بيكند أولًا، ثم انتهى به المطاف إلى خَرْتَنْك،
وهي قرية كانت على فرسخين من سمرقند.
يقول عبد القدوس بن عبد الجبار: سمعت البخاري ليلة من الليالي
وقد فرغ من صلاة الليل يقول في دعائه: ((اللهم قد ضاقت علي الأرض
بما رحبت فاقبضني إليك)) قال: ((فما تم الشهر حتى قبضه الله)).
ويروي وراق البخاري يقول: سمعت غالبًا بن جبريل وهو الذي
نزل عليه البخاري بخرتنك يقول: ((إنه أقام أيامًا فمرض، حتى وجه
إليه رسول من أهل سمرقند، يلتمسون منه الخروج إليهم، فأجاب
وتهيأ للركوب ولبس خفيه، ولما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها
إلى الدابة ليركبها وأنا آخذ بعضده قال: ((أرسلوني فقد ضعفت))(١).
فأرسلناه فدعی بدعوات، ثم اضطجع فقضى، ثم سال منه عرق
كثير، وكان قد قال لنا: كفنوني في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص
ولا عمامة. قال: ففعلنا فلما أدرجناه في أكفانه وصلينا عليه،
(١) ((هدي الساري)) ص٤٩٤.

٧٢
الإمام البخاري وكتابه الصحيح -
ووضعناه في قبره، فاحت من تراب قبره رائحة طيبة كالمسك دامت
أيامًا، وجعل الناس يختلفون إلى القبر أيامًا، يأخذون من ترابه إلى
أن جعلنا علیه خشبًا مشبكًا (١).
وكانت وفاة البخاري يوم السبت في ليلة عيد الفطر، سنة ست
وخمسين ومائتين للهجرة (٢٥٦هـ).
ولا عجب أن يختم الله حياة هذا الإمام العظيم، هذِه الخاتمة التي
فيها ابتلاء وامتحان واختبار، شأنه في ذلك شأن الذين أنعم الله عليهم
من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، نحسبه كذلك ولا نزكي
على الله أحدًا، فرحمه الله وأجزل له العطاء، وبوأه مقام الصديقين.
(١) ((تغليق التعليق)) ٤٤١/٥

٧٣
- مقدمة التحقيق
التعريف بالجامع الصحيح
((الجامع الصحيح)) هو أصح كتاب بعد كتاب الله، وهو الوصف
الذي أطلقته الأمة الإسلامية على كتاب البخاري ونعتته به منذ أُلْفَ
إلى الآن. وصدق من قال(١):
لَمَا خُطَّ إلا بماءِ الذهبْ
صحيح البخاري لو أَنْصفوه
هو السُّدُّ بين الفتَى والعَطَّبْ
هو الفَرْقُ بَيْنَ الهُدى والعَمَىُّ
أمامَ مُتُون كمثلِ الشُّهُب
أسانيدُ مِثْلُ نُجومِ السَّماء
ودانَ بِهِ العُجْمِ بعدَ العَرَبْ
تَمَيَّزَ بَيْنَ الرِّضَى والغَضَبْ
ونَصِّ مبينٌ لکَشْفِ الرِّبْ
عَلَى فَضْلٍ رُتْبَتِه في الرِّيَبْ
بِهِ قام ميزانُ دينِ الرَّسُول
حجابٌ من النَّارِ لا شكَّ فيه
وسِتْرٌ رقيقٌ إلى المُصْطفى
فيا عالِمًا أجمعَ العالِمُون
وفُزْتَ عَلَى رَغْمهم بالقَصَبْ
سَبَقْتَ الأئمةَ فيما جَمَعْتَ
ومَنْ كانَ مُتَّهَمًا بالكَذِبْ
نَفَيْتَ الضَّعِيفَ مِنَ النَّاقِلِينَ
وتَبْوِيبِهِ عَجَبًا لِلعَجَبْ
وأَبْرَزْتَ في حُسْنٍ تَرْتِيبه
(١) أسنده ابن عساكر في ترجمته للبخاري من ((تاريخ دمشق)) ٧٤/٥٢ لأبي عامر
الفضل بن إسماعيل الجرجاني الأديب، وأورده الذهبي ((سير أعلام النبلاء)»
٤٧١/١٢ - باختلاف يسير - دون نسبة. ونقلناه من ((السير)) عدا البيت الأخير فليس
فيه.

