Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ ٢٥ - باب إذا هبت الريح كتاب الاستسقاء إن كنتَ أرسَلْتَها رحمةً فارحمْنِي فيمِنْ ترحَمُ ، وإن كنتَ أرسَلْتَها عذابًا فعافِني فيمنْ تعافي . وبإسنادِهِ ، عنِ ابنِ عمرَ ، أنه كان يقولُ إذَا عصفتِ الريحُ : شدُّوا التكبيرَ ؛ فإنها تذهبُ . وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، أنه لما وُلِيَ هبتْ رِيحٌ ، فدخلَ عليه رجلٌ وهو مُنْتَقِعُ اللونِ ، فقال : مالكَ يا أميرَ المؤمنينِ ؟ قال : ويحَك ، وهل هلكتْ أمةٌ إلا بالرِّيح ؟ ٣٢٢ حديث : ١٠٣٥ كتاب الاستسقاء ٢٦ -بَابُ قَوْلِ النَِّّ ◌َهُ: ((نُصِرْتُ بِالصِّبًا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ) ١٠٣٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَّاسٍ، أَنَّالَِّّفَ قَالَ:((نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأَهْلِكَتْ عَادٌ بِالدِّبُورِ). وخرجه مسلمٌ (١) من طريق شعبة - أيضًا . ومن طريقِ الأعمشِ ، عن مسعودِ بنِ مالكٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ، عنِ النبيِّ ◌َّ ـ بمثله. وهذا مما يدلُّ على أن الريحَ تأتي تارةً بالرحمةِ ، وتارةً بالعذابِ . وخرج الحاكمُ (٢) من حديث جابرٍ، عنِ النبيِّ وَّرْ، أَنَّه كان يدعو : (اللهمَّ، أعوذُ بكَ مِن شرِّ الريحِ، ومن شرِّ ما تجيءُ به الريحُ، ومن ريحِ الشمالِ؛ فإنها الريحُ العقيم)) . ومن حديثٍ (٣) سلمةَ بنِ الأكوعِ رفعه - إن شاء الله - ، أنه كان إذا اشتدت الريحُ يقولُ : ((اللهمَّ، لقحًا لا عقيمًا)) . وروِيْنَا عن شريحٍ ، قال: ما هاجتْ رِيحٌ قطُّ إلا لسقمٍ صحيحٍ أو برءٍ سقيمٍ. وفي ((صحيح مسلمٍ)) (٤)، أن النبيَّ وَطِّ كانَ في سفرٍ، فهبتْ رِيحٌ شديدةٌ ، فقال النبي ◌ِّه: ((هذه الريحُ لموتِ منافقٍ عظيمِ النفاقِ))، فوجدُوا قد ماتَ في ذلك اليومٍ عظيمٌ منَ المنافقينَ . وهوَ رفاعةٌ بنُ التّابوت(٥). (١) (٢٧/٣) . (٢) (٤٦٧/٢) . (٣) (٢٨٦/٤) . (٤) (١٢٤/٨). (٥) راجع: ((الإصابة)) (٤٨٨/٢). ٣٢٣ ٢٧ - باب ما قيل في الزلازل والآيات كتاب الاستسقاء ٢٧ - بَابُ مَا قِيلَ فِي الزَّلاَزِلِ وَالآيَات فيه حديثان : الأولُ : ١٠٣٦ - نَا أُبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ: أَنَا أُبُو الزَّنَادِ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَن ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ : ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضََ العِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلاَزِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرُ الْفَتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ - وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ -، [حَتَّى يَكْثُرَ فِيَكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضُ](١). هذا قطعةٌ من حديثٍ طويلٍ ، قد خرّجه بتمامه في ((كتاب الفتن)) (٢). وقبضُ العلمِ ، قد سبقَ الكلامُ عليه بما فيه كفايةٌ . وتقاربُ الزمانِ ، فُسر بقِصرِ الأعمارِ ، وفسر بقصرِ الأيامِ في زمن الدجَّل . وقد رُوي في ذلك أحاديثُ متعددةٌ ، اللَّهُ أعلمُ بصحَتِها . وأما كثرةُ الزلازل ، فهو مقصودُ البخاريِّ في هذا البابِ من الحديثِ . والظاهرُ : أنه حملَه على الزلازلِ المحسوسَةِ ، وهي ارتجافُ الأرضِ وتحرُگها . ويمكن حملُهُ على الزلازلِ المعنويةِ ، وهي كثرةُ الفتنِ المزعجةِ الموجبةِ الارتجافِ القلوبِ . والأولُ أظهرُ ؛ لأن هذا يغني عنه ذكرُ ظهورِ الفتنِ . وكأن البخاريَّ ذكرَ هذا البابَ استطرادًا لذكر الرياحِ واشتدادها ، فذكر بعدَه (١) زيادة من ((اليونينية)) متفق عليها . (٢) (٧١٢١) . ٣٢٤ حديث : ١٠٣٦ كتاب الاستسقاء الآياتِ والزلازلَ . وقيل: إنه أشارَ إلى أن الزلازلَ لا يصلَّى لها؛ فإنَّ النبيَّ وَّ ذكرَ ظهورَها وكثرتَها ، ولم يأمُرُ بالصلاةِ لها ، كما أمرَ به في كسوفِ الشمسِ والقمرِ ، وكما أنه لم يكنْ يصلّي للرياحِ إذا اشتدتْ ، فكذلك الزلازلُ ونحوُها منَ الآيات . وقد اختلف العلماءُ في الصلاةِ للآياتِ : فقالت طائفة : لا يصلَّى لشيءٍ منها سوى كسوفِ الشمسِ والقمرِ ، وهو قولُ مالك والشافعيِّ . وقد زلزلتِ المدينةُ في عهدٍ عمرَ بنِ الخطابِ ، ولم ينقلْ أنه صلَّى لها ، هو ولا أحدٌ منَ الصحابة . وروى عبيدُ اللَّهُ(١) بنُ عمرَ ، عن نافعٍ ، عن صفية بنتِ أبي عبيدٍ ، قالت : زلزلتِ الأرضُ على عهدِ عمرَ حتى اصطفقتِ السُّرُرُ ، وابنُ عمر يصلّي ، فلم يَدْرِ بها ، ولم يوافق أحدًا يصلِّي فَدَرَى بها ، فخطب عمرُ الناسَ ، فقال : أحدثتُم ، لقد عجِلْتُم . قالت : ولا أعلَمه إلا قالَ : لئنْ عادتْ لأخرجنَّ من بين ظهرانيكم . = (٢) خرجه البيهقي وخرجه حربٌ الكرمانيُّ ، من روايةٍ أيوبَ ، عنْ نافعٍ - مختصرًاً . ورُوي أيضًا من روايةٍ ليثٍ ، عن شَهْرٍ ، قال : زلزلتِ المدينةُ علَى عهد النبيُّ ◌َّه، فقال النبيُّنَّه: ((إن اللَّهَ يستعتبكُمْ فاعتبوه)). وهذا مرسلٌ ضعيفٌ . وقالت طائفةٌ، يُصَلَّى لجميعِ الآياتِ في البيوتِ فُرادَى ، وهو قولُ سفيانَ (١) في الأصل: ((عبيد)) بدون إضافة. (٢) (٣٤٢/٣) . ٣٢٥ ٢٧ - باب ما قيل في الزلازل والآيات كتاب الاستسقاء وأبي حنيفةَ وأصحابِه . وكذلك(١) إسماعيلُ بنُ سعيد الشالنجيُّ، عن أحمدَ ، قال : صلاةُ الآيات وصلاةُ الكسوفِ واحدٌ . كذا نقلَه أبو بكرِ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ في كتابه ((الشافي)) من طريقٍ الجوزجانيِّ ، عن الشالنجيِّ ، عن أحمدَ . ونقله - أيضًا - من طريقِ الفضلِ بن زيادٍ وحبيشِ بنِ مبشرٍ (٢)، عن أحمدَ - أيضًا . والذي نقله الجوزجانيُّ في كتابه ((المترجم)) ، عن إسماعيلَ بنِ سعيدٍ ، قال : سألتُ أحمدَ عن صلاةٍ كسوفِ الشمسِ والقمرِ والزلازلِ ؟ قالَ : تصلَّى جماعةٌ ، ثمانِ ركعاتٍ وأربعَ سجداتٍ ، وكذلك الزلزلةُ . قال: وبذلك قال أبو أيوبَ - يعني: سليمانَ بنَ داودَ الهاشمَّي - وأبو خيثمةَ. وقال : ابنُ أبي شيبة يرى فيها الخطبة وجماعةً . وقد نقلَ أبو بكرٍ في ((الشافي)) هذا - أيضًا - من طريقِ الجوزجانيِّ . وخرج الجوزجانيُّ من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ الحارثِ بنِ نوفلٍ ، قال : صلى بنَا ابنُ عباسٍ في زلزلةٍ كانت ، فصلَّى بنا ستَّ ركعاتٍ في ركعتين ، فلما انصرفَ التفتَ إلينا وقال : هذه صلاةُ الآياتِ . فالمنصوصُ عن أحمدَ إنما يدلُّ على الصلاةِ للزلزلةِ خاصةً ، وهو الذي عليه عامةُ أصحابنا ، وخصوه بالزلزلةِ الدائمةِ التي يُتُمكنُ من الصلاةِ لها معَ وجودِها . ورُوي عن ابنِ عباسٍ ، أنه صلَّى للزلزلة بعد سكونِها (٣) وانقضائها . (١) لعل الصواب: ((وكذلك حكى)) أو ((نقل)) أو ما يشبهما. (٢) اسم الأب غير واضح، هو مشتبه ، صورته : ((مسر"، والصواب ما أثبته . وهو مترجم في ((المنهج الأحمد)» (١٣٩/١). (٣) في الأصل: ((سكوتها)) بالتاء المثناة. ٣٢٦ حديث : ١٠٣٦ كتاب الاستسقاء وحكى بعضُ أصحابِ الشافعيِّ قولاً له : أنه يصلِّى للزلزلة . ومنهم مَن حكاه في جميع الآياتِ . وحكى ابنُ عبدِ البرِّ ، عن أحمدَ وإسحاقَ وأبي ثورِ : الصلاةَ للزلزلة والطامَّةِ والريحِ الشديدةِ . وهذا يدلُّ على استحبابِها لكلِّ آيَةٍ ، كالظلمةِ في النهارِ ، والضياءِ المشبهِ للنهارِ بالليلِ ، سواءٌ كان في السماءِ أو انتثارِ(١) الكواكبِ ، وغير ذلك. وهو اختيارُ ابنِ أبي موسى مِن أصحابنا ، وظاهرُ كلامٍ أبي بكرِ عبدِ العزيزِ في ((الشافي)) - أيضًا . وممن رُويَ عنه ، أنه يصلّي في الآيات : ابنُ عباسٍ . وفي ((المسند)) و((سنن أبي داودَ»(٢)، عنه، أنه سجدَ لموتِ بعضِ أزواجٍ النبيِّ بَّه، وقال: سمعتُ النبيَّ ◌َّهِ يقولُ: ((إذا رأيتُمْ آيَةً فاسجدُوا))(٣). ورُوي عن عائشةَ ، قالت : صلاةُ الآيات ستُّ ركعاتٍ وأربعُ سجداتٍ . ورُوي عنها - مرفوعًا . ٩٤ خرجه الجوزجانيّ من طريقِ حمادِ بنِ سلمةَ ، عن قتادةَ ، عنْ عطاءِ ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ، عنْ عائشةَ، قالت: كانَ رسولُ اللّهِ وَ له يقومُ في صلاةِ الآياتِ ، فيركعُ ثلاثَ ركعاتٍ ، ويسجدُ سجدتينِ ، ثم يقومُ فيركعُ ثلاثَ ركعاتٍ ، ثم يسجدُ سجدتينِ . (١) في الأصل: ((أو الأرض وانتثار))، ثم ضرب على ((الأرض))، فلزم حذف الواو بعدها ؛ ليستقيم المعنى . (٢) أبو داود (١١٩٧). ولم أجده في («المسند» المطبوع. (٣) في هامش الأصل : ((قال شيخنا - تغمده اللَّه تعالى برحمته - : قيل : إن حديث ابن عباس خرجه الترمذي ، وحسنه وغرَّبه ، ولم أجده فيه إلى الآن . واللَّه سبحانه وتعالى أعلم)). قلت: هو فيه برقم (٣٨٩١) في ((كتاب المناقب)) ((باب: فضل أزواج النبي (وَّت)). ٣٢٧ ٢٧ - باب ما قيل في الزلازل والآيات كتاب الاستسقاء واستدلَّ به على الصلاة للزلزلةِ . ولكن رواه وكيعٌ ، عن هشامِ الدستوائيِّ ، عن قتادةَ ، فوقفه على عائشةَ ، وهو الصوابُ . وخرج ابنُ أبي الدنيا في ((كتاب المطرِ))، من روايةِ مكحولٍ ، عن أبي صخرٍ زيادٍ بنِ صخرٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: كانَ النبيُّ ◌ََّ إذا كانتْ ليلةُ ريحٍ كان مفزعُهُ إلى المسجدِ ، حتى تسكنَ الريحُ ، وإذا حدث في السماءِ حدثٌ من کسوفِ شمسٍ أو قمرٍ كان مفزعهُ إلى الصلاةِ ، حتى ينجلِيَ . وهو منقطعٌ ، وفي إسنادِهِ : نُعيم بنُ حمادٍ ، وله مناكيرٌ . وخرج أبو داودَ (١) من رواية عبيدِ اللَّهِ بن النضرِ ، قال : أخبرني أبي ، قال : كانت ظلمةٌ على عهدِ أنسِ بنِ مالكِ . قال : أتيت أنسَ بنَ مالك ، فقلتُ يا أبا حمزة: هل كانَ يصيبكم هذا علَى عهد النبيِّ وَّ؟ فقال: معاذَ اللَّه، إن كانتِ الريحُ تشتدُّ فنبادرُ المسجدَ مخافةَ القيامةِ . وبوَّب عليه : ((بابُ: الصلاةِ عندَ الظلمةِ)) . وهو دليلٌ على الصلاةِ عندَ اشتدادِ الريحِ - أيضًا . وأبو داودَ ، من أجلٌّ أصحابِ الإمامِ أحمدَ . ثم بوَّب على السجودِ عندَ الآياتِ ، وذكر فيه حديثَ ابنِ عباسٍ المتقدمَ . وظاهرُهُ : يدلُّ على أن الآيات يُسجدُ عندها سجودًا مفردًا ، كسجودِ الشكرِ من غيرِ صلاةٍ . وذكر الشافعيّ ، أنه بلغَه عن عبادٍ ، عن عاصم الأحولِ ، عن فَزَعَة ، عن عليٌّ، أنه صلَّى في زلزلةٍ ستَّ ركعاتٍ في أربعِ سجداتِ : خمسَ ركعات وسجدتينٍ في ركعة، [وركعة](٢) وسجدتينٍ في ركعة . (١) (١١٩٧) . (٢) ساقط من الأصل. ٣٢٨ حديث : ١٠٣٦ كتاب الاستسقاء قال الشافعي : ولو ثبتَ هذا الحديثُ عندنَا لَقُلْنا به . قال البيهقي(١): هو ثابتٌ عن ابنِ عباسٍ . ثم ذكرَ بنحوٍ مَا تقدَّم . وله طرقٌ صحيحةٌ ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ الحارثِ ، عن ابنِ عباسٍ . وروى حربٌ : نا إسحاقُ : نَا جريرٌ ، عن الأعمشِ ، عن إبراهيمَ ، عن علقمةَ ، قال : إذا فزِعتُم من أفقِ من آفاقِ السماءِ فافزعُوا إلى الصلاة . وخرجه البيهقيُ(١) من روايةٍ حبيبِ بنِ حسانٍ ، عن الشعبيِّ ، عن علقمةَ ، قالَ : قال عبدُ اللَّهِ: إذا سمعتم هادًا (٢) من السماءِ، فافزعُوا إلى الصلاة. وخرجه ابنُ عديٌ (٣) من روايةِ حبيبِ بنِ حسانٍ ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ ، عن علقمةً، عن عبدِ اللهِ، عن النبيُّ بِّ، قال: ((إذا فزعتم من أفق من آفاق السماء ، فافزعوا إلى الصلاة)) . وقال : حبيبُ بنُ حسانٍ ، قد اتُّهمَ في دينه ، ولا بأس برواياته . قلت : الصحيحُ : روايةُ الأعمشِ ، عنْ إبراهيمَ ، عن علقمةَ - من قوله . واللَّهُ سبحانه وتعالى أعلم . وروى حربٌ بإسنادِهِ ، عن أبي الجَبْرِ(٤)، قال : أظلمت يومًا نهارًا ، حتى رأينا الكواكبَ، فقامَ تميمُ بنُ حَذْلَمٍ (٥)، فصلَّى، فأتاهُ هُنَيُّ بن نُويرةَ ، فسأله ما (١) (٣/ ٣٤٣) . (٢) ((الهدَّة)»: صوت يسمع من السماء. (٣) (٨١١/٢). (٤) في الأصل: ((أبي الخير)) بالخاء، وهو تصحيف، واسمه: ((عبد الرحمن بن تميم بن حذلم)) ، وهو هنا يروي عن أبيه . (٥) في الأصل: ((حزام)) تصحيف . وهذا الأثر، أخرجه البخاري في ترجمة ((أبي جبر)) من ((الكنى)) (١٦٠). ٣٢٩ ٢٧ - باب ما قيل في الزلازل والآيات كتاب الاستسقاء صنع ؟ فأمره أن يرجعَ إلى بيتِه فيصلِّي . واعلَم ؛ أنَّ الشغلَ بالصلاةِ في البيوتِ فُرادَى عندَ الآيات أكثرُ الناسِ على استحبابِه ، وقد نصَّ عليه الشافعيُّ وأصحابُه . كما يشرعُ الدعاءُ والتضرعُ عند ذلك ؛ لئلاً يكونَ عندَ ذلك غافلاً . وإنما محل الاختلافِ : هل تصلَّى جماعةً، أم لا ؟ وهل تصلَّى ركعةً بركوعين كصلاة الكسوف ، أم لا ؟ وظاهرُ كلامِ مالكٍ وأكثرِ أصحابنا : أنه لا تُسنَّ الصلاةُ للآيات جماعةً ولا فرادَی . وفي «تهذيبِ المدَوَّنَة)): أنكرَ مالكٌ السجودَ للزلزلةِ . ولا وجه لكراهة ذلكَ ، إلا إذا نوى به الصلاةَ لأجلِ تلك الآيةِ الحادثةِ دون ما إذا نوى به التطوعَ المطلقَ . وقد رُويَ عن طائفةٍ من علماءِ أهلِ الشامِ ، أنهم كانوا يأمرون عندَ الزلزلة بالتوبة والاستغفارِ ، ويجتمعونَ لذلكَ، وربما وعظَهم بعضُ علمائهم وأمرَهم ونهاهم ، واسحسنَ ذلك الإمامُ (١). ورُوي عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، أنه كتبَ إلى أهلِ الأمصارِ : إن هذه الرجفةَ شيءٌ يعاتبُ اللَّهُ به العبادَ ، وقد كنتُ كتبتُ إلى أهلِ بلدٍ كذا وكذا أن يَخْرُجوا يومَ كذا وكذا ، فمن استطاعَ أن يتصدَّقَ فليفعلْ؛ فإن اللَّهَ يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، وقولوا كما قالَ أبوكم آدمُ: ﴿رَبَِّا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقولوا كما قال نوح: ﴿وَإِلَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]، وقولوا كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنّي ظَلَمْتَ نَفْسِي فَاغْفِرَ لِي﴾ [القصص: ١٦]، وقولوا كما قال ذو (٢) النونِ: (١) لعله سقط اسم ((أحمد))، وسيأتي قريبًا ما يؤيده. (٢) في الأصل: ((ذو)). ٣٣٠ حديث : ١٠٣٦ كتاب الاستسقاء ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وقال أبو بكرِ الخلالُ في ((كتاب العلل)): نا أبو بكرِ المرُّوذيُّ ، قال : سمعتُ أبا عبدِ اللَّهِ - يعني : أحمدَ - يقولُ : سألني إنسانٌ عنِ الرجفةِ ، فكتبتُ له هذا الحديثَ - وقال : ما أحسَنه - : أنا أبو المغيرةَ ، قال : أصاب الناسَ رجفةٌ بحمصٍ ، سنة أربعٍ وتسعينَ ، ففزع الناسُ إلى المسجدِ ، فلما صلَّى أيفع بنُ عبدِ الكلاعيُّ صلاةَ الغداةِ ، قام في الناسِ ، فأمرَهم بتقوَى اللَّهِ ، وحذَّرهم وأنذرَهم ، ونَزَع القَوَارِعَ من القرآنِ ، وذكر الذينَ أُهلِكوا بالرجفةِ قبلَنا ، ثم قال : واللَّهِ، ما أصابتْ قومًا قطُّ قبلكم إلا أصبحُوا في دارِهم جائمينَ ، فاحمدوا اللَّهَ الذي عافاكمْ ودفعَ عنكم، ولم يُهلكُّم بما أهلكَ به الظالمينَ قبلكم، وكان أكثر دعائه: لا إله إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ ، والحمدُ للهِ، وسبحانَ اللَّهِ ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللّه، واستغفروا اللَّهَ ، ويقول : يا أيها الناسُ ، عليكم بهؤلاءِ الكلماتِ ؛ فإنهنَّ القرآن ، وهي الباقياتُ الصالحاتُ . ثمَّ إن أيفع قال لأبي ضمرةَ القاضي : قم في الناسِ ، فقام فصنعَ كما صنع، أيفعُ ، فلما قضى موعظتَه انصرف ، ثم صنع ذلك دُبرَ الصلواتِ ثلاثةَ أيامٍ ، فاستحسنَ ذلك المسلمونَ . ومما يتعلقُ بالزلزلة : هل يجوزُ الخروجُ منها والهربُ إلى الصحراءِ ؟ قال الأوزاعي : لا بأس به ؛ كلٌّ يعلَم أنه ليس يسبقُ قدرَ اللَّهِ مَن فَرَّ ومَن جلَس ، قالَ : والجلوسُ أحبُّ إلي . خرَّجه حربٌ ، من روايةِ الوليدِ بنِ مسلمٍ ، عنه . قال حربٌ : وسألتُ إسحاقَ بنَ راهَوَيَه ، عنِ الرجلِ يكونُ في بيتِهِ ، فتصيبُهُ الزلزلةُ : هل يقومُ فيخرجُ منَ البيتِ ؟ قال : إن فعلَ فهو أحسنُ . وقد صنَّف في هذه المسألةِ أبو القاسمِ ابنُ عساكرِ الحافظُ الدمشقيُّ مصنفًا ، ٣٣١ ٢٧ - باب ما قيل في الزلازل والآيات كتاب الاستسقاء ولم يذكرْ في ذلك أثرًا عمَّن تقدَّم من العلماء ، لكنه حكى عَن بعض مَن في زمانه ، أنه استحبَّ الفرارَ منها . واستدل بحديثٍ مرورِ النبيِّ وَّلَهَ بحائطٍ مائلٍ، فأسرع، وقال: ((أكره موتَ الفوات)) . وهذا حديثٌ مرسلٌ ، خرجه أبو داودَ في ((مراسيله))(١). وقد رُوي مسندًا ، ولا يصحُ (٢). ورد أبو القاسم على هذا القائلِ قولَه ، وألحقَ الفرارَ منها بالفرارِ منَ الطاعُون(٣). وفي ذلك نظر ؛ لأن الفرارَ من الطاعون لا يتيقنُ به النجاةُ ، بل الغالبُ فيه عدمُ النجاة ، وأما الخروجُ منَ المساكنِ التي يُخْشَى وقوعُها بالرجفةِ فيغلبَ على الظنِّ منه السلامةُ ، فهو كالهربِ من النارِ والسيلِ ونحوِهما . والحديثُ المرسلُ الذي ذكرناه يشهدُ له . واللَّهُ سبحانه وتعالى أعلمُ . وإنما جاء النهيُ عن الخروجِ منَ الرجفةِ إلى الدجالِ ، إذا حاصرَ المدينة ، فترجفُ المدينةُ ثلاثَ رجفاتٍ ، فيخرجُ إليه كلُّ منافقٍ ومنافقةٍ . الحديثُ الثانِي : ١٠٣٧ - نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: نَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ: نَا ابْنُ عَوْنِ ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ ، قَالَ: اللَّهُمَّ، بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمِنَا. قَالُوا: وَفَي نَجْدِنَا. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمِنَا. وَقَالُوا: وَفِي نَجْلِنَا. قَالَ: هُنَاكَ الزَّلاَزِلُ وَالْفَتَنُ، وَيَهَا يَطْلُحُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ . (١) (٤٧٧) . (٢) قاله أبو داود عقبه . (٣) في الأصل: ((الطاغوت)). ٣٣٢: حديث : ١٠٣٧ کتاب الاستسقاء هكذا خرجه البخاريُّ هاهنا موقوفًا . وحسين بنُ الحسنِ بصريَّ ، من آل مالكِ بنِ يسارِ ، أثنى عليه الإمامُ أحمدُ، وقال : كان يحفظُ عن ابنِ عونٍ . وخرجه البخاريُّ في ((الفتن)) (١) من روايةِ أزهرَ السمانِ - مرفوعًا . وكذا رواه عبدُ الرحمنِ بنُ عطاءٍ ، عن نافعٍ ، عنِ ابنِ عمرَ - مرفوعًا - أيضًاً . خرج حديثَه الإمامُ أحمدُ (٢) . وكذا رواه أبو فروة الرُّهاويُّ يزيدُ بنُ سنانٍ - على ضعفِه - : نا أبو رَزِيْنٍ ، عن أبي عبيدٍ - صاحبٍ سليمانَ - ، عن نافعٍ ، عنِ ابنِ عمرً - مرفوعًا . وقد رُوي - أيضًا - عن سالمٍ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ ، عن أبيه ، عن النبيُّ . 醬 ذكره الترمذيُّ في آخر ((كتابه))(٣) - تعليقًا . ورواه - أيضاً - بشرُ بنُ حربٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيّ ◌َّد . خرجه الإمامُ أحمدُ - أيضًا (٤). والاستدلالُ بهذا الحديثِ علَى أنْ لا صلاةَ للزلزلةِ بعيدٌ ، والاستدلالُ بالحديثِ الذي قبلَه - أيضًا - ؛ لأن هذا إنما سيقَ لذمِّ نجد وما يحدث فيه(٥)، كما أن الذي قبلَه سِيقَ لذمُ آخرِ الزمانِ ، وما يحدث فيه ، دون أحكامٍ ما ذُكرَ مِن (١) (٧٠٩٤) . (٢) (٢/ ٩٠) . (٣) (٣٩٥٣) . (٤) (١٢٤/٢ - ١٢٦) . (٥) في الأصل : ((منه)). ٣٣٣ ٢٧ - باب ما قيل في الزلازل والآيات كتاب الاستسقاء قبض العلمِ وتقاربِ الزمانِ وكثرةِ الهرجِ . وأحكامُ هذه الحوادثِ مذكورةٌ في مواضعَ أخرَ . فلا يدلُّ السكوتُ عنه هاهنا على شيءٍ مِن أحكامِها بنفي ولا إثباتٍ ، فكذلك يقالُ في أحكامِ الزلازلِ . واللهُ أعلمُ . ٣٣٤ ٢٨ - باب قول الله عز وجل: وتجعلون رزقكم كتاب الاستسقاء ٢٨ - بَابُ ٢٨٢ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ [الواقعة قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : شُكْرَكُمْ قالَ آدمُ بنُ أبي إياسِ في ((تفسيره)) : نا هشيمٌ ، عن جعفرِ بنِ إياسٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عنِ ابنِ عباسٍ ، في قولِه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي : شكركم ﴿ أَنَّكُمْ تُكَذِبُونَ﴾ قال : هو قولُهم: مُطرنَا بنوءِ كذا وكذا . قال ابنُ عباسٍ : وما