Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
١١ - باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة
كتاب العمل في الصلاة
وقال أحمدُ - أيضًا - : إذا رأى صبيًا يقعُ في بئرٍ ، يقطعُ صلاتَه ويأخذُه.
قال بعضُ أصحابنا : إنما يقطعُ صلاتَه إذا احتاجَ إلى عملٍ كثيرٍ في أخذِهِ ،
فإن كان العملُ يسيراً لم تبطلْ به الصلاةُ .
وكذا قالَ أبو بكرٍ في الذي خرج ورأى غريمه : إنه يعودُ ويبني على صلاتِه.
وحملَه القاضي على أنه كان يسيراً .
ويحتملُ أن يقالَ : هو خائفٌ على ماله ، فيغتفر عملُه ، وإن كثُرَ .
خرج البخاريّ في هذا البابِ حديثين :
الأول - وهو موقوف - :
١٢١١ - ثَنَا آدَمُ: ثَنَا شُعْبَةُ: ثَنَا الأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ ، قَالَ: كُنَّا بِالأَهُوَازِ تُقَائِل
الحَرُوُرِيَّةَ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى حَرْفِ نَهَرٍ، إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، وَإِذَا لِجَامُ دَتِهِ بِيَدِهِ ،
فَجَعَلَتِ الدََّبَةُ تُنَازِعُهُ، وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا - وَقَالَ شُعْبَةُ: هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ -،
فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، افْعَلْ بِهَذَا الشَّيَّخِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ
قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ، وَإِّي غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ سِتَّ غَزَوَات - أوْ (١)
سَّعَ غَزَوَتٍ أَوْ(٢) ثَمَانِيً -، وَهِدْتُ تَيْسِرَهُ، وَإِّي إِنْ كُنْتُ أَرَجِعُ مَعَ دَِّي أَحَبُ
إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَّعَهَا تَرْجِعُ إِلَى مَالَفِهَا، فَيَشُقَّ عَلَيَّ.
فهذا موقوفٌ على أبي بَرْزَةَ ، وفيه: ما يُشعِرُ [بتوبيخٍ)(٣) مَنْ رفعٍ ؛ لقوله :
(شهدتُ تسيرَ النبيِّ ◌َِّ).
والمعنى: أنه شاهدَ من تيسيرِهِ وَّ﴿ ما استدلَّ به على أن هذا العملَ في
الصلاة غيرُ مضرٍّ بالصلاةِ .
(١) في الأصل: ((و).
(٢) في ((اليونينية)): ((و)).
(٣) كذا بالأصل، ولعل الصواب: ((بنوع)).

٤٠٢
حديث : ١٢١١ - ١٢١٢
كتاب العمل في الصلاة
وقد تقدمَ أن الإمامَ أحمدَ قال : إذا فعلَ في صلاتِه كفعلٍ أبي بَرْزَةَ فصلاتُهُ
جائزةٌ .
ومتى كانَ يخافُ من ذَهَاب دابتهِ عَلَى نَفْسه ، فحكمه حكمُ الخائف ، فلا
يبطلُ عمله في الصلاة لتحصيلِ دابِهِ ، وإن كثُرَ .
وقد خرجَ البخاريُّ حديثَ أبي بَرْزَةَ في ((الأدبِ))(١) من ((صحيحه)) هذا، من
طريقِ حمادِ بنِ زيدٍ ، عن الأزرقِ ، به ، وفي حديثه : فانطلقتِ الفرسُ ،
فخلَّى صلاتَه وأتبعَها ، حتى أدركَها ، فأخذَها ، ثم جاءَ فقضَى صلاتَه .
والظاهرُ : أن المرادَ بتركِ صلاتِه تركُ العملِ فيها ، اشتغالاً بطلبِ الفرسِ ،
ثم جاءَ فبنَى على ما مضى من صلاته .
الثاني :
١٢١٢ - نَامُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ: نَاعَبْدُ اللَّهِ: أَنَا يُؤنُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ،
قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّه ◌َِ، فَقَرَأْ سُورَةً طَوِيلَةٌ ، ثُمَّ
رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ سُورَةً أُخْرَى، ثُمَّرَكَعَ حِينَ قَضَاهَا وَسَجَدَ،
ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّهُمَا آَيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ ،
فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنَّكُمْ، لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِ هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ، حَتَّى لَقَدْ
رَأَيْنِي أَرِيدُ أَنْ آَخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ ، حِينَ رَأَيْتُمُونِي أَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ،
يَخْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرُو بْنَ لُحَيٍّ، وَهُوَ
الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ».
في هذا السياق : ما يستدلُّ به على أنه لم يقرإِ الفاتحةَ في قيامِه الثاني من
كلِّ ركعة .
(١) (٦١٢٧) .

٤٠٣
١١ - باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة
كتاب العمل في الصلاة
وفيه : أن الناسَ في حالِ الكسوفِ في كربةٍ وشدةٍ تحتاج إلى التفريج .
وفيه : أنه تقدَّم وتأخَّر في صلاته ، وأنه أخبرَ أن سببَ تقدُّمه أنه أرادَ أن
يأخذَ قِطْفًا من الجنةِ ، وأن سببَ تأخُره قربُ جهنَّمَ فتباعَد عنها .
وقد سبقَ القولُ في المشِي في الصلاةِ والتقدمِ والتأخرِ .
وأما تناولُ القِطْفِ منَ الجنةِ ، فليس هو من عملِ الدنْيا ، حتى يستدلَّ به
على تناولِ الحاجاتِ في الصلاةِ ، وإنما هو من أمورِ الآخرةِ ، وكذلك الاشتغالُ
بالنظرِ إليه في الصلاةِ ، وقد سبقَ ذكرُ هذا المعنَى .
ولكن في ((مصنفِ عبدِ الرزاقِ))(١) عن ابنِ جريجٍ ، عن إسماعيلَ بنِ أمية (٢)،
أن إنسانًا قدم على النبيِّ وَ له بهديةٍ، فأخذَها النبيُّ ◌َِّ وهو في الصلاةِ.
وهذا مرسلٌ .
(١) (٢٦١/٢) .
(٢) في الأصل : ((إسماعيل بن أبان)) خطأ.