٧٤
الإمام البخاري وكتابه الصحيح
وَأَجْزَلَ حظّكَ فِيْمَا وَهَبْ
فأَعْطَاكَ مَوْلاكَ ما تَشْتَهيه
بنِعَمِ تدومُ ولا تَنْقَضِبْ
وخَصَّكَ في عُرصاتٍ الچِنان
وهو الأثر الباقي الخالِد للإِمام البُّخاري الذي جَمَعَ فيه مِنَ السُّنَّةِ
الصحيحة وخلَّدَها، بعد أن نقَّاها وصفَّاها مما علق بها من اخْتِلاق،
فخلَّدَ به اسمه في العالمين، وقد سمَّى البُخاري كتابَهُ:
(الجامع الصَّحيح المُسْند مِنْ حديثٍ رسُولِ اللّه وسُننه وأيامِهِ).
هكذا روى أسمه الحافظ ابن حجر في كتابه ((هدي الساري))(١)
وذكر الإمام العيني في ((عمدة القاري))(٢) أن اسمه: ((الجامِعِ المُسند
الصحيح المختصر من أمورٍ رسول الله وَ ﴿ وسننه وأيامه)) فالفرق بين
الروايتين هو زيادة كلمة ((المختصر)) عند العيني.
ونظرا لطول هذا الاسم، وصعوبة الاستدلال به، والإشارة إليه عند
الحاجة، والاستشهاد به کثیرًا، فقد دأب ذكره موجزًا مختصرًا على لسان
الإمام البخاري نفسه وفي أقواله، فسماه مرة ((الجامع الصحيح)) كما ورد
ذلك في حديثه عن الباعث على تأليفه قال:
كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: (لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح
سنة رسول الله ﴿ قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع
الصحيح)(٣)، وسماه أيضًا (الجامع) كما جاء في قوله: (ما أدخلت في
كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحيح حتى لا يطول)(٤) وسماه
(١) «هدي الساري» ص٦.
(٢) ((عمدة القاري)) ٥/١، وهو كذلك عند النووي في ((التلخيص)) ٢١٣/١.
(٣) «هدي الساري» ص٥.
(٤) المصدر السابق ص٥، ((طبقات الشافعية)) ٢/ ٧.

٧٥
: مقدمة التحقيق
أيضًا صحيح البخاري كما روى ذلك عنه أبو علي الغساني.
وسماه ((الصحيح)) وفي ذلك يقول البخاري: ما وضعت في
((الصحيح)) حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين(١) وهناك
تسمية أخرى للكتاب حيث جعله شريكًا له في الشهرة باسمه بين
الناس، حيث سماه ((البخاري)) وقد ورد ذلك على لسان البخاري في
قوله، روى محمد بن أبي حاتم الورَّاق عن البخاري قال: (لو نشر
بعض أستاري هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت البخاري ولا عرفوه)(٢).
(١) ((هدي الساري)) ص٤٩٠، ((طبقات الشافعية)) ٧/٢.
(٢) ((هدي الساري)) ص(٤٨٨).

٧٦
الإمام البخاري وكتابه الصحيح -
الباعث على تأليفه
ـســ
لعل البواعث الداعية إلى تأليف البخاري جامعه الصحيح كثيرة،
ذكرها وأشار إليها هو نفسه، منها :
الحاجة إلى إفراد الحديث الصحیح بکتاب يختص به وینفرد دون
بقية أنواع الحديث، لاسيما وأن الكتب المؤلفة في الحديث آنذاك،
كانت ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ((كالموطأ)» وغيرها (١).
ومنها دعوة رجل له وهو عند أستاذه وشيخه إسحاق بن راهويه، إلى
جمع السنة الصحيحة كما روى إبراهيم بن معقل أنه سمع البخاري يقول:
(كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال رجل لو جمعتم كتابًا مختصرًا
للسنن، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب) وذلك لما
رأى فيه من الأهلية والحفظ والإلمام بعلوم الحديث، وتوفقه في معرفة
العلل والأسانيد) (٢).
ومنها رؤيا رأى فيها النبي ◌َّ وهو يذب عنه بمروحة في يده.
يقول البخاري (رأيت النبي ◌ّ﴿ في المنام وأنا بين يديه أذب عنه
بمروحة في يدي، فسألت بعض المعبرين في ذلك فقال لي: أنت
تذب الكذب عن النبي (وَلِ) (٣).
(١) ((طبقات الشافعية)) ٢/ ٧.
(٣) ((هدي الساري)) ص٥، ((طبقات الشافعية)) ٧/٢.
(٢) ((تهذيب الأسماء)) ١/ ٦١.

٧٧
- مقدمة التحقيق
كيف ألف البخاري جامعه الصحيح؟
إن سعة اطلاع البخاري على علوم الحديث وفنونه، ومعرفته
الواسعة بأحوال الرجال، وكثرة رحلاته طلبًا للحديث، وأخذًا عن
الشيوخ، وقوة حافظته الخارقة، كل ذلك هيأه لإخراج الجامع
الصحيح، وأعانه على تأليفه، كما أنه لم يكن متعجلاً متسرعًا في
إخراجه وجمعه، بل أتخذ في تأليفه وتصنيفه أسلوبًا علميًا صحيحًا،
ومنهجًا دقيقًا فريدًا، ويظهر ذلك كله في طريقة جمعه، ومدة تأليفه،
وفي اختياره المكان المناسب لتبييضه، وعدد المرات التي أعاد كتابته
قبل أن يخرجه للناس، وفي الاستعداد الخاص عند الكتابة
والتصنيف، روى السبكي في ((الطبقات)) قال(١):
قال شيخنا أبو عبد الله الحافظ: أروي من وجهين ثابتين عن
البخاري أنه قال:
(أخرجت هذا الكتاب من نحو ستمائة ألف حديث، وصنفته في
ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله، وما أدخلت في
الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح لأجل الطول). فهو لم
يخرج من الجامع كل ما روى وحفظ من الحديث، بل ما صح منه
على شروطه.
واشتغل في تأليفه وتصنيفه وجمعه وترتيبه وتبييضه وتنقيحه، مدة
بلغت ستة عشر عامًا، وهي تستغرق مدة رحلاته العلمية إلى الأقاليم
والأقطار الإسلامية، بمعنى أنه كان يرحل لطلب الحديث، ثم يعود
(١) (طبقات الشافعية)) ٧/٢، وانظر: ((تاريخ بغداد)) ٨/٢، ٩، ((مقدمة شرح البخاري))
للنووي ص٧.

