Indexed OCR Text

Pages 1-20

Amok:
70
فرج الشارى سين اللّـ
٦٣٠٠١٢٠١٠٢٤٠
ـر
3
ب
١
بشَرِحُ الْحَافِظْ جَلَاَلِ الدِّيْنِ السّيُوطي
"ت: ٩١١ هـ"
وَحَاشِيَة الإِمَامِ السّنْدِيْ
"ت: ١١٣٨ هـ"
الجزء الَوَّلْ
حَقّقْهُ وَرَحمَهُ وَوَضعَ فهارسَهُ
مَكتَب تحقيق التراثِ الإِسْلَامِيُ
دار المعرفة
بيروت - لبنان
بمائ سين للشائية سنن النسالُ بَ
الكي كسن النسائية سنين
النشاى سين الـ
11 530 2894

٢
[ مقدمة زَهْرُ الْرّبَىْ عَلَى الْمُجْتَبِى ]
للإمام السيوطي
الحمد لله الذي لا تحصى مننه، والصلاة والسلام على رسوله: محمد الذي أشرقت أنواره
وسننه .
هذا الكتاب الخامس، مما وعدت بوضعه على الكتب الستة، وهو تعليق على سنن الحافظ
أبي عبد الرحمن النسائي، على نمط ما علقته على الصحيحين، وسنن أبي داود، وجامع
الترمذي وهو بذلك حقيق؛ إذله منذ صنف أكثر من ستمائة سنة، ولم يشتهر عليه من شرح ولا
تعليق، وسميته :
زَهْرِ الرُّبى على المُجْتَبِی
والله - تعالى - أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه، سالماً عن الرياء، والخطل، وشبهه ..

٣
مُقَدِّمَة [ زهر الرُّبَى ]
قال الحافظ أبو الفضل ابن طاهر في شروط الأئمة(١): كتاب أبي داود، والنسائي، ينقسم
على ثلاثة أقسام :
الأول: الصحيح المخرج في الصحيحين.
الثاني: صحيح على شرطهما، وقد حكى أبو عبدالله بن مَنْدَه أن شرطهما، إخراج أحاديث
أقوام لم يُجْمَعْ(٢) على تركهما، إِذا صح الحديث باتصال الإِسناد، من غير قطع ولا إرسال، فيكون
هذا القسم من الصحيح، إلا أنه طريق دون(٣) طريق ما أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما،
بل طريقه ما ترك البخاري ومسلم من الصحيح؛ لما بيّنا أنهما تركا كثيراً من الصحيح الذي حفظاه.
القسم الثالث: أحاديث أخرجاها من غير قطع منهما بصحتها، وقد أبانا علتها بما يفهمه أهل
المعرفة، وإنما أودعا هذا القسم في كتابيهما لأنه رواية قوم لها، واحتجاجهم بها، فأورداها وبينا
سقمها لتزول الشبهة، وذلك إِذا لم يجدا له طريقاً غيره؛ لأنه أقوى عندهما من رأي الرجال.
وقال ابن الصلاح(٤): حكى أبو عبدالله ابن مَنْدَه أنه سمع محمد بن سعد الباوردي(٥) بمصر
يقول: كان من مذهب أبي عبدالرحمن(٦) النَّسائي، أن يُخَرِّجَ عن كل من لم يُجْمَعْ على تركه.
(١) شرط الأئمة الستة لابن طاهر (ص ١٢ - ١٣).
(٢) في نسخة النظامية: (يجتمع).
(٣) في نسخة النظامية: (لا يكون) بدلاً من: (دون).
(٤) مقدمة ابن الصلاح (ص٣٣).
(٥) في نسختي الميمنية والمصرية: (البارودي) وهو خطأ .
(٦) في جميع النسخ: (مذهب أبي عبدالله) وهو خطأ .

٤
قال الحافظ أبو الفضل العراقي (١): وهذا مذهب متسع.
قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر، في نكته على ابن الصلاح(٢): ما حكاه عن الباوردي
أن النسائي يُخَرِّجُ أحاديث من لم يُجْمَعْ على تركه، فإِنه أراد بذلك إجماعاً خاصاً؛ وذلك أن كل
طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط :
فمن الأولى : شعبة، وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه.
ومن الثانية: يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد من عبد الرحمن.
ومن الثالثة: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، ويحيى أشد من أحمد.
ومن الرابعة: أبو حاتم، والبخاري، وأبو حاتم أشد من البخاري.
فقال النسائي: لا يترك الرجل عندي، حتى يجتمع الجميع على تركه، فأما إِذا وثقه ابن
مهدي، وضعفه يحيى القطان - مثلاً - فإنه لا يترك لما عرف من تشديد يحيى، ومن هو مثله في
النقد(٣).
قال الحافظ ابن حجر(٤): وإِذا تقرر ذلك ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن، من أن مذهب
النسائي في الرجال مذهب متسع ليس كذلك؛ فكم من رجل أخرج له أبو داود، والترمذي، تجنب
النسائي إخراج حديثه، بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين، فحكى أبو
الفضل ابن طاهر قال: سألت(٥) سعد بن علي الزنجاني(٦) عن رجل؟ فوثقه، فقلت له: إنَّ
النسائي لم(٧) يحتج به: فقال: يا بني، إن لأبي عبد الرحمن شرطاً في الرجال أشد من شرط
البخاري ومسلم.
(١) ألفية الحديث للعراقي (رقم ٧٩، ص ٣١٢).
(٢) النكت لابن حجر (٤٨٢/١).
(٣) في جميع النسخ: (النقل) والتصويب من النكت.
(٤) النكت لابن حجر (٤٨٢/١ - ٤٨٣).
(٥) سقطت كلمة: (سألت) من جميع النسخ، واستدركت من النكت.
(٦) في جميع النسخ: (الريحاني) وهو خطأ .
(٧) كررت كلمة: (لم) في جميع النسخ.

-
وقال أحمد بن محبوب الرملي (١): سمعت النسائي يقول: لما عزمت على جمع السنن،
استخرت الله في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء، فوقعت الخيرة على تركهم،
فنزلت في (٢) جملة من الحديث كنت أعلو فيها (٣) عنهم.
قال الحافظ أبو طالب، أحمد بن نصر - شيخ الدارقطني (٤) -: من يصبر على ما يصبر عليه
النسائي! كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة، فما حدث منها بشيء (٥) !.
قال الحافظ ابن حجر(٦): وكان عنده عالياً عن قتيبة عنه، ولم يحدث به، لا في السنن، ولا
في غيرها.
وقال أبو جعفر ابن الزبير: أولى ما أرشد إليه، ما اتفق المسلمون على اعتماده، وذلك
الكتب الخمسة والموطأ، الذي تقدمها وضعاً، ولم يتأخر عنها رتبة، وقد اختلفت مقاصدهم فيها،
وللصحيحين فيها شغوف.
وللبخاري لمن أراد التفقه مقاصد جميلة.
ولأبي داود في حصر أحاديث الأحكام واستيعابها ما ليس لغيره.
وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه غيره.
وقد سلك النسائي أغمض تلك المسالك وأجلها .
قال أبو الحسن المعافري(٧): إذا نظرت إلى ما يخرجه أهل الحديث، فما خرجه النسائي
أقرب إلى الصحة، مما خرجه غيره.
وقال الإِمام أبو عبدالله ابن رُشَيْد(٨): كتاب النسائي أبرع الكتب المصنفة في السّنن تصنيفاً،
(١) النكت لابن حجر ٤٨٢/١.
(٢) في جميع النسخ: ما عدا النظامية (فتركت) بدلاً من: (فنزلت في ) ووقعت على الصواب في النكت.
(٣) في جميع النسخ ما عدا النظامية: (أعلم أنها) بدلاً من: (أعلو فيها) ووقعت على الصواب في النكت)
(٤) النكت لابن حجر (٤٨٣/١).
(١٠ في جميع النسخ ما عدا النظامية: (عنه) وفي نسخة النظامية: (منها شيء).
(٦) النكت لابن حجر (٤٨٤/١).
(٧) النكت لابن حجر (٤٨٤/١).
(٨) النكت لابن حجر (٤٨٤/١).

٦
وأحسنها ترصيفاً، وكأن كتابه جامع(١) بين طريقي البخاري ومسلم، مع حظ كثير من بيان العلل.
وفي (٢) الجملة فكتاب السنن أقل الكتب بعد الصحيحين حديثاً ضعيفاً، ورجلاً مجروحاً،
ويقاربه كتاب أبي داود وكتاب الترمذي، ويقابله من الطرف الآخر كتاب ابن ماجه، فإنه تفرد فيه بإخراج
أحاديث عن رجال متهمين بالكذب، وسرقة الأحاديث، وبعض تلك الأحاديث لا تعرف إلا من
جهتهم، مثل: حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك، والعلاء بن زيد(٣)، وداود بن المحبر، وعبد
الوهاب بن الضحاك، وإسماعيل بن زياد السكوني، وعبد السلام بن يحيى: أبي الجنوب،
وغيرهم، وأما ما حكاه ابن طاهر، عن أبي زرعة الرازي، أنه نظر فيه فقال: لعلّ لا يكون فيه تمام
ثلاثين حديثاً مما فيه ضعف، فهي حكاية لا تصح؛ لانقطاع سندها، وإن كانت محفوظة، فلعله
أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة إلى الغاية، أو كان ما رأى من الكتاب إلا جزءاً منه فيه هذا
القدر، وقد حكم أبو زرعة على أحاديث كثيرة منه بكونها باطلة، أو ساقطة، أو منكرة، وذلك
محكيٍّ في كتاب العلل لابن أبي حاتم (٤).
وقال محمد بن معاوية الأحمر(٥) - الراوي عن النسائي - قال النسائي: كتاب السنن كله
صحيح، وبعضه معلول، إلا أنه لم (٦) يبين علته، والمنتخب المسمى بالمجتبى صحیح کله.
وذكر بعضهم أن النسائي لما صنف السنن الكبرى أهداه إلى أمير الرملة، فقال له الأمير:
أكل ما في هذا صحيح؟ قال: لا، قال: فجرّد الصحيح منه، فصنف(٧) المجتبى، وهو بالباء
الموحدة، وقال الزركشي في تخريج الرافعي: ويقال بالنون أيضاً.
وقال القاضي تاج الدين السبكي: سنن النسائي التي هي إحدى الكتب الستة هي الصغرى
لا الكبرى، وهي التي يخرجون عليها الرجال ويعملون الأطراف.
(١) في جميع النسخ ما عدا النظامية: (وكان كتابه جامعاً).
(٢) النكت لابن حجر (٤٨٤/١ - ٤٨٦) والظاهر أن هذا كلام الحافظ ابن حجر.
(٣) في نسخة النظامية: (زيدل) وهو وارد، انظر: تقريب التهذيب (٥٢٣٩).
(٤) في جميع النسخ: (لأبي حاتم) والتصويب من ((النكت)).
(٥) النكت لابن حجر (١ /٤٨٤).
(٦) في نسخة النظامية، بحذف أداة النفي (لم)، وهي ثابتة في باقي النسخ وفي النكت.
(٧) في نسخة الميمنية: (فصنف له المجتبي).

٧
وقال الحافظ أبو الفضل ابن حجر (١): قد أطلق اسم الصخة على كتاب النسائي: أبو علي
النيسابوري، وأبو أحمد ابن عدي، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو عبدالله الحاكم، وابن منده،
وعبد الغني بن سعيد، وأبو يعلى الخليلي، وأبو علي ابن السكن، وأبو بكر الخطيب، وغيرهم.
والنسائي .
وقال السِّلَفي (٣) الكتب الخمسة اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب.
قال النووي (٤): مراده أن معظم کتب الثلاثة، سوی الصحیحین، يحتج به.
وقال الزركشي في نكته على ابن الصلاح: تسمية الكتب الثلاثة صحاحاً، إما باعتبار
الأغلب؛ لأن غالبها الصحاح والحسان، وهي ملحقة بالصحاح، والضعيف منها ربما التحق
بالحسن، فاطلاق الصحة عليها من باب التغليب.
(١) النكت لابن حجر: (٤٨١/١).
(٢) النكت لابن حجر: (٤٨٢/١).
(٣) فتح المغيث للعراقي (٤٩/١) والنكت لابن حجر (٤٨٨/١).
(٤) النكت لابن حجر: (٤٨٩/١).
١

٩
مُقَدِّمة
[ حَاشِيَةُ الْسِّنْدِيِّ ]
وصلى الله على سيدنا محمد، وآله ، وصحبه، وسلّم.
وبعد؛ فهذا تعليق لطيف، على سنن الإِمام، الحافظ، أبي عبد الرحمن: أحمد بن شعيب
ابن علي بن بحر النّسائي - رحمه الله تعالى - يقتصر على حل ما يحتاج إليه القارىء والمدرس،
من: ضبط اللفظ، وإيضاح الغريب، والإِعراب، رزق الله - تعالى - ختمه بخير، ثم ختم الأجل
بعد ذلك علی أحسن حال، آمین رب العالمين.
قالوا: شرط النَّسائي تخريج أحاديث أقوام لم يجمعوا على تركهم، إذا صح الحديث باتصال
الإِسناد من غير قطع ولا إرسال، ومع ذلك فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي، تجنب
النسائي إخراج حديثه، بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين، ولذلك
قيل: إنَّ لأبي عبد الرحمن شرطاً في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم.
وروي عن النَّسائي أنه قال: لما عزمت على جمع السنن، استخرت الله - تعالى - في الرواية
عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء، فوقعت الخيرة على تركهم.
ولذلك ما أخرج حديث ابن لهيعة، وإلا فقد كان عنده حديثه ترجمة ترجمة .
قال أبو جعفر ابن الزبير: أولى ما أرشد إليه، ما اتفق المسلمون على اعتماده، وذلك الكتب
الخمسة والموطأ، الذي تقدمها وضعاً، ولم يتأخر عنها رتبة.
وقد قيل: إِذا نظرت إلى ما يخرجه أهل الحديث، فما خرجه النسائي أقرب إلى الصحة مما
خرّجه غيره.

١٠
قلت: المراد غير الصحيحين .
وبالجملة فكتاب السنن للنسائي أقل الكتب بعد الصحيحين حديثاً ضعيفاً، ورجلاً مجروحاً،
ويقاربه كتاب أبي داود، وكتاب الترمذي، ويقابله من الطرف الآخر كتاب ابن ماجه؛ فإِنه تفرد فيه
بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب، وسرقة الأحاديث، وبعض تلك الأحاديث لا تعرف إلا
من جهتهم .
قال النَّسائي: كتاب السنن - أي الكبرى - كله صحيح، وبعضه معلول، إلا أنه لم يبين
علته، والمنتخب المسمى بالمجتبى صحيح.
وذكر بعضهم أن النَّسائي لما صنف السنن الكبرى أهداه إلى أمير الرملة، فقال له الأمير:
أكل ما في هذا صحيح؟ قال لا، قال: فجرّد الصحيح منه، فصنف له المجتبى، وهو بالباء
الموحدة وقيل: ويقال: بالنون - أيضاً.
وبالجملة فإطلاق اسم الصحيح على كتاب النسائي الصغير، وهو المشهور المقرؤ
شائع، وهو مبني على تسمية الحسن صحيحاً - أيضاً - والضعيف نادر جداً، وملحق بالحسن، إِذا
لم يوجد في الباب غيره، وهو أقوى عند المصنف، وأبي داود، من رأي الرجال والله - تعالى -
أعلم .

١١
[ مقدمة النّسائي ]
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
قَالَ الشَّيْخُ، الإِمَامُ، الْعَالِمُ، الرَّبَّانِيُّ، الرُّحْلَةُ، الْحَافِظُ، الْحُجَّةُ، الصَّمَدَائِيُّ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ:
أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ بَحْرِ النَّسَائِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

١٣
١ - [كِتَابُ الطَّهَارَةِ](١)
٦/١
(١) تأويل قوله عز وجل
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافق﴾(٢)
١ - أَخْبَرَنَا قُتِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ(٣) ٧/١
النَّبِيِّنَّهِ قَالَ: (إِذَا أَسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ تَوْمِهِ فَلَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي وَضُوءِهِ(٤) حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاثَاً، فَإِنَّ
أَحَدَكُمْ(٥) لَا يَدْرِي أَيْنَ بَائَتْ يَدُهُ».
١ - أخرجه مسلم في الطهارة، باب كراهة غمس المتوضىء وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثاً
(الحديث ٨٧). انظر: تحفة الأشراف للمزي (١٥١٤٩).
سيوطي ١ - (أخبرنا قتيبة) قال بعضهم هو لقب واسمه يحيى، وقيل: علي (حدثنا سفيان) هو ابن عيينة (عن الزهري)
اسمه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب (عن أبي سلمة) هو ابن عبد الرحمن بن عوف، قيل: اسمه عبدالله،
وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته. قال مالك بن أنس: كان عندنا رجال من أهل العلم اسم أحدهم كنيته، منهم أبو
سلمة بن عبد الرحمن. قال الشيخ ولي الدين العراقي: وهو أحد الفقهاء السبعة على قولٍ (عن أبي هريرة) رضي الله
عنه، قال النووي: اختلف في اسمه واسم أبيه على نحو ثلاثين قولاً، أصحها عبد الرحمن بن صخر، وقال الحافظ
ابن حجر في الإصابة: هذا بالتركيب وعند التأمل لا تبلغ الأقوال عشرة خالصة ومرجعها من جهة صحة النقل إلى ثلاثة
عمير وعبدالله وعبد الرحمن، وقال البغوي: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا أبو إسماعيل المؤدب عن الأعمش، عن
أبي صالح، عن أبي هريرة واسمه عبد الرحمن، قال ابن حجر: وأبو إسماعيل صاحب غرائب مع أن قوله واسمه عبد
الرحمن بن صخر يحتمل أن يكون من كلام أبي صالح أو من كلام من بعده وأخلق به أن يكون أبو إسماعيل الذي تفرد =
(١) اسم الكتاب زيادة من شرح السيوطي.
(٢) ٥ سورة المائدة، الآية ٦.
(٣) في إحدى نسخ النظامية: (عن).
(٤) في إحدى نسخ النظامية: (في الوضوء) وفي أخرى: (في الإِناء).
(٥) في إحدى نسخ النظامية: (فإِنه).

الطهارة ك١ : ب١
١٤
التحفة (الطهارة: ١)
= به، والمحفوظ في هذا قول محمد بن إسحاق، قال لي بعض أصحابنا: عن أبي هريرة كان اسمي في الجاهلية عبد
شمس بن صخر، فسماني رسول الله ( عبد الرحمن، وكنيت أبا هريرة لأني وجدت هرة فحملتها في كمي فقيل لي
أبو هريرة، وهكذا أخرجه الحاكم في الكنى من طريقه انتهى (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه)
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أي الإِناء الذي أعد للوضوء انتهى. والأحسن أن يفسر بالماء، لأن الوضوء
بفتح الواو اسم للماء وبالضم اسم للفعل (حتى يغسلها ثلاثاً) قال الشافعي رحمه الله في البويطي: فإِن لم يغسلها
إلّ مرة أو مرتين أو لم يغسلها(١) أصلاً حين أدخلها(٢) في وضوئه فقد أساء (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) زاد
ابن خزيمة منه. قال النووي: قال الشافعي وغيره من العلماء: معناه أنَّ أهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار
وبلادهم حارةً، فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن يطوف يده على ذلك الموضع النجس أو على بثرة أو قملة أو
قذر وغير ذلك، وقال البيضاوي: فيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة لأن الشرع إِذا ذكر حكماً
وعقبه بعلَّة دل على أن ثبوت الحكم لأجلها، ومنه قوله في حديث المُحْرِم الذي سقط فمات، فإِنه يبعث ملبياً بعد
نهيهم عن تطييبه، فنبه على علّة النهي وهي (٣) كونه مُحْرِماً.
سندي ١ - (تأويل قوله عز وجل ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم﴾ الآية) يريد رحمه الله تعالى أن تمام ما يذكر في كتاب
الطهارة في هذا الكتاب بمنزلة باب الطهارة أو كتاب الطهارة في غيره وتمام الأبواب المذكورة في الطهارة داخلة في
هذه الترجمة. وأما ما ذكر فيها من الحديث، فإما أن مراده بذلك التنبيه أن الطهارة تبدأ بغسل
اليدين كما ذكره الفقهاء فإنهم عدوا البداءة بالغسل المذكور من سنن الوضوء واستدلوا عليه بهذا الحديث وغيره،
لكن في دلالة هذا الحديث عليه بحث ظاهر، إذ سوق الحديث المذكور ليس لإفادة ابتداء الوضوء
بغسل اليدين لا مطلقاً ولا مقيداً بوضوء يكون بعد القيام من النوم، إذ لا دلالة
له على كون الغسل للوضوء ليقع بداءته به، وإنما هو لإفادة منع إدخال اليدين في الماء إذا لم تكن طهارتهما
معلومة أو إِذا كانت نجاستهما مشكوكة قبل غسلهما ثلاثاً، ولا دلالة لذلك على أن الوضوء يبدأ بماذا نعم في الباب
أحاديث أخر تدل على أن الوضوء يبدأ بغسل اليدين ولو كانتا طاهرتين جزماً كما في الوضوء على الوضوء مثلاً، وأما
مراده بالتبعية على أن الماء المطلوب للوضوء ينبغي أن يكون خالياً من شبهة النجاسة فضلاً عن تحققها وهذا أقرب
إلى الحديث وإن كان الأول هو المشهور بين الفقهاء والله تعالى أعلم.
قوله (إذا استيقظ أحدكم من نومه) الظاهر أن المقصود إذا شك أحدكم في يديه مطلقاً سواء كان لأجل
الاستيقاظ من النوم أو لأمر آخر، إلّ أنه فرض الكلام في جزئي واقع بينهم على كثرة ليكون بيان الحكم فيه بياناً في
الكلي بدلالة العقل ففيه إحالة (٤) للأحكام إلى الاستنباط ونوطه بالعلل، فقالوا في بيان سبب الحديث: أهل الحجاز
كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم حارة فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن حالة النوم أن تطوف يده على ذلك الموضع
النجس، فنهاهم عن إدخال يده في الماء (فلا يغمس) بالتخفيف من باب ضرب هو المشهور، ويحتمل أن يكون
بالتشديد (٥) من باب التفعيل أي فلا يدخل (في وضوئه) بفتح الواو، أي الماء المعد للوضوء، وفي رواية في الإِناء =
(١) في نسخة النظامية: (يغسلهما).
(٢) في نسخة النظامية: (أدخلهما).
(٣) في نسخة النظامية: (ونهى) وهي خطأ .
(٤) في نسخة الميمنية : (حالة) وهو خطأ .
(٥) في نسخة دهلي: (باب بالتشديد) وهو خطأ .
١

الطهارة ك ١ : ب٢
١٥
التحفة (الطهارة: ٢ )
(٢) باب السواك إذا قام من الليل
٢ - أَخْبَرَنَا إِسْحْقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَقُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ جَرِيٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ ٨/١
قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ».
٢ - أخرجه البخاري في الوضوء، باب السواك (الحديث ٢٤٥) وفي الجمعة، باب السواك يوم الجمعة (الحديث ٨٨٩)
وفي التهجد، باب طول القيام في صلاة الليل (الحديث ١١٣٦). وأخرجه مسلم في الطهارة، باب السواك (الحديث ٤٦
و٤٧). وأخرجه أبو داود في الطهارة، باب السواك لمن قام من الليل (الحديث ٥٥). وأخرجه النسائي في قيام الليل
وتطوع النهار، باب ما يفعل إذا قام من الليل من السواك (الحديث ١٦٢٠ و١٦٢١)، وذكر الاختلاف على أبي حصين
عثمان بن عاصم في هذا الحديث (الحديث ١٦٢٢ و١٦٢٣) بمعناه. وأخرجه ابن ماجه في الطهارة، باب السواك
(الحديث ٢٨٦). انظر: تحفة الأشراف للمزي (٣٣٣٦).
أي الظرف الذي فيه الماء أو غيره من المائعات قالوا: هو نهي أدب وتركه إساءة ولا يفسد الماء وجعله أحمد
للتحريم. وقوله (حتى يغسلها) أي ندباً بشهادة التعليل بقوله (لأن أحدكم لا يدري أين باتت يده) لأن غايته الشك في
نجاسة اليدين والوجوب لا يُبْنَى على الشك وعند أحمد وجوباً ولا يبعد من الشارع الإيجاب لرفع الشك وفي الحديث
دلالة على أنَّ الانسان ينبغي له الاحتياط في ماء الوضوء، واستدل به على أن الماء القليل يتنجس بوقوع النجاسة
وإنْ لم يتغير أحد اوصافه، وفيه أنه يجوز أن يكون النهي لاحتمال الكراهة لا لاحتمال النجاسة، ويجوز أنْ يقال
الوضوء بما وقع فيه النجاسة مكروه، فجاء النهي عند الشك في النجاسة تحرزاً عن الوقوع في هذه الكراهة على
تقدير النجاسة، وأيضاً يمكن أن يكون النهي بناءً على احتمال ان يتغير الماء بما على اليد من النجاسة فيتنجس، فمن
أين علم أنه يتنجس الماء بوقوع النجاسة مطلقاً والله تعالى أعلم. ويؤخذ من هذا الحديث أنَّ النجاسة الغير المرئية
يغسل محلها لإِزالتها ثلاث مرات إذ ما شرع ثلاث مرات عند توهمها إلَّ لأجل إزالتها فعلم أنَّ إزالتها تتوقف على
ذلك ولا يكون بمرة واحدة، إذ يبعد أن إزالتها عند تحققها بمرة ويشرع عند توهمها ثلاث مرات لإزالتها والله تعالى
أعلم .
سيوطي ٢ - (كان رسول الله (# إذا قام من الليل) زاد مسلم في رواية يتهجد (يَشُوص فاه بالسواك) قال النووي: بفتح
الياء وضم الشين وبالصاد المهملة، والشوص دلك الأسنان بالسواك عرضاً، وقيل: هو الغسل(١)، وقيل: التنقية،
وقيل: هو الحك(٢). وتأوله بعضهم أنه بأصبعه قال: فهذه أقوال الأئمة فيه وأكثرها متقاربة وأظهرها الأول وما في
معناه انتهى. وقال في النهاية: أي يدلك أسنانه وينقيها، وقيل: هو أن يستاك من سفل إلى علو وأصل الشوص الغسل
وزعم بعضهم أن يشوص معرب، يعني يغسل بالفارسية، حكاه المنذري وقال: لا يصح.
سندي ٢ - قوله (يَشُوص فاه بالسواك) بفتح الياء وضم الشين المعجمة وبالصاد المهملة، أي يدلك الأسنان بالسواك
عرضاً.
(١) في نسخة النظامية: (من الغسل).
(٢) في نسخة النظامية: (من الحك).

١٦
التحفة (الطهارة: ٣)
الطهارة ك١ : ب٣
(٣) باب كيف يستاك
٩/١ ٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ
أَبِي مُوسَى، قَالَ: ((دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ نَّهِ وَهُوَ يَسْتَنُّ(١) وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ وَهُوَ
يَقُولُ: عَأْعَأُ))(٢).
(٤) باب هل يستاك الإِمام بحضرة رعيته
٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُوبْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْتَى وَهُوَ أَبْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالد قَالَ: حَدَّثَنَا
١٠/١ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: ((أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِّ ◌َّهُ وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ
٣ - أخرجه البخاري في الوضوء، باب السواك (الحديث ٢٤٤). وأخرجه مسلم في الطهارة، باب السواك (الحديث ٤٥)
مختصراً. وأخرجه أبو داود في الطهارة، باب كيف يستاك (الحديث ٤٩). انظر: تحفة الأشراف (٩١٢٣).
٤ - أخرجه البخاري في استتابة المرتدين والمعاندين وقتلهم، باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم (الحديث ٦٩٢٣) مطولاً .
وأخرجه مسلم في الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها (الحديث ١٥) مطولاً. وأخرجه أبو داود في
الحدود، باب الحكم فيمن ارتد (الحديث ٤٣٥٤) مطولاً. والحديث عند: البخاري في الإِجارة، باب استئجار الرجل
الصالح (الحديث ٢٢٦١)، وفي الاحكام، باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذي فوقه (الحديث
٧١٥٦ و٧١٥٧). وأبو داود في الأقضية، باب في طلب القضاء والتسرع إليه (الحديث ٣٥٧٩). تحفة الأشراف
(٩٠٨٣).
سيوطي ٣ - (وهو يستن) قال في النهاية: الاستنان استعمال السواك، وهو افتعال من الأسنان أي يمره عليها (وطرف
السواك) بفتح الراء (على لسانه وهو يقول عاعاً) بتقديم العين على الهمزة الساكنة، وفي رواية البُخاري: أع أع؛
بتقديم الهمزة المضمومة على العين الساكنة، ولأبي داود آه(٣) وللجوزقي اخ وإنما اختلف الرواة لتقارب مخارج
هذه الأحرف وكلها ترجع إلى حكاية صوته، إذ جعل السواك على طرف لسانه والمراد طرفه الداخل كما عند أحمد
یستن إلی فوق.
سندي ٣ - قوله (وهو يستن) الاستنان: استعمال السواك، وهو افتعال من الأسنان، أي يمره عليها (وطرف السواك)
بفتح الراء (عاعاً) بتقديم العين المفتوحة على الهمزة الساكنة، في رواية البُخاري أع أع، بتقديم الهمزة المضمومة
على العين الساكنة، وفي رواية إخ بكسر همزة وخاء معجمة، وإنما اختلفت الرواة لتقارب مخارج هذه الحروف
وكلها ترجع إلى حكاية صوته وهو إذا جعل السواك على طرف اللسان يستاك إلى فوق.
سيوطي ٤ -
سندي٤ - كأنه أشار بخصوص الترجمة بالإِمام إلى أنَّ الاستياك بحضرة الغير ينبغي أن يكون مخصوصاً بمن لا يكون
ذاك مستقذراً منه لكونه إماماً ونحوه والله تعالى أعلم. قوله (سأل العمل) أي طلب كل منهما من النبي ◌ّغير أن يجعله =
(٣) في نسخة المصرية: (١ هـ).
(١) في إحدى نسخ النظامية: (يستاك).
(٢) في إحدى نسخ النظامية: (عاء عاء).

الطهارة ك١ : ب٥
١٧
التحفة (الطهارة: ٥)
الْأَشْعَرِ يِّينَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِي، وَرَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَسْتَاكُ فَكِلَاهُمَا سَأَّلَ(١)
الْعَمَلَ، قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبًِّ(٢) مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ
الْعَمَلَ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ قَلَصَتْ فَقَالَ: إِنَّا لَ أُوْ لَنْ نَسْتَعِينَ عَلَى الْعَمَلِ (٣) مَنْ
أَرَادَهُ وَلَكِنِ أَذْهَبْ أَنْتَ، فَعَثَهُ(٤) عَلَى الْيَمَنِ ثُمَّ أَرْدَفَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا)).
(٥) باب (٥) الترغيب في السِّواك
٥ - أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ أَبْنُ زُرَيْعٍ - قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ
الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي عَنِيقٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةً عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((السِّوَاكُ مَظْهَرَةٌ
لِلْفَمِ مَرْضَاءٌ لِلرَّبِّ)).
٥ - انفرد به النسائي. تحفة الأشراف (١٦٢٧١).
عاملاً على طرف. قلت: أي اعتذاراً عن دخولهما معه مع كونهما جاءا لطلب العمل (تحت شفته) أي حال كون
=
السواك ثابتاً تحت شفته (قلصت) أي حال كون الشفة قد ارتفعت بوضع السواك تحتها.
سيوطي ٥ - (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) قال النووي في شرح المهذب: مطهرة بفتح الميم وكسرها لغتان
ذكرهما ابن السكيت وآخرون والكسر أشهر، وهو كل آلة يتطهر بها شبه السواك بها لأنه ينظف الفم والطهارة النظافة،
وقال زين العرب في شرح المصابيح: مطهرة ومرضاة بالفتح كل منهما مصدر بمعنى الطهارة، والمصدر يجيء بمعنى
الفاعل أي مطهر للفم ومرض للرب، أو هما باقيان على مصدريتهما أي سبب للطهارة والرضا ومرضاة جاز كونها
بمعنى المفعول أي مرضي للرب، وقال الكرماني: مطهرة ومرضاة إما مصدر ميمي بمعنى اسم الفاعل وإما بمعنى
الآلة. فإِنْ قلت: كيف يكون سبباً لرضا الله تعالى؟ قلت: من حيث أن الإتيان بالمندوب موجب للثواب ومن جهة أنه
مقدمة للصلاة وهي مناجاة الرب ولا شك أن طيب الرائحة يحبه (٦) صاحب المناجاة. وقيل: يجوز أن يكون المرضاة
بمعنى المفعول أي مرضي للرب، وقال الطيبي: يمكن أن يقال إنها مثل الولد مبخلة مجبنة أي السواك مظنة للطهارة
والرضا، إذ(٧) يحمل السواك الرجل على الطهارة ورضا الرب وعطف مرضاة يحتمل الترتيب بأن يكون الطهارة علة
للرضا وأن يكونا مستقلين في العلية .
سندي ٥ - قوله (مطهرة للفم) بفتح الميم وكسرها لغتان والكسر أشهر، وهو كل آلة يتطهر بها شبه السواك بها، لأنه
ينظف الفم والطهارة النظافة ذكره النووي. قلت: لا حاجة إلى اعتبار التشبيه، لأن السواك بكسر السين اسم للعود =
(١) في إحدى نسخ النظامية (يسأل).
(٢) في إحدى نسخ النظامية: (نبياً بالحق) وفي أخرى: (بالحق).
(٣) في إحدى نسخ النظامية: (عملنا).
(٤) في إحدى نسخ النظامية: (فبعثني).
(٥) سقطت كلمة: (باب) من نسخة النظامية .
(٦) في نسخة النظامية: (يقتضي).
(٧) في نسخة النظامية : (أن).

الطهارة ك١ : ب٦
١٨
التحفة (الطهارة: ٦)
(٦) الإكثار في السِّواك
١١/١ ٦ - أَخْبَرْنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ وعِمْرَانُ بْنُ مُوسَى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ
الْحَبْحَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((قَدْ أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ (١) فِي السٌّوَاكِ)).
(٧) الرخصة في السِّواك بالعشي للصائم
١٢/١ ٧ - أَخْبَرَنَا قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ
٦ - أخرجه البخاري في الجمعة، باب السواك يوم الجمعة (الحديث ٨٨٨). تحفة الأشراف (٩١٤).
٧ - أخرجه البخاري في الجمعة، باب السواك يوم الجمعة (الحديث ٨٨٧). تحفة الأشراف (١٣٨٤٢).
الذي يدلك به الأسنان ولاشك في كونه آلة لطهارة الفم بمعنى نظافته (ومرضاة) بفتح ميم وسكون راء والمراد أنه آلة
=
لرضا الله تعالى باعتبار أن استعماله سبب لذلك، وقيل: مطهرة ومرضاة بفتح ميم كل منهما مصدر بمعنى اسم الفاعل
أي مطهر للفم ومرض للرب تعالى أو هما باقيان على المصدرية أي سبب للطهارة والرضا، وجاز أن يكون مرضاة
بمعنى المفعول أي مرضي للرب انتهى. قلت: والمناسب بهذا المعنى أن يُراد بالسواك استعمال العود لانفس العود،
إما على ما قيل أن اسم السواك قد يستعمل بمعنى استعمال العود أيضاً، أو على تقدير المضاف، ثم لا يخفى أن
المصدر إذا كان بمعنى اسم الفاعل يكون بمعنى اسم الفاعل من ذلك المصدر لا من غيره، فينبغي أن يكون ههنا
مطهرة ومرضاة بمعنى طاهر وراض لا بمعنى مطهر ومرض ولا معنى لذلك فليتأمل، ثم المقصود في الحديث
الترغيب في استعمال السواك وهذا ظاهر.
سيوطي ٦ - (شعيب بن الحبحاب) بحاءين مهملتين مفتوحيتن وباءين موحدتين الأولى ساكنة (قد أكثرت عليكم في
السواك) قال الحافظ ابن حجر: أي بالغت في تكرير طلبه منكم أو في إيراد الأخبار في الترغيب فيه، وقال ابن التين:
معناه أكثرت عليكم وحقيق أن أفعل وحقيق ان تطيعوا قال: وحكى الكرماني أنه روي بصيغة مجهولة الماضي أي
بولغت من عند الله بطلبه(٢) منكم.
سندي ٦ - قوله (ابن الحبحاب) بحاءين مهملتين مفتوحتين وباءين موحدتين الأولى ساكنة. قوله (قد أكثرت عليكم)
أي بالغت في تكرير طلبه منكم، وفي هذا الإخبار ترغيب فيه وهذا بمنزلة التأكيد لما سبق من التكرير لمن علم به
سابقاً وبمنزلة التكرير والتأكيد جميعاً لمن لم يعلم به، وفي بعض النسخ قد أكثرتم عليَّ في السواك وهذا يقتضي أنهم
طلبوا منه إيجابه أو تخفيفه بأن يرفع تأكد ندبه عنهم، أو أنهم عدوا ما قاله في شأنه كثيراً، فقال لهم ذلك إنكاراً عليهم
ذلك والله تعالى أعلم.
سيوطي ٧ - (لولا أن أَشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) قال البيضاوي: لولا كلمة تدل على انتفاء
الشيء لثبوت غيره والحق انها مركبة من لَوْ، الدالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره ولا النافية، فدل الحديث على
(١) في إحدى نسخ النظامية: (قد أكثرتم عليٍّ) وفي أخرى: (قد أكثرتْ عليَّ).
(٢) في نسختي النظامية والميمنية: (يطلبه).
=

١٩
التحفة (الطهارة: ٨)
الطهارة ك١ : ب٨
اللَّهِ وَ قَالَ: ((لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» .
بِالسواكِ)).
٨ - أخرجه مسلم في الطهارة، باب السواك (الحديث ٤٣ و٤٤). وأخرجه أبو داود في الطهارة، باب في الرجل يستاك
بسواك غيره (الحديث (٥). وأخرجه ابن ماجه في الطهارة وسننها، باب السواك (الحديث ٢٩٠) تحفة الأشراف (١٦١٤٤).
= انتفاء الأمر لثبوت المشقة لأن انتفاء النفي ثبوت فيكون الأمر منفياً لثبوت المشقة، وفيه دليل على أن الأمر للوجوب من
وجهين، أحدهما : أنه نفي الأمر مع ثبوت الندبية ولو كان للندب لما جاز النفي. ثانيهما: أنه جعل الأمر مشقة عليهم
وذلك إنما(٢) يتحقق إِذا كان الأمر للوجوب، إذ الندب لا مشقة فيه لأنه جائز الترك، وقال الشيخ أبو إسحاق في
اللمع: في هذا الحديث دليل على أن الاستدعاء على جهة الندب ليس بأمر حقيقة، لأن السواك عند كل صلاة
مندوب إليه وقد أخبر الشارع أنه لم يأمر به، وقوله لأمرتهم بالسواك قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أي باستعمال
السواك لأن السواك هو الآلة، وقد قيل: إنه يطلق على الفعل أيضاً فعلى هذا لا تقدير، وقال(٣) ابن دقيق العيد:
السِّر في استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة أنا مأمورون في كل حالة من أحوال التقرب إلى الله تعالى أن
نكون (٤) في حالة كمال ونظافة إظهاراً لشرف العبادة، قال: وقد قيل: إن ذلك الأمر(٥) يتعلق بالملك وهو أن يضع
فاه على فيِّ القارىء فيتأذَّى بالرائحة الكريهة، فَسَنَّ السواك لأجل ذلك وفيه حديث في مسند البزار، وقال الحافظ
زين الدين العراقي: يحتمل أن يقال حكمته عند إرادة الصلاة ما ورد من أنه يقطع البلغم ويزيد في الفصاحة، وتقطيع
البلغم مناسب للقراءة لئلا يطرأ عليه فيمنعه القراءة وكذلك الفصاحة .
سندي ٧ - قوله (لولا أن أشق) أي لولا خوف أن أشق فلا يرد أن لولا لانتفاء الشيء لوجود غيره ولا وجود لِلمشقّة(٦)
ههنا (لأمرتهم) أي أمر إيجاب وإلّ فالندبّ ثابت وفيه دلالة على أن مطلق الأمر للإِيجاب (بالسواك) أي باستعماله،
لأن السواك هو الآلة، وقيل: إنه يطلق على الفعل أيضاً فلا تقدير، كذا ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح وفيه دلالة على
أنه لا مانع من إيجاب السواك عند كل صلاة إلّ ما يخاف من لزوم المشقة على الناس ويلزم منه أن يكون الصوم غير
مانع من ذلك، ومنه يؤخذ ما ذكره المصنف من الترجمة، ولا يخفى ان هذا من المصنف استنباط دقيق وتيقظ
عجيب، فلله دره ما أدقّ واحد فهمه.
سيوطي ٨ - (قلت لعائشة رضي الله عنها: بأي شيء كان يبدأ رسول الله ### إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك) قال =
(١) في إحدى نسخ النظامية: (رسول الله).
(٢) في نسخة النظامية: (ربما).
(٣) في نسخة النظامية: (فقال).
(٤) في نسخة النظامية : (يكون).
(٥) في نسختي الميمنية والمصرية: (لأمر).
(٦) في نسخة الميمنية: (المشقة) وهو خطأ .

الطهارة ك١ : ب٩
٢٠
التحفة (الطهارة: ٩)
ذكر الفِطْرَة
(٩) الاختتان
٩ - أَخْبَرَنَا الْخِرِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ آَبْنِ شِهَابٍ،
١٤/١ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ:﴿ قَالَ: ((الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الإِخْتَانُ،
وَالإِسْتِحْدَادُ، وَقَصُ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَتْفُ الْإِبْطِ)).
(١٠) تقليم الأظْفَار
١٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَراً عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَه: (خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُ الشَّارِبِ،
وَنْفُ الْإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الْأُْفَارِ، وَالإِسْتِحْدَادُ، وَالْخِتَانُ)).
٩ - أخرجه مسلم في الطهارة، باب خصال الفطرة (الحديث ٥٠). تحفة الأشراف (١٣٣٤٣).
١٠ - أخرجه الترمذي في الأدب، باب ما جاء في تقليم الأظفار (الحديث ٢٧٥٦). وأخرجه النسائي في الزينة، ذكر الفطرة
(الحديث ٥٢٤٠). تحفة الأشراف (١٣٢٨٦).
= القرطبي: يحتمل أن يكون ذلك لأنه كان يبدأ بصلاة النافلة فقلما كان يتنفل في المسجد فيكون السواك لأجلها، وقال
غيره: الحكمة في ذلك أنه ربما تغيرت رائحة الفم عند محادثة الناس، فإذا دخل البيت كان من حسن معاشرة الأهل
إزالة ذلك وفي الحديث دلالة على استحباب السواك عند دخول المنزل، وقد صرح به أبو شامة والنووي. قال ابن
دقيق العيد: ولا يكاد يوجد في كتب الفقهاء ذکر ذلك.
سندي ٨ - قوله (قالت بالسواك) ولا يخفى أن دخوله البيت لا يختص بوقت دون وقت فكذا السواك، ولعله إذا انقطع
عن الناس للوحي وقيل: كان ذلك لاشتغاله بالصلاة النافلة في البيت، وقيل غير ذلك والله تعالى أعلم.
سيوطي ٩ -
سندي ٩ - قوله (الفِطرة خمس) الفطرة بكسر الفاء بمعنى الخلقة، والمراد ههنا هي السنة القديمة التي اختارها الله
تعالى للأنبياء، فكأنها أمر جِبِّي فطروا عليها وليس المراد الحصر، فقد جاء: عشر من الفطرة فالحديث من أدلة أن
مفهوم العدد غير معتبر (والاستحداد ) استعمال الحديدة في العانة وفي هذا الحديث قص الشارب، وجاء في بعض
الروايات حلق، وفي البعض أخذ الشارب وقد اختار كثير القص وحملوا الحلق وغيره عليه والله تعالى أعلم.
سيوطي ١٠ - (خمس من الفطرة) قال النووي: هي بكسر الفاء وأصلها الخلقة، قال تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر
الناس عليها﴾ واختلفوا في تفسيرها في هذا الحديث، فقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في الخلاف، والماوردي في
الحاوي، وغيرهما من أصحابنا: هي الدِّين، وقال الخطابي: فسّرها أكثر العلماء في هذا الحديث بالسُّنَّة، وقال ابن
=