٤٠٤
حديث : ١٢١٣
كتاب العمل في الصلاة
١٢ - بَابُ
مَا يَجُوزُ مِنَ الْبُصَاقِ وَالنَّفْخِ فِي الصَّلاَةِ
وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِبْنِ عَمْرٍو: ◌َفَ النَّبِيُّ ل ◌ِ سُجُودِهِ فِي الْكُسُوفِ .
حديثُ عبدِ اللَّهِ بنِ عُمْرٍو هذا ، هوَ من روايةِ عطاءِ بنِ السائبِ ، عن أبيه ،
عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرو، قالَ: انكسفتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ اللهِ وَ له، فقامَ
رسولُ اللّهِ بِ لهِ إلى الصلاةِ - فذكرَ الحديثَ إلى أن قالَ - : فجعلَ ينفخُ في آخرِ
سجودِهِ من الركعةِ الثانيةِ ، ويبكي ويقول : ((لَمْ تَعِدْنِي هَذا وأنَا فيهمْ، لم تَعدْني
هَذَا ونَحْنُ نَسْتَغْفِركَ)) - وذكر باقي الحديثِ .
خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ وابنُ خزيمة وابن حبانَ في
((صحیحهما)(١).
وعطاءُ بنُ السائبِ ، ثقةٌ ، تغيرَ بآخرة .
وخرجَ الإمامُ أحمدُ (٢) من حديثٍ مجالدٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن المغيرةَ بنِ شعبةَ،
أنَّ النبيَّ ◌َِّ كانَ في الصلاةِ، فجعلَ ينفخُ بَيْن يديه، ثم مدَّ يَدَه كأنه يتناول شيئًا،
فلما انصرفَ قالَ : ((إن النارَ أُدْنيت منيٍّ، حتى نفختُ حرَّها عن وجهِي)) .
ومجالدٌ ، فيه ضعفٌ .
خرج في هذا الباب حديثين :
الأول :
١٢١٣ - ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
أَنَّ النَِّّ: ﴿ رَأَىَ نُخَامَةٌ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَتَغَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ ، وَقَالَ:
(١) أحمد (١٥٩/٢) وأبو داود (١١٩٤) والنسائي (١٤٩/٣) وابن خزيمة (١٣٩٣) وابن حبان
(٢٨٣٨) .
(٢) (٤ / ٢٤٥) .
١
١

٤٠٥
١٢ - باب ما يجوز من البصاق والنفخ فى الصلاة
كتاب العمل في الصلاة
(إنَّ اللَّهَ قِبَلَ أَحَدِكُمْ إِذَا كَانَ فِي صَلاَتِهِ، فَلاَ يَبْزُقَنَّ) - أَوْ قَالَ: ((لاَ يَتَخَّمَنَّ) -، ثُمَّ
نَزَلَ فَحَتَّهَا بَيَدَه .
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : إِذَا بَزَقَ أَحَدُكُمْ فَلَيْزُقْ عَنْ يَسَارِهِ .
وقد خرَّجه في ((أبوابِ القبلة)) (١) من حديث مالك، عن نافعٍ - مختصراً .
الثاني :
١٢١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: ثَنَا غُنْدَرٌ: ثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَس،
عَنِ النَّبِيِّ وَهُ، قَالَ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلاَ يَبْزُقَنَّ بَيْنَ
يَدَّهِ، وَ عَنْ يَمِيْنِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ، تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى)).
وقد خرّجه - فيما تقدمَ (٢)- ، عن آدمَ ، عن شعبةً.
ومقصودُه: الاستدلالُ بإباحة النبيِّ نَّ الْبُزاقَ والتنخُّمَ في الصلاةِ ، على
أن النفخَ ونحوَه كالنحنحةِ لا يُبطِلُ الصلاةَ ؛ لأن للتَّنْخُّمِ صوتًا كالتنحنحِ ، وربما
كان معَه نوعٌ من النفخِ عند القذفِ بالنخامةِ .
وقد سبقَ أن ابنَ عبدِ البرِّ ذكرَ مثلَ ذلك .
وقد اختلفَ العلماءُ في النفخِ في الصلاةِ : هل هو كلامٌ يبطلُها إذا تعمَّدَه ،
أم لا ؟
فقال طائفةٌ : هو كلامٌ .
قال ابنُ المنذرِ : كَرِهِهُ ابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ .
ورُوي عن ابن عباسٍ وأبي هريرةَ (٣)، أنه بمنزلةِ الكلامِ ، ولا يثبتُ عنهما.
(١) (٠٦ ٤) .
(٢) (٤١٣) .
(٣) عبد الرزاق (١٨٩/٢).

