Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
٥ - باب الطالب والمطلوب راكبًا وإيماء أو قائمًا
کتاب صلاة الخوف
آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسولُ اللَّهِ وَ لَه وإن فَاتَنَاَ الوقتُ. قال : فما
عَنَّفَ رسولُ اللّهِ وَّهِ واحدًا من الفريقين.
وخرَّج البيهقيُّ (١)، بإسنادٍ فيه نظرٌ ، عن الزهريِّ ، عن عبد الرحمنِ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالك، أن عمَّه عبدَ اللَّهِ أخبرَهَ، أن النبيَّ وَّ عَزَم على
الناسِ لما رجعَ من الأحزابِ أن لا يصلُّوا صلاةَ العصرِ إلا في بني قريظةَ . قال :
فَلَبِسَ الناسُ السلاحَ ، فلم يأتوا بني قُرِيظةَ حتى غربتِ الشمسُ ، فاختصمَ الناسُ
عند غروب الشمس(٣)، فقال بعضُهم: إن رسولَ اللَّهِ وَ له عَزَمَ علينا ألا نُصلِّيَ
حتَّى نأتيَ بني قريظةَ، فإنما نحنُ في عزيمةِ رسولِ اللهِ وَ ◌ّهِ، فليس علينَا إثمٌ ،
وصلَّى طائفةٌ من الناسِ احتسابًا ، وتركتْ طائفةٌ منهمُ الصلاةَ حتى غربت
الشمسُ، فصلَّوها حين جازُوا(٣) بني قُريظةَ احتسابًا، فلم يُعنِّفْ رسولُ اللَّهِ وَله
واحدًا من الفريقين .
وهذا مرسلٌ .
وقد ذكره موسى بنُ عقبةَ في ((مغازيه)) عن الزهريِّ - مرسلاً - ، بغير إسناد
للزهريِّ بالكلية ، وهو أشبهُ .
وخرَّج البيهقيُّ (٤) نحوَه - أيضًا - من طريق عبدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ العمريِّ، عن
أخيه عبيدِ اللَّهِ ، عن القاسمِ ، عن عائشةَ ، وفي حديثها : ((فغربتِ الشمسُ قبل
أن يأتوهم ، فصَلَّت طائفةٌ إيمانًا واحتسابًا، وتركت طائفةٌ إيمانًا واحتسابًا ، ولم
يعنفْ رسولُ اللَّهِ وَ ◌ّهِ واحدًا من الفريقين)).
والاستدلالُ بهذا الحديثِ على تأخيرِ الصلاةِ للاشتغالِ بالحرب ، استدلالٌ
(١) في ((الدلائل)) (٤/ ٧ - ٨) . لكن ليس بنفس اللفظ .
(٢) في الأصل: ((عند غروب الناس))، تصحيف.
(٣) في ((الدلائل)): ((جاءوا)).
(٤) ((الدلائل)) (٨/٤).

٦٢
حديث : ٩٤٦
کتاب صلاة الخوف
ضعيفٌ، وكذلك الاستدلالُ به على تأخيرِ الصلاةِ لطالبِ العدوِّ ؛ فإن يومَ ذَهابهم
إلى بني قريظةَ لم تكن هناك حربٌ تشغلُ عن صلاةٍ ، ولا كانوا يخافونَ فواتَ
العصرِ ببني قريظةَ بالاشتغالِ بالصلاةِ بالكلية ، وإنما وقعَ التنازعُ بين الصحابةِ في
صلاة العصرِ في الطريقِ، إلتفاتًا إلى لفظِ النبيِّ وَّ، وإلى معنى كلامِه ومراده
ومقصودِه :
فمنهم من تمسَّك بظاهر اللفظِ ، ورأى أنه لا ينبغي أن يصليَ العصرَ إلا في
بني قريظةً ، وإن فات وقتُها ، وتكون هذه الصلاة مخصوصةً من عمومِ أحاديثٍ
المواقيتِ بخصوصِ هذا النصِّ ، وهو النهيُ عن الصلاةِ إلا في بني قريظةً .
ومنهم مَن نظرَ إلى المعنَى، وقال: لم يُرد النبيُّ وَِّ ذلك، وإنما أراد منَّاً
تعجيلَ الذَّهاب إلى بني قريظةَ في بقية النهارِ ، ولم يرِدْ تأخير الصلاةِ عن وقتِها ،
ولا غيرَّ وقتَ صلاةِ العصرِ في هذا اليومِ ، بل هو باقٍ على ما كان عليه في سائرِ
الأيام .
وهذا هو الأظهرُ . واللهُ أعلمُ .
ولا دلالةَ في ذلك على أن كلَّ مجتهد مصيبٌ ، بل فيه دلالةٌ على أن
المجتهدَ سواءٌ أصابَ أو أخطأ فإنه غيرُ مَلُومٍ على اجتهادِهِ ، بل إن أصابَ كان له
أجرانِ ، وإن أخطأ فخطؤه موضوعٌ عنه ، وله أجرٌ على اجتهادِه .
ومَنْ استدل بالحديث على أن تارك الصلاةِ عمدًا يقضي بعد الوقتِ فقد
وَهِمَ ؛ فإن مَنْ أَخَّرَ الصلاةَ في ذلك كان باجتهادِ سَائِغٍ ، فهو في معنى النائم
والناسي ، وأولَى ؛ فإن التأخيرَ بالتأويلِ السائغِ أولَى بأن يكون صاحبُهُ مَعُذُورًا .
١

٦٣
كتاب صلاة الخوف ٦ - بابُ التبكير والتغليس بالضبح ، والصلاة عند الإغارة
٦ - بَابُ
التَّبْكير والتغليسِ(١) بالصّبْحِ
وَالصَّلاَةِ عِنْدَ الإِغَارَةِ وَالْحَرْبِ
٩٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَثَابِتٍ ،
عَنْ أَنَسِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ صَلَّى الصُّحَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ رَكِبَ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَخْبَرُّ،
خَرِيَتْ خَرُ، إِنَّ إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ).
وذكر بقية الحديث، وفي آخرِه قصةُ صَفِيَّةً، وتَزَوَّجِ النبيِّ وََّ لها، وجَعْلٍ
عتْقها صَدَقَها .
وقد تقدمَ أولُ الحديث في ((أبواب الأذان)» من حديث [عبدِ العزيز بنِ ]
صهيب ، عن أنسٍ (٣).
والمقصودُ منه هاهنا: أن النبيِ وَّ لما أرادَ الإغارةَ على أهلِ خَيَبرَ، ولم
يكن عندهم علمٌ من قدومِ النبيِّ وَِّ، بَكَّرَ النبيّ ◌َّ بالصبحِ، وصلاها بِغَلَسٍ،
ثم أغارَ عليهم .
فُيُستفاد من ذلك : أنه يُستحب لمن أراد الإغارةَ على المشركين أن يُعجل
بصلاة الصبحِ في أولِ وقتِها ، ثم يُغيرُ بعد ذلك .
ورَوَى وكيعٌ في ((كتابه))، عن عمران بنِ حُدَير ، عن أبي عمرانَ ، قال :
(١) في ((اليونينية)): ((والغلس)).
(٢) حديث عبد العزيز بن صهيب ليس في ((الأذان))، بل في ((كتاب الصلاة)) (٣٧١) بطوله ،
بينما الذي في ((الأذان)) (٦١٠) أول الحديث من حديث حميد عن أنس .
وقد زدت ما وضعته بين المعقوفين، وقد يكون ((صهيب)) مصحفًا من ((حميد)). والله
أعلم .

٦٤
حديث : ٩٤٧
كتاب صلاة الخوف
صليتُ مع أبي موسى الغَداةَ ثلاثَ مراتٍ في غداةٍ واحدةٍ ، كأنه أرادَ أن يغيرَ على
قومٍ .
ومعنى هذا : أن أبا موسى الأشعريَّ لما أراد الإغارةَ عجَّلَ بصلاةِ الصبحِ ،
ثم تبيَّن أنه صَلاَّها قبلَ طلوعِ الفجرِ ، فأعادَها ، فعلَ ذلك ثلاثَ مراتٍ في يوم
واحد .

١٣
كِتَابُ العِيِّدَيْنِ

1
1

٦٧
١ - بَابٌّ في العيدين والتجمل فيهما
کتاب العیدین
◌ِهِالرَ لَُّ
١٣
أَبْوَابُ الْعِيدَیْنِ
١ - بَابٌ
فِي الْعِيدَيْنِ وَالنَّجَمُّلِ فِيهِمَا
٩٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَبِي سَالِمُ بْنُ
عَبْد اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنِ إِسْتَبْرَقِ تُبَاعُ فِي السُّوقِ ،
فَأَخَذَهَا فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ
وَالْوُفُودِ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِوَِّ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ(١).
ثمَّ ذكرَ بقيةَ الحديثِ في إرسالِ النبيِّ ◌َّهِ بِجِبَّةِ ديباجٍ إِلَى عُمرَ .
وقد سبق في ((كتابِ الجمعةِ))(٢) من طريق مالك ، عن نافعٍ ، عن ابن عمرَ ،
وفيه : ((لو اشتريتَ هذه للجمعةِ والوفودِ ؟))
وهي قضية واحدةٌ . والله أعلم .
وقد يكون أُريد بالعيدِ جنسُ الأعيادِ ، فيدخل فيه العيدان والجمعةُ .
وقد دلَّ هذا الحديثُ على التجمُّلِ للعيدِ ، وأنه كان معتادًا بينهم .
وقد تقدم حديث لُبْسِ النبيِّ نَّهِ في العيدين بُرْدَهُ الأحْمَرَ .
وإلي هذَا ذهبَ الأكثرونَ ، وهو قولُ مالك والشافعيِّ وأصحابِنا وغيرِهم .
(١) في ((اليونينية)): ((إنما هذه لباس من لا خلاق له)).
(٢) (٨٨٦) .

٦٨
حديث : ٩٤٨
کتاب العیدین
وقال ابن المنذر(١): كان ابن عُمر يصلي الفجر وعَلَيْه ثيابُ العيد .
وقال مالكٌ : سمعتُ أهلَ العلمِ يستحبونَ الزِّنة والطِّيب في كل عيدٍ .
واسحبَّه الشَّافعي .
وخرَّج البيهقيُّ (٢) بإسنادٍ صحيحٍ ، عن نافعٍ ، أن ابنَ عمرَ كان يلبسُ في
العیدین أحسنَ ثيابِه .
والمنصوصُ عن أحمدَ في المعتكف: أنه يخرجُ إلى العيدِ في ثيابِ اعتكافِه ،
وحكاه عن أبي قلابة .
وأما غير المعتكف ، فالمنصوصُ عن أحمد : أنه يخيَّرُ بين التزيَّن وتركِه .
قال المرُّوذيُّ : قلتُ لأحمدَ : أيما أحبُّ إليك : أن تخرجَ يوم العيدِ في
ثياب جياد أو ثياب رثة ؟ قال : أما طاوسُ فكان يأمر بزينةِ الصبيانِ حتى
يخضبُوا ، وأما عطاءٌ فقال : لا ؛ هو يومُ تخشع . فقلتُ لأحمد : فإلى ما
تذهبُ ؟ قال : قد رُوي هذا وهذَاً ، واستحسنهَما جميعًا .
ذكره أبو بكرِ ابنُ جعفرَ في كتابه «الشافي)) ، عن الخلال ، عنه .
وحكاه القاضي في ((شرح المذهبٍ)) مختصراً، وفيه: وقال عطاءٌ : لا ؛
هُو يومُ تخشعٍ ، وهذا أحسنُ .
ومما يتصل بذلك : الغسلُ للعيدين ، وقد نصَّ أحمدُ على استحبابه .
وحكى ابنُ عبدِ البرِّ الإجماعَ عليه .
وكان ابنُ عمرَ يفعله، كذا رواه نافعٌ، عنه، ورواه عن نافع: مالكٌ (٣)
وعبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ وموسى بنُ عقبةَ وابنُ عجلانَ (٤) وابنَ إسحاق وغيرُهم .
(١) (٤ / ٢٦٤ - ٢٦٥) .
(٢) (٢٨١/٣) .
(٣) ((الموطأ)) (ص ١٢٧) والبيهقي (٢٧٨/٣).
(٤) البيهقي (٢٧٨/٣) .
أ

٦٩
١ - بَابٌ في العيدين والتجمل فيهما
کتاب العیدین
وروى أيوبُ ، عن نافعٍ ، قال : ما رأيتُ ابنَ عُمرَ اغتسلَ للعيد ، كان يبيتُ
في المسجد ليلة الفطرِ ، ثم يغدو منه إذا صلَّى الصبح إلى المصلَّى .
ذكره عبدُ الرزَّاق(١)، عن معمرٍ ، عنه .
وعجبَ ابنُ عبدِ البرِّ من رواية أيوبَ ؛ لمخالفتِها روايةَ مالكِ وغيرِه ، عن
نافع .
ولا عجبَ مِن ذلك ؛ فقد يُجمَعُ بينهما : بأن ابنَ عُمر كان إذا اعتكفَ بات
ليلةَ الفطرِ في المسجدِ ، ثم يخرجُ إلى العيدِ على هيئةِ اعتكافه ، كما قالَه أحمدُ
ومَن قبله من السلفِ ، وهو قولُ مالكٍ - أيضًا - ، وإن لم يكن معتكفًا ، اغتسلَ
وخرجَ إلى المصلَّى .
وممن رُوي عنه الغسلُ للعيد - أيضًا - من الصحابة : عليّ بن أبي طالبٍ ،
وابنُ عباسٍ ، وسلمةُ بنُ الأكوعِ(٢)، والسائبُ بنُ يزيدَ .
وقال ابن المسيبِ : هو سُنةُ الفطِرِ .
وروى مالكٌ (٣)، عن الزهريِّ، عن عبيدِ بنِ السباقِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَهِ
قالَ في جمعةٍ من الجمع : ((يا معشرَ المسلمينَ، إنَّ هذا اليومَ جعلَه اللَّه عيدًا،
فاغتسلُوا، ومَن كان عنده طيبٌ فلا يضرُّهُ أن(٤) يمسَّ منه، وعليكم بالسواكِ» .
وهذا تنبيهٌ على أن ذلك مأمورٌ به في كل عيدٍ للمسلمين .
رواه صالحُ بنُ أبي الأخضرِ ، عنِ الزهريِّ ، عن عبيدٍ ، عن ابنِ عباسٍ .
خرجه ابن ماجه(٥).
(١) (٣٠٩/٣) .
(٢) البيهقي (٢٧٨/٣).
(٣) (ص ٦٤) .
(٤) في الأصل : ((أن لا) خطأ.
(٥) (١٠٩٨) .

٧٠
حديث : ٩٤٨
کتاب العیدین
وروايةَ مالكِ أصحُّ .
ورواه بعضُهم ، عن مالك ، عن سعيد المقبريِّ ، عن أبيه، عن أبي هريرة،
عن النبيِّ وَلِيدِ .
خرجه كذلك الطبرانيُ (١) وغيرُه .
وهو وَهْمٌ على مالك - : قاله أبو حاتم الرازي والبيهقي وغيرهما .
وروى صَبيحٌ أبو الوسيمِ : ثنا عقبة بن صهبان ، عن أبي هريرةَ ، عن النبيِّ
وَّهُ: (الغسل واجبٌ في هذه الأيام: يوم الجمعة، ويومِ الفطرِ، ويوِ النحرِ،
ويوم عرفة)» .
غريب جداً ، وصَبيحٌ هذا ، لا يُعرفُ .
وخرج ابنُ ماجه (٢) من روايةِ الفاكهِ بنِ سعدٍ - وله صحبةٌ -، أَنَّ النبيَّ ◌َه
كانَ يغتسلُ يومَ الجمعةِ ، ويومَ عرفةَ ، ويومَ الفطرِ ، ويومَ النحرِ ، وكان الفاكهُ
يأمُرُ أهلَه بالغسلِ في هذه الأيامِ .
وفي إسناده : يوسفُ بنُ خالدِ السَّمْتِيُّ، وهو ضعيفٌ جدًا .
وخرج ابنُ ماجه (٣) عن جُبَارةَ بنِ مغلِّسٍ، عن حجاجٍ بنِ تميمٍ ، عن ميمونِ
ابنِ مهرانَ ، عن ابنِ عباسٍ: كان رسولُ اللَّهِ ◌ِ ﴿ [يغتسل](٤) يوم الفطرِ ويومَ
الأضحَی .
وحجاجُ بنُ تميمٍ وجُبَارةُ بنُ مغلِّسٍ ، ضعيفانِ .
وروى مندلٌ ، عن محمدِ بنِ عبيدِ اللَّهِ بن أبي رافعٍ ، عن أبيه ، عن جدِّه،
أنَّ النبيَّ وَ ◌ِّ كان يغتسلُ للعيدينِ .
(١) ((الأوسط)) (٧٣٥٥) .
(٢) (١٣١٦) .
(٣) (١٣١٥) .
(٤) ساقط من الأصل .

٧١
١ - بَابٌ في العيدين والتجمل فيهما
کتاب العیدین
خرجه البزارُ (١) .
ومحمدُ هذا ، ضعيفٌ جداً .
والغسلُ للعيدِ غيرُ واجبٍ . وقد حكَى ابنُ عبدِ البرِّ الإجماعَ عليهِ ،
ولأصحابِنا وجهٌ ضعيفٌ بوجوبه .
وروى الزهري ، عنِ ابنِ المسيبِ ، قال : الاغتسالَ للفطرِ والأضحى قبلَ
أن يخرجَ إلى الصلاةِ حقٌّ .
وخرَّج أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرَ في كتاب ((الشافي)) بإسنادٍ ضعيفٍ ، عن
الحارثِ ، عن عليٌّ ، قال : كان بعضُنا يغتسلُ وبعضُنا يتوضَّاً ، فلا يصلّي أحدٌ
منَّا قبلَها ولا بعدَها حتَّى يخرجَ النبيُّ وَلِ .
ويستحبُ - أيضًا - التطيبُ والسواكُ في العيدين .
وكان ابنُ عمرَ يتطيبُ للعيدِ .
وروى أبو صالحٍ ، عن الليثِ بنِ سعدٍ ، حدثني إسحاق بنُ بُزْرَجٍ ، عن
الحسن بن علي، قال: أمرنا رسول اللّهِ و ﴿ أن نلبس أجودَ ما نجدُ، ونتطيبَ
بأجودِ ما نجدُ ، وأن نضحِى بأسمنَ ما نجدُ ، وأن نُظهرَ التكبير ، وعلَّمنا السكينةَ
والوقار .
خرجه الطبرانيّ والحاكمُ (٢).
وقال : لولا جهالةُ إسحاق بنِ بُزْرَج لحكمنا للحديث بالصحة .
قلت : وروِّيناه من وجهِ آخرَ ، من طريقِ ابنِ لهيعةَ : حدثني عبدُ الرحمنِ
ابنُ زيادِ بنِ أَنْعُم ، عن عُبَةَ (٣) بنِ حميدٍ ، عن عبادةَ بنِ نُسيِّ ، عن عبدِ الرحمنِ
(١) (٦٤٨ - كشف).
(٢) الطبراني في ((الكبير)) (٩٠/٣ - ٩١) والحاكم (٤/ ٢٣٠).
(٣) في الأصل : ((عقبة)) تصحيف .