مُطِرَ قومُ إلا أصبحَ بعضُهَم به كافرًا ، يقولونَ : مُطرِنَا بنوء كذا وكذا . ثمَّ خرَّج في سببِ نزولِها من روايةِ الكلبيِّ ، عن أبي صالحٍ ، عن ابنِ عباسٍ . وقد خرَّجه مسلمٌ في ((صحيحه))(١) من روايةِ عكرمةَ بنِ عمارٍ : حدثني أبو زميلٍ: حدثني ابنُ عباسٍ، قال: مُطْرَ الناسُ علَى عهد رسولِ اللهِ وَلَه، فقالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ : ((أصبحَ مِنَ الناسِ شاكرٌ، ومنهم كافرٌ، قالوا : هذه رحمة وضعَها اللَّهُ، وقال بعضهم: لقد صدقَ نَوْءُ كذا وكذا)) ، فنزلتْ هذه الآيةُ ﴿فَلا أَقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ - حتَّى بلغَ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ . وروى عبدُ الأعلَى الثعلبيُّ ، عن أبي عبد الرحمنِ السلميِّ، عن عليٍّ ، عنِ النبيِّنَّهِ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال: ((شكر كم، تقولُون : مُطرْنا بنوْء كذا وكذا، ونجمٍ كذا وكذا)) . خرجه الإمام أحمدُ والترمذي(٢). (١) (١ / ٠ ٦) . (٢) أحمد (٨٩/١ - ١٠٨) والترمذي (٣٢٩٥) . ٣٣٥ ٢٨ - باب قول الله عز وجل: وتجعلون رزقكم كتاب الاستسقاء وقال : حسنٌ غريبٌ ، لا نعرفه - مرفوعًا - إلا من حديث إسرائيلَ ، عن عبد الأعلى . ورواه سفيانُ عن عبدِ الأعلَى - نحوَهَ - ، ولم يرفَعْه . ثم خرَّجه من طريقِ سفيانَ - موقوفًا على علَيٌّ (١). وكان سفيانُ ينكرُ علَى مَن رفعَهَ(٢). وعبدُ الأعلى هذا، ضعَّفَه الأكثرونَ . ووثقه ابنُ معينٍ . وخرج القاضي إسماعيلُ في كتابه ((أحكامُ القرآنِ» كلامَ ابنِ عباسٍ بالإسنادِ المتقدمِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، أن ابنَ عباسٍ كان يقرؤها : ﴿وتجعلون شكركم﴾، تقولونَ: على ما أنزلْتُ منَ الغيثِ والرحمةِ، تقولونَ: مُطْرْنا بنوْءِ كذا وكذا . قال : فكان ذلك كفرًا منهم لِمَا أنعمَ اللَّهُ عليهم . قال البخاريُّ - رحمه الله - : ١٠٣٨ - نَا إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌّ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْد الله بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ : صَلَّى لَنَا رَسُولَ اللَّهِوَ صَلَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيَّةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَِّيُّ ◌َ﴿ أَقَْلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((مَلْ تَدْرُّونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمُ؟(٢) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : بِنَوءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ» . قولُهُ : ((على إثرِ سماء))، أي: مطرٍ كانَ منَ الليلِ . (١) («المسند» (١٠٨/١). (٢) في هامش الأصل زاد: ((الليلة))، وأشار إلى أنه كذلك في إحدى النسخ، وليس ذلك في ((اليونينية)). ٣٣٦ حديث : ١٠٣٨ كتاب الاستسقاء والعربُ تسمِّي المطرَ سماءً ؛ لنزولِه منَ السماءِ ، كما قال بعضهم(١): رَعَيْنَاهُ ، وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا إِذَا نَزَلَ (٢) السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ وقولُهُ وَلِّ: ((هَلْ تدرونَ ماذَا قالَ ربكمْ؟)) - وفي بعضِ الرواياتِ: (الليلةَ))، وهي تدلُّ على أن اللَّه تعالى يتكلَّمُ بمشيئَتِهِ واختيارِه. كما قالَ الإمامُ أحمدُ : لم يزلِ اللَّهُ متكلّمًا إذا شاءَ . وقولُهُ : ((أصبحُ من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ ، فمَن قال: مُطرنا بفضل اللَّه ورحمته ، فذلكَ مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب ، ومَن قال : بنْوء كذا وكذا ، فذلكَ كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب» . يعني : أنَّ مَن أضافَ نعمةَ الغيثِ وإنزالِه إلى الأرضِ إلى الله عز وجل وفضله ورحمته ، فهو مؤمنٌ باللَّه حقًّا، ومَن أضافَه إلى الأنْواء ، كما كانت الجاهليةُ تعتادُه ، فهو كافرٌ باللّهِ ، مؤمنٌ بالكوكبِ . قال ابنُ عبدِ البرِّ : النوءُ في كلامِ العربِ : واحدُ أنواءِ النجومِ ، وبعضُهم يجعلُه الطالعَ ، وأكثرهُم يجعلُه الساقطَ ، وقد تسمَّى منازلُ القمرِ كلُّها أنواءً ، وهي ثمانيةٌ وعشرونَ . وقال الخطابيُ (٣)، النوْءُ واحدُ الأنواءِ ، وهي الكواكبُ الثمانيةُ والعشرونُ التي هي منازلُ القمرِ، كانوا يزعمونَ أنَّ القمرَ إذا نزل ببعضِ تلكَ الكواكبِ مُطِروا، فجعل النبيُّ ◌َّمِ سقوطَ المطرِ مِن فعلِ اللَّهِ دونَ غيرِهِ ، وأبطل قولَهم . انتهى . وقال غيره : هذه الثمانيةُ وعشرونَ منزلاً تطلع كلَّ ثلاثةَ عشرَ يومًا منزلَ صلاة الغداةِ بالمشرقِ ، فإذا طلعَ رقيبُهُ منَ المغربِ ؛ فسمِّيتْ أنواءً لهذا المعنى . (١) هو : معوِّد الحكماء معاوية بن مالك . والبيت في ((لسان العرب)). وكذا في ((معالم السنن)) للخطابي (٣٩٠٦). (٢) في ((اللسان)): و((المعالم)): ((سقط)). (٣) في (شرح البخاري)) (٥٥٣/١ - ٥٥٤) و((معالم السنن)) (٣٩٠٦). ٣٣٧ ٢٨ - باب قول الله عز وجل: وتجعلون رزقكم كتاب الاستسقاء وهو من الأضدادِ ، يقال: ناءَ إذا طلعَ ، وناء إذا غربَ ، وناءَ فلانٌ إذا قربَ ، وناء إذا بعدَ . وقد أجرى اللَّهُ العادة بِمَجيءِ المطر عند طلوعٍ كلِّ منزلٍ منها ، كما أجرى العادة بِمجيءِ الحرِّ في الصيف ، والبردِ في الشتاءِ . فإضافةُ نزولِ الغيثِ إلي الأنواءِ ، إنِ اعتقدَ أنَّ الأنواءَ هي الفاعلةُ لذلك ، المدبرةُ له دونَ اللَّهِ عز وجل، فقدْ كفرَ باللَّهِ ، وأشركَ به كفرًا ينقله عن ملةٍ الإسلامِ ، ويصيرُ بذلك مرتدًا، حكمُهُ حكمُ المرتدينَ عن الإسلامِ ، إن كان قبل ذلك مسلمًا . وإن لم يعتقدْ ذلكَ ، فظاهرُ الحديث يدلُّ على أنه كفرُ نعمةِ اللَّهِ . وقد سبقَ عنِ ابنِ عباسٍ ، أنه جعلَه كفرًا بنعمة اللَّهِ عزَّ وجلَّ . وقد ذكرنا في ((كتابِ: الإيمان)) أن الكفرَ كفرانِ : كفرٌ ينقلُ عن الملةِ ، وكفرٌ دون ذلكَ ، لا ينقلُ عن الملة ، وقد بوَّب البخاريُّ عليه هنالك . فإضافةُ النِّعَم إلى غيرِ المنعمِ بها بالقولِ كفرٌ للمنعمِ في نعمِهِ ، وإن كان الاعتقادُ يخالفُ ذلك . والأحاديثُ والآثار متظاهرةٌ بذلك . وفي (صحيحٍ مسلمٍ) (١)، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ نَّهِ، قال: ((ألمْ تروا إلى ما قالَ ربُّكم ؟ قال : ما أنعمتُ علَى عبادي من نعمة إلا أصبحَ فريقٌ منهم بها کافرین ، یقولون : الکو کب وبالکو کب» . وروي من وجهٍ آخرَ (٢)، عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ نَّهِ، قال: ((إن اللَّه عزَّ وجل لِيُبَيِّتُ القوم بالنعمة ، ثم يُصبحُونَ وأكثرهم بها كافرٌ ، يقولون : مُطرنا (١) (٥٩/١) . (٢) أخرجه أحمد (٥٢٥/٢). ٣٣٨ حديث : ١٠٣٨ کتاب الاستسقاء بنوء كذا وكذا)) . وروى أبو سعيد الخدريُّ، عن النبيِ رَله، قال: ((لو أمسكَ اللَّهُ القَطْرَ عن الناسِ سبعَ سنينَ ، ثم أرسلَه ، كفرتْ طائفةٌ منهم ، فقالوا : هذا من نوء المِجْدَحِ»(١). وروى [أبو] الدرداء، قال: مُطِرْنا على عهد رسول اللّه وَلَّ ذات ليلة، فأصبحَ رسولُ اللَّهِ وَلَه ورجلٌ يقولُ: مُطرْنا بنوء كذا وكذا، فقال رسولُ اللَّه وَّ: ((قَلَّمَا أنعمَ اللَّهُ علَى قومٍ نعمةً، إلا أصبحَ كثيرٌ منهم بِها كافرين)(٢). وفي ((صحيح مسلمٍ) (٣)، عن أبي مالك الأشعريِّ، عن النبيِّ وَّ، قال: ((أربعٌ في أمتِي مِن أمر الجاهلية ، لا يتركونَهنّ: الفَخْر في الأحساب، والطعنُ في الأنساب، والاستسقاءُ بالنجوم، والنياحةُ)) . وخرج البخاريُّ في «صحيحه) (٤)، من روايةِ ابنِ عيينةَ ، عن عبيدِ اللَّهِ : سمعَ ابنَ عباسٍ يقول : ((خلالٌ من خلالِ الجاهليةِ : الطعنُ في الأنسابِ ، والنياحةُ))، ونَسِيَ الثالثةَ. قال سفيان: ويَقُولون (٥): إنها «الاستسقاءُ بالأنواء)). وروي عن ابنِ عباسٍ - مرفوعًا - من وجه آخر ضعيفٍ . وخرج ابنُ حبانَ في ((صحيحه)) (٦) - معناه - من حديث أبي هريرةَ - مرفوعًا . وروى ابنُ عيينَةَ، عن إسماعيلَ بنِ أمية، أنَّ النبي ◌َِّ سمع رجلاً في بعضِ أسفارِهِ يقول: مُطِرْنا ببعضِ عَثَانين(٧) الأسدِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ وَآل : (١) أحمد (٣/ ٧٠) والنسائي (١٦٥/٣). (٢) عزاه في ((الكنز)) للطبراني. (٣) (٤٥/٣) . (٤) (٣٨٥٠) . (٥) في الأصل: ((ويقول))، والمثبت من البخاري. (٦) (٣١٤١) . (٧) ((العثانين)): المطر بين السحاب والأرض، مثل السَّبَل. 1 ٣٣٩ ٢٨ - باب قول الله عز وجل: وتجعلون رزقكم کتاب الاستسقاء ((كذبتَ، بل هو سقي اللَّه عزَّ وجلَّ، ورزقُم))(١) . وذكر مالكٌ(٢)، أنه بلغَه عن أبي هريرةَ ، أنه كانَ يقولُ : مُطِرْنا بنوْءِ الفتحِ ، ثم يتلو هذه الآيةَ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] . وذكر الشافعيُ (٣)، أنه بلغه، أن عمرَ سمع شيخًا يقول - وقد مطرَ الناسُ - : أَجَادَ مَا أَقْرَى المِجْدَحَ(٤) الليلةَ، فأنكر ذلك عمرُ عليه . وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ ، عن سلمٍ العلويِّ ، قال : كنا عند أنسٍ ، فقال رجل : إنها لمخيلة للمطرِ . فقال أنس : إنها لربِّها لمطيعةٌ . يشير أنسٌ إلى أنه لا يضافُ المطرُ إلى السحابِ ، بلْ إلى أمرِ اللَّهِ ومشيئته . وذكر ابنُ عبدِ البرِّ ، عن الحسنِ ، أنه سمعَ رجلاً يقولُ : طلع سهيلٌ ، وبردَ الليلُ ، فكره ذلكَ ، وقال : إن سهيلاً لم يأت قطُّ بِحَرٍّ ولا بردٍ . قال : وكره مالكٌ أن يقولَ الرجلُ للغيمِ والسحابة : ما أخلقَها للمطرِ . قال : وهذا يدلُّ على أن القومَ احتاطُوا ، فمنعوا الناسَ منَ الكلامِ بما فيه أدنى متعلَّق مِن كلامِ الجاهليةِ في قولِهم : مُطرنا بنوءِ كذا وكذا . انتهى . واختلف الناسُ في قول القائل: ((مُطِرْنا بنوْءِ كذا وكذا)) مِن غيرِ اعتقادِ أهلِ الجاهليةِ : هل هو مكرُوه ، أو محرَّمٌ ؟ فقالت طائفةٌ : [هو] (٥) محرمٌ ، وهو قولُ أكثرِ أصحابنا ، والنصوصُ تدلُّ عليه ، كما تقدم . (١) أخرجه ابن جرير الطبري (١٢٠/٢٧). (٢) ((الموطأ)) (ص ١٣٦). (٣) ((الأم)) (١/ ٢٢٣). (٤) في الأصل: ((المجيدح)). والمثبت من ((الأم)). (٥) هنا علامة لحق، ولم يظهر في مصورتنا شيءٌ، فلعل الساقط: ((هو))، كما يأتي نظيره قريبًا . ٣٤٠ حديث : ١٠٣٨ کتاب الاستسقاء وقال طائفة : هو مكرُوه ، وهو قولُ الشافعيِّ وأصحابِهِ ، وبعضِ أصحابِنا . فأما إن قالَ : ((مُطِرْنا في نوء كذا وكذا)) ، ففيه لأصحابنا وجهان : أحدهما : أنه يجوزُ ، كقوله : ((في وقت كذا وكذا)» ، وهو قولُ القاضي أبي يعلَى وغيرِه . ورُوي عن عمرَ - رضي اللّه عنه - ، أنه قال للعباس - رضي اللَّه عنه - ، وهو يستسقي : يا عباسُ ، كم بقيَ مِن نوْءِ الثريًّا ؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين ، إن أهلَ العلمِ بها يزعمونَ أنها تعترض بالأفقِ بعدَ وُقُوعِهَا سبعًا ، فما مضتْ تلك السبعُ حتى أغيثَ الناسُ . رواه ابنُ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ ، عن ابنِ المسيبِ ، قال : حدثني من لا أتهمُ ، عن عمرَ - فذكره . والوجهُ الثاني: أنه يُكْرَه ، إلا أن يقولَ مع ذلك: ((برحمةِ اللَّه عزَّ وجلَّ)، وهو قولُ أبي الحسن الآمديِّ مِن أصحابِنا . واستدلَّ للأول بما ذكرَ مالكٌ في ((الموطٍ)(١)، أنه بلغَه، أنَّ النبيَّ وَّ كانَ يقولُ: ((إذا نشأتْ بحريَّتُها فَشَاءَمَتْ (٢)، فتلك عينٌ غَديقةٌ) . وهذا من البلاغاتِ لمالكِ التي قيل(٣)، إنه لا يعرَفُ إسنادُها. وقد ذكرَه الشافعيُّ (٤)، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ أبي يحيى، عنْ إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ، عنِ النبيِّ وَّهِ - مرسلاً -، قال: ((إذا نشأتْ بحريةٌ، ثم استحالتْ شامیةً، فهو أمطرُ لها)) . قال ابنُ عبدِ البرِّ : ابنُ أبي يحيى ، مطعونٌ عليه متروكٌ . (١) (ص ١٣٦) . (٢) نصُّ ((الموطأ): ((إذا أنشأت بحرية، ثم تشاءَمت)). (٣) ((التمهيد)) (٣٧٧/٢٤). (٤) ((الأم) (١ / ٢٢٥) .