Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
٤ - باب من لم يتشهَّدْ في سجدتي السهو
کتاب السھو
يحيى الذهلِيُّ والبيهقيُّ، ونَسَبًا (١) الوهمَ إلى أشعثَ .
وأشعثُ ، هو : ابنُ عبدِ الملكِ الحمرانيُّ ، ثقةٌ .
وعندى ؛ أن نسبة الوهم إلى الأنصاريِّ فيه أقربُ ، وليس هو بذاكَ المُتُقنِ
جدًا في حفظه ، وقد غمزَهَ ابنُ معينٍ وغيرُهُ .
ويدلُّ على هذا : أن يحيى القطانَ رواه عنْ أشعثَ ، عنِ ابنِ سيرينَ ،
عن خالدٍ ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران في السلام خاصة ،
كما رواه عنه الإمامُ أحمدُ - : ذكره(٢) ابنُهُ عبدُ اللَّهِ، عنه في ((مسائله)).
فهذه روايةُ يحيى القطانِ - معَ جلالته وحفظه وإتقانه - ، عن أشعثَ ، إنما
فيها ذكرُ السلامِ فقطْ .
وخرَّجه النسائيُّ (٣)، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ عبدِ اللَّهِ، عن الأنصاريِّ،
عن أشعثَ ، ولم يذكرْ التشهد .
فإما أن يكونَ الأنصاريُّ اختُلِفَ عليه في ذكرِهِ ، وهو دليلٌ على أنه لم
يضبطْه ، وإما أن يكونَ النسائيُّ تركَ ذكرَ التشهدِ من عمد ؛ لأنه استنكره .
وقد روى معتمرُ بنُ سليمانَ (٤) وهشيمٌ (٥) ، عن خالد الحذاء حديثَ عمرانَ
ابنِ حصينٍ ، وذكراً فيه: أنَّ النبيَّ نَّهِ صلَّى ركعةٌ، ثمَّ تشهدَ وسلَّم، ثم سجدَ
سجدتي السهوِ ، ثم سلّم .
فهذا هو الصحيحُ في حديثِ عمرانَ ، ذكرُ التشهدِ في الركعةِ المقضيَّة ،
لا في سجدتي السهو .
(١) في الأصل: ((والبيهقي أنسبا))، والمثبت أشبه.
(٢) في الأصل بدون الهاء .
(٣) (٢٦/٣) .
(٤) أخرجه أحمد (٤٣١/٤).
(٥) أخرجه البيهقي (٣٥٥/٢).

٤٨٢
حديث : ١٢٢٨
کتاب السهو
وأشار إلى ذلك البيهقيّ (١) .
وقد رُوي عن النبيِّ ◌َِّ التشهدُ في سجودِ السهوِ ، من حديث ابنِ مسعودٍ ،
ولهُ طرقٌ :
أجودُها : روايةُ خُصيف عن أبي عبيدةَ، عنه(٢) ، مع الاختلافِ في رفعٍ
الحديث ، ووقفُه أشبهُ ، أو مع الاختلافِ في ذكر السجودِ قبلَ السلامِ وبعدَ» (٣).
ورُوي من وجوهِ أخرَ ، لا يثبتُ منها شيءٌ .
وروي - أيضًا - من حديث عائشةَ - مرفوعًا .
ئ (٤)
خرجه الطبرانيُ (٤) .
وإسنادُه ساقطٌ .
وقال الجوزجانيَّ: لا نعلمُ في شيءٍ من فعلِ الرسولِ وَّ في سجدتِي السهوِ
قبلَ السلامِ وبعدَه ، أنه يتشهدُ بعدَهما .
وقال - أيضًا - : ليسَ في التشهدِ في سجودِ السهوِ سنةٌ قائمةٌ تُتبعُ .
وقال ابن المنذر(٥): السلامُ في سجودِ السهوِ ثابتٌ عن النبيِّ وَِّ من غيرِ
وجهٍ ، وثبتَ عنه أنه كَبَِّ فيهما أربعَ تكبيراتٍ .
وفي ثبوتِ التشهدِ عنِ النبيِّ ◌َّ فيهما نظرٌ .
(١) ((السنن الكبرى)) (٣٥٥/٢).
(٢) روى مرفوعًا وموقوفًا، فأما الرواية المرفوعة خرجها البيهقي في ((سننه)) (٣٥٥/٢ - ٣٥٦).
وقال : هذا غير قوى ومختلف فيه رفعه ومتنه .
وأما الرواية الموقوفة أخرجها عبد الرزاق (٣١٤/٢) وابن أبي شيبة (٣٨٨/١).
(٣) في الأصل ((وبعد)).
(٤) في ((الأوسط)) (٤٣٩٢) من حديث غسان بن الربيع ، عن موسى بن مطير ، عن أبيه ، عن
عائشة به ، وفيه : موسى بن مطير متروك الحديث ، نسب إلى الوضع .
(٥) في ((الأوسط)) (٣١٦/٣).

٤٨٣
٤ - باب من لم يتشهَّدْ في سجدتي السهو
کتاب السھو
وخرج أبو داودَ في « سننه » (١) من حديثِ سلمةَ بنِ علقمةَ ، عن محمدٍ ،
عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ وََّ بحديثِ السهوِ، وفي آخره : قلتُ لمحمدٍ : يعني
التشهدَ ؟ قالَ : لم أسمعْ في التشهدِ ، وأحبُّ إليَّ أن يتشهدَ .
وهذه الروايةُ : تدلُّ على أن روايةَ أشعثَ عنه في التشهدِ لا أصل لها ؛ لأن
ابنَ سيرينَ أنكرَ أن يكونَ سمِعَ في التشهدِ شيئًا .
والروايةُ التي ساقها البخاريُّ من روايةِ سلمةَ بنِ علقمةً ، عن ابنِ سيرينَ ،
إنما فيها أنه قال: (( ليسَ في حديث أبي هريرةَ )) - يعني : التشهدَ .
وقد بقيَ من فوائدِ حديثِ أبي هريرةَ أحكامٌ ، لم يتقدمُ ذكرُها :
فمنها : أن الإمامَ إذا سَهَا ، ولم يتيقنْ سهَوَه ، فذكرَّه المأمومونَ ، فإنْ ذكرَ
سهوَهَ عملَ بذكرِه ، بغيرِ خلافٍ بينَ العلماءِ .
وقد قالَ وَّهُ: ((إنما أنا بشرٌ، أنسَى كما تنسَوْن، فإذا نسيتُ فذكروني))(٢).
وأما إن لم يذكرْ سهوَهُ حينَ ذكَّرُوه ، فظاهرُ حديث أبي هريرةَ يدلُّ على أنه
يرجعُ إلى قولِ المأمومينَ ، إذا لم يتيقنْ أنه على [ الصواب] (٣) يقينًا، وكذلك
حديثُ عمرانَ بنِ حصينٍ ، وحديثُ معاويةَ بنِ حُدِيجٍ .
وقد بوَّب البخاريُّ على ذلكَ في أبواب الإمامةِ: ((بابٌ : هلْ يأخذُ الإمامُ
إذا شكَّ بقولِ الناسِ ؟)) .
وخرج فيه حديثَ أبي هريرةَ ، من طريق ابنِ سيرينَ ، ومن طريقٍ
أبي سلمةَ (٤) .
(١) (١٠١٠) .
(٢) أخرجه البخاري (٤٠١) ومسلم (٨٥/٢) وغيرهم من حديث علقمة ، عن ابن مسعود به .
(٣) في الأصل: ((الصلوات))، والأشبه ما ذكرته .
(٤) (٧١٤) (٧١٥) .

٤٨٤
حديث : ١٢٢٨
کتاب السهو
وبهذا قالَ جمهورُ أهلِ العلمِ، وهو قولُ عطاءِ وأبي حنيفةَ والثوريِّ ومالك -
في رواية - وأحمدَ وغيرِهم .
واختلفوا : هلْ يجبُ الرجوعُ إلى قولِهِم ، أم يستحبُّ ؟
فقال أبو حنيفة : يجب .
وهو ظاهرُ مذهبِ أحمدَ . ورُوي عنه ، أنه يستحبُّ الرجوعُ إليهم ، وله أن
يبنيَ على يقينِ نفسِهِ ، أو يتحرَّى ، كما لو كان منفردًا .
وقال ابنُ عقيلٍ من أصحابِنا : إنما يرجعُ إلى قولِ المأمومينَ ، إذا قلنا : إن
الإمامَ يتحرَّى ، ولا يعملُ بيقينِ نفسِهِ ؛ فإنَّ أكثرَ ما يفيدُ قولُهم غلبةَ الظنِّ ،
فيكونُ الرجوعُ إليهم من بابِ التحرِّى ، فأما إذا قلنا : يعملُ باليقينِ ، لم يلتفِتْ
إليهم .
وجمهورُ أصحابنا على خلافِ هذَا ، وأنه يرجعُ إليهم على كلا القولينِ ؛ فإن
قولَ (١) اثنينِ فصاعدًا منَ المأمومين حجةٌ شرعيةٌ ، فيجبُ العملُ بها ، وإن لم
يوجبِ العلمَ ، كسائرِ الحججِ الشرعيةِ التي يجبُ العملُ بها من البيناتِ وغيرِها ،
وإنما محلُّ الخلافِ في التحري بالأماراتِ المجرّدة(٣) عن حجة شرعية.
وقال الشافعيةُ ومالكٌ - في روايةٍ أخرَى - : لا يرجعُ الإمامُ إلى قولِ
المأمومينَ ، إذا لم يذكرْ ما ذكَّروه به ، بل يبني على يقينِ نفسِهِ .
ولأصحابهما قولٌ آخرُ : أنه يرجعُ إليهم، إذا كثُرُوا ؛ لبعد اتفاقهم على
الخطإِ ، فأما الواحدُ والاثنان ، فلا .
وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنه يجبُ الرجوعُ إلى قولٍ واحدٍ من المأمومينَ ؛ لأنه
خبرٌ ديني ، فهو كالإخبارِ بالقبلةِ ونحوِها .
(١) في الأصل: ((وإن قلول)). والأشبه ما أثبته.
(٢) في الأصل: ((المستجردة )) خطأ.

٤٨٥
٤ - باب من لم يتشهَّدْ في سجدتي السهو
کتاب السھو
وكذا قال إسحاقُ : يرجعُ إلی قولٍ واحدٍ .
ومذهبُ مالك وأحمدَ : لا يرجعُ إلى قولٍ واحدٍ من المأمومينَ ، بلْ إلى
ما زادَ على الواحدِ؛ لحديث أبي هريرةَ ؛ فإن النبيِّ وَّ لم يكتفِ بقولِ ذي
اليدينِ حتَّى سألَ غيرَه ، فلما أخبروه عملَ بقولِهم ، ولأن انفرادَ الواحدِ من بينِ
المأمومينِ بالتنبيهِ على السهوِ ، مع اشتراكِهم جميعًا في الصلاةِ يوجبُ ريبةً ،
فلذلك احتاج إلى قولٍ آخرَ بعضدُه .
وقد تقدمَ القولُ في هذا بأبسطَ مِنْ هذا الكلامِ في (( بابِ : هلْ يأخذُ الإمامُ
إذا شكَّ بقولِ الناسِ ؟ )) .
ومنها: أن النبيَّ ◌َّ كان قد وقعَ منه في هذه الصلاةِ سلامٌ من نقصٍ وقيامٌ
ومشيٌّ وكلامٌ ، وكلُّ واحدٍ من هذه سببٌ يقتضي السجودَ بانفرادِه ، ولم يسجدْ
إلا سجدتينٍ .
وكذلك حديثُ ابنِ بحينةَ، فإن فيه أن النبيِّ وَِّ تركَ التشهدَ الأولَ
والجلوسَ له ، ويقتضي ذلك تركَ التكبيرة للقيامِ منه ، وقد سجدَ سجدتينِ .
فدلَّ على أن السهَو إذا تعدَّد ، لم يوجِبْ أكثرَ من سجدتينِ .
وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ ، إذا كانَ مِنْ جنسٍ واحدٍ ، وإنما خالفَ فيه
الأوزاعيُّ .
ويدلُّ على الاكتفاء بسجودٍ واحدٍ ، وإن تعددَ السهوُ : أنه شُرِعَ تأخرُ السجودِ
إلى آخرِ الصلاةِ ، فدلَّ على أنه يُكتفَى به لجميعِ ما يتجدَّد في الصلاة من
السهوِ ، إذْ لو كان لكلِّ سهوٍ سجودٌ ، لشرعَ السجودُ عقبَ كلِّ سهوٍ عندَه .
ومنها : أنه سجدَ للسهوِ بعدَ السلامِ ، وسنذكرُه هذه المسألةَ مستوفاةً فيما
بعدُ - إن شاءَ اللَّه تعالى .

٤٨٦
حديث : ١٢٢٩
کتاب السهو
٥ -بَابُ
يُكْبِرُ فِي سَجْدَتِيَ السَّهُوِ
وفيه حديثان :
الأولُ :
١٢٢٩ - حَدَّثَنَا حَقْصُ بْنُ عُمَرَ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ : صَلَّى النَِّيَُّ﴿ إِحْدَى صَلاَتَيِ الْعَشِيِّ - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي
الْعَصْرُ - رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ المَسْجِدِ ، فَوَضَعَ يَدَهُ
عَلَيْهَا، وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، فَهَبَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سُرْعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا :
قَصُرَتِ الصَّلاَةُ، وَرَجُلٌ يَدِعُوهُ النَّبِيُّ ◌َِّ ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ : أَنَسِيتَ، أَمْ قَصُرَتْ؟
فَقَالَ: ((لَمْ أَنَسَ ، وَلَمْ تُقْصَرْ)) . قَالَ: بَلَى، قَدْ نَسِيتَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ سَلَّمَ،
ثُمَّ كَبََّ، ثُمَّ سَجَدَ (١) مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأَسْهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ
فَكَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأَسَهُ فَكَبِّرَ(٢) .
((صلاتا العشيِّ)): هما الظهرُ والعصرُ ؛ لأنهما بعد زوالِ الشمسِ ، وذلك
زمنُ العشيِّ .
وأكثر ظنِّ ابنِ سيرينَ ، أنها العصرُ .
وفي روايةِ ابنِ عونٍ ، عنه ، أنه قال : سمَّها أبو هريرةَ ، ونسيتُها أنا(٣)
ورُوي مجزومًا بذلك .
(١) في ((اليونينية)): ((فسجد)).
(٢) في ((اليونينية)): ((وكبر)).
(٣) (٤٨٢) .

٤٨٧
٥ - باب يكبِّر في سجدتي السهو
کتاب السھو
خرجه الإمامُ أحمدُ (١) .
وفي هذه الروايةِ : أنه قامَ من مكانه الذي صلَّى فيه إلى مقدمِ المسجدِ ،
ووضع يدَه على الخشبةِ .
وفي روايةِ ابنِ عونٍ ، عن ابنِ سيرينَ ، أنه شبّك أصابَعَه .
وقد خرَّجها البخاريُّ - فيما مضى(٢) .
وأما هيبةُ أبي بكرٍ وعمرَ أن يكلِّماه ، مع قربِهما منه ، واختصاصهما به ،
فلشدةِ معرفتِهما بعظمتِه وحقوقِه ، وقوةُ المعرفةِ توجبُ الهيبةَ ، كما أن
أشدَّ الناسِ معرفةً باللهِ أشدُّهم له خشيةً وهيبةً وإجلالاً ، كما كانَ النبيُّ
كذلك .
(((وسرعانُ الناسِ))، هم الذين أسرعُوا الخروجَ منَ المسجدِ، فظنُّوا أنَّ
الصلاةَ قصرتْ ، فتحدَّثْوا بذلك .
وهذا يدلُّ على أنه لم يخفَ ذلك على عامةِ مَن كان في المسجدِ أو كلِّهم .
وفي روايةِ ابنِ عونٍ، عن ابنِ سيرينَ ، أن النبيَّ بَّ قام إلى خشبة فاتكاً
عليها ، وشبَّك بينَ أصابِعه ، ووضع خدَّه على ظهرِ كفِّه ، كأنه غضبانَ .
والظاهرُ: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كانَ في حالِ الصلاةِ مشغولَ البالِ بأمرٍ أوجبَ
له ذلك الغضبَ ، وهو الذي حملَه على أنْ صلَّى ركعتينِ وسلَّمَ ، ولم يشعرْ
بذلكَ .
وقولُهُ: ((ورجلٌ يدعُوهُ النبيُّ وَِّ ذَا اليدينِ))، فيه: دليلٌ على أنه يجوزُ
دعاءُ الإنسانِ بغيرِ اسمِه ، ولا سيما إذا كان ليسَ منَ الألقابِ المكروهةِ ، وربما
(١) ((المسند)) (٢٣٤/٢)
(٢) (٤٨٢) .

٤٨٨
حديث : ١٢٢٩
کتاب السھو
كان يُدْعَى بذلك من بابِ الفكاهةِ والمزاحِ، كما قالَ النبيِّ وَّ لرجلٍ: ((يا ذَا
الأذنَيْنِ ))(١) .
وقولُه : ((لم أَنْسَ ولم تُقْصَرْ)) وهكذا في روايةَ ابنِ عونٍ - أيضًا - ، عن
ابنِ سیرینَ .
وزعم بعضُهم : أن مرادَه : نفيُ مجموعِ الأمرينِ ، يعني : لم يجتمعِ
القصرُ والنسيانُ ، ولم يُرِدْ نفيَ أحدِهما بانفرادِه .
وهذا ليس بشيءٍ ؛ فإنه لو كان كذلكَ لكانَ ذاكرًا لنسيانه حينئذ ، مثبتًا له ؛
فإن القصرَ منتفٍ قطعًا، فيكون مثبتًا لنسيانِه حينئذٍ ، ولو كانَ حينئذٍ ذاكرًا
النسيانِهِ(٢) لم يحتج إلى قولِ ذي اليدينِ له ، ولا لاستشهادِهِ بالناسِ علي صدقِه ؛
فإن في روايةِ ابنِ عونٍ: فقال: (( أكما يقولُ ذو اليدين؟)) قالوا : نعم.
ولو كان ذاكرًا لنسيانِه حينئذٍ لَمَا تكلَّم ، فإنه كان يكون متكلمًا وهو عالمٌ بأنه
في صلاة أو حكمِها ، وإنما قالَ رَّهُ: ((لم أنسَ ولم تُقْصَر )) باعتبارِ ما كانَ في
اعتقادِهِ ، بأنه أتمَّ صلاتَه، ولم ينسَ منها شيئًا ، فإنه إنما سلَّم منْ ركعتينٍ
لاعتقاده أنه أتمَّها. فقوله: ((لم أنسَ )) إخبارٌ عن حالِه التي كان عليها في
الصلاة ، وهي مستمرةٌ إلى حين تكلّم بهذا .
وقد صحَّ عنه، أنه قال: ((إنما أنا بشرٌ، أنسَى كما تنسَوْن ، فإذا نسيتُ
فذكِّروني)»(٣).
(١) هو أنس بن مالك خادم النبي * كذا لقبه، والحديث أخرجه أحمد (١١٧/٣، ١٢٧،
٢٤٢، ٢٦٠) وأبو داود (٥٠٠٢) والترمذي (١٩٩٢) (٣٨٢٨) وفي ((الشمائل)) (٢٣٥) من
حديث عاصم الأحول عن أنس قال: قال لي رسول الله وَ﴿ه: ((يَا ذَ الأُذُنَّيْن)).
(٢) في الأصل: ((لنسيا)) كذا .
(٣) تقدم قريبًا ، من حديث ابن مسعود عند الشيخين .

٤٨٩
٥ - باب يكبِر في سجدتي السهو
کتاب السھو
ولعلَّهم امتنعُوا من تذكيرِه في هذه الصلاةِ بالتسبيحِ ؛ لأنهم كانوا علي رجاء
منه أن يقومَ من التشهدِ إلى الركعتينِ الباقيتينِ ، وإنما تيقّنوا تركَهُ لهما بسلامه ،
وكانوا حينئذٍ غيرَ متيقنينِ لسهوِه ، فإنه كان يحتملُ عندَهم أن تكون الصلاةُ قد
قُصِرَتْ ، فلذلك لم يسبّحوا به عند سلامه .
وقولُ ذي اليدينِ: ((قد نسيتَ))، إنما جزَم به لنفي النبيِّ وَّ قصرَ
الصلاةِ ، مع علمٍ الناس بأنه إنما صلَّى ركعتين فقطْ، فتعيَّنَ أن يكون تَرَكَ
الركعتينِ نسيانًا .
والمقصودُ من هذا البابِ: أنَّ النبيَّ وَّ لما سجدَ سجدتي السهوِ كَبَّر فيها
أربعَ تكبيراتٍ ، كَبَّر في كل سجدة تكبيرةً للسجودِ ، وتكبيرةً للرفعِ منه .
الحديثُ الثاني :
١٢٣٠ - حَدَّثْنَا قُنََّةُ: ثَنَا الََّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
ابْنِ بُحَيَّةَ الأَسْدِيِّ - حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لَ قَامَ فِي صَلَةٍ
الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُوسٌ، فَلَمَّ أَمَّ صَلَهُ سَجَدَ سَجْدَيْنِ، يُكَبِيرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ
جَالِسُ ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ .
تَابَعَهُ : ابْنُ جُرَيّجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، فِي النَّكِْ .
هذا الحديثُ؛ خرجه مسلمٌ (١) عن قتيبةَ ، كما خرجه البخاريُّ .
وخرجه النسائيُ (٢) من طريق ابنِ وهبٍ : أخبرني عمرو ويونُسَ والليثُ ،
عن ابنِ شهابٍ - فذكرَه بهذا اللفظ - أيضًا .
(١) ((الصحيح)) (٨٣/٢).
(٢) ((السنن)) (٣٤/٣).

٤٩٠
حديث : ١٢٣٠
کتاب السھو
ورواه مالكٌ(١) ، عنِ ابنِ شهابٍ، وقال في حديثه: ((فكبر ثمَّ سجدَ
سجدتينِ )) .
وهو مخرجٌ في (( الصحيحينِ )) من طريقِ مالكٍ(٢).
وخرجه البخاريّ (٣) ، من طريقِ شعيبٍ ، عنِ الزهريِّ - أيضًا - كذلك .
وأما متابعةُ ابنِ جريجٍ للَّيثِ بنَ سعدٍ في ذكرِ التكبيرِ :
فخرجَ الإمامُ أحمدُ (٤) ، عن محمدِ بنِ بكرٍ ، عن ابنِ جريجٍ : أخبرني ابنُ
شهاب - فذكرَ الحديثَ، وفيه: (( فلمَّاً صلَّى الركعتينِ الأخريين ، وانتظرَ الناسَ
٩
أن يسلّمَ كَبَّر، فسجدَ ، ثم كَبَّر فسجدَ ، ثم سلَّم )).
وخرَّجه عبدُ الرزاقِ في (( كتابه )»(٥) ، عن ابنِ جريجٍ - أيضًا - ، وعنده :
يكبِّر في كلِّ سجدة .
ورواه الأوزاعيّ، عن الزهريِّ (٦) ، فذكرَ في حديثِه أربعَ تكبيراتٍ ، لكلِّ
سجدةٍ تكبيرتين ، تكبيرةٌ للسجودِ ، وتكبيرةٌ للرفعِ ، كما في حديث أبي هريرةَ
المتقدمِ .
والعملُ على هذَاَ عندَ أهلِ العلمِ ، أنه يكبِّرُ في كلِّ سجدةٍ تكبيرةً للسجودِ
وتكبيرةً للرفعِ منه .
وبه قالَ عطاءٌ والشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهم .
ولا فرق في ذلك بينَ السجودِ قبلَ السلامِ وبعدَه .
(١) ((الموطأ)) (ص: ٨١).
(٢) البخاري (١٢٢٤) ومسلم (٨٣/٢).
(٣) (٨٢٩) .
(٤) ((المسند)) (٣٤٥/٥ - ٣٤٦).
(٥) ((المصنف)) (٢ / ٣٠٠).
(٦) أخرجها البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٥٣/٢).