حديث : ٩٤٨
کتاب العیدین
ابنِ غَنَمٍ، عن معاذٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ وَ ﴿ إذا غدًا إلى المصلَّى أمرَنَا أن
نلبسَ أجودَ ما نقدِرُ عليه من الثيابِ ، وأن نخرجَ وعلينا السكينةُ ، وأن نجهرَ
بالتكبير .
وهذا منكر جدًا .
ولعلَّه مما وضعَه المصلوبُ ، وأُسْقِطَ اسمُهُ من الإسناد ؛ فإنه يُروى بهذا
الإسناد أحاديثُ عديدةٌ منكرةٌ ترجع إلى المصلوبِ ، ويُسْقَط اسمَه من إسنادها ،
كحديث النَّنَشُّفِ بعدَ الوضوءِ (١). واللَّهُ سبحانهَ وتعالَى أعلم .
وهذا التزينُ في العيد يستوي فيه الخارجُ إلى الصلاةِ والجالسُ في بيتِهِ ، حتى
النساءُ والأطفالُ .
وقد تقدَّم ذلك عن طاوسَ .
وقال الشافعيُّ : تزينُ الصبيانُ بالمصبغِ والحليِّ ، ذكورًا كانوا أو إناثًّا ؛ لأنه
يومُ زينةٍ ، وليس على الصبيان تعبَّدٌ ، فلا يُمنَعون لبسَ الذهبِ .
قال بعضُ أصحابه : اتفقَ الأصحابُ على إباحةِ زينَة الصبيانِ يومَ العيدِ
بالمصبغِ وحُلِيٌّ الذهبِ والفضةِ ، واختلفوا في غير يومِ العيدِ على وجهينِ .
وأمَّا أصحابنا، فلم يفرِّقُوا بينَ عيدٍ وغيرِه، وحكَوْا في جواز إلياس الوليِّ
الصبيَّ الحريرَ والذهبَ روايتين .
جيسـ
(١) أخرجه الترمذي (٥٤) .
١

٧٣
٢ - بَابٌ الحراب والدرق يوم العيد
کتاب العیدین
٢ - بَابُ
الحِرَابِ وَالدَّرَقِ يَوْمَ الْعِيدِ
٩٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ: نَا ابنُ وَهْب: أَنَا عَمْرُوَ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الأَسْدِيَّ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيِّ نَّهِ وَعِنْدِي
جَارِيَتَانِ تَغْنِيَان بغْنَاء بُعَاث، فَاضْطَجَعَ عَلَىَ الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْر
فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِّ ◌َِ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ:
((دَعْهُمَا)). فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَنَا .
٩٥٠ - وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ ، فَإِمَّا سَأَلْتُ
رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِمَّا قَالَ:(تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟)) فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَأَقَامَنِي وَرَاء ، خَدِّي
عَلَى خَدِّهِ ، وَهُوَ يَقُولُ:((دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةً)، حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ : ((حَسْبُكِ؟))
قُلْتُ: نَعْمْ. قَالَ : ((فَاذْهَبِي)) .
((أحمد)) الراوي عن ابنِ وهبٍ سبقَ الاختلافُ فيه .
و((عمرُوْ))، هو : ابنُ الحارثِ .
وشيخُهُ ، هو : أبو الأسودِ يَتَيم عروةُ .
وقد سبقَ هذا الحديثُ باختلافِ طرقِهِ وألفاظِهِ في ((أَبْوَبِ الْمَساجِدِ)) في
(بابِ : أصحابِ الْحِرَابِ فِي الْمَسْجِدِ)(١).
وذكرنا فيه : أن هذا العيدَ كان أَحدَ عِيَدي الإسلامِ ، وأنه قد قيل : إنه كان
يوم عاشوراء ، والظاهر : أن هذا كان قبلَ نزولِ الحجابِ ؛ لقولِها : ((خدِّي على
خدِّ)» .
(١) باب رقم (٦٩) من كتاب ((الصلاة)).

٧٤
حديث : ٩٤٩، ٩٥٠
کتاب العیدین
ويحتملُ أنه كان بعدَه ؛ فإن البخاريَّ خرَّجه في ((بَابِ : أَصْحَابِ الْحِرَابِ في
الْمَسْجِدِ)» بزيادة: ((وهو يسترني بردائِه)).
واللعبُ بالحرابِ والدَّرَقِ في الأعياد مِمَّ لا شبهةَ في جوازِهِ، بلْ واستحبابِهِ؛
لأنَّه مما يُتَعلَّم به الفروسيةُ ، ويتمرَّنُ به على الجهادِ .
وقد رخَّص إسحاق وغيرُهُ منَ الأئمةِ باللعبِ بالصولجانِ والكرة ، للتمرُّن
على الجهاد .
وأما ذكرُ الغناء ، فنذكرُهُ في الباب الآتي - إن شاءَ اللَّهُ سبحانه وتعالى.

٧٥
٣ - بابٌ سنة العيدين لأهل الإسلام
کتاب العیدین
٣ - بَابُ
سَنَّةِ الْعِيدَيْنِ لأَهْلِ الإِسْلامِ
فيهِ حديثانِ :
الأول :
٩٥١ - حَلَّنَا حَجَّاجٌ: أَنَا شُعْبَةُ: أَخْبَرِي زُبَيْدٌ: سَمِعْتُ الشَّعْنِيَّ، عَنِ الْبَرَاءِ:
سَمِعْتُ الَِّيَّنََّ يَخْطُبُ، فَقَالَ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْرَأُ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ
فَتَنْحَرُ ، فَمَنْ فَعَلَ هذا فَقْدَ أَصَابَ سْتَنَا)» .
مرادُه : الاستدلالُ بهذَا الحديثِ على أن سنةَ أهلِ الإسلامِ التي سنَّها لهم
نبِيُّهِم ◌ََّ في عيد النحرِ : الصلاةُ ثم النحرُ بعد رجوعِهم من الصلاةِ .
وهذا مما اتفق المسلمونَ على أنه سنةٌ في يوم النحرِ ، وإنما اختلفوا : هل
هو واجبٌ ، أم لا ؟
فأما النحرُ ، فيأتي الكلام عليه في موضعٍ آخرَ - إنْ شاءَ اللَّهُ سبحانه وتعالى.
وأمَّا صلاةُ العيد ، فاختلفَ العلماءُ فيها على ثلاثةِ أقوالِ :
أحدها : أنها سنةٌ مسنونة ، فلو تركها الناسُ لم يأثَموا .
هذا قولُ الثوريِّ ومالك والشافعيِّ وإسحاق وأبي يوسفَ ، وحُكي روايةً عن
أحمدَ .
واختلفوا: هل يقاتَلُون على تركِها ؟ وفيه وجهانٍ للشافعيةِ . وقال أبو يوسف
آمرُهم وأضربُهم ؛ لأنها فوقَ النوافلِ ، ولا أقاتلُهم ؛ لأنها دونَ الفرائضِ .
وقد يُتُعلَّقُ لهذا القولِ بإخبارِ النبيِّ ◌َِّ عن المصلِّي يومَ العيدِ أنه أصابَ
السنةَ .

٧٦
حديث : ٩٥١
کتاب العیدین
ولا دليل فيه ؛ فإنَّ السنةَ يرادُ بها الطريقةُ الملازمةُ الدائمةُ ، كقوله :
﴿سَنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الفتح: ٢٣].
والقولُ الثاني : أنَّها فرضُ كفايةِ ، فإذا اجتمعَ أهلُ بلدٍ على تركِها أثموا
وقوتلُوا على تركها(١).
وهو ظاهرُ مذهبِ أحمدَ ، نصَّ عليه في رواية المرُّوذيِّ وغيرِهِ . وهو قولُ
طائفة من الحنفية والشافعيةِ .
والقولُ الثالث : أنها واجبةٌ على الأعيان كالجمعةِ .
وهو قولُ أبي حنيفةً ، ولكنه لا يسمِيها فرضًا .
وحكى أبو الفرجِ الشيرازيَّ - من أصحابنا - روايةً عن أحمدَ : أنها فرضُ
عين .
وقال الشافعيَّ - في ((مختصر المزنيِّ) - : من وجب عليه حضورُ الجمعة
وجبَ عليه حضورُ العيدينِ .
وهذا صريحٌ في أنها واجبةٌ على الأعيانِ .
وليس ذلك خلافًا لإجماع المسلمين ، كما ظنه بعضهم .
وكثير من أصحابِه تأولوا نصَّه بتأويلات بعيدة ، حتى إن منهم من حملَه على
أن الجمعةَ فرضُ كفاية كالعيد .
وأقربُ ما يُتَأوَّل به : أن يُحملَ على أنَّ مُرَادَه: أنَّ العيدَ فرضُ كفاية ؛ لأن
فروضَ الكفايةِ كفروضِ الأعيانِ في أصلِ الوجوبِ ، ثم يسقط وجوبُ فرضٍ
الكفاية بفعل البعضِ دونَ فرضِ العينِ .
فقد يقالُ : إنَّ الشافعيَّ أراد أن يعلِّقَ الوجوبَ في العيد بمن يتعلقُ به وجوبُ
(١) كتب بحذائها : ((اقامتها)) ثم ضرب.

