Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
٢ - باب فَضْلِ الغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
عياشٍ في لفظهِ ، أم لا ؟
وقد سبقَ القولُ في وجوبِ الجُمعةِ على مَن لم يحتلمْ من الصبيانِ في
(«بابِ: وضوءِ الصبيان)).
وحديث عمرَ وابنِ عمرٍ فيهما التصريحُ بأمرِ النبيِّ مََّ بالغسلِ للجمعةِ ،
وحديثُ أبي سعيدٍ فيه التصريحُ بوجوبهِ .
وقد اختلفَ العلماءُ في غسلِ الجمعةِ : هل هوَ واجبٌ - بمعنى : أنه يأثَمُ
بتركِه مع القدرةِ عليه بغيرِ ضررٍ -، أم هو مستحبّ - فلا يأثمُ بتركِه بحالٍ - ؟
ولم يختلفُوا أنه ليسَ بشرطِ لصحةِ صلاةٍ الجمعةِ، وأنها تصحّ بدونِه، ولهذا
أقرَّ عمرُ والصحابةُ مَن شهدَ الجمعةَ ولم يغتسلْ، ولم يأمرُوه بالخروجِ للغسلِ .
وقد استدلَّ - أيضًا - بذلك الشافعيُّ وغيرُه على أنه غيرُ واجب؛ لأنَّه لو كان
واجبًا لأمرُوه بالخروجِ له.
وأجابَ بعضُهم عن ذلكَ: بأنَّهم قد يكونوا خافوا عليه فواتَ الصلاة لضيقِ
الوقت.
وأكثرُ العلماء على أنه يستحبُّ، وليس بواجبٍ.
وذكر الترمذيُّ في ((كتابه)) (١) أن العملَ علي ذلكَ عندَ أهلِ العلمِ منَ الصحابةِ
ومَن بعدَهم.
وهذا الكلامُ يقتضي حكايةَ الإجماعِ على ذلكَ.
وقد حُكيَ عن عمرَ وعثمانَ، ومستندُ مَن حكاه عنهما: قصةُ عمرَ مع الداخلِ إلى
المسجد؛ فإنه قد وقعَ في روايةِ أنه كانَ عثمانَ، وسنذكرُها - إن شاءَ اللهُ تعالى.
وممَّنْ قال: هو سنةٌ: ابنُ مسعودٍ.
ورُوي عن ابنِ عباسٍ، أنه غيرُ واجبٍ، وعن عائشةِ وغيرِهم منَ الصحابةِ،
وبه قالَ جمهورُ فقهاء الأمصارِ: الثوريُّ، والأوزاعيَّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيّ،
(١) (٢ / ٣٧٠) .

٣٤٢
حديث : ٨٧٧ - ٨٧٩
كتاب الجمعة
وأحمدُ - في ظاهر مذهبِه -، وإسحاقُ .
ورواه ابنُ وهب عن مالكٍ، وأنه قيل لَه: في الحديث: «هو واجبٌ» ؟ قال
ليسَ كلُّ ما في الحديث: ((هو واجبٌ) يكونُ كذلك .
وهوَ اختيارُ عبدِ العزيزِ بنِ أبي سلمةَ وغيرِهِ من أصحابِهِ .
واستدلَّ مَن قالَ: ليس بواجبٍ: بما رُوي عنِ الحسنِ، عن سَمُرةَ، عن النبيِّ
وَّ، قال: ((مَن توضأ يومَ الجمعةِ فيها ونعمَتْ، ومَنِ اغتسلَ فالغسلُ أفضلُ)).
خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ والترمذيُّ (١)، وحسَّته .
وقد اختُلِفَ في سماعِ الحسنِ من سَمُرَةً .
وخرَّجه ابنُ ماجه(٢) من حديث يزيدَ الرقاشيِّ، عن أنسٍ - مرفوعًا - أيضًا.
ويزيدُ، ضعيفُ الحديث .
وفي ((صحيح مسلمٍ)) (٣) عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌َ، قال: ((مَن توضَّأَ
فأحسنَ الوضوءَ، ثم أتَى الجمعةَ فدنَا واستمعَ وأنصتَ غُفرَ له ما بينَه وبينَ الجمعة
الأخرَى، وزيادةُ ثلاثةِ أيامٍ) .
وهذا يدلُّ على أن الوضوءَ كافٍ، وأن المقتصرَ عليه غيرُ آثمٍ ولا عاصٍ، وأما
الأمرُ بالغسلِ فمحمولٌ على الاستحبابِ .
وقد رُوي من حديث عائشةَ وابنِ عباسٍ ما يدلُّ على ذلكَ، وسيأتي ذكرُه -
إن شاءَ اللّه تعالَى .
وأما روايةُ الوجوبِ ، فالوجوبُ نوعانِ: وجوبُ حَتْمٍ، ووجوبُ سنةٍ وفضلٍ .
وذهبتْ طائفةٌ إلى وجوبِ الغسلِ، ورُوي عن أبي هريرة، والحسنِ ، ورُوي -
أيضًا - عن سعدٍ، وعمارٍ، وابنِ عباسٍ - في روايةٍ أخرَى عنه -، وعن عبد الرحمن
(١) أحمد (٨/٥ - ١١ - ١٥ - ١٦- ٢٢) وأبو داود (٣٥٤) والنسائي (٩٤/٣) والترمذي (٤٩٧).
(٢) (١٠٩١) .
(٣) (٨/٣) .
. -

٣٤٣
٢ - باب فَضْلِ الْغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
ابن يزيد بن الأسود، وعطاءِ بنِ السائبِ، وعمرو بنِ سليمٍ وغيرِهم منَ المتقدِّمِينَ.
وحُكيَ روايةً عن أحمَد، قال أحمدُ - في رواية حربٍ وغيرِه -: أخافُ أن
يكونَ واجبًا، إلا أن يكونَ بردٌ شديدٌ .
وهذا لا يدلُّ على الوجوبِ جزمًا.
وهو روايةٌ عن مالكٍ، ولم يَذكرْ في ((تهذيب المدونة)) سواها .
وذكر ابنُ عبدِ البرِّ: أنه لا يعلَمُ أحدًا قال: إنه يأثمُ بتركِه ، غيرُ أهلِ الظاهرِ،
وأنَّ مَن أوجَبَه، قال: لا يأْثُمُ بتركِه.
وحكى - أيضًا - الإجماعَ على أنه ليسَ بفرضٍ واجبٍ.
وذَكَرَ عن عبدِ الرزاقِ (١)، عن ابنِ جريجٍ، قال: قلتُ لعطاء: غسلُ الجمعة
واجبٌ؟ قال: نعم، من تركَه فليسَ بآئمٍ .
قال عبدُ الرزاقِ (٣): وهو أحبُّ القولينِ إلى سفيانَ، يقولُ: هو واجبٌ.
يعنى: وجوبَ سنةٍ.
وذكرَ ابنُ عبدِ البرِّ قولينٍ للعلماءِ ، وذكر أنه أشهرُ الروايتينِ عن مالكِ.
والثاني: أنه مستحبُّ وليس بسنةٍ، بل هوَ كالطيبِ والسواكِ، وحكاه روايةً عن
مالك .
وحكى عن بعضِهم : أن الطيبَ يغني عنه، حكاهُ عن عطاءِ الخراسانيِّ، وعن
عبدِ الكَريمِ بنِ الحارثِ المصريِّ، وعن موسى بنِ صهيبٍ. قال: كانُوا يقولونَ
ذلك .
وعن النخَعيِّ، قال: ما كانُوا يرونَ غسلاً واجبًا إلا غسل الجنابة ، وكانوا
يستحبونَ غسلَ الجمعةِ .
(١) وهو في ((المصنف)) (١٩٨/٣).
والجملة الأخيرة ذكرت قبله (١٧٩/٣ - ١٨٩).
(٢) (١٩٦/٣) .

٣٤٤
حديث : ٨٧٧ - ٨٧٩
كتاب الجمعة
فابنُ عبدِ البرِّ لم يُثْبتْ في وجوبِ غسلِ الجمعةِ - بمعنى كونِه فرضًا يأثمُ
بتركِه - اختلافًا بينَ العلماءِ المعتبرين، وإنما خصَّ الخلافَ في ذلك بأهلِ الظاهرِ .
والأكثرونَ: أطلقوا حكايةَ الخلافِ في وجوبِ غسلِ الجمعةِ، وحكَوا القولَ
بوجوبِه عن طائفةٍ منَ السلفِ، كما حكاه ابنُ المنذرِ، عن أبي هريرةَ وعمارٍ،
وعن مالكٍ - أيضًا .
والذي ذكرَه ابنُ عبدِ البرَّ هو التحقيقُ في ذلك - واللهُ أعلمُ -، وأن مَنْ أطلقَ
وجوبَه إنما تبِعَ في ذلك ما جاءَ عنِ النبيِّ بََّ من إطلاقِ اسمِ ((الواجبٍ)) عليه،
وقد صرَّح طائفةٌ منهم بأن وجوبَه لا يقتضي الإثمَ بتركِه، كما حملَ أكثرُ العلماء
كلامَ النبيِّ وَِّ على مِثْلِ ذلك - أيضًا .
وممَّن صرَّحَ بهذا: عطاءٌ، كما سبقَ ذِكرُهُ عنه، ومنهم : يحيى بنُ يحيىَ
النيسابوريُّ ، والجوزجانيٌّ.
وقد تبينَ بهذا أن لفظَ ((الواجبٍ)) ليس نصًا في الإلزام بالشيءِ والعقابِ على
تركِهِ، بل قَدْ يُرادُ به ذلك - وهو الأكثرُ -، وقد يرادُ به تأكدُ الاستحبابِ والطلبِ .
ولهذا قال إسحاقُ : إن كلَّ ما في الصلاةِ فهوَ واجبٌ، وإن كانتِ الصلاةُ
تعادُ من تركِ بعضِه، كما سبقَ ذکرُه عنه.
وسبقَ - أيضًا -، عن الشافعيِّ وأحمدَ في لفظ: ((الفرض)) ما يدلُّ على نحو
ذلك ، فالواجبُ أولى ؛ لأنَّه دونَ الفرضِ .
ونصَّ الشافعيُّ - في رواية البُوَيْطِيِّ - على أن صلاةَ الكسوفِ ليست بنفلٍ ،
ولكنها واجبةٌ وجوبَ السنَّة .
وهذا تصريحٌ منه بأن السنةَ المتأكدةَ تسمَّى ((واجبًا))(١). واللهُ أعلمُ.
(١) انظر: ما قاله المؤلف حول هذه المسألة الهامة في كتابه: ((جامع العلوم والحكم)) (٢/ ١٥٠ -
١٥٤ بتحقيقي) .
١

٣٤٥
٣ - بَابُ الطِّيب للجُمُعَة
كتاب الجمعة
٣ - بَابُ
و ور
الطِّيب للْجُمُعَة
٨٨٠ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ: ثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ،
قَالَ: حَدَثَنِي عَمْرُو بْنُ سُلَيْمِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى
رسَوُلُ اللّهِ بََّ، قَالَ: ((الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ، وَأَنْ
يَمَسَّ طَيَِّا إِنْ وَجَدَ» .
قَالَ عَمْروُ: أَمَّا الْغُسْلُ، فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجبٌ، وَأَمَّ الاسْتِنَانُ وَالطِّيبُ ، فَاللّهُ
أَعْلَمُ (١) وَاجِبٌ هُوَ ، أَمْ لاَ؟ وَلَكِنْ هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ: هُوَ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكِدِرِ ، وَلَمْ يُسَمَّ أَبُو بَكْرِ هَذَا (٢)، رَوَى
عَنَّهُ بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ وَ سَعِدُ بْنُ أَبِي هِلَلٍ وَعِدَّةٌ .
وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ بُكُنَّى بِأَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي عَبْدِ اللّهِ .
((عليّ) شيخُ البخاريُّ، هو : ابنُ المدينيِّ، وقد اختُلفَ عليه في إسنادِ هذا
الحديث - فيما ذكرَه الدارقطنيُّ في ((علله)) -:
فرواه عنه تمتامٌ، كما رواه عنهُ البخاريّ.
ورواه الباغنديَّ عنه، فزادَ في إسناده: ((عبد الرحمنِ بنَ أبي سعيدٍ))، جعلَه:
عن عَمرِو بنِ سليمٍ، عن عبد الرحمنِ، عن أبيه .
وكذا رواه سعيد بنُ أبي هلالٍ ، عن أبي بكرِ بنِ المنكدرِ ، عن عَمْرٍو ، عن
عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه .
(١) في ((م)): ((والله أعلم)).
(٢) في الأصل ((م): ((هكذا)) والمثبت من ((اليونينية)).

٣٤٦
حديث : ٨٨٠
كتاب الجمعة
خرجه مسلمٌ (١) من طريقِه كذلك.
وخرَّجه - أيضًا - من روايةٍ بُكيرِ بنِ الأشجِّ، عن أبي بكرِ بنِ المنكدرِ، ولم
يذكرْ في إسنادِهِ: ((عبدَ الرحمنٍ)).
وعن الدارقطنيٌّ: أن ذِكْرَ ((عبدِ الرحمنِ)) في إسنادِهِ أصحٌّ من إسقاطِه.
وتصرفُ البخاريِّ يدلُّ على خلاف ذلك؛ فإنه لم يخرجِ الحديثَ إلا
بإسقاطِه، وفي روايتِه: أن عَمْرو بنَ سليمٍ شهدَ على أبي سعيدٍ، كما شهدَ أبو
سعيدٍ على النبيِّ ◌َّهِ، وهذا صريحٌ في أنه سمِعَه من أبي سعيدٍ بغيرِ واسطةٍ .
وكذا رواهُ إبراهيمُ بن عَرْعَرَةَ، عن حَرَمَيِّ بنِ عِمَارَةَ - أيضًا.
خرَّجه عنه المروزيُّ في ((كتاب الجمُعةِ)) .
وكذا رواه القاضي إسماعيلُ، عن عليٍّ بنِ المدينيِّ، كما رواه عنه البخاريُّ.
خرَّجه من طريقِه ابنُ منده في ((غرائب شعبة)).
وكذا خرَّجه البيهقيُّ (٢) من طريقِ الباغنديِّ، عن ابنِ المدينيَ .
وهذا يخالفُ ما ذكرَه الدار قطنيُّ عن الباغنديِّ.
وذكرَ الدارقطنيُّ: أن بكيرَ بنَ الأشجِّ زادَ في إسنادِهِ: ((عبدَ الرحمنِ بنَ
أبي سعيدٍ» ، وهو - أيضًا - وَهْمٌ منه .
فالظاهرُ: أن إسقاطَ عبدِ الرحمنِ من إسنادِهِ هو الصوابُ، كما هي طريقةُ
البخاريِّ .
وأما أبو بكرِ بنُ المنكدرِ(٣)، فهو: أخُو محمدِ بنِ المنكدرِ، وهو ثقةٌ جليلٌ ،
ولمَ يُسَمَّ ، كذا قاله البخاريُّ هاهنا، وأبو حاتم الرازيّ .
(١) (٣/٣-٤) .
(٢) (٢٤٢/٣) .
(٣) في الأصل: ((المنذر)) خطأ.
١
٠

٣٤٧
٣ - بَابُ الطِّيب للْجُمُعَة
كتاب الجمعة
وإنما نبّه البخاريُّ على ذلك لئلاَّ يتوهَّمَ أنه محمدُ بنُ المنكدر، وأنه ذُكرَ
بكنْيَتَه؛ فإنَّ ابنَ المنكدرِ كان يكنَّى بأبي بكرٍ وبأبي عبدِ اللهِ .
ويعضِّدُ هذا الوهمَ: أن سعيدَ بنَ سلمةَ بنِ أبي الحسامِ رُوي عنه هذا
الحديثُ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن عَمْرِو بنِ سليمٍ، عن أبي سعيدٍ، ورُوي
عنه ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن أخيه أبي بكرٍ، عن عمرو ، عن أبي سعيدٍ،
وهو الصوابُ.
وفي الطيبِ للجمعةِ أحاديثُ أخرُ ، يأتي بعضها - إن شاء اللَّه تعالى.
وأكثرُ العلماءِ على استحبابِ الطِّيب للجمعةِ :
روى وكيعٌ ، عنِ العُمريِّ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أن عمرَ كان يجمِّر ثيابَه
للمسجدِ يومَ الجمعةِ .
وروى عبيد اللَّه بن عمر، عن نافعٍ ، قالَ: كان ابنُ عمرَ إذا راحَ إلى
الجمعة اغتسلَ وتطيبَ بأطيبِ طيبٍ عندَه.
ورُوي عنه، أنه كان يستجمرُ للجمعةِ بالعودِ.
ورُوي عن عمرَ، أنه كان يأمرُ بتجميرِ المسجدِ يومَ الجمعةِ(١).
ولم تزلِ المساجدُ تجمَّرُ في أيامِ الجمعِ من عهدِ عمرَ.
وفي الأمرِ بتجميرِها في الجمعِ حديثٌ مرفوعٌ، خرجه ابنُ ماجه(٢) من حديث
واثلةَ بنِ الأسقعِ، وإسناده ضعيفٌ جداً.
ومذهبُ مالك: أن يتصدقَ بثمَن ما يجمَّرَ به المسجدُ، أو يحلقُ، وقال: هو
أحبُّ إليَّ : - ذكرَه في ((تهذيب المدونة)).
(١) رواه سعيد بن منصور، كما في ((زاد المعاد)) (٣٨٢/١).
وروى أبو يعلى (١/ ١٧٠) من طريق العمري، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر كان يجمَّر
مسجد رسول الله ◌َلي كل جمعة. والعمري ضعيف.
(٢) (٧٥٠) وهو قطعة من حديث: ((جنبوا مساجدكم صبيانكم ... ))، وقد تقدم.

٣٤٨
حديث : ٨٨٠
كتاب الجمعة
وسيأتي عن ابنِ عباسِ التوقفُ في الطيبِ للجمعةِ .
وقد يقالُ: إنما توقفَ في وجوبِهِ، كما توقفَ عَمْرُو بنُ سليمِ الأنصاريُّ،
فقد روى ابنُ عيينةَ، عن إبراهيمَ بنِ ميسرةَ، عن طاوُسٍ، قال: سمعتُ أبا هريرةَ
يوجبُ الطيبَ يومَ الجمعةِ(١)، فسألتُ ابنَ عباسٍ عنه؛ فقال: لا أعلَمُهُ(٢).
قال سفيانُ: وأخبرني ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: مَن أَتَّى
الجمعةَ فليمسَّ طيبًا، إن كانَ لأهلِه، غيرَ مُؤْثِّمٍ مَن تركَهَ(٣).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ (٤) من حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ، عن النبيِّ ◌ِّ،
قال: (( حقًّا علَى المسلمين أن يغتسلُوا يومَ الجمعة، وليمسَ أحدُهم مِن طيبِ
أهله ، فإنْ لم يجدْ فالماءُ طيبٌ)) .
وقال الترمذيُّ: حسنٌ.
وذكر في ((علله))(٥) أنه سألَ البخاريَّ عنه، فقال: الصحيحُ: عن البراءِ
موقوفٌ.
(١) هذا القدر أخرجه عبد الرزاق (١٩٦/٣ - ١٩٧) عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن
طاوس.
(٢) وهذا أخرجه (١٩٨/٣) من طريق ابن جريج، عن إبراهيم بن ميسرة.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٩٧/٣ - ١٩٨) عن ابن جريج عن عطاء.
(٤) أحمد (٢٨٢/٤ -٢٨٣) والترمذي (٥٢٨).
(٥) (ص ٩١).

٣٤٩
٤ - بَابُ فَضْلِ الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
٤ - بَابُ
فَضْلِ الْجُمُعَةِ
٨٨١ - ثَنَا عَبْدُ اللّه بْنُ يُؤُسفَ: أَنَا مَالِكٌّ، عَنْ سُمَيِّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِوَ قَالَ: ((مَنِ
اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ
النَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ في [السَّاعَةِ] الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ،
وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّبِعَةِ فَكَأَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فيِ السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ
فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةٌ، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ).
قولُهُ: ((منِ اغتسلَ يومَ الجمعةِ، ثم راحَ)) يدلُّ على أن الغسلَ المستحبُّ
للجمعةِ أولُه طلوعُ الفجرِ، وآخرُهُ الرواحُ إلى الجمعةِ، فإنِ اغتسلَ قبلَ دخولِ يوم
الجمعةِ لم يأتِ بسنةِ الغسلِ، كما لو اغتسلَ بعد صلاة الجمعةِ .
وممَّن قال: لا يصيبُ السنةَ بالغسلِ للجمعةِ قبلَ طلوعِ الفجرِ: مالكٌ،
والشافعيُّ، وأحمدُ، وأكثرُ العلماءِ.
ورُوي معناه عن ابنِ عمرَ.
خرجه حربٌ الكرمانيُّ بإسنادٍ فيه نظرٌ.
وأجازه الأوزاعيُّ، وهذا الحديثُ حجةٌ عليه، وكذلكَ حديثُ أبي سعيدٍ
المتقدمُ (١): ((غسلُ يومٍ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ محتلمٍ)).
وحُكي عن أحمدَ ما يدلُّ على صحتِهِ سَحَرًا - أيضًا.
ورُوي عن الشعبيِّ ومجاهدٍ ، وهو وجهٌ للشافعيةِ - أيضًا - ، وقولُ يحيى بنِ
(١) برقم (٨٨٠).

٣٥٠
حديث : ٨٨١
كتاب الجمعة
یحیی النيسابوريِ.
وقولهُ: ((غسلَ الجنابةِ)) في تأويلِه قولانِ:
أحدُهما: أن المرادَ به: تعميم [بدنه] (١) بالغسلِ، كما يعمَّه بغسلِ الجنابةِ .
ويشهدُ لذلك: الحديثُ (٢) الآخرُ الذي فيه : «فيغسلُ رأسَه وجسدَه)) .
فيكونُ المعنى: اغتسالُه للجمعةِ كاغتسالِه للجنابةِ، في المبالغةِ وتعميمِ البدنِ
بالماءِ، وهذا قولُ أكثرِ الفقهاءِ منَ الشافعيةِ وغيرِهم.
والثاني: أن المرادَ به: غسلُ الجنابةِ حقيقةً، وأنه يستحبُّ لِمِنْ له زوجةٌ أو
أمةٌ أن يطأها يومَ الجمعةِ، ثم يغتسلُ، وهذا هوَ المنصوصُ عن أحمدَ، وحكاه
عن غيرٍ واحدٍ من التابعينَ، منهم: هلالُ بنُ يَسَاف، وعبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ
وغيرُهما .
ورُوي عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ، قال: كانَ يعجبُهم أن يواقِعُوا النساءَ يومَ
الجمعة ؛ لأنهم قد أُمروا أن يغتسلُوا، وأن يُغَسِّلوا.
وقول طائفة من الشافعية، وحملُوا عليه - أيضًا - حديثِ أوسِ بنِ أوسٍ، عنِ
النبيِّ وَّهِ، قال: ((مَنْ غسَّلَ يومَ الجمعَةِ واغتسلَ)(٣) - الحديثَ.
وقالوا: المرادُ: من اغتسلَ بنفسِه وغسَّل من يطؤُه من زوجة أو أمة.
فعلى هذا: يستدلُّ بالحديث على أنَّ من عليه غسلُ الجنابةِ، فاغتسلَ للجنابةِ
يومَ الجمعةِ، فإنه يجزئُه عن غسلِ الجمعةِ، وسواءٌ نَوى به الجمعةَ، أو لم ينوِ.
أما إن نواهُما بالغسلِ، فإنه يحصلُ له رفعُ حدثِ الجنابةِ وسنةُ غسلِ الجمعةِ
بغيرِ خلافٍ بينَ العلماءِ، رُوي ذلك عن ابنِ عمرَ، وتبعه جمهورُ العلماءِ.
وللشافعية وجهٌ ضعيفٌ: لا يجزئُه عنُهما، وقالهُ بعضُ الظاهرية.
(١) في الأصل ((م)): ((به)) كذا، والصواب ما أثبته .
(٢) يأتي برقم (٨٩٧).
(٣) أخرجه أحمد (٩/٤ - ١٠٤) وأبو داود (٣٤٥) والنسائي (٩٧/٣) وابن ماجه (١٠١٧).
١

٣٥١
٤ - بَابُ فَضْلِ الجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
وحُكِيَ عن مالك، وقيلَ: إنه لا يصحُّ عنه، إنما قالَه بعضُ المتأخرينَ من
أصحابِه. وقد ذُكِرَ ذلك للإمامِ أحمدَ عن مالكِ فأنكرَه.
وأما إنْ نوَى بغسلِه الجنابةَ خاصةً؛ فإنه يرتفعُ حدثُهُ منَ الجنابةِ .
وهل يحصلُ له سنةُ الاغتسالِ للجمعةِ؟ على قولينٍ: أشهرُهما: لا يحصلُ
له، ورُوي عن أبي قتادةَ الأنصاريِّ صاحبِ النبيِّمَه؛ لقولِهِ وَلَّهِ: («الأعمالُ
بالنيات، وإنما لامرئ ما نوَى)) (١)، وهو المشهورُ عن مالك، ورُوي نحوُهُ عن
الأوزاعيِّ، وأحدُ الوجهينِ لأصحابِ الشافعيِّ وأحمدَ، ونصَّ عليه أحمدُ في رواية
الشالنجي .
والثاني: يحصلُ له غسلُ الجمعةِ بذلكَ، وهو أحدُ قولي الشافعيِّ، وقولُ
أشهبَ المالكيِّ، وهو نصُّ الشافعيِّ، وقولُ أبي حنيفةَ وإسحاقَ، مع كونِ أبي
حنيفةَ يعتبرُ النيةَ لنقلِ الطهارةِ، وحكاهُ ابنُ عبدِ البرِّ عن عبدِ العزيزِ بنِ أبي سلمةَ
والثوريِّ والشافعيِّ والليثِ بنِ سعدٍ والطبريِّ، وهوأحدُ الوجهين لأصحابنا .
وأما إنْ نوَى الجنبُ غسلَ الجمعةِ، ولم ينوِ غسلَ الجنابةِ، فهل يرتفعُ حدثُ
الجنابةِ بذلك؟ فيه قولانِ للشافعيِّ، وروايتانِ عن أحمدَ .
ومِن أصحابِنا مَن رجَّح: أنه لا يرتفعُ؛ لأن غسل الجنابةِ(٢) ليس سبَّبُهُ
الحدثَ؛ ولهذا يشرعُ للطاهرِ .
وعلى هذا: فهلْ يحصلُ له به سنةُ غسلِ الجمعةِ مع بقاءِ غسلِ الجنابةِ عليه؟
فيه وجهانِ لأصحابِنا والشافعيةِ، أصحُهما: أنه يحصلُ له ذلكَ.
واختلفَ أصحابُ مالكٍ: هل يرتفعُ حدثُه بنيةِ غسلِ الجمعةِ؟
فقال: ابنُ القاسم: لا يجزئه، وحكاه ابنُ عبدِ الحكمِ عن مالكٍ.
وقال أشهبُ وابنُ وهبٍ والأكثرونَ منهم : يجزئُه . وهو قولُ المزنيِّ .
(١) حديث صحيح مشهور، راجع أول حديث في كتاب المصنف ((جامع العلوم والحكم)) بتحقيقي.
(٢) كذا، ولعل الأشبه في هذا الموضع: ((غسل الجمعة)). والله أعلم.

٣٥٢
حديث : ٨٨١
كتاب الجمعة
وقولُه: ((ثم راحَ)) يدلُّ على أنه لا تحصلُ سنةُ الاغتسال للجمعة إلا قبلَ
صلاة الجمعةِ، وأَنَّه لو اغتسلَ بعد الصلاةِ في بقيةِ اليومٍ لم يكن آتيًا بفضيلةِ
الغسلِ المأمورِ بهِ، وقد حكى ابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُهُ الإجماعَ على ذلكَ.
وأظنُّ بعضَ الظاهريةِ يخالفُ فيهِ ، ويزعمُ: أن الغسلَ لليوم لا للصلاةِ، ولا
يُعبأ بقوله في ذلك.
ويدل على أنه يحصلُ المقصودُ بالغسلِ، وإن اغتسلَ أولَ نهار الجمعة إذا كان
الرواحُ متعقبًا له .
فإن لم يتعقّبْهُ الرواحُ، بل أخرَ الرواحَ إلى بعدِه، فقال أكثرُ العلماء: تحصلُ
له - أيضًا - سنةُ الغسلِ، وقالُوا: ((ثم)) تقتضِي التراخي، فيصدقُ ذلك بأن يؤخرَ
الرواحَ إلى الزوالِ .
وتأخيرُ الغسلِ إلى حينِ الرواحِ أفضلُ، نصَّ عليه أحمدُ وغيرُه .
وذهبَ طائفةٌ إلى أنه لا تحصلُ له فضيلةُ الغسلِ إلا بأن يتعقَّبه الرواحُ، وهو
قولُ مالك، وحكاه الطحاويُّ عنِ الأوزاعيِّ، وهو يخالفُ قولَه المشهورَ عنه: أن
الغسلَ للجمعةِ يجزئُ منَ الليل، كما تقدمَ .
ومذهبُ مالك في ذلك، أنه لا يجزئ الغسلُ إلا متصلاً بالرواحِ، فإن اغتسلَ
وراحَ، ثم أحدثَ أو خرجَ من المسجدِ إلى موضعٍ قريبٍ، لم ينتقضْ غسلُه، وإن
تباعدَ أو تغدَّى أو نامَ انتقضَ غسلُه وأعادَه -: ذكره في ((تهذيبِ المدونة)).
واستدلُّوا بقوله : ((إذا جاءَ أحدُكُمْ إلى الجمعة فليغتسلْ)).
ويجابُ عنه: بأن هذا كقوله تعالى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسلُوا
وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآيةَ، والمرادُ: أنه يتضيق الوجوبُ على القائمِ للصلاةِ،
فكذلك يتضيقُ وقتُ الغسلِ على الآتي إلى الجمعةِ .
فأما إن كان قد فعلَه قبل ذلكَ فإنه يجزئه، ولا إعادةَ عليه عند قيامه ورواحه،

٣٥٣
٤ - بَابُ فَضْلِ الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
كمن أدَّى الدَّين الواجبَ عليه قبلَ تضايقِ وقتِ أدائِه، فإنه لا يُؤْمَر بأدائِه مرةً
أخرى بعدَ ذلك .
ولو اغتسلَ للجمعةِ ثم انتقضَ وضؤوه، فهلْ يستحبُّ له إعادتُه، أم يكفيه
الوضوءُ؟ فيه قولان:
أحدُهما: يكفيه الوضوءُ، وهو قولُ عبد الرحمنِ بنِ أبزَى والحسنِ ومجاهدٍ
ومالكِ والليثِ والأوزاعيِّ والشافعيِّ وأحمدَ .
والثاني: أنه يعيدُ غسلَه ، وهو قولُ طاوُسِ والزهريِّ وقتادةَ ويحيى بنِ
أبي كثيرٍ .
وروى ابنُ أبي شيبةً (١) بإسنادِهِ، عن إبراهيمَ التيمِيِّ، قال: كانُوا يحبُّونَ لِمَنِ
اغتسلَ يومَ الجمعةِ أن لا يكونَ بينَه وبينَ الجمعةِ حدثٌ. قال: وكانوا يقولونَ: إذا
أحدثَ بعدَ الغسلِ عادَ إلى حالِه التي كانَ عليها قبل أن يغتسلَ .
وعن أبي يوسفَ، أنه بنى (٢) هذا الاختلاف على أن الغسلَ هل هو لليومِ أو
للصلاة، فمَن قال: إنه لليومِ قال: يجزئُه غسلهُ، ومَن قال: إنه للصلاة قال:
يعيدُه؛ لأنه إذا توضأً فإنما شهدَ الصلاة بوضوءٍ لا بغسلٍ .
وخالفَ الأكثرونَ في ذلك، وقالُوا: بل شهدَ الصلاةَ بغسلٍ؛ لأن الحدثَ
الموجبَ للوضوء ليس منافيًا للغسلِ، وحصولِ النظافةِ بِهِ
ولو أحدثَ حدثًا موجبًا للغسلِ، مثلُ أن أجنبَ، فحُكِيَ عنِ الأوزاعيِّ، أنه
يعيدُ غسلَ الجمعة - أيضًا -؛ لأنه قد أتى بما يبطلُ الغسلَ .
وعن الجمهورِ خلافُه؛ لأنه إنما أتى بما يوجبُ غسل الجنابةِ، فَيُكْتَفَى بِهِ،
ولا حاجة إلى إعادته لغسلِ الجمعةِ .
وقولُه: ((ثم راحَ فكأنما قربَ بدَنةً)) المرادُ: راحَ في الساعة الأولى؛ بدليل
(١) (٤٣٨/١).
(٢) أخشى أن يكون سقط وقع .

٣٥٤
حديث : ٨٨١
كتاب الجمعة
قوله: ((ومَنْ راحَ في الساعة الثانية)).
وقد خرّجه مالكٌ في ((الموطأ)(١) عن سُمَيِّ بهذا الإسنادِ، وفيه التصريحُ بذکرِ
الساعةِ الأولَى.
وقد اختلفَ العلماءُ في المراد بهذه الساعاتِ: هل هي من أولِ النهارِ، أو بعد
زوالِ الشمسِ؟ على قولينٍ:
أحدُهما: أن المرادَ بها آخرُ الساعةِ التي بعدَ زوالِ الشمسِ؛ لأن حقيقةَ
الرواحِ إنما تكونُ بعدَ الزوالِ، والغدوُّ يكونُ قبلَه، كما قال تعالى: ﴿غَدَوَّهَا شَهْرٌ
وَرَوَاحُهَا شَهْرَ﴾ [سبأ: ١٢].
واستدلُّوا - أيضًا - بالحديثِ الآخرِ: ((المهجرُ إلى الجمعة كالذي يهدي
بَدَنَةً)) (٢)، فجعل البدَنَة بالتهجُّرِ، والتهجيرُ إنما هو الإتيانُ بالهاجَرَةَ، وإنما يكونُ
ذلك بعدَ الزوالِ .
هذا تأويلُ مالكٍ وأكثرِ أصحابِهِ، ووافقَهمْ طائفةٌ منَ الشافعيةِ على ذلك.
والقولُ الثاني: أن المرادَ بالساعاتِ مِن أولِ النهارِ، وهو قولُ الأكثرينَ .
ثم اختلَفُوا: هلْ أولُها مِن طلوعِ الفجرِ، أو من طلوعِ الشمسِ؟
فقالت طائفةٌ: أولها مِن طلوعِ الفجرِ، وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ وأحمدَ .
واستدلُّوا بقوله: ((إذا كان يومُ الجمعةِ، كان على أبوابِ المسجد ملائكةٌ
يكتبونَ الناسَ الأولَ فالأولَ)) - الحديثَ، كما سيأتي ذكرُهُ(٣) - إن شاءَ اللّهُ تعالى.
وظاهرُهُ: أن ذلكَ يكونُ بعدَ طلوعِ الفجرِ .
وقالت طائفةٌ: أولُها من طلوعِ الشمسِ، وحُكِيَ عنِ الثوريِّ وأبي حنيفةً
(١) (ص ٨٤) .
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٩/٢ - ٢٥٩ - ٢٨٠) وغيره.
(٣) (٩٢٩) .

٣٥٥
٤ - بَابُ فَضْلِ الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
ومحمدٍ بنِ إبراهيمَ البوشنجيِّ، ورجحَه الخطابيُّ وغيرُهُ؛ لأن ما قبلَه وقتٌ للسعي
إلى صلاةِ الفجرِ .
ورجحَ هذا القولَ عبدُ الملكِ بنُ حبيبِ المالكيُّ .
وهؤلاء حملُوا الساعاتِ على ساعاتِ النهارِ المعهودَةِ، وهو الظاهرُ المتبادرُ
إلى الفهمِ.
وأما ذكرُ الرواحِ ، فعنه جوابانِ:
أحدُهما: أنه لما كانَ آخرُ الساعاتِ بعدَ الزوالِ، وهو رواحٌ حقيقيٌّ، سُمِيتْ
كلُّها رواحًا، كما يسمَّى الخارجُ للحجِّ والجهادِ حاجًا وغازيًا قبل تلبّسِه بالحجُ
والغزوٍ؛ لأن أمرَه ينتهي إلى ذلكَ .
والثاني: أن الرواحَ هنا أُريدَ به القصدُ والذَّهابُ، مع قطعِ النظرِ عن كونِه قبلَ
الزوالِ أو بعدَه .
قال الأزهريُّ وغيرُهُ: الرواحُ والغدوُّ عندَ العربِ يستعملانِ في السيرِ ، أيَّ
وقتٍ كانَ مِنَ ليلٍ أو نهارٍ، يقال: راحَ في أولِ النهارِ وآخرِهِ، وغداً بمعناه.
وأما التهجيرُ، فيجابُ عنه، بأنه استُعمِلَ في هذا المعنَى بمعنَى التبكير -
أيضًا - لا بمعنى الخروجِ في الهاجرةِ.
وقيلَ: إنه ليسَ من الهاجرةِ، بل منَ الهجرةِ، والمرادُ بها: هَجْرُ الأعمال
الدنيويةِ للسعِي إلى الجمُعةِ.
وقد دلَّ على استحبابِ التبكيرِ من أوَّلِ النهارِ حديثُ أوسِ بنِ أَوْسٍ، عن
النبيِّ وَّهِ: (مَنِ اغتسلَ يومَ الجمعةِ وغسَّلَ، وبكَّرَ وابتكرَ، ودنَا واستمعَ كانَ له
بكلِّ خطوة يخطُوها أجرُ سنة صيامها وقيامها)) .
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ والنسائيُ وابنُ ماجه وابنُ حبانَ

٣٥٦
حديث : ٨٨١
كتاب الجمعة
في ((صحيحه)(١).
وحسَّنَه الترمذيُّ .
وله طرقٌ متعددةٌ، قد ذكرنَاها في ((شرحِ الترمذيِّ» .
وفي روايةٍ للنسائيِّ: ((وغداً وابتكرَ)).
وفي بعضِ رواياته: ((ومشَى ولم يركبْ)).
وظاهرُ الحديثِ: يدلُّ على تقسيمٍ يومٍ الجمعة إلى اثني عشرَ ساعةٌ، وأنَّ
الخطبةَ والصلاةَ يقعانِ في السادسةِ منْهَا .
ومتى خرج الخطيبُ طوتِ الملائكةُ صحفَها، ولم يُكتب لأحدٍ فضلُ التبكيرِ،
وهذا يدلُّ على أنه بعدَ الزوالِ لا يُكتبُ لأحد شيءٌ من فضلِ التبكيرِ إلى الجمعةِ
بالكلِيةِ .
وظاهرُ الحديثِ: يدلُّ على تقسيمِ نهارِ الجمعةِ إلى اثني عشرَ ساعةً مع طولٍ
النهارِ وقصرِهِ، فلا يكونُ المرادُ به الساعاتِ المعروفةَ مَن تقسيمِ الليلِ والنهارِ إلى
أربعة وعشرينَ ساعةً؛ فإنَّ ذلك يختلف باختلاف طولِ النهارِ وقصرِهِ .
ويدلُّ على هذا: حديثُ جابٍ، عنِ النبيِّ وََّ، قال: ((يومُ الجمُعةِ ثنَتَاَ عشرةَ
ساعةً، لا يوجدُ مسلمٌ يسألُ اللّهَ شيئًا إلا آتاه إياهُ، فالتمِسُوها آخرَ ساعةٍ بعدَ العصرِ».
خرجه أبو داود والنسائيُّ (٢) بإسنادِ كلُّهم ثقاتٌ .
وظاهرُهُ: يدلُّ على أنَّ ساعةَ الإجابةِ جزءٌ من هذه الأجزاءِ الاثني عشر
المتساويةِ في جميعِ فصولِ السنةِ .
وزعمَ بعضُ الشافعيةِ: أنه ليس المرادُ بالساعاتِ في التبكيرِ الأربع
والعشرون ، بل ترتيبُ الدرجاتِ ، وفضلُ السابقِ على الذي يليه ، لئلاً
(١) أحمد (١٠٤/٤) وأبو داود (٣٤٥/١) والترمذى (٤٩٦) والنسائى (٩٥/٣ -٩٦) وابن ماجه
(١٠٨٧) وابن حبان (٢٧٨١) .
(٢) أبو داود (١٠٤٨) والنسائي (٩٩/٣).

٣٥٧
٤ - بَبُ فَضْلِ الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
يستوي في الفضيلة رجلان جاءا في طرفي ساعة .
ورد ذلكَ آخرونَ منهم، وقالُوا: مَن جاء في أولِ ساعةٍ مِن هذهِ الساعاتِ
وآخرِها مشتركانِ في تحصيلِ أصلِ البدنةِ أو البقرةِ أو الكبشِ مِثْلاً، ولكنَّ بدنةً
الأولِ أو بقرتَه أكملُ ممَّ للذي جاءَ في آخرِها، وبدنهُ المتوسطِ متوسطةٌ .
وهذا هو الأقربُ، وعليه يُحْمَلُ الحديثُ الذي خرجه عبدُ الرزاقِ (١)، عن ابنِ
جريجٍ، عن سُمَيِّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّ، قال: ((إذا
كانَ يومُ الجمعة فاغتسلَ (٢) أحدُكم كما يغتسلُ من الجنابة، ثم غداً في أول ساعة،
فلَه من الأجرِ مثلُ الجزورِ، وأولُ الساعةِ وَآخرُها سواءٌ)) - وذكر مثلَ ذلك في
الثانية، والثالثة، والرابعة، يقول: ((أولُها وآخرُها سواءٌ))، وزاد في آخر الحديث:
(ثم غُفْرَ له إذا استمعَ وأنصتَ ما بينَ الجمُعتينِ ، وزيادةُ ثلاثة أيام)) .
وفي هذه الرواية: ذكرُ الغدوِّ إلى الجمُعةِ، والغدوُّ يكونُ من أولِ النهارِ .
وقولُه: ((فكأنما قرَّب بدنةً، فكأنما قرب بقرةً» - إلى آخرِه - يدل على أن
أفضلَ ما يتقربُ به من الهدايا البدنُ، ثم البقرُ، ثم الغنمُ، وهو قولُ الجمهورِ،
خلافًا لمالك، ويذكرُ في موضعٍ آخرَ مستوفى - إن شاءَ اللهُ تعالى .
ويدلُّ - أيضًا - على أن الجمعةَ فيها شبهٌ منَ الحجِّ، وقد رُوي في حديثٍ
ضعيفٍ : ((الجمعةُ حجُ المساكينِ)) .
قال ابن المسيبِ: شهود الجمعةِ أحبُّ إليَّ مِنْ حجةٍ نافلةٍ .
وخرَّج البيهقيُّ (٣) من حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ - مرفوعًا - : ((إنَّلكم في كلِّ
جمعة حجةً وعمرةً ، فالحجةُ التهجيرُ للجمعة ، والعمرةُ انتظارُ العصرِ بعدَ
الجمعة)) .
(١) (٢٤١/٣).
(٢) في الأصل: ((فليغتسل))، والمثبت من ((المصنف)). وهو الأشبه بالسياق.
(٣) البيهقي (٢٤١/٣) .

٣٥٨
حديث : ٨٨١
كتاب الجمعة
وقال: هو ضعيفٌ .
وقد رُويَ : ((إن المؤمنَ يصبِحُ يومَ الجمعةِ كالمحرِمِ، فلا يأخذْ من شعره،
ولا من أظفاره حتى يصلِّيَ)(١).
وقد حُكيَ عن أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ أنهما كرها أن يُجعلَ يومُ الجمعةِ
ميقاتًا لأخذِ الشَّعَرِ والظفرِ، واستُدِلَّ لهما بهذا الحديث .
وقد رُوي من حديثٍ عليٍّ - مرفوعًا -: أن ذلك يكونُ يومَ الخميسِ، وإسنادُه
لا یصحَّ .
واستحبَّ بعضُ أصحابِنا فعلَه يومَ الخميسِ ؛ لذلكَ .
والحديثُ الذي ذُكرَ فيه الإحرامُ ، هو بإسنادٍ مجهولٍ، عن أبي معشرٍ، عنِ
نافعٍ، عن ابنِ عمرَ - مرفوعًا -: ((يصبح الرجلُ محرمًا يومَ الجمعة، فلا يحلّ
حتى يصلِّيَ، فإذا جلسَ في مكانه حتى يصلِّيَ العصرَ رجعَ بحجة وعمرة)) .
وهو منکرٌ، لا یصحّ.
قال البيهقيَّ (٢): قد رُويَ عنِ ابنِ عباسٍ - مرفوعًا - في ((المؤمنُ يومَ الجمعة
كهيئةِ المحرِمِ، لا يأخذُ من شعرِه ولا منْ أظفاره حتى تنقضيَ الصلاةُ))، وعن
ابنِ عمرَ - مرفوعًا - : ((المسلمُ يومَ الجمعة محرمٌ، فإذا صلَّى فقد أحلَّ)،
فإنما رُويا عنهما بإسنادَين ضعيفَيْنٍ، لا يحتج بمثلهما .
قال: وفي الروايةِ الصحيحةِ عنِ ابنِ عمرَ مِنْ فِعْلِهِ دليلٌ على ضعف ما
خالفه .
ورُوي(٣) من طريقِ ابنِ وهبٍ، بإسنادٍ صحيح، عن نافعٍ، أن ابنَ عمرَ كان
يقلِّم أظفَارَه ويقصَّ شارِبَه فىِ كلِّ جمعةٍ .
(١) البيهقي (٢٤٤/٣).
(٢) البيهقي (٢٤٤/٣).
(٣) البيهقي (٢٤٤/٣).

٣٥٩
٤ - بَابُ فَضْلِ الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
قال: وروِّيْنا عن أبي جعفرٍ - مرسلاً - ، أن النبي وَّ كان يستحبُّ أنْ يأخذَ
من شاربِهِ وأظفارِهِ يومَ الجمعةِ .
وروى بإسناده، عن معاويةَ بنِ قرةَ، قالَ: كان لي عمَّانِ قد شهدا الشجرةَ،
يأخذانِ من شواربِهما وأظفارِهما كلِّ جمعة .
وخرَّج البزارُ في «مسندِه) والطبرانيُّ (١) من روايةِ إبراهيمَ بنِ قدامةَ، عن
الأغرِّ، عن أبي هريرةَ، أن النبيَّ وَّهِ كان يقلِّمُ أظفارَه ويقصُّ شاربَه يومَ الجمعةِ،
قبل أن يخرجَ إلى الصلاةِ .
قال البزارُ: لم يتابَعْ إبراهيمُ بنُ قدامةَ عليه، وهو إذا انفردَ بحديثٍ لم يكن
حجةً ؛ لأنه ليس بمشهور .
قلت: وقد رُوي عنه، عن عبدِ اللّهِ بنِ عَمْرٍو، عن النبيِّ أَآلام
٠
قال ابنُ أبي عاصمٍ: أحسِبُ هذا - يعني : عبدَ اللّهِ بنَ عَمٍو - رجلاً من
بني جمحٍ ، أدخله يعقوب بن حميد بن كاسب في ((مسند قريشٍ)) في الجمحيينَ.
يشيرُ إلى أنه ليسَ ابنَ العاصِ .
وكذا ذكرَ ابنُ عُبدِ البرِّ، وزادَ أَنَّ في صحبِهِ نظرًا(٢).
وفي الباب - أيضًا- من حديثِ ابنِ عباسٍ وعائشةَ وأنسٍ، أحاديثُ مرفوعةٌ،
ولا تصحُّ أسانيدُها .
وقال راشدُ بنُ سُعدٍ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ ◌ِ ◌ّله يقولونَ: مَنِ اغتسلَ يومَ
الجمعةِ واستاكَ وقلَّم أظفارَه فقدْ أوجبَ .
خرجه حميدُ بنُ زنجویه
وممنِ استحبَّ ذلك: النخَعيِّ.
(١) البزار (٦٢٣ - كشف) والطبراني في ((الأوسط)) (٨٤٢).
(٢) وراجع: ((الإصابة)) (١٩٩/٤).

٣٦٠
حديث : ٨٨١
كتاب الجمعة
قال مكحولٌ: مَنْ قصَّ شاربَه وأظفارَه يومَ جمُعةٍ لم يمتْ من الماءِ الأصفرِ .
وقال حميدٌ الحميريُّ من قصَّ أظفارَه يومَ الجمعةِ أخرجَ اللَّهُ منه الداءَ،
وأدخلَ فيه الشفاءَ.
وكان الإمامُ أحمدُ يفعلُه.
واستحبَّه أصحابُ الشافعيِّ وغيرُهم؛ فإنه من كمالِ التنظفِ والتطهرِ المشروعِ
في يوم الجمعةِ، فيكونُ مستحبًا فيه، كالطيبِ والدهنٍ، والمُحْرِمُ بخلافِ ذلك .
ويشهدُ لذلك: ما خرَّجه ابنُ حبانَ في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرةَ، عن
النبيِّ ◌َِّ، قالَ: ((مِنْ فطرةِ الإسلامِ: الغسلُ يومَ الجمعة، والاستنانُ، وأخذُ
الشارب، وإعفاءُ اللحى؛ فإنَّ المجوسَ تعفي شواربَها وتحفي لحاها، فخالفُوهم،
خذُوا شواربَكم وأعفوا لحاكُمْ)).
فقرنَ أخذَ الشاربِ بغسلِ يومِ الجمعةِ والاستنانِ، وقد صحَّ الأمرُ بالاستنان
في يوم الجمعةِ - أيضًا .