٤٩١
٥ - باب يكبِّر في سجدتي السهو
کتاب السھو
ومن الشافعيةِ مَن قال في السجود بعدَ السلامِ : يكبرُ تكبيرةَ الإحرامِ ، ثم
يكبر للسجودِ ، كقولِهِم في سجدة التلاوةِ ، كما سبقَ .
وقد دلَّ حديثُ ابنِ بُحينَةَ على السجودِ قبلَ السلامِ ، وحديثُ أبي هريرةَ على
السجودِ بعدَ السلامِ .
وكذلك حديثُ عمرانَ بنِ حصينٍ ، وحديثُ معاويةَ بنِ حديجٍ ، وقد سبق
ذكرُهما .
وقد اختلفَ العلماءُ في محلٌّ سجودِ السهوِ ، على ستةِ أقوالٍ :
أحدُها : أنه كلُّه بعدَ السلامِ .
قال ابنُ المنذر: رُويَ ذلك عن عليٌّ (١) وسعدِ بنِ أبي وقاصٍ(٢) وابنٍ
مسعود(٣) وعمارٍ (٤) وأنسٍ(٥) وابنِ الزبيرِ (٦) وابنِ عباسٍ(٧)، وبه قال الحسنُ (٨)
والنخعيُ (٩) وابنُ أبي ليلى (١٠) والثوريُّ والحسنُ بنُ صالحٍ وأصحابُ الرأي .
يعني : أبا حنيفةَ وأصحابَه .
قال : ويجزئُ عندهم أن يسجدَهما قبلَ السلامِ .
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٣٨٦/١).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٨٧/١) وابن المنذر في ((الأوسط)) (٣٠٩/٣).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٨٧/١).
(٥) أخرجه الطحاوي ((شرح معانى الآثار)) (٤٤٢/١) وابن أبي شيبة (٣٨٦/١).
(٤)
ابن أبي شيبة (٣٨٧/١).
(٦) الطحاوى (٤٤١/١).
(٧) الطحاوى (٤٤١/١).
(٨) عبد الرزاق (٣٠١/٢).
(٩) ابن أبي شيبة (٣٨٧/١).
(١٠) ابن أبي شيبة (٣٨٧/١).

٤٩٢
حديث : ١٢٣٠
کتاب السھو
قلتُ: وممَّن قال : يسجدُ بعدَ السلامِ - : قتادةُ (١).
ورُوي عن عمرانَ بنِ حصينٍ (٢) - أيضًا .
والقول الثاني : أن كلَّه قبلَ السلامِ .
٥ (٤)
قال ابنُ المنذرِ : رُوي عن أبي هريرةَ (٣)، وبه قال مكحولٌ" (٤) والزهريّ
ويحيى الأنصاريُّ وربيعةُ والأوزاعيُّ والليثُ والشافعيُّ (٥) . انتهى .
وحُكي روايةً عن أحمدَ .
وقيل : إنه لم يوجَدْ بها نصٌّ عنه .
وقد ذكر القاضي في (( كتابِ شرحِ المذهبِ )) : إن سلَّم مِنْ نقصٍ ركعة تامةٍ
فأكثرَ ، فإنه يسجدُ له بعدَ السلامِ ، رواية واحدةً ، ولم نجدْ عن أحمدَ فيه خلافًا .
وأسندَه الترمذيُّ في ((كتابه )) عن أبي هريرةَ [ و] السائبِ القارئ (٧).
وذكر الشافعيُّ (٨)، أن آخرَ فعلِ النبيِّ وَِّ السجودُ قبلَ السلامِ، وأنه ناسخٌ
لما عداه .
(١) عبد الرزاق (٣٠١/٢).
(٢) الطحاوى (١/ ٤٤٢).
(٣) أخرجه ابن المنذر في ((الأوسط)) (٣٠٨/٣).
(٤) ابن أبي شيبة (٣٨٧/١) من حديث برد، عن مكحول والزهري قالا: ((سجدتان قبل أن
يسلم )) .
(٥) ((الأم)) (١١٤/١) قال: ((سجود السهو كله عندنا في الزيادة والنقصان قبل السلام)).
(٦) ((الجامع)) (٢٣٦/٢).
(٧) بالأصل: ((العادي))، وفي ((الجامع)) للترمذي: ((القارئ))، وكذا هو عند ابن المنذر
(٣١٠/٣) وابن أبي شيبة (٣٨٧/١) وجزم الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - في ( شرح
الترمذي)) أن هذا خطأ، وأن الصواب: ((عبد الله بن السائب))، وهذا ما لا أستظهره ؛ إذ
يستبعد وقوع الخطأ في هذه المواطن كلها . والله أعلم .
(٨) ((الأم)) (١١٤/١) وكذا الترمذي.

٤٩٣
٥ - باب يكبِّر في سجدتي السهو
کتاب السهو
ورُويَ عن مطرفِ بنِ مازن ، عن معمرٍ ، عن الزهريِّ ، قال : سجدَ
رسولُ اللهِ ◌ِّله سجدِتِي السهوِ قبلَ السلامِ وبعدَه، وآخر الأمرين قبلَ السلامِ .
ومطرفٌ هذا ، ضعيفٌ .
وغاية هذا ، أنه من مراسيلِ الزهريِّ ، وهي من أَوْهى المراسيلِ .
وسجود النبيِّ وَّلَ قبلَ السلامِ وبعدَه، إن كان في صورتينِ ، أمكنَ العملُ
بهما معاً ، وإن كان في صورةٍ واحدةٍ ، دلَّ على جوازِ الأمرينِ ، والعملِ بهما
جميعاً ، والنسخُ لا يُصارُ إليه معَ إمكانِ الجمعِ ، ولو توجّهَ .
وادَّعى جماعةٌ منهم، أن سجودَ النبيِّ ◌َِّ بعدَ السلامِ في حديث أبي هريرةَ
كانَ سهوًا ، حيث كانت تلكَ القصةُ تضمَّنْتْ أنْوَاعًا منَ السهوِ .
وهذا قولٌ ساقطٌ جدًا، فإن السهوَ كان قبلَ إعلامِ النبيِّ ◌َّ بِالحالِ ، وأما
بعدَ إعلامِه ، فلو تطرق السهوُ إلى فعلِه لم يُحتجَّ به كلِّه ، وقد اجتمعت الأمةُ
على الاحتجاجِ بهِ ، كيف ؛ وقد رواه عمرانُ بنُ حصينٍ ومعاويةُ بنُ حُدِيجٍ وغيرُ
واحدٍ ، وقد قيل : إنها وقائعُ متعددةٌ ، كما سبقَ .
والقولُ الثالثُ : إن كان السهوُ من نقصانِ مِنَ الصلاةِ ، فإن سجودهُ قبلَ
السلامِ ، وإن كان من زيادة فيها ، فإن سجودَه بعدَ السلامِ ؛ لئلاً يجتمع في
الصلاةِ زيادتانِ ، وهو قولُ مالكِ والشافعيِّ - في القديمِ - وأبي ثورٍ .
وهو روايةٌ عن أحمدَ .
والشكُّ - على هذه الروايةِ - عندَه كالنقصِ ، يسجدُ له قبلَ السلامِ - : نصَّ
عليه أحمدُ .
ونقل حربٌ ، عن إسحاقَ ، مثلَ هذا القولِ ، إلا أنه قال في الشكِّ: يسجدُ
له بعدَ السلامِ ، ويبني على اليقينِ .
وهو قولُ مالكِ .
،

٤٩٤
حديث : ١٢٣٠
کتاب السھو
ورُوي هذا المعنى (١) عنِ ابنِ مسعودٍ :
رواه إسحاقُ بنُ راهوَيَه ، عن عتابِ بنِ بشيرٍ ، عن خُصيفٍ ، عن
أبي عبيدةَ ، عنِ ابنِ مسعودٍ ، قال : كلُّ شيءٍ في الصلاة مِنْ نقصانٍ منْ ركوعٍ
أو سجودٍ أو غيرِ ذلكَ ، فسجدتا السهوِ قبلَ التسليمِ ، وما كان من زيادة ،
سجدَها بعدَ التسليمِ .
وعتابٌ هذا ، مختلفٌ فيه .
وقد رواه غيرُهُ ، عن خصيفٍ ، بغيرِ هذا اللفظِ .
روَى الطبرانيُ (٢) في هذا المعنى(١) حديثين مرفوعين(٣) ، من حدیثِ
عائشةَ ، في إسنادِهِ علىُّ (٤) بنُ ميمونٍ ، وهو متروكُ الحديثِ .
وأهلُ هذه المقالةِ جمَعُوا بهذا بينَ حديثيِ ابنِ بُحينَةَ وحديثِ أبي هريرةَ ،
وما في معناه(٥)؛ فإن في حديث أبي هريرةَ ، وما في معناه ؛ كان قد وقع في تلك
الصلاة زيادةٌ كبيرةٌ سهوًا من سلامٍ وكلامٍ وعملٍ ، فلذلك سجدَ بعد السلامِ ،
وحديثُ ابنِ بحينةَ ، فيه : أنه سجدَ قبلَ السلامِ ؛ لتركِ التشهدِ الأولِ ، فيلحق
بالأول كل زيادة ، وبالثاني كل نقصنٍ .
ويشهدُ لذلك: أن النبيَّ وَ لَ صلَّى الظهرَ خمسًا، فسجدَ له بعدَ السلامِ ،
كما في حديثِ ابنِ مسعودٍ ، وقد سبقَ .
(١) في الأصل: ((المعين)).
(٢) في ((الأوسط)) (٧٥٩٣) من حديث عيسى بن ميمون ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة
مرفوعًا: ((من سها قبل التمام سجد سجدتى السهو قبل أن يسلم ... )) .
وأخرجه أيضاً (٥١٣٣) (٧١٥٤) من حديث حكيم بن نافع الرقي ، عن هشام ، عن أبيه ،
عن عائشة مرفوعًا: (( سجدتا السهو في الصلاة تجزئك من كل زيادة ونقصان)).
(٣) في الأصل: ((حديثان مرفوعان)).
(٤) كذا، والذي في الرواية: ((عيسى)). والله أعلم.
(٥) كذا .

٤٩٥
٥ - باب يكبِّر في سجدتي السهو
کتاب السھو
لكن قد ذكرنا - فيما تقدمَ - أنه لا دلالةَ فيه؛ فإن النبيِّ وَّ إنما عِلِمَ بسهوِه
بعدَ أن سلَّم ، فكان سجودُه بعدَ السلامِ ضرورةً ، لا عن قصدٍ .
القولُ الرابعُ : أن سجودَ السهوِ كلَّه قبلَ السلامِ ، إلا في موضعين :
أحدُهما : من سلَّم من نقصٍ ركعةٍ تامَّةً فأكثرَ من صلاته سهوًا ، فإنه يأتي
بما فاته ، ويسجدُ بعد السلامِ ، كما في حديث أبي هريرةَ وعمرانَ بنِ حصينٍ
وغيرهما .
والثاني : إذا شكَّ في عددَ الركعاتِ ، وعمل بالتحرِّى ، فإنه يسجدُ له بعدَ
السلامِ ، كما في حديثِ ابنِ مسعودٍ ، ويأتي ذكرُه - إن شاءَ اللهُ .
وما عدا هذين الموضعينِ ، فإنه يسجد له كله قبلَ السلامِ ، إلا أن لا يذكر
سهوَهَ إلا بعدَ أن يُسلِّمَ ، فإنه يسجدُ له بعدَ السلامِ ضرورةً ، كما في حديثٍ
ابنِ مسعودٍ المتقدمِ .
وهذا هو ظاهرُ مذهب الإمامِ أحمدَ ، وعليه عامةُ أصحابه ، ووافقه عليه
طائفةٌ من أهلِ الحديثِ ، منهم : سليمانُ بنُ داودَ الهاشميُّ ، وأبو خيثمةَ وابنُ
المنذرِ .
وفي هذا عملٌ بجميعِ الأحاديثِ كلِّها علَى وجهِها .
غيرَ أن ترك التشهدِ الأولِ قد رُويَ عن المغيرةَ، عنِ النبيِّ نَِّ أنه سجدَ له
بعد السلامِ (١) ، ولكنَّ حديثَ ابنِ بحينةَ أصحُّ منه، فأخذَ أحمدُ بأصحّ الحديثين
فيما اختلفتِ الروايةُ فيه بعْينه .
(١) أخرجه أحمد (٢٥٤/٤) من حديث شعبة، عن جابر الجعفى. وفيه أنه سجد له بعد
السلام.
وأخرجه أحمد - أيضاً - (٢٥٣/٤، ٢٥٤) وأبو داود (١٠٣٦) وابن ماجه (١٢٠٨) من
حديث إسرائيل وسفيان ، عن جابر الجعفي . وليس فيه ذكر أنه سجد له بعد السلام .

٤٩٦
حديث : ١٢٣٠
کتاب السھو
وقد قال طائفة من أصحابنا : إن القياسَ أن يكونَ السجودُ كلُّه قبلَ السلامِ ؛
لأَنَّه تتمةُ الصلاةِ، كما في حديثِ عثمانَ بنِ عفانَ، عنِ النبيِّ ◌َّ، قال:
(( إِيَّيَ وأن يتلعَّب بكمُ الشيطانُ في صلاتكم ، من صلَّى منكم فلم يدر أشفعٌ أمْ
وترٌ، فليسجدْ سجدتين؛ فإنها من تمامٍ صلاته )) .
خرجه الإمامُ أحمدُ (١) .
وإذا كانت السجدتانِ من تمامِ الصلاة ، فتكون قبلَها ، لكن إنما ترك ذلك
في تلك الصورتين لورودِ النصِّ فيهما ، فما عداهما باقٍ على الأصلِ .
وقد أشارَ أحمدُ إلى هذا المعنى بعينِهِ - في رواية ابن بدينا (٢) .
ومن المتأخرينَ مَن قال : بلِ القياسُ يقتضي التفريقَ بين هاتين الصورتين
وغيرِهما ؛ فإن مَنْ سلَّم من نقصٍ فقد زادَ في صلاتِه زيادةً ، لو تعمَّدها لبطلت
ے
صلاتُه ، فيكونُ السجودُ بعدَ السلامِ ؛ لئلاَّ يجتمعَ في الصلاةِ زيادتانِ ، ويكون
السجودُ هنا بمنزلةٍ صلاةٍ مستقلةٍ ، جبرَ بها النقصَ الداخلَ في صلاته ، وهو
إرغامُ الشيطانِ .
وأما مَنْ شكَّ وتحرَّى وبنَى على غالبِ ظنِّه ، فإنه قد أتمَّ صلاته ظاهرًا ،
فيسجد بعد السلامِ سجدتينٍ زائدتين على صلاتِه، كما سمَّها النبيُّوَلَّ ((إرغامًا
للشيطان )»(٣) ؛ فإنه قصدَ تنقيصَ صلاتِه، فأتمَّها وزادَ عليها زيادةً أخرَى .
وأما إذا بنَى على اليقينِ ، فإنه يحتملُ الزيادةَ في صلاته احتمالاً ظاهراً ،
(١) ((المسند)) (٦٣/١) من حديث يزيد بن أبي كبشة، عن عثمان مرفوعًا به.
وأخرجه أيضًا في ((التاريخ الكبير)) (٣٥٥/٢/٤): يزيد بن أبي كبشة سمع مروان بن
الحكم سمع عثمان سمع النبي وَّر يقول: ((من صلى فلم يدر أشفع أو وتر فليسجد ... )).
هو أشبه .
(٢) هو: محمد بن الحسن بن هارون أبو جعفر الموصلي. ترجمته فى (( المنهج الأحمد ))
للعلیمی (٢٢٥/١) و((تاريخ بغداد)) (١٩١/٢).
(٣) أخرجه مسلم في ((صحيحه )) (٢/ ٨٤) من حديث أبي سعيد الخدري .

٤٩٧
٥ - باب يكِّر في سجدتي السهو
کتاب السھو
والزيادةُ هنا من جنسِ الصلاةِ ، بخلافِ الزيادةِ في صورةِ السلامِ من النقصِ ،
فكانت السجدتان كركعة تشفعُ له صلاتَه ؛ لئلا تكونَ صلاتُه وِتْرًا ، فيسجدُ قبلَ
السلام .
وهذا كلُّه قد أشارَ إليه النبيُّ وََّ في كلامِه وتعليلِه، كما سيأتي لفظُ
الأحاديث فيه .
ومِنْ هنا : يتبيّن أنَّ مَنْ صلَّى خمسًا ساهيًا ، وذكرَ قبلَ سلامه ، أنه يسجدُ
حينئذٍ قبلَه ، حتى لا يسلّم عن وِترٍ .
لكن يقال : فلو ذكرَ أنه صلَّى ركعتينٍ زائدتينِ كانَ الحکمُ كذلك ، معَ أنه لم
يسلِّمْ عن وترٍ .
القول الخامسُ: كالقول الرابع: إن ما فيه نص عن النبي وََّ، فإنه يتبعُ
نصُّهُ ، وما ليس فيه ، فإن كان نقصًا في الصلاة فسجوده قبلَ السلام ، وإن كان
زيادةً فسجودُه بعدَه .
وهذه روايةُ ابنِ منصورٍ ، عن إسحاقَ بنِ راهويه .
والقول السادسُ : أن ورودَ بعضِ النصوصِ بالسجودِ قبلَ السلامِ ، وبعضها
بالسجودِ بعدَه يدلُّ على جوازِ كلا الأمرينِ ، من غيرِ كراهةٍ ، فيعمل بهما (١) في
الجواز .
وأهلُ هذه المقالةِ لهم قولانِ :
أحدُهما : أنهما سواءٌ في الفضلِ ، وحُكي ذلك قولاً للشافعيِّ ، كما سيأتي
ذكره .
والقولُ الثاني : أنهما سواءٌ في الجوازِ ، وإن كانَ بعضُها أفضلَ من بعضٍ .
وقد حكى ابنُ المنذرِ ، عن أهلِ الرأيِ ، أنهم يرَوْنَ السجودَ قبلَ السلامِ
(١) في الأصل: ((بها)).

٤٩٨
حديث : ١٢٣٠
کتاب السھو
جائزًا ، والسجودَ بعده أفضلَ .
وكذلك حكى ابْنُ عبدِ البرِّ (١) اختلافَ العلماءِ في محلٌّ السجودِ ، ثم قال:
كلُّ هؤلاء يقولون : لو سجدَ بعدَ السلامِ فيما فيه السجودُ قبلَه لم يضرَّه ،
وكذلك لو سجدَ قبلَه فيما فيه السجودُ بعده لم يضرّه، ولم يكن عليه شيءٌ .
وقال الماورديَّ - من الشافعية - في كتابه ((الحاوي )» : لا خلافَ بينَ
الفقهاءِ - يعني : جميعَ العلماءِ - أنَّ سجودَ السهوِ جائزٌ قبلَ السلامِ وبعده ، وإنما
اختلفُوا في المسنونِ والأولَى : هلْ هو قبلَ السلامِ ، أو (٢) بعدَه .
ثم ذكر اختلافَ العلماء في ذلك .
وكذلك صرحَ بهذا طوائفُ من الحنفيةِ والمالكية والشافعيةِ ، ومِنْ أصحابنا
كالقاضي أبي يعلى وأبي الخطاب في ((خلافيهما )) وغيرهما من بعد .
وفي ((تهذيبِ المدونة )) للمالكية : ومن وجَبَ عليه سجودُ سهوٍ بعدَ
السلامِ ، فسجدَهُ قبلَ السلامِ ، رجوت أن يجزئه .
وأنكر ذلك طوائفُ آخرون من أصحابِنا والشافعيةِ ، وقالوا : إنما الاختلافُ
في محلِّ السجودِ في وجوبِه عند مَن يراه واجبًا ، وفي الاعتدادِ به وحصولِ السنةِ
عند من يراه سنةً .
وهذا ظاهرٌ على قواعدِ أحمدَ وأصحابِه ؛ لأنهم يفرقون فى بطلان الصلاة
بتركِ سجودِ السهو عمدًا ، بين ما محلُّه قبلَ السلامِ وما محلُّه بعدَه ، فيبطلون
الصلاةَ بتركِ السجودِ الذي محلُّه قبلَ السلامِ ، دون الذي محلُّه بعدَه ، ولو كان
ذلك على الأولوية لم يكن له أثرٌ في إبطالِ الصلاةِ .
وقال القاضي أبو يعلى الصغيرُ من أصحابنا : لو كان عليه سجودٌ بعدَ
(١) ((التمهيد)) (٣٣/٥).
(٢) في الأصل: (( و)).

٤٩٩
٥ - باب يكبِّر في سجدتي السهو
کتاب السھو
السلامِ ، فسجدَه قبلَه : هل يجزئُه ، ويعتدُّ به ؟ على وجهين .
ولم يذكرْ حكمَ ما لَوْ سجدَ بعدَ السلامِ ، لِما قبله .
وظاهر كلامه : أنه لا يجزئُه بغيرَ خلافٍ .
وهذه - أيضًا - طريقةُ أبي المعالِي الجُويْنِي من الشافعيةِ ومَن اتَّبعه ، فإنه
حكى في المسألة طريقين لأصحابِه .
أحدُهما :
أن في المسألة ثلاثةَ أقوالٍ - يعني : للشافعية(١) - :
الصحيحُ فيها : أنه قبلَ السلامٍ ، فإنْ أخَّرَه لم يعتدَّ به .
الثاني : إن كان السهوُ زيادةً ، فمحلُّه بعدَ السلام وإن كان نقصًا فقبلَه ،
ولا يعتدُّ به بعدَه .
والثالث : إن شاءَ قدَّمه، وإن شاءَ أخَّرَه .
والطريق الثاني :
يُجزئُ التقديمُ والتأخيرُ ، وإنما الأقوالُ في بيانِ الأفضلِ :
ففي قولٍ : التقديمُ أفضلُ .
وفي قولٍ : التقديمُ والتأخيرُ سواءٌ في الفضيلةِ .
وفي قولٍ : إن كان زيادةً فالتأخيرُ أفضلُ ، وإلا فالتقديمُ .
قال : ووجهُ هذه الطريقةِ : صحةُ الأخبارِ في التقديم والتأخيرِ .
قال : والطريقةُ المشهورةُ الأولى ، ويجعلُ الخلافُ في الإجزاء والجوازِ ،
كما سبقَ .
(١) في الأصل: ((الشافعية)).

٥٠٠
حديث : ١٢٣١
کتاب السھو
٦ - بَابٌ
إِذَا لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى - ثَلاَثًا أَوْ أَرْبَعًا -
سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ .
١٢٣١ - ثَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ: ثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَئِيُّ، عَنْ يَخْتَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيّرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَ: ((إِذَا نُودِيَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ
الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى (١) لاَ يَسْمَعَ الأَذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الأَذَانُ أَقْبَلَ ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا
أَدْبَرَ ، فَإِذَا قُضِيَ الَّغْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرَءِ وَنَفْسِهِ ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا
وَكَذَا - ما لم يَكُنْ يَذْكُرُ - حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ
أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى - ثَلاَثًا أَوْ أَرْبَعًا -، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنٍ وَهُوَ جَالِسٌ)) .
((يخطرُ )) بضمِّ الطاءِ عند الأكثرِ، والمرادُ : أنه يمرُّ ، فيحولُ بين المرءِ وما
یریدُ من نفسه ، من إقباله على صلاته .
ورُوي (( يخطر )) - بكسر الطاء - ، يعني : تحرّك ، فيكون المعنى : حركته
بالوسوسةِ .
وقولُهُ: ((حتى يظلَّ الرجلُ))، هكذا الروايةُ المشهورةُ بالظاء القائمة
المفتوحةِ ، والمرادُ : يصيرُ ، كما في قوله تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهَهَ مَسْوَدًا ﴾
[النحل: ٥٨] .
ورَوَى بعضُهم (( يضلّ)) بالضادِ المكسورةِ ، منَ الضلالِ ، يعني : أنه ينسَى
ويتحيّرُ .
وقوله : ((إِنْ يَدْرِي))، ((أَنْ)) بفتحِ الهمزةِ، حكاه ابنُ عبدِ البَرِّ عن
(١) في الأصل: ((حين)).
٠