٤٠٦
حديث : ١٢١٤
كتاب العمل في الصلاة
كذا قالَ ، وليس كما قالَ ، فقد روى الأعمشُ (١) والحسنُ بنُ عبيد اللَّه
أبو عروةَ النخَعِيُّ - وهو ثقةٌ خرجَ له مسلمٌ - كلاهما، عن أبي الضُّحى(٢)، عن
ابنِ عباسٍ ، قال : النفخُ في الصلاةِ كلامٌ .
وقد خرجَه وكيعٌ في ((كتابه))، والإمامُ أحمدُ في روايةِ ابنِهِ عبدِ اللَّهِ ، عنه
في ((مسائله))(٣).
وفي روايةٍ له : النفخُ في الصلاةِ يقطعُ الصلاةَ .
وخرجه الجوزجانيَّ ، وعنده : النفخُ في الصلاة أخشى أن يكونَ كلامًا .
وأما المرويُّ عن أبي هريرةَ ، فمن طريقِ قيسٍ ، عن أبي حصينٍ ، عن
أبي صالحٍ ، عن أبي هريرةَ ، قال : النفخُ في الصلاة كلامٌ .
خرجه عبدُ اللَّهِ بنُ الإمامِ أحمدَ عن أبيه في ((مسائِله)(٤).
وقيسٌ ، هو : ابنُ الربيعِ .
ورُوي عن النخَعيِّ (٥)، أنه قال : هو كلامٌ .
وروي عنه - [ أيضًا](٦)- ، قال: إنما كانوا يكرهونَه في الصلاة مخافةً أن
يؤذيَ الرجلُ جليسَه .
وعن سعيدِ بنِ جبيرٍ (٧)، قالَ : هو بمنزلةِ الكلامِ .
وممن رأى أنه بمنزلةِ الكلامِ في إيطالِ الصلاةِ : أبو حنيفةً ومحمدُ بنُ
(١) عبد الرزاق (١٨٩/٢).
(٢) في الأصل : ((عن أبي الصبح)) تصحيف .
(٣) (ص ١٠٠).
(٤) وعبد الرزاق (١٨٩/٢).
(٥) عبد الرزاق (١٨٩/٢).
(٦) في الأصل: ((ابنه))! كذا، والأشبه: ((أيضًا))، وهذا رواه عبد الرزاق (١٨٩/٢) من طريق
الثوري ، عن الأعمش ، عنه .
(٧) عبد الرزاق (١٨٩/٢).

٤٠٧
كتاب العمل في الصلاة ١٢ - باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة
الحسنِ والثوريَّ والشافعيُّ وأصحابُه وأحمدُ - في روايةٍ - وابنُ القاسمِ المالكيِّ .
وعن أبي يوسفَ روايتانِ :
إحداهما : إن أرادَ به التأفيفَ فهو كلامٌ .
والثانيةُ : ليسَ بكلامٍ بكلِّ حالٍ ، وهي التي رجعَ إليها .
وكرِهَه ابنُ سيرينَ ويحيى بنُ [أبي كثير] (١)، من غيرِ إفسادِ الصلاةِ بهِ .
وهو قولُ مالكِ وأحمدَ - في روايةٍ - وإسحاقَ وسليمانَ بنِ داودَ الهاشميِّ
وأبي خيثمةَ .
وقالَ أحمدُ - مرةً (٢) - : أخشَى أن يكونَ قد فسدتْ صلاتُه ؛ يروى عن ابنِ
عباسٍ : من نفخَ في صلاته فقد تكلّم .
فحكى أكثَرُ أصحابِنا المتقدمين عن أحمدَ في ذلك روايتين .
وأما القاضي أبو يعلَى وأصحابُه ، فنزَّلُوهما على حالينِ ، قالوا : إن بان منه
حرفان فهو كلامٌ مبطلٌ الصلاة ، وإلا فلاَ .
ولا يعرفُ هذا التفصيلُ عن أحمدَ ، ولا عن غيرِهِ ممِّن تقدم ، سوى
الشافعيٌّ وأصحابه ، وهو قولُ أبي ثورٍ .
واستدلُّوا بأنَّ الكلامَ عندَ العربِ ما دلَّ على معنًى ، وأقلُّه حرفانٍ .
ولكنَّ الكلامَ المقصودَ يدلُّ على معناه الموضوع(٤) له بالوضع ، ودلالة
النفخ والتأوُّ ونحو ذلك، إنما هو بالطبع لا بالوضعِ ، فليس في شيءٍ من ذلك
حروفٌ موضوعةٌ للدلالةِ على معنَى خاصٌّ .
(١) في الأصل مكانه بياض، واستدركته لأن روايته هو وابن سيرين عند عبد الرزاق (١٨٨/٢ -
١٨٩) .
(٢) ((مسائل عبد اللَّه)) (ص ١٠٠).
(٣) النون ساقطة من الأصل .
(٤) في الأصل : ((والموضوع)).

٤٠٨
حديث : ١٢١٤
كتاب العمل في الصلاة
وقال الحسنُ : إذا رأيتَ ما يُريبك - يعني : في الصلاةِ - فانفخ .
وهذا يدلُّ على إباحتهٍ للحاجة إليه .
ورُوي - أيضًا - مثلُه عن بعضِ الصحابةِ .
وفي البابِ : حديثٌ مرفوعٌ، عن أمِّ سَلَمة ، اختلِفَ في إسنادِهِ ولفظِهِ :
فروى عَنْبَسة بنُ الأَزْهَرَ ، عن سلمةَ بنِ كهيلٍ ، عن كريبٍ ، عن أمِّ سلمةَ ،
قالتْ: مرَّ النبيُّ وَّ بغلامٍ لهم وهو يصلِّي، فنفخَ في سجودِه، فقال: ((لا
تنفخ؛ إنَّ من نفخَ فقد تكلَّمَ) .
$ (١)
خرجه النسائيُ (١).
وهو مما تفرد به عنبسةُ هذَا .
وقد قال فيه ابنُ معينٍ وأبو داودَ وأبو حاتمٍ : لا بأسَ بِهِ .
لكن قال أبو حاتمٍ : يكتبُ حديثُهُ ولا يحتجُّ به .
وذكرَه ابنُ حبانَ في ((ثقاتِه))، وقال : كان يخطئُ .
وخرجَ الترمذيُّ (٢) من حديثِ ميمونٍ أبي حمزةَ ، عن أبي صالحٍ ، عن
أمِّ سلمةَ، قالتْ: رأى النبيُّ نَ ◌ِّ غلامًا لنا، يقال له : أفلحُ، إذَا سجدَ نفخَ ،
فقال له : ((أفلحُ، ترِّبْ وجهَك)).
وقال : إسنادُه ليسَ بذاكَ ، وميمونٌ أبو حمزةَ ، ضَعََّه بعضُ أهلِ العلمِ .
وخرَّجه الإمامُ أحمدُ - أيضًا(٣).
وميمونٌ الأعورُ أبو حمزةَ ، قال أحمدُ : متروكٌ .
(١) في ((الكبرى)) .
(٢) (٣٨١) .
(٣) (٣٢٣/٦) .
:

-----
كتاب العمل في الصلاة
١٢ - باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة
٤٠٩
ولكنه تُوبِع عليه :
فخرَّجه الإمامُ أحمدُ (١) من طريقِ سعيدٍ أبي عثمانَ الوراقِ، عن أبي صالحٍ،
قال: دخلتُ على أمِّ سلمةَ - فذكرَ الحديثَ مرفوعًا، وفيه: ((ترِّب وَجْهَكَ لله )).
وخرجه ابنُ حبانَ في «صحيحه))(٢) من طريقِ عديٌّ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن
داودَ بنِ أبي هندٍ ، عن أبي صالحٍ مولى آل طلحةَ بنِ عبيد اللهِ ، قال : كنتُ عندَ
أمِّ سلمةَ - فذكرَ الحديثَ .
كذا في هذه الروايةِ: ((أبو صالحٍ مولَى آلِ طلحةَ ))، وجاءَ في روايةٍ ،
أنه: «مولَى أمِّ سلمةَ » .
قالَ أبو زرعةَ الدمشقيُّ في ((تاريخه ))(٣): أبو صالح مولَى أمِّ سلمةَ ،
يحدِّث عنها في كراهة نفخ الترابِ في السجودِ ، اسمه : زاذانُ . انتهى .
وهو مع هذا غيرُ مشهورٍ .
والحديثُ بهذا اللفظِ : يدلُّ على أن النفخَ ليسَ بكلامٍ ، وإنما يُكْرَه نفخُ
الترابِ عن موضعِ السجودِ ؛ لأنه يمنع تتريبَ الجبهةِ في السجودِ ، والأفضلُ
للساجدِ أن يترِّبَ وجهَه للهِ، ولهذا كانَ سجودُه على الترابِ أفضلَ من سجودِه
على حائلٍ بينَه وبينَ الترابِ .
وفي كراهةِ النفخِ في الصلاةِ أحاديثُ أخرُ مرفوعةٌ ، لا تصحٌ .
وقد سبقَ في (( بابِ: مَنْ لم يمسح جبهته وأنفَه حتى صلَّى))(٤) في ذلك
حديثٌ مرفوعٌ ، من روايةٍ بريدةَ ، وبيانُ علته .
(١) (٣٠١/٦) .
(٢) (١٩١٣).
(٣) (١٧٦٨) .
(٤) (( كتاب الاذان)) باب رقم (١٥١).

٤١٠
١٣ - بابُ من صفق جاهلاً من الرجال
كتاب العمل في الصلاة
١٣ - بَابُ
مَنْ صَفَّقَ جَاهِلاً مِنَ الرِّجَالِ فِي صَلاَتِهِ
لَمَّتَفْسَدْ صَلاَتُهُ
لم يخرِّج فيه شَيْئًا .
وفيه : حديث سَهْل بن سَعْد، وقد خرَّجه فيما تقدمَ (١).
ومجرَّد التَّصفيقِ ليسَ ممَّا يُبطل الصلاةَ ، إنما ببطلُ الإكثارُ منهُ .
وفي الحديث : أنَّهم أكثروا النَّصفيقَ حتَّى التفتَ أبو بكرٍ ، ولم يكونُوا
يعلمُونَ أنّ التصفيقَ منهىٌّ عنهُ الرجالُ في الصَّلاةِ .
(١) (٦٨٤) .

٤١١
١٤ - باب إذا قيلَ للمصلي تقدم أو انتظر
كتاب العمل في الصلاة
١٤ - بَابٌ
إِذَا قِيلَ لِلْمُصَلِّي: تَقَدَّمْ أَوِ انْتَظِرْ، [ فَانْتَظَرَ ](١)
فَلاَ بَأُسَ
١٢١٥ - حَدَثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ : نَا سُقْبَانُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ
سَعْدٍ، قَالَ: كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ النَِّّ: ﴿ وَهُمْ عَاقِدُوا أُزْرِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ عَلَى
رِقَابِهِمْ، فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ: ((لاَ تَرْفَعْنَ رُءُوسِكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِي الرِّجَالُ جُلُوسًا)) .
الظاهرُ : أن البخاريَّ حملَ الحديثَ على أن النساءَ قيلَ لهنَّ ذلك في نفسِ
الصلاة .
وقد أنكرَ ذلك الإسماعيليُّ ، وقال : إنما تقدَّم إليهم بذلك قبلَ الصلاة ؛ لما
عِلِمَ من ضيقِ أُرِ الرجالِ ، فليس الحديثُ مما ترجَم عليه(٢) .
قلتُ: ولو خرَّج في البابِ إشارةَ النبيِّ وَِّ في صلاتِه إلى الذينَ صلَّوْا وراءَه
قيامًا - وكان هو قاعدًا - : أنِ اجْلِسُوا ، إذْ أشارَ به لأبي بكرٍ ، وهو يصلّي
بالناسِ ، أنِ اثبتْ مكانَك ، في حديث مرضِهِ ، وفي حديثِ إصلاحِهِ بينَ بني
عوفٍ ، لكانَ دليلاً على ما بوَّبَ عليه .
(١) ساقط من الأصل .
(٢) قال ابن حجر (٨٦/٣):
(( والجواب عن البخاري: أنه لم يصرح بكون ذلك قيل لهنَّ وهنَّ داخل الصلاة ، بل
مقصوده يحصل بقول ذلك لهن داخل الصلاة أو خارجها . والذي يظهر: أن النبي وَعد
وصَاهنَّ بنفسه أو بغيره بالانتظار المذكور قبل أن يدخلن في الصلاة ؛ ليدخلن فيها على
علم ، ويحصل المقصود من حيث انتظارهن الذي أمرن به ؛ فإنَّ فيه انتظارهن الرجال ،
ومن لازمه تقدم الرجال عليهن ، ومحصل مراد البخاري : أن الانتظار إن كان شرعيًا جاز ،
وإلا فلا)) .
۔

٤١٢
حديث : ١٢١٥
كتاب العمل في الصلاة
وحاصلُ الأمرِ : أن أمر المصلِّي بما فيه مصلحةٌ لصلاته غيرُ مكروه ، وأما
أمره بما ليس من الصلاة فيُكرَه .
ذكر عبد الرزاقِ (١) ، عن ابن جريجٍ، قال : قال إنسانٌ لعطاء : يأتيني إنسانٌ
وأنا في المكتوبةِ ، فيخبرُني الخبرَ ، فأستمعُ إليه ؟ قال : ما أحبُّه ، وأخشَى أن
يكون سهواً ، إنما هي المكتوبةُ ، فتفرَّغْ لها حتَّى تفرغَ منها .
قال : فقلتُ لعطاء : أفتكرَهُ كلَّ شيءٍ من الإيماءِ في المكتوبةِ ، حتَّى إنْ مرَّ
بي إنسانٌ وأنا في المكتوبةِ، [ إذَا جاءَ رجلٌ](٢) ، فقالَ: صليتَ الصلاةَ،
كرهتَ أن أشيرَ إليه برأسي ؟ قال : نعمْ، أكرَه كلَّ شيءٍ من ذلكَ .
فقيلَ له : أفعلُ ذلكَ في التطوعِ ؟ قال : إن كانَ شيءٌ لابدَّ منه ، وأُحبُّ أن
لا يفعلَ .
وسيأتي ذكرُ إشارةِ المصلِّي والسلامِ عليه - إن شاءَ اللهُ تعالى .
وقد بوَّبَ البخاريُّ - فيما بعدُ - : ((بابُ : إذا كُلِّم وهو يصلِّي فأشارَ بيدِه ،
أو يستمعُ ))(٣)، وسيأتي في موضعِه - إن شاءَ اللهُ تعالَى.
وروى عبدُ الرزاقِ في (( كتابهِ ))(٤) ، عن معمرٍ ، عن ثابتِ البنانيٌّ ، عن أبي
رافعٍ، قال: رأيتُ أصحابَ رسولِ اللهِ وَّهِ، وإنَّ أحدَهم ليشهدُ على الشهادةِ
وهو قائمٌ يصلِّي .
(١) (٢ / ٢٦٠ - ٢٦١) .
(٢) سقط من الأصل .
(٣) هو الباب قبل الأخير من كتاب السهو .
وفيه: ((واستمع )) بدل ((أو يستمع)).
(٤) (٢٦٨/٢ - ٢٥٩) .

٤١٣
١٥ - باب لا يرد السلام فى الصلاة
كتاب العمل في الصلاة
١٥ - بَابٌ
لاَ يَرُدُّ السَّلاَمَ فِي الصَّلاَةِ
فيه حديثان :
الأولُ :
١٢١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَى النَِّيِّ:﴿ وَهُوَ فِي
الصَّلاَةِ، فَرُدُ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ الَّجَاشِيِّ(١) سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ،
وَقَالَ : ((إِنَّ فِي الصَّلاَةِ لَشُغْلاً)) .
قد سبقَ هذا الحديثُ ، مع الكلامِ على إسنادِهِ .
والمقصودُ منه في هذا البابِ : أن المصلِّيَ لا يردُّ السلامَ على من سلَّم
عليه ؛ لاشتغاله بما هوَ فيه من الإقبالِ على مناجاةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، فلا ينبغي لهُ
أن يتشاغلَ بغيرِهِ ، ما دامَ بينَ يدَيْه .
الثاني :
١٢١٧ - ثَنَا أُبُو مَعْمَرَ: ثَنَا عَبْدُ الْوَارث: ثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِير، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
أَبِي رَبَّحِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَنِي النَِّيُّ:﴿ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَانْطَلَقْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ
وَقَدْ قَضَتُهَا، فَأَتَيْتُ النَِّّ ◌َ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرَةٌ عَلَيَّ، فَوَقَعَ فِي قَلِي مَا اللَّهُ
أَعْلَمُ بِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِوَ وَجَدَ عَلَيَّ أَنّي أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ
سَلَّتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَوَقَعَ فِي قَلِ أَشَدُّ مِنْ المَرَّةِ الأُولَى، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ،
(١) قوله: ((من عند النجاشي)) ليس في ((اليونينية)).

٤١٤
كتاب العمل في الصلاة
فَرَدَّ عَلَيَّ، فَقَالَ : ((إِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ، أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي))، وَكَانَ عَلَى
رَحِلَته ، مُتَوَجِّهَا إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ .
٠٠٠
وقد دلَّ هذانِ الحديثانِ على مسائلَ :
منها :
أنَّ المصلَِّ إذا سُلِّمَ عليه في الصلاةِ ، لم يردَّ السلامَ بقوله ، وهذا قولُ
جمهورِ أهلِ العلمِ .
وذهبَ طائفةٌ إلى أنه يجوزُ أن يردَّ السلامَ بقوله ، رُويَ ذلك عن أبي
هريرةَ (١) .
وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيبِ والحسنِ وقتادةَ (٢).
وقال عطاءٌ (٣) : يردُّ عليهِ إذا كانَ جالسًا في التشهدِ الأخيرِ .
وهذا مَبْنيٌّ على قولِه : إن المصلِّيَ يخرجُ من صلاتِهِ بدونِ السلامِ ، كما
سبقَ .
وقد نقل يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، عن الشافعيِّ: إنَّ المصلِّيَ يشمِّتُ
العاطِسَ ، يقولُ له : يرحمُكَ اللهُ .
ليّ في صلاتِه لقومٍ ، ودعا علَى
ءِ
وقال : هو دعاءٌ له ؛ وقد دَعَا النبيّ
رَسـ
آخرینِ .
وقياسُ هذَا : أنه يردُّ عليه السلامَ ؛ لأنَّه دعاءٌ له - أيضًا .
ولا يقال : الدعاءُ لمعينٍ لا يكونُ إلا على وجهةِ الخطابِ له ؛ فإنه قد وردَ
ذلك على وجهِ الخطابِ للمعينِ ، كما يقولُ المصلي في تشهدِهِ: (( السلامُ عليكَ
(١) ابن أبي شيبة (٤١٩/١).
(٢) عبد الرزاق (٣٣٨/٢).
(٣) عبد الرزاق (٣٣٧/٢ - ٣٣٨).

٤١٥
١٥ - باب لا يرد السلام في الصلاة
كتاب العمل في الصلاة
أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه » .
وفي «صحيحٍ مسلمٍ))، عن أبي الدرداءِ، أنَّ النبيَّ بَّ قال في صلاته
للشيطان الذي تفلَّتَ عليه: ((أعوذُ بالله منكَ، ألعنُك بلعنة الله)) - ثلاثًا .
ومتى كان ردُّ السلامِ بدونِ لفظِ الخطابِ ، مثلُ أن يقولَ: ((عليه السلامُ))
أو ((يرحَمُهُ اللهُ))، لم تبطلِ الصلاةُ به عندَ الشافعيةِ وغيرِهم ، كالدعاءِ لمعينٍ
في الصلاةِ .
وقد سبقَ ذكرُهُ والاختلافُ فيه .
والصحيحُ: الأولُ؛ لأنَّ النبيَّ ◌َِّ امتنعَ من ردِّ السلامِ في الصلاةِ، وعلَّل
بأنه يصلّي ، فدلَّ على أن الصلاةَ تمْنَعُ من ذلكَ .
وقد نهى معاويةَ بنَ الحكمِ عن تشميتِ العاطسِ ، وقال له : (( إن صلاتنا
هذهِ لا يصلح فيها شيءٌ من كلامِ الآدميينَ )) .
وأما السلامُ على النبيِّ وَِّ، فمخصوصٌ من بينِ الناسِ ؛ لأنَّ خطابَه في
الصلاة لم يكن مبطلاً ، كما سبقَ ذكرُه .
ومنها :
أن المصلِّيَ لا يردّ على المسلِّمِ في صلاته بالإشارةِ ، ولا بعدَ سلامِه .
فإنه ليسَ في حديثِ ابنِ مسعودٍ ، أنه ردَّ عليه بالكليةِ ، ولا في حديثٍ
جابرٍ ، أنه ردَّ عليه بعدَ سلامِه ، إلا لمَّا سلَّم عليه حينئذٍ .
وقد اختلفَ العلماءُ في ردِّ المصلِّي للسلامِ عليه .
فقالتْ طائفةٌ: يردُّ في الصلاةِ بالإشارةِ ، رُوي عن ابنِ عُمر (٢).
(١) (٢/ ٧٢ - ٧٣) .
(٢) عبد الرزاق (٣٣٦/٢) وابن أبي شيبة (٤١٨/١ - ٤١٩).

٤١٦
حديث : ١٢١٧
كتاب العمل في الصلاة
ورُويَ عن ابنِ مسعودٍ (١) من وجهٍ منقطعٍ .
[و] هو قولُ مالكِ والحسنِ بنِ حيِّ والشافعيِّ وأحمد وإسحاقَ .
ورُوي عن ابنِ عباسٍ(٢) ، أنه ردَّ على مَن سلَّم عليه في صلاته ، وقبضَ
علی يده .
وعن أحمدَ (٣) ، أنه يردُّ بالإشارةِ في النفلِ ، دونَ الفرضِ .
وحُكي عنه روايةٌ أخرَى : لا يردَّ في نفلٍ ولا فرضٍ ، بإشارةٍ ولا غيرِها .
وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه .
وعلى هذا : فالسلامُ لا يجبُ ردُّ بحال ؛ لأنه مكروهٌ ، كما سيأتي ذكرُه ،
فلا يستحقُّ ردّاً .
وقال طائفةُ: يردُّ إذا سلَّمَ منَ الصلاةِ ، وهو قولُ عطاءٍ(٤) والنخَعيِّ
= (٥)
٠
والثوري
قال النخَعَيُّ (٥) : إن كان قريبًا يردُّ ، وإن كان قد ذهبَ فأتبِعْهُ السلامَ .
وقال إسحاقُ: هو مخيَّرٌ بينَ أن يفعلَ به - كما قال النخَعِيُّ - ، وبينَ أن
يردَّ في الصلاةِ بالإشارةِ .
وقالَ أصحابُنا : هو مخيَّرٌ بينَ الرَدِّ بالإشارةِ في الصلاةِ ، والتأخيرِ حتَّى
يسلّمَ ، والأولُ أفضلُ .
قالوا : لأن للتأخيرِ آفات ، منها : النسيانُ ، ومنها : ذَهابُ المسلِّمِ .
(١) عبد الرزاق (٣٣٨/٢).
(٢) عبد الرزاق (٣٣٧/٢) وابن أبي شيبة (٤١٩/١).
(٣) ((المسائل)) لأبي داود (ص ٣٧) وابن هانئ (٤٤/١).
(٤) عبد الرزاق (٣٣٨/٢).
(٥) ابن أبي شيبة (٤١٩/١) .

٤١٧
١٥ - باب لا يرد السلام في الصلاة
كتاب العمل في الصلاة
وظاهرُ هذا : أنه إنْ أخَّرِ الردَّ حتى سلَّم ، وكان المسلِّمُ قد مضَى لم يردَّ
عليه .
واستدلَّ مَن قال : لا يردُّ بإشارةٍ ولا غيرِها ، لا في الصلاةِ ولا بعدَها ،
بحديثِ ابنِ مسعودٍ ؛ فإنَّ ظاهرَهَ : أنه لم يردَّ عليه في الصلاة ، ولا بعدَها .
واستدلَّ من قالَ : يؤخرُ الردَّ، بما رَوَى عاصمٌ ، عن أبي وائلٍ ، عنِ ابنِ
مسعودٍ ، أن النبيَّ ◌َِّ ردَّ عليه السلامَ بعدَ السلامِ .
خرجه أحمدُ وأبو داودَ (١) .
وعاصمٌ ، هو : ابنُ أبي النَّجودِ ، وليسَ بذاكَ الحافظِ .
وخرَّجه أبو يعلَى الموصليُّ، من وجهٍ آخرَ منقطعٍ .
وخرَّجه عبدُ الرزاقِ في (( كتابِهِ ))(٢) من وجهٍ آخرَ منقطع - أيضًا .
واستدلَّ من قال : يردُّ في صلاتِهِ بالإشارةِ ، بما رَوى محمدُ بنُ الصلتِ
التَّوَّزَي : ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ ، عن هشامٍ بنِ حسَّانِ ، عن محمدِ بنِ سيرينَ ،
عن أبي هريرةَ، عن ابنِ مسعودٍ ، قال: لما قدمتُ من الحبشةِ ، أتيتُ النبيَّ وَّل
وهو يصلّي ، فسلمتُ عليه ، فأشارَ إليَّ .
خرجه الطبرانيُ (٣) وغيرُه .
وقد أنكرَ ابنُ المدينيِّ وصلَه بذكرٍ أبي هريرة ، وقال : إنما هو عن ابنِ
سيرينَ ، أنَّ ابنَ مسعودٍ .
يعني : أنه مرسلٌ .
(١) أحمد (١/ ٧٧٣) وأبو داود (٩٢٤) .
وليس عند أحمد ذکر رده عليه بعد السلام .
(٢) (٣٣٤/٢) .
(٣) في ((الأوسط)) (٥٩١٨) و((الصغير)) (٢٧/٢).

٤١٨
حديث : ١٢١٧
كتاب العمل في الصلاة
وكذا رواه وكيعٌ في (( كتابِهِ )) ، عنِ ابنِ عونٍ ، عنِ ابن سيرينَ ، قال : لما
قدمَ عبدُ اللهِ منَ الحبشةِ، أتَى النبيَّ وَّ وهو يصلِّي ، فسلَّم عليه ، فأومأً
النبيُّ نَّهَ، فأشارَ برأسِهِ - بنحوِه ، وقال فيه : فأومأً برأسه ، أو قال : فأشارَ
برأسِهِ .
وخرجه أبو داودَ في «مراسيلهِ » (١) من طريقِ حمادِ بنِ زيدٍ ، عن أيوبَ ،
عن ابنِ سيرينَ .
وخرَّجه عبدُ الرزاقِ(٢) ، عن معمرٍ ، عن أيوبَ ، عنِ ابنِ سيرينَ مرسلاً -
أيضًا - ، ولكن قال في حديثه: فلم يردَّ عليه حتَّى انفتلَ. وقال: (( إنَّ في
الصلاة لشغلاً )).
وخرج مسلمٌ (٣) من حديثِ أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، قال: إنَّ النبيَّ وَله.
بعثني لحاجةٍ ، ثم أدركتُه وهو يسيرُ - وفي رواية له: [ يصلّي](٤) - ، فسلمتُ
عليه، فأشارَ إليَّ، فلما فرغَ دعاني، فقال: (( إنكَ سلمتَ علَىَّ آنفًا، وأنا
أصلِّي)) ، وهو موجّه حينئذٍ قِبَل المشرقِ .
ويحتملُ أنه إنما أشارَ إليهِ ليكفَّ عن كلامِه حينئذٍ ، ولم يكنْ ردًا للسَّلَامِ ؛
ولهذا قال جابرٌ : فلم يردَّ عليَّ، وذكر أنه وجدَ في نفسِهِ ما اللَّهُ به عليمٌ (٥) ،
ولو عِلِمَ أنه ردَّ عليه بالإشارةِ لم يجدْ في نفسِهِ .
وفي روايةٍ للنسائيٌّ (٦) : سلمتُ عليهِ ، فأشارَ بيدِه ، ثم سلمتُ فأشار بيده ،
(١) (٤٩) .
(٢) (٣٣٥/٢) .
(٣) (٧١/٢) .
(٤) ساقط، واستدركته من ((الصحيح)).
(٥) كذا ، والمعروف أن ذلك في حديث ابن مسعود لا جابر ، وقد تقدم . والله أعلم .
(٦) (٦/٢) .

٤١٩
١٥ - باب لا يرد السلام في الصلاة
كتاب العمل في الصلاة
فانصرفتُ، فنادَني: (( يا جابرُ))، فأتيتُهُ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي سلمتُ
عليكَ ، فلم تردَّ علي ؟ فقال: ((إنِّي كنتُ أصلِّي )).
ولو كانتْ إشارتُهُ ردًّا ، لقالَ : قد رددتُ عليكَ .
وفي روايةٍ لمسلمٍ(١): أرسلنِي رسولُ اللهِ وَلَّ، وهوَ منطلقٌ إلى بني
المصطلقِ ، فأتيتُه وهو يصلّي على بعيرِه ، فقال لي بيده هكذا ، ثم كلَّمته ،
فقالَ لي هكذا - وأنا أسمعُه يقرأ (٢) ، يومئُ برأسِه - ، فلمَّا فرغَ قالَ: ((إنه لم
يَمْتَعْني أن أكلِّمَك إلا أني كنتُ أصلِّي)) .
فهذه الروايةُ : تدلُّ على أن إيماءَه إليه إنما كان ليكفَّ عن كلامه في تلك
الحال .
واستدلَّ مَن قال : يردُّ إشارةً ، بما روى نَابِل - صاحب العباء - ، عن ابنِ
عمرَ، عن صهيبٍ قال: مررتُ برسولِ اللهِ وَ لَه وهو يصلِّي، فسلمتُ عليه ،
فردَّ عليَّ إشارةً .
خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ والترمذيُّ (٣) ، وحسَنَه.
وقال : يعقوبُ بنُ شيبةَ : هو صالحُ الإسنادِ .
ونابلٌ ، قالَ ابنُ المدينيِّ ويعقوبُ بنُ شيبةَ : هو مدينيٌّ ليسَ بالمشهورِ .
وسئلَ الدار قطنيُّ : أثقة هو ؟ فأشار برأسه ، أن لا .
وخرج الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ وابنُ ماجه(٤) من روايةٍ زيدِ بنِ أسلمٍ ، عن ابنِ
عمرَ، عنْ صهيبٍ، عنِ النّبِيِّ نَ﴿ - معناهُ .
(١) (٢ / ٧١ - ٧٢) .
(٢) في الأصل: ((أقرأ)).
(٣) أحمد (٣٣٢/٤) وأبو داود (٩٢٥) والنسائي (٥/٣) والترمذي (٣٦٧).
(٤) أحمد (١٠/٢) والنسائي (٥/٣) وابن ماجه (١٠١٧).

٤٢٠
حديث : ١٢١٧
كتاب العمل في الصلاة
وقد قيل : إن زيدًا لم يسمعْهُ منِ ابنِ عمرَ ، وقد سُئلَ عن ذلكَ فقالَ : أمَّا
أنا فقد كلَّمتُه وكلَّمني، ولم أقلْ: سمعتُه (١).
وممَّن قال : لم يسمعْهُ من ابنِ عمرَ : ابنُ المدينيِّ ويعقوبُ بنُ شيبةً .
وخرجَ الإمامُ أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ (٢) - نحوَهَ من حديثِ هشامِ بنِ
سعدٍ، عن نافعٍ ، عنِ ابنِ عمرَ، عن بلالٍ، عن النبيِّ وَّ.
وقد تكلّم فيه ابنُ المدينيِّ ويعقوبُ بنُ شيبةً ؛ لتفردِ هشامٍ بنِ سعدٍ به ،
وليسَ بالحافظِ جدًا .
وروى الليثُ : حدثني ابنُ عجلانَ ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ
يسارٍ، عن أبي سعيد الخدريِّ، أن رجلاً سلَّم على النبيِّ وََّ فِي الصَّلاة، فردَّ
عليه النَّبِيُّ وَّهِ إشارةً، فلما سلَّم قال: ((قد كُنَّا نردُّ السلامَ في الصلاة ، فنُهينا
عَن ذلكَ )) .
خرجه الجوزجانيُّ والطبرانيُّ والبزارُ في ((مسندِه))(٣).
وعندي ؛ أن هذا يعلَّلُ بروايةِ ابنِ عُيينةَ وغيرِهِ ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن
ابنِ عمرَ ، عن صهيبٍ ، كما تقدَّم .
وابنُ عجلانَ ، ليس بذاكَ الحافظِ .
وروى قيسُ بنُ سعدٍ ، عن عطاءِ ، عن محمدِ بنِ عليّ ، عن عمارِ ، أنه
سلَّم على رسولِ اللهِ لّ وهو يصلّي، فردَّ عليه .
خرجه النسائيُ (٤) في (( بابِ: ردِّ السلامِ بالإشارةِ » .
(١) انظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (٣٦/١ - ٣٧).
(٢) أحمد (١٢/٦) وأبو داود (٩٢٧) والترمذي (٣٦٨).
(٣) (٢٦٨/١ - كشف).
(٤) (٣/ ٦) .
١