٧٧
٣ - بَابٌ سنة العيدين لأهل الإسلام
کتاب العیدین
الجمعة وإن كانت العيدُ تسقطُ بحضورِ بعضِ الناسِ دونَ الجمعة .
وهذا أشبهُ مما تأوَّلَه به أصحابُه ، مع مخالفته لظاهر كلامه وبُعده منه ؛ فإنه
صرَّح بوجوب الحضورِ في العيد كحضور الجمعة .
الحديث الثاني :
٩٥٢ - ناعبيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: نَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ،
قَالَتْ : دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ ، تُغْنِيّانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ
الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ. قَالَتْ: وَلَيْسَ بِمُغَنَتَيْنِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَزَاسِرٍ(١) الشَّيْطَانِ فِي
بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ◌َ﴿؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمٍ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِو ◌َ له: ((يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ
لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًاً، وَهَذَا صِيدٌ)) .
في هذا الحديثِ : الرخصةُ للجوارِي في يومِ العيدِ في اللعبِ والغناءِ بغناءِ
الأعرابِ . وإنْ سمعَ ذلك النساءُ والرجالُ ، وإن كانَ معه دفٌّ مثل دُفِّ العربِ ،
وهو يشبهُ الغربَالَ .
وقد خرّجه البخاريُّ في آخرِ ((كتابِ العيدينَ﴾(٢) من روايةِ الزهريِّ ، عن
عروة ، عن عائشةَ ، أنَّ أبا بكرٍ دخلَ عليها وعندها جاريتانِ في أيام مِنَّى تُدُفِّقَانِ
وتضربانِ، والنبيَّ نَّهِ متغشِّ بثوبِه، فانتهرَهما أبو بكرٍ، فكشفَ النبيّ ◌َِّ عن
وجهه، فقال: ((دعهما يا أبا بكر؛ فإنها أيام عيد))، وتلك [الأيام] (٣) أيام منّى.
ولا ريب أن العرب كان لهم غناء يتغنون به ، وكان لهم دفوف يضربون بها ،
وكان غناؤهم بأشعار أهل الجاهلية من ذكر الحروب وندب من قتل فيها ، وكانت
دفوفهم مثل الغرابيل ، ليس فيها جلاجل ، كما في حديث عائشة ، عن النبي
(١) في ((اليونينية)): ((أمزامير)) أو ((أبمزامير)).
(٢) برقم (٩٨٧).
(٣) ليس في الأصل .

٧٨
حديث : ٩٥٢
کتاب العیدین
وَلَّهُ: ((أعلنُوا النكاحَ واضربُوا عليه بالغربال)).
خرَّجه الترمذي وابن ماجه(١)، بإسناد فيه ضعفٌ .
فكان النبيُّ وَّوِ يرخُّص لهم في أوقاتِ الأفراحِ، كالأعيادِ والنكاحِ وقدُومٍ
الغُيَّابِ في الضرب للجواري بالدفوفِ ، والتغني مع ذلك بهذه الأشعار ، وما كان
في معناها .
فلما فُتحتْ بلاد فارسٍ والرومِ ظهرَ للصحابةِ ما كان أهلُ فارس والرومِ قد
اعتادُوهُ مِنَ الغناءِ الملحنِ بالإيقاعاتِ الموزونةِ ، على طريقةِ الموسيقى بالأشعارِ،
التي توصفُ فيها المحرماتُ من الخمورِ والصورِ الجميلةِ المثيرةِ للهوى الكامن في
النفوسِ ، المجبولِ محبته فيها ، بآلاتِ اللهوِ المطربة ، المخرج سماعُها عن
الاعتدالِ ، فحينئذ أنكرَ الصحابةُ الغناءَ واستماعَه ، ونَهْوا عنه ، وغلظوا فيه .
حتى قال ابن مسعود : الغناء ينبت النفاق في القلب ، كما ينبت الماء البقل.
وروى ، عنه - مرفوعًا .
وهذا يدل على أنهم فهمُوا أن الغناءَ الذي رخَّصَ فيه النبيُّ بَّ لأصحابه لم
يكن هذا الغناءَ ، ولا آلاته هي هذه الآلات ، وأنه إنما رخّص فيما كان في
عهده ، مما يتعارفه العرب بآلاتهم .
فأما غناءُ الأعاجم بآلاتهم فلم تتناولْه الرخصةُ، وإنْ سُمِّيَ غناءً ، وسُمِّيتْ
آلاته دفوفًا، لكنَّ بينهما منَ التباينِ ما لا يخفى على عاقلٍ ؛ فإن غناءَ الأعاجم
بآلاتها يثيرُ الهَوى ، ويغيرِّ الطباعَ ، ويدعو إلى المعاصي ، فهو رقيةُ الزّنًا .
وغناءُ الأعرابِ المرخصُ فيه ، ليسَ فيه شيءٌ مِن هذه المفاسدِ بالكليةِ البتةَ ،
فلا يدخلُ غناءُ الأعاجمِ في الرخصةِ لفظًا ولا معنّى ؛ فإنه ليس هنالك نصّ عن
الشارعِ بإباحةٍ ما يسمى غناء ولا دفًا ، وإنما هي قضايا أعيان ، وقع الإقرار عليها،
(١) الترمذي (١٠٨٩) وابن ماجه (١٨٩٥).
1
٠

٧٩
٣ - بَابٌ سنة العيدين لأهل الإسلام
كتاب العيدين
وليس لها [من](١) عموم .
وليس الغناء والدف المرخص فيهما في معنى ما في غناءِ الأعاجمِ ودفوفِها
المُصَلْصَلَةِ ؛ لأنَّ غناءهم ودفوفَهم تحرِّكُ الطباعَ وتُهَيِّجُهَا إلى المحرماتِ ،
بخلاف غناء الأعراب ، فمن قاسَ أحدهما على الآخرِ فقد أخطأ أقبحَ الخطإٍ ،
وقاسَ مع ظهورِ الفرقِ بين الفرعِ والأصلِ ، فقياسُه من أفسدِ القياسِ وأبعدِهِ عنِ
الصواب .
وقد صحتِ الأخبارُ عنِ النبيِّ نَِّ بذمٌّ من يستمعُ القيناتِ في آخرِ الزمانِ ،
وهو إشارة إلي تحريمِ سماعِ آلات الملاهي المأخوذةِ عنِ الأعاجمِ .
وقَدْ خرَّج البخاريُّ في ((الأشربةِ)) (٢) حديثَ عبد الرحمن بن غنمٍ ، عن
أبي مالكٍ - أو أبي عامرٍ - الأشعري، عنِ النبيِّ بَّر في ذلكَ، كما سيأتي في
موضعه - إن شاءَ اللَّهُ سبحانه وتعالى .
فقالَ فيهِ : ((قال(٣) هشامُ بْنُ عَمَّار)) - فذكره .
والظاهرُ : أَنَّه سمعَه مِنْ هشام .
وقد رواه عن هشامٍ الحسن بن سفيانَ النسويّ .
وخرَّجه من طريقه البيهقي(٤) وغيرِه .
وخرَّجه الطبرانيُّ (٥): نا محمدُ بنُ يزيدَ بن عبدِ الصمدِ : نا هشام بنُ عمارٍ .
فصحَّ واتصل عن هشامٍ .
(١) غير واضحة ، ولعلها كما أثبتها.
(٢) (٥٥٩٠) .
(٣) في الأصل: ((نا))، والصواب ما أثبته ، ويؤيده ما بعده .
(٤) (٢٢١/١٠) .
(٥) في ((مسند الشاميين)) (٥٨٨).
وكذا في ((الكبير)) (٢٨٢/٣): حدثنا موسى بن سهل الجوني : ثنا هشام - فذكره .

٨٠
حديث : ٩٥٢
کتاب العیدین
وخرَّجه أبو داودَ (٢) من وجه آخر مختصراً .
وقد بَيَّنَتْ عائشةُ أنَّ الجاريتينِ إنما كانا (٢) يغنيان بغناء بُعَاثِ، ويَوْمُ بُعاثٍ يومٌ
من أيامِ حروبِ الجاهليةِ مشهورٌ .
وباؤُهُ مثلَّثَةٌ وعَيْنُهُ مُهملةٌ ، ومنهم مَن حكَى أنها معجمةٌ .
قالَ الخطَّبيُّ (٣) : هو يومٌ مشهورٌ من أيامِ العربِ ، كانت فيه مقتلةٌ عظيمةٌ
للأوسِ على الخزرجِ ، وبقيتِ الحربُ قائمةً مائةً وعشرينَ سنةً إلى الإسلامِ ،
على ما ذكرَه ابنُ إسحاقَ وغيرُه .
قالَ : وكانَ الشعرُ الذي تغنيانِ به في وصف الشجاعة والحرب ، وهو إذا
صرف إلى جهاد الكفار كان معونة في أمر الدين ، فأما الغناء بذكرِ الفواحشِ
والابتهارَ (٤) للحُرُمِ ، فهو المحظورُ منَ الغناءِ ، حاشاهُ أن يجريَ بحضرتِه شيءٌ
من ذلك فيرضاهُ ، أو يترك النكيرَ لَه، وكلُّ من جهر بشيٍّءٍ بصوتِهِ وصرَّح بِهِ فقد
غَی به .
قالَ : وقولُ عَائشةَ: ((ليستَا بمغنَيتين))، إنما بَّنَتْ ذلك ؛ لأن المغنيةَ التي
اتخذت الغناءَ صناعةً وعادةً ، وذلك لا يليقُ بحضرته ، فأمَّا الترنُّم بالبيت
والتطريبُ للصوتِ إِذا لَمْ يَكُنْ فيهِ فحشٌ، فهو غيرُ محظورٍ ولا قادحٍ في الشهادةِ.
وكان عمرُ بنُ الخطابِ - رضي الله عنه - لا ينكر من الغناءِ النَّصْبَ والحداء
ونحوَهما ، وقد رخصَ فيه غيرُ واحدٍ من السلفِ .
قال : وقولُه : ((هذا عيدُنًا))، يريد أنَّ إظهارَ السرورِ في العيدِ من شعارِ
(١) (٤٠٣٩) .
وراجع: ((السلسلة الصحيحة)) (٩١).
(٢) كذا .
(٣) في ((شرح البخاري)) له (٥٩١/١ - ٥٩٤ - ٥٩٥).
(٤) الابتهار : قول الكذب والحلف عليه .