٧٨
الإمام البخاري وكتابه الصحيح ==
لإكمال ما بدأ من التصنيف، من محصول ما روي وما سمع، مما صح
لديه وتجمع عنده من الحديث الصحيح، واتبع طريقة نموذجية في
الاستعداد لتأليفه وجمعه، فكان يتهيأ لذلك بكيفية خاصة، حيث
يغتسل ويصلي ويستخير الله قبل البدء في الكتابة.
روى ابن حجر عن البخاري قوله: ما كتبت في كتاب الصحيح
حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين(١). وقد صنفه في
المسجد الحرام، وجمع تراجمه بين قبر النبي وَُّ ومنبره(٢).
وقد ذهب الحافظ ابن حجر إلى جمع الروايات المختلفة حول
مكان تأليفه، إلى القول بأن البخاري ابتدأ تصنيفه، ووضع تخطيطه
العام في المسجد الحرام، ثم أكمله وبيضه في بخاري، بدليل طول
مدة تأليفه، وهو ما لم يجاوزه البخاري بمكة (٣).
وقد بلغ من حرص البخاري وعنايته بتصنيف ((الجامع الصحيح))،
أنه أعاد النظر فيه مرات، لكثرة ما تعهده بالتهذيب والتنقيح، قبل أن
يخرجه للناس، ولذلك صنفه ثلاث مرات (٤).
وهذا يؤكد حرص البخاري ودقته وتثبته في إخراج الجامع الذي هو
أول كتاب في الصحيح، حتى يكون نموذجًا خالدًا لكتب الحديث،
ومثالا يحتذي به المحدثون من بعده، حتى اعتبر أمير المؤمنين في
الحديث، ولم يكد يتم تصنيفه وتأليفه حتى عرضه على شيوخه
وأساتذته ليعرف رأيهم فيه، منهم علي بن المديني، ويحيى بن معين،
(١) «هدي الساري)» ص٥، ((الوفيات)) لابن خلكان ١/ ٦٥٠.
(٢) «هدي الساري» ص٤٩٠.
(٣) (طبقات الشافعية)) ٧/٢ المصدر السابق ص٤٨٨.
(٤) ((طبقات الشافعية)) ٧/٢ ((هدي الساري)) ص٤٩١، ((الإمام البخاري محدثًا وفقيهًا)).

٧٩
مقدمة التحقيق :
=
وأحمد بن حنبل، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث
قال العقيلي: ((القول فيها قول البخاري))(١).
ولقد كانت عناية الإمام البخاري بمصنفاته كلها كبيرة، وروي عنه
أنه قال: صنفت جميع كتبي ثلاث مرات(٢)، أي أنه ما زال ينقحها
ويراجعها أكثر من مرة.
٠٠
(١) (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي)) ص٥٠٦.
(سير أعلام النبلاء)) ٤٠٣/١٢، ((هدي الساري)» ٤٨٧.
(٢)

٨٠
الإمام البخاري وكتابه الصحيح -
طريقة الإمام البخاري في جمع الحديث
لقد شمل منهج البخاري طريقة أخذ الحديث، وكتابته وجمعه،
واختيار الشيوخ، ورجال الإسناد.
أما طريقة أخذ الحديث، فقد أتخذ البخاري لنفسه منهجًا لاختيار
شيوخه، وفي بحثه وتأليفه إذ لم يكن يأخذ إلا عن الثقات وفي ذلك
يقول :
(كتبت عن ألف ثقة من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث لا أذكر
إسناده)(١).
ونقل النووي عن أبي الفضل المقدسي، قال: الذين حدَّث عنهم
البخاري في ((صحيحه)) خمس طبقات :.. فذكرهم، مع بيان اختلاف
منهجه في الرواية عنهم في الصحيح وغير الصحيح(٢).
أما منهجه في كتابة الحديث، فقد تميز في كتابة الحديث والتأليف
فيه بمزايا كثيرة، منها المكاني، ومنها الزماني، فقد توخى في تأليفه
جامعه الصحيح الروية والأناة، بالرغم من حفظه الكبير، أتساع
مداركه، ومعرفته العميقة للرجال، حيث صنفه في ستة عشر عامًا،
وكان يعد نفسه لكل حديث بالغسل والصلاة، وفي ذلك يقول البخاري:
(١) ((مقدمة شرح البخاري)) للنووي ٨/١.
(٢) ((مقدمة تلخيص النووي)) ٢٣٤/١-٢٣٦.