Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
١٦١ - بَابُ وُضُوءِ الصَِّانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْغُسْلُ
کتاب الأذان
الحديثُ الرابعُ :
٨٦١ - حديثُ ابنِ عباسٍ(١): أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حَمَار أَنَان، وَأَنَا يَوْمَئِذْ قَدْ
نَاهَزْتُ الاخْتِلاَمَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ يُصَلَّى بِالنَّاسِ بِمِنَّى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ
بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الأَثَانَ تَرْتَعُ ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفَبِّ، فَلَمْ
يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ .
قد سبقَ هذا الحديثُ في (( بابِ : سترةِ الإمامِ سترةٌ لمن خلفَه )) من طريق
مالك ، خرَّجه هناك عن عبدِ اللهِ بنِ يوسفَ ، عن مالك ، وخرجه هنا عن
عبدِ اللهِ بن مسلَمةَ - هو : القَعَنِيُّ - ، عن مالكٍ .
والمراد بتخريجه هاهنا : الاستدلالُ على صحةِ صلاةِ الصبيِّ ، وأنه يدخلُ
في صفِّ الرجالِ ويقفُ معَهم .
وقد استدلَّ بهذا مالكٌ على أن الأفضلَ أن يجعلَ في الصفِّ بين كلِّ رجلين
صبيًا ؛ ليتعلم أدبَ الصلاةِ وخشوعَها .
وهو أحدُ الوجهين للشافعيةِ .
والثاني لهم : يقفُ الصبيانُ إذا كثرُوا صَفًا خلفَ الرجالِ .
وهو مذهبُنا ومذهبُ أبي حنفيةِ .
واستدلُوا لذلك بقول النبيِّ ◌َّ: ((ليلني أولوا الأحلامِ منكم والنُّهى، ثم
الذينَ يُونَهم ، ثم الذين يلُونَهم)) .
خرجه مسلمٌ (٢).
(١) قبل هذا الحديث في ((اليونينية)) حديث أنس، أن جدته مليكة دعت رسول الله وله لطعام
صنعته - الحديث ، ولم يذكره المؤلف ، وعليه سقط رقمه ، ويكون مجموع أحاديث الباب
سبعة لا ستة . والله أعلم .
(٢) (٢ / ٣٠) .

٣٠٢
حديث : ٨٦١
کتاب الأذان
وبما رَوَى شهرُ بنُ حوشبِ : حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ غنمٍ ، أن أبا مالك
الأشعريَّ جمعَ قومَه ، فقال : اجتمعُوا واجمعُوا نساءَكم وأبناءَكم أعلِّمُكم صلاةَ
النبيِّنَّهِ، فاجتمعُوا وجمعُوا نساءَهم وأبناءَهم ، وأرَاهم كيفَ يتوضأُ ، فأحصَى
الوضوءَ أماكِنَه، حتى [ لمَّا ] أن فاءَ الفيُ وانكسرَ الظلُّ قام فأذَّن، وصفَّ الرجال
في أدنى الصفةِّ، وصفَّ الولدان خلفهم، وصفَّ النساءَ خلفَ الولدانِ ، ثم أقامَ
الصلاةَ ، فتقدَّمَ فصلَّى - وذكر قصة الصلاةِ ، ثم قال : إنها صلاةُ رسولِ الله
· 鶏
خرجه الإمامُ أحمدُ بتمامِه ، وخرجه أبو داودَ مختصراً(١).
ولو قامَ الصبيَّ في وسطِ الصفِّ، ثم جاء رجلٌ ، فله أن يؤخرَه ويقومَ
مقامَه، نص عليه (٢)، وفعله أبيُّ بنُ كعبٍ بقيسِ بنِ عبادٍ، ورُوي نحوُهُ عن عمرَ -
أيضًا - ، فهذا(٣) قولُ الثوريِّ وأحمدَ، وقد سبقَ ذكرُه في (( أبوابِ الصفوفِ» .
ولو كان الصبيُّ في آخرِ الصفِّ ، فقام رجلٌ خلفَه في الصفِّ الثاني ، فقال
أحمدُ : لا بأسَ به ، هو متصلٌ بالصفِّ .
وحمله القاضي على أن الصفَّ إذا كان فيه خللٌ ، فوقفَ رجلٌ لم يبطلِ
اتصالُه ؛ لأن الصبيَّ لا يصافَّ في الفرضِ ، على المنصوصِ لأحمدَ .
ومِن أصحابنا مَن قال : لا يصافَّ في الفرضِ ولا في النفلِ ، ولو قلنا :
تصحُ إمامته في النفل .
وهذه طريقةُ أبي الخطابِ ، أنه تصحُّ مصافّتُه في الفرضِ والنفلِ ، وهو قولُ
الأوزاعيِّ وإسحاقَ؛ لأنه محكومٌ بصحة صلاته، وإن لم تصحّ إمامته للرجالِ .
(١) أحمد (٣٤١/٥ - ٣٤٢، ٣٤٣) وأبو داود (٦٧٧).
(٢) الظاهر أنه سقط اسم الذي نص على ذلك.
(٣) كذا .

٣٠٣
١٦١ - بَابُ وُضُوء الصِّبْيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْغُسْلُ
كتاب الأذان
وكذا قال الثوريُّ ومالكٌ وأبو حنيفة والشافعيِّ ، لكنه يجيز إمامتَه للرجال
ومصافتُه أولى .
وكلُّ هؤلاء يقولون فيمن أمَّ رجلاً وصبيًّا: إنهما يقفان خلفَه ، وعند أحمد :
يقفان عن يمينه ، أو يقفُ بينهما ، وعليه حملَ وقوفَ ابنِ مسعودٍ بين علقمةَ
والأسود ، وقال : كان الأسودُ غلامًا .
وحديثُ ابنِ عباسِ الذي خرجه البخاريُّ في هذا البابِ يدلُّ على أن دخولَ
الصبيِّ المميزِ في صف الرجالِ في الصلاةِ المفروضةِ هو السنَّةُ . واللهُ أعلمُ .
الحديثُ الخامسُ :
٨٦٢ - حديثُ عائشةَ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فِي الْعِشَاءِ، حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ : قَدْ
نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِوَّهِ - وذكرَ الحديثَ.
وقد سبقَ في (( أبوابِ المواقيتِ )) ، وذكرنا هنالك إسنادَ هذه الروايةِ التي في
هذا البابِ ، وأنها من وجهينِ : مسندٍ ومعلَّقٍ ، وبقيةَ الحديثِ .
والمقصودُ منه هاهنا : أنَّ الصبيانَ كانوا يشهدونَ مع الرجالِ الصلاةَ المكتوبةَ
في المسجدِ معَ النبيِّ وَلِهِ.
الحديثُ السادسُ :
٨٦٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: ثَنَا يَحْيَى: حَدَّقَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ
ابْنُ عَابِسٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : شَهِدْتَ الْخَرُوُجَ مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ﴿؟ قَالَ: فَعَمْ، وَلَوْلاَ مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ - يَغْنِي : مِنْ صِغَرِهِ -
وذكرَ بقيةَ الحدیثِ .
ويأتي في (( صلاة العيدينِ))(١) - إن شاءَ اللهُ .
(١) (٩٧٧) .

٣٠٤
حديث : ٨٦٢ - ٨٦٣
كتاب الأذان
وقد خرَّجه هناك عن مسدد، عن يحيى، وفيه: أن النبيَّ وَّهِ قال
لابنِ عباسٍ (١): أشهدتَ العيدَ معَ رسولِ اللهِ وَِّ؟ قالَ: نعمْ.
والمرادُ في هذه الروايةِ بالخروجِ : الخروجُ للعيدِ .
والمقصود من الحديث هاهنا : أن الصبيانَ كانوا يشهدونَ صلاةَ العيدِ معَ
النبيِّ ◌َِّ .
قولُهُ: (( لولا مكاني منه ما شهدتُه - يعني: من صغرِهِ ))، يدلُّ على أن مَن
كان في سنُّه لم يكن خروجُهُ إلى العيدِ معتادًا، وإنما أخرجَ ابن عباسٍ لقرِبِهِ منَ
النبيِّ وَِّ، فكأنَّ الإمامَ له مزِيةٌ على الناسِ في الخروجِ إلى العيدِ ، حتى يخرجُ
حاشيته كلَّهم ، صغيرهم وكبيرَهم .
ولعل ابنَ عباسٍ أشارَ إلى خروجهِ في عيدٍ وهو صغيرٌ في أوَّلِ سنِّ التمييزِ ،
وإلاَّ فقدْ أدركَ من حياة النبيِّ وَ ﴿ بعد ذلك مدةً ؛ فإنه كان في حجّة الوداعِ
[مناهزاً](٢) للاحتلامِ ، كما سبقَ في الحديث الماضِي .
(١) كذا بالأصل، وهو خطأ ظاهر، والذي في البخاري: (( .. عبد الرحمن بن عابس، قال:
سمعت ابن عباس ، قيل له : شهدت العيد ... )).
(٢) في الأصل ((هـ)): ((غلامًا)) خطأ، والحديث قد تقدم في الباب وهو برقم (٨٦١) ، وأيضًا
تقدم في ((العلم)) برقم (٧٦)، وفيه:((وأنا يومئذ قد ناهزتُ الاحتلام)).

٣٠٥
١٦٢ - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَساجِدِ بِالَّيْلِ
كتاب الأذان
١٦٢ - باب
خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِلَّيْلِ وَالْغَسِ
لما فرغَ مِن ذكرِ أحكامِ صلاةِ الرجالِ وصلاةِ الصبيانِ شرعَ في ذكر حكمٍ
صلاةِ النساءِ ، فأفردَ لذلك أبوابًا وابتدأَها بخروجِهِنَّ إلى المساجدِ في الليل وغَلَسِ
الفجرِ .
وخرَّج فيه ستةَ أحاديثَ :
الحديثُ الأولُ :
٨٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخَبْرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ
عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِالْعَتَمَةِ، حَتَّى نَادَاهِ عُمَرُ : نَامَ النِّسَاءُ
وَالصِّيَانُ - وذكرَ بقيةَ الحديثِ .
وقد ذكرنا باقيه في (( أبوابِ المواقيتِ)).
والمقصود منه هاهنا : الاستدلالُ على شهودِ النساءِ صلاةَ العشاءِ مع
النبيِّ ◌َيهِ .
الحديثُ الثاني :
٨٦٥ - ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ حَظَلَةٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبّدِ اللَّهِ ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿ِ، قَالَ: ((إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجَدِ فَأْذَنُوا
لَهُنَّ» .
تَعَهُ: شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَئِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَِّّ ◌َ.
((حنظلةُ))، هو : السدوسيّ .
ءِ
وقد رواه الترمذيُّ - أيضًا - عن سالم .

٣٠٦
حديث : ٨٦٤ - ٨٦٥
کتاب الأذان
وخرجه البخاريُّ فيما بعدُ (١)، ويأتي قريبًا -إن شاءَ اللهُ.
وليس فيها : ذکرُ اللیلِ .
وكذلك رواه نافعٌ ، عنِ ابنِ عمرَ ، وغيرهم - أيضًا .
ورواية ◌ُلأعمشِ ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عمرَ الَّتي علَّقها البخاريُّ ، خرجها
مسلمٌ في ((صحيحه )) (٢) من روايةِ أبي معاويةً وعيسى بنِ يونُس ، كلاهما عن
الأعمشِ ، به ، ولفظُه: ((لا تمنعُوا النساءَ من الخروجِ إلي المساجدِ بالليلِ)).
وخرجه - أيضًا (٣) - من روايةِ عَمٍو ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عمرَ ، عن
النبيِّ وَِّ، قال: ((اثْذَنُوا للنساء بالليلِ إلى المساجدِ)) .
وخرج البخاريُّ (٤) في (( كتاب الجمعةِ)) من طريق عمرٍو - أيضًا - ،
وسيأتي - إن شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى .
ومرادُ البخاريُّ بالمتابعة : ذكرُ الليلِ ، مع أن مسلمًا خرَّج حديثَ حنظلةَ عن
سالمٍ، ولم يذكرْ فيه : (( بالليل )» .
وقال الإمامُ أحمدُ في روايةِ حنظلةَ ، عن سالمٍ ، عن أبيه : إسنادٌ حسنٌ .
الحديثُ الثالثُ (٥):
٨٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّد : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنِ
(١) (٧٧٣) .
(٢) (٢/ ٣٢) .
(٣) (٣٣/٢).
(٤) (٧٩٨).
(٥) في بعض نسخ البخاري قبل هذا الحديث ترجمة جديدة ، وهي « ١٦٣ - باب انتظار الناس
قيام الإمام العالم)). وهي نسخة ((الفتح))، ولذا سقط رقمها هاهنا . هذا مع أن ابن حجر
اعتبرهما بابًا واحدًا مثل ابن رجب ، وهذا عجب من الأستاذ عبد الباقي.

٣٠٧
١٦٢ - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَساجِدِ بِالَّيْلِ
کتاب الأذان
الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنِي هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِّ ◌َ أَخْبَرَتْهَا، أَنَّ
النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ وََّ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّه
تَ﴿ وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ الَّهِ وَ قَامَ الرِّجَالُ.
قد سبقَ هذَا الحديثُ ، وهذا السياقُ أتمُّ مما تقدمَ .
وليس في هذا الحديث : ذكرُ الليل (١)، والظاهرُ أنه كان نهارًا، أو أعمّ من
ذلك.
الحديثُ الرابعُ :
٨٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ-ح
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ
بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَيُصَّلِّي الصُّبْحَ،
فَنْصَرِفُّالنِّسَاءُ مُتَفَّعَاتٍ بِمَّرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْفَلَسِ.
قد سبقَ هذا الحديثُ في ((أبوابِ المواقيتِ )) من روايةِ الزهريِّ ، عن عروةَ،
عن عائشةَ - بمعناه .
وفيه: دليلٌ على شهودِ النساءِ صلاةَ الصبحِ معَ النبيِّ ◌ََِّ، ورجوعِهِن في
غلَسِ الظلامِ.
الحديثُ الخامسُ :
٨٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مسْكين - يَعْنِي: ابْنَ نميلَةَ -: ثَنَا بِشْرُ بُنْ بَكْرِ: أَبْنَا
الأَوْزَاعِيُّ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِير، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ: ((إِنِّي لأَقُومُ إِلَى الصَّلاَةِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ
(١) في الأصل مشتبهة، وقد تقرأ: ((أنه ليلاً)).

٣٠٨
حديث : ٨٦٩
كتاب الأذان
الصَّبِيِّ، فَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِ، كَرَاهَةَ(١) أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّه)).
(( نُميلةُ )) بالنونِ ، ذكرَهَ ابنُ ماكولا(٢)، وهو يماميٌّ ثقةٌ.
وقد تقدمَ هذا الحديثُ في (( أبواب الإمامةِ)) مع أحاديثَ أخرَ متعددةٍ في هذا
المعنى .
والمرادُ هاهنا من ذلك: أن النساءَ كنَّ يشهدنَ الصلاةَ خلفَ رسولِ اللهِ ◌ِّ
في المسجدِ، ومعهنَّ صبيانُهُنَّ، وأن النبيَّ وَ ◌ِّ كانَ يعلَمُ ذلك، ويراعِي في
صلاته حالَهُن ، ويؤثرُ ما يهوِّنُ عليهن ، ويجتنبُ ما يشقُّ عليهن ، وذلك دليلٌ
على أن حضورَهُنَّ الجماعة معه غيرُ مكروهِ ، ولولا ذلك لنهاهُنَّ عن الحضورِ
معه للصلاة .
الحديثُ الساسُ :
٨٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِوَلِ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ [ بَعْدَهُ](٣)
لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ (٤) كَمَا مُنْعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ .
قُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَوَ مُنِعْنَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
تشيرُ عائشةُ - رضي الله عنها - إلى أن النبيَّ وَ﴿ كان يرخِّصُ في بعض ما
يرخِّصُ فيه حيثُ لم يكن في زمنِهِ فسادٌ ، ثم يطرأُ الفسادُ ويحدثُ بعدَه ، فلو
أدركَ ما حدثَ بعدَه لما استمرَّ على الرخصةِ ، بل نهَى عنه ؛ فإنه إنما يأمرُ
بالصلاحِ ، وينهَى عن الفسادِ .
(١) في ((اليونينية)): ((كراهية)) أو ((مخافة)).
ء
(٢) ((الإكمال)) (٥١٦/١).
(٣) ليست في ((اليونينية)).
(٤) في ((اليونينية)): ((المساجد)).

٣٠٩
١٦٢ - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالَّيْلِ
کتاب الأذان
وشبيهٌ بهذا: ما كانَ في عهدِ النبيِّ رَِّ وعهدِ أبي بكرٍ وعمرَ من خروجٍ
الإماءِ إلى الأسواقِ بغير خمارِ ، حتى كان عمرُ يضرِبُ الأمةَ إذا رآها منتقبةً أو
مستترةً ، وذلك لغلبةِ السلامةِ في ذلك الزمانِ ، ثم زال ذلك وظهرَ الفسادُ
وانتشرَ ، فلا يرخَّص حينئذٍ فيما كانوا يرخِّصُون فيهِ .
فقد اختلفَ العلماءُ في حضورِ النساءِ مساجدَ الجماعاتِ للصلاةِ معَ الرجالِ :
فمنهم من كرِهَهُ بكلِ حالٍ ، وهو ظاهرُ المرويِّ عن عائشةَ - رضي الله
عنها- ، وقد استدلَّتْ بأن الرخصةَ كانت لهنَّ حيث لم يظهرْ منهنَّ ما ظهرَ ،
فكانت لمعنّی وقد زالَ ذلك المعنَى.
قال الإمامُ أحمد : أكره خروجَهُنَّ في هذا الزمانِ ؛ لأنهن فتنةٌ .
وعن أبي حنيفة روايةٌ : لا يخرجْن إلا للعيدينِ خاصةً .
وروى أبو إسحاقَ ، عن الحارثِ ، عن عليٍّ، قال : حقٌّ على كلِّ ذات
نطاقٍ أن تخرجَ للعيدينِ . ولم يكن يرخَّصُ لهنَّ في شيءٍ من الخروجِ إلا في
العيدين .
ومنهم مَن رخَّص فيه للعجائزِ دونَ الشوابِ ، وهو قولُ مالكِ - في روايةٍ -
والشافعيِّ وأبي يوسفَ ومحمدٍ ، وطائفة من أصحابِنا أو أكثرِهم .
حكاهُ ابنُ عبدِ البرِّ عن العلماءِ ، وحكاهُ عن مالكِ من روايةٍ أشهب : أن
العجوزَ تخرجُ إلى المسجدِ ولا تكثرُ التردُّدَ ، وأن الشابةَ تخرجُ مرةً بعد مرَّةٍ .
وقال ابنُ مسعودٍ : ما صلَّت امرأةٌ صلاةً أفضلَ من صلاتِها في بيتها ، إلا أن
تصلّيَ عند المسجدِ الحرامِ ، إلا عجوزًا في مَنْقَلِهَا .
خرجه و کیعُ(١) وأبو عبيد .
وقال : يعني : خُفِّها
(١) وأخرجه ابن أبي شيبة عنه (١٥٦/٢).

٣١٠
حديث : ٨٦٩
كتاب الأذان
وخرَّجه البيهقيُّ (١)، وعنده : إلا في مسجدِ الحرامِ ، أو مسجدِ الرسولِ
وستا
ومنهم مَن رخَّص فيه للجُمَعِ ، إذا أمنت الفتنة ، وهو قولُ مالك - في
رواية ابنِ القاسمِ، ولم يذكر في «المدونة »(٢) سواه - ، وقولُ طائفة من
أصحابنا المتأخرين .
ثم اختلفوا : هل يرخّص لهن في الليلِ والنهارِ ، أم في الليلِ خاصةً ؟ على
قولين .
أحدُهما : يرخَّص لهنَّ في كلِّ الصلواتِ ، وهو المحكيّ عن مالك
والشافعيِّ وأبي يوسفَ ومحمدٍ ، وقولُ أصحابِنا .
واستدلُّوا بعمومِ الأحاديثِ المطلقةِ ، وبخروجِهِنَّ في العيدين ، فأما المقيدةُ
بالليلِ ، فقالوا : هو تنبيهٌ على النهارِ من طريق الفحَوى ؛ لأنَّ تمكنَ الفساقِ من
الخلوةِ بالنساءِ والتعرضِ لهنَّ بالليلِ أظهرُ ، فإذا جازَ لهنَّ الخروجُ بالليلِ ففي
النهارِ أولَى .
وقالت طائفةٌ : إنما يرخَّص لهنَّ في الليلِ ، وتبويبُ البخاريِّ يدلُّ عليه ،
ورُويَ مثلُه عن أبي حنيفةَ ، لكنه خصه بالعجائزِ .
وكذا قالَ سفيانُ : يرخَّص لهنَّ في العشاء والفجرِ . قال: ويُنْهَى عن
حضورِهِنَّ تراويحَ رمضانَ .
ومذهبُ إسحاقَ كأبي حنيفةَ والثوريِّ في ذلك ، إلا أنه رخَّص لهنَّ في
حضور التراويح في رمضان .
وهؤلاء استدلَّوا بالأحاديث المقيدة بالليلِ ، وقالُوا : النهارُ يكثرُ انتشارُ
(١) (٣/ ١٣١).
(٢) (١٩٥/١).

٣١١
١٦٢ - بَبُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَساجِدِ بِالَّيْلِ
كتاب الأذان
الفساق فيه ، فأما الليلُ فظلمتُه مع الاستتارِ تمنعُ النظرَ غالبًا ، فهو أسترُ
ورُوي عن أحمدَ ما يدلُّ على أنه يكره للمرأةِ أن تصلَِّ خلفَ رجلٍ صلاةً
جهرية .
وهذا عكسُ قولِ مَنْ رخَّص في خروج المرأةِ إلى المسجدِ بالليلِ دونَ
النهار.
قال مُهَنَّا : قالَ أحمدُ : لا يعجبُني أن يؤمَّ الرجلُ النساءَ ، إلا أن يكون في
بيته ، يؤُمُّ أهلَ بيِهِ ، أكرَه أن تسمع المرأةُ صوتَ الرجلِ .
وهذه الروايةُ مَبْنِيَّة - واللهُ أعلمُ - على قولِ أحمدَ : إن المرأةَ لا تنظرُ إلى
الرجلِ الأجنبيِّ، فيكونُ سماعُها صوتَه كنظرِها إليهِ ، كما(١) أن سماعَ الرجلِ
صوتَ المرأة مكروهٌ كنظرِه(٢) إليها ؛ لما يُخشى في ذلك من الفتنةِ .
وإنْ صلَّى الرجلُ بنساءِ لا رجلَ معهن ، فإن كنُ محارمَ له أو بعضُهنَّ جازَ ،
وإن کنَّ أجنبیاتٍ فإنه يُكرُه .
وإنما يُكرَه إذا كانَ في بيتِ ونحوِهِ ، فأما في المسجدِ فلا يُكرَه ؛ لا سيما إن
كانَ فيه رجالٌ لا يصلُّون معهم .
فقد رُوي أن عمرَ - رضي الله عنه - جعل للنساءِ في قيامِ رمضانَ إمامًا يقومُ
بهنَّ على حِدَةٍ ، كما(١) جعلَ للرجالِ إمامًا .
وأما في بيتٍ ونحوِهِ فيكرَه ؛ لما فيه من الخلوةِ .
فإن كانَ امرأةٌ واحدةٌ ، فهو مُحرَّمٌ ، وإن كانَ امرأتانِ فهل يَمنَعُ ذلك
الخلوةَ ؟ فيه (٣) لأصحابِنا وجهانِ .
(١) في الأصل: ((وكما)).
(٢) في الأصل: (( كنظرها )) خطأ.
(٣) في الأصل: (( وفيه)).

٣١٢
حديث : ٨٦٩
كتاب الأذان
ومتى كثرُ النساءُ فلا يحْرُّمُ ، بل يُكْرَه .
ومن أصحابِنا مَنْ عللَ الكراهةَ بخشيةِ مخالطةِ الوَسواسِ له في صلاتِه .
ومذهبُ الشافعي: إن صلَّى بامرأتين أجنبيتين فصاعدًا خاليًا بهنَّ فطريقان(١)،
قطعَ جمهورُهم بالجوازِ . والثاني : في تحريمه وجهان .
وقيل : إن الشافعيَّ نصَّ على تحريمٍ أن يؤُمَّ الرجل نساءً منفرداتٍ ، إلا أن
يكونَ فيهنَّ محرَمٌ له، أو زوجةٌ ، وإن خلا رجلانِ أو رجالٌ ، فالمشهورُ عندَهم
تحريمه .
وقيلَ : إن كانوا مِمَّن يبعدُ مواطأتُهم على الفاحشةِ جازَ .
فإن صلَّي بهن في حالِ يُكرَه ، كرهتِ الصلاةُ وصحَّتْ. وإن كان في حالِ
تحريم ، فمن أصحابِنا مَن جزَم ببطلانِ صلاتِهما .
وكرَه طائفةٌ منَ السلفِ أن يصلِّيَ الرجلُ بالنساءِ الأجنبياتِ وليس خلفَه صفٌّ
من الرجالِ ، منهم : الجزريُّ (٢).
وكذلك قال الإمامُ أحمدُ - في رواية الميمونيِّ - : إذا كان خلفه صفُ
رجالٍ صلَّي خلفه النساءُ؛ لأنَّ النبيَّ ◌َّهِ صلَّى بأنسٍ واليتيمُ وأُمُّ سليمٍ وراءَهم.
قيل له : فإن لم يكن رجالٌ ، كانوا نساءً ؟ قال : هذه مسألةٌ مشتبهَةٌ . قيل له :
فصلاتُهم جائزةٌ ؟ قال : أما صلاته فهي(٣) جائزةٌ . قيل له : فصلاةُ النساء ؟ قال:
هذه مسألةٌ مشتبهةٌ .
فتوقّف في صحةِ صلاتِهن ، دونَه .
(١) الظاهر أن هاهنا سقطاً .
(٢) كذا ، ولعله مصحف .
(٣) في الأصل: ((فهو)) وقد يكون صوابه. ((هو فجائزة)).

٣١٣
١٦٤ - بَابُ صَلَةَ النِّسَاءِ خَلْفَ الرِّجَالِ
كتاب الأذان
١٦٤ - بَابُ
صَلَاَة النِّسَاء خَلْفَ الرِّجَال
فِيه حديثَانِ :
الأولُ :
٨٧٠ - حَديثُ أُمِّ سَلَمَةَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِّهِ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حينَ يَقْضِي
تَسْلِيمَهُ، وَيَمْكُثُ فِي مَقَامِهِ هُوَ يَسِيرًا(١) قَبْلَ أَنْ يَقُومَ.
قَالَ (٢) : فَنُرَى(٣) - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ
يُدْرِكَهُنَّ أَحَدٌ من الرِّجَالِ .
خرجه عن يحيى بنِ قزعَة ، عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ .
وقد خرّجه فيما تقدَّم من طريقين ، عنه (٤).
ووجهُ استدلاله به علَى تأخيرِ النساءِ : أن النساءَ إذا كنَّ يُصلِّين في مؤخرٍ
المسجد أمكنَ أن يتبادَرْنَ إلى القيامِ والخروجِ قبلَ الرجالِ ، فلو كنَّ يصلِين في
مقدم المسجدِ لم يتمكَّنَّ من ذلك .
الثاني :
٨٧١ - حديثُ أنسٍ: صَلَّى النَِّيُّنَّهُ فِي بَيْتِ أُمَّ سُلَيْمٍ، فَقُمْتُ وَيَنِيمٌ خَلْفَهَ،
وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا .
خرجه عن أبي نعيمٍ ، عن ابنِ عيينةَ ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ ، عن أنسٍ .
(١) في ((اليونينية)): ((ويمكث هو في مقامه يسيرًاً)).
(٢) هذا من قول الزهري .
(٣) في ((اليونينية)): ((نرى)).
(٤) (٨٣٧) (٨٤٩) (٤٥٠) .

٣١٤
حديث : ٨٧٠ - ٨٧١
كتاب الأذان
ووجهُ الاستدلال به ظاهرٌ ، إلا أنَّ الأولَ هذه الجماعة لم تكن في
المسجد (١).
وقد خرَّج فيما تقدمَ (٢) حديثَ سهلِ بنِ سعدٍ : كان الناسُ يصلُّونَ مع النبيِّ
وَ﴿ عاقدِي أُزْرِهِم مِنَ الصِّغَرِ على رقابِهم، فقيلَ [للنساءِ](٣): ((لا ترفعنَ (٤)
رءوسكُنَّ حتى يستويَ الرجالُ جلوسًا » .
خرجه في ((أبوابِ: اللباسِ)) وفي ((أبوابِ: السجودِ)).
وهو صريحٌّ في أن النساءِ كنَّ يصلّيِّن خلفَ الرجالِ .
وخرج أبو داود(٥) من حديثِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ ، قالتْ: سمعتُ
رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((مَن كان منكنّ (٦) يؤمنَّ بالله واليومِ الآخرِ فلا ترفعْ
رأسَها حَتَّى يرفعَ الرجالُ رءوسَهم(٧)، كراهيةً من أن يَرَيْنَ عوراتِ الرجالِ .
وقد تقدَّم حديثُ أبي مالك الأشعريِّ في وصفِه صلاةَ النبيِّ وَِّ، وصفُه
الرجالَ ، ثم الصبيانَ ، ثم النساءَ .
وقد رُوي عن ابن مسعودٍ ، أنه قال : أَخِرُوهنَّ من حيثُ أخرَهُنَّ اللهُ .
وخرجَ مسلمٌ (٨) من حديث سهيلٍ ، عن أبيه ، عن أبي هريرةَ ، عن النبيِّ
وَه، قال: «خيرُ صفوف الرجال أولها، وشرَّها آخرُها، وخيرُ صفوف النساء
(١) كذا السياق ، ولعل سقطًا وقع.
(٢) (٣٦٢) (٨١٤) .
(٣) زيادة من البخاري .
(٤) في الأصل (( هـ)): ((لا تعرفن )) تصحيف .
(٥) (٨٥١) .
(٦) في الأصل: ((منكم))، والمثبت من ((السنن)).
(٧) في الأصل: (( رؤسهن )) خطأ.
(٨) (٣٢/٢) .
١

٣١٥
١٦٤ - بَابُ صَلاَةَ النِّسَاءَ خَلْفَ الرِّجَال
کتاب الأذان
آخرُها ، وشرُّها أولُها »
ولا خلاف بين العلماءِ في أن المرادَ بتأخيرِ مقامِها في الصلاة عن مقامٍ
الرجلِ ، إلا أن تكونَ صغيرةً لم تبلغْ ، فإنه قدْ رُوي عن أبي الدرداءِ ، أنه كانَ
يفهم(١) أمَّ الدرداءِ - وهي صغيرةٌ لم تبلغْ - صفَّ الرجالِ . والجمهورُ علي
خلافه .
وقد سبق حكمُ إبطال الصلاة بمصافَّتها الرجالَ ، أو تقدَّمها عليهم في
((باب : إذا أصابَ ثوبُ المصلِّي امرأتَه إذا سجدَ )).
(١) لعل الأشبه: ((يقدم)).

٣١٦
حديث : ٨٧٢
کتاب الأذان
١٦٥ - بَابُ
سُرْعَةِ انْصرَف النِّسَاء منَ الصبحِ
وَقَلَّةِ مَّقَامِهِنَّ فِي الْمَسْجِدِ
٨٧٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى: ثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ: ثَنَا فُلَيْحٌ ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ كَانَ يُصَلِّي
الصُّبْحَ بِفَسٍ، فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، لاَ يُعْرَفْنَ مِن الْغَلَسِ - أَوْ لا يَعْرِفُ
و وء
بَعْضُهُنَّ بَعْضًا .
قد سبقَ هذا الحديثُ في ((المواقيتِ)»(١) من روايةِ الزهريِّ، عن عروةَ ،
عن عائشةَ - بمعناه - ، وفيه : (( ثمَّ ينقلبْنَ إلى بيوتهِنَّ حين يقضينَ الصلاةَ ،
لا يَعْرِفُهنَّ أحدٌ من الغَلَس ».
وهذا يدلُّ على سرعةِ خروجِهِنَّ من المسجدِ عقيبَ انقضاءِ الصلاة مبادرةً لما
بقَي من ظلامِ الغَلَسِ ، حتَّى ينصرِفْنَ فيه ، فيكونُ أسترَ لهنَّ .
وهذا المعنَى لا يُوجَدُ في غير الصبحِ من سائرِ الصلواتِ ؛ فلذلك خصَّه
البخاريُّ بالتبويبِ عِلَيْهِ . واللهُ أعلمُ .
(١) (٥٧٨).

٣١٧
١٦٦ - بَبُ اسْذَنِ الْمَرَّةِ زَوْجَهَا بِالخُرُوجِ
كتاب الأذان
١٦٦ - بَابُ
اسْذَانِ الْمَرَأَةِ زَوْجَهَا بِالخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِدِ
٨٧٣ - حَدَّنَا مُسَدٌَّ: فَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ مَعْرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ
ابْنِ عَبّدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ النَِّّ:﴿، قَالَ: «إِذَا اسْتَأَذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ فَلا
يَمْتَعْهَا » .
قد تقدمَ هذا الحديثُ بأتمَّ مِن هذا السياقِ .
وقد رُوي هذا المعنَى عن النبيِّ وَِّ من وجوه أُخر :
خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ (١) من روايةِ محمدِ بنِ عَمرو، عن أبي سلمةَ،
عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ بَّهِ قال: ((لا تمنَعُوا إماءَ الله مساجدَ الله،
ولكن لِيخرُجْنَ وهنَّ تَفلاتٌ)) .
وخرجه الإمام أحمدُ (٢) من حديثِ زيدِ بنِ خالدِ الجهنيِّ وعائشةَ ، وفي
حديث عائشةَ أنها قالتْ : لو رأَى حالَهُنَّ اليومَ لمنعهُنَّ .
فهذه الأحاديثُ : تدلُّ على أمرين :
أحدُهما :
أن المرأةَ لا تخرجُ إلى المسجدِ بدونِ إذنِ زوجِها ، فإنه لو لَمْ يكن له إذنٌ
في ذلك لأمرها أن تخرجَ إنْ أذِنَ أو لم يأذنْ .
وخرَّجَ ابنُ أبي شيبةَ (٣) من حديثِ ابنِ عمرَ - مرفوعًا - : ((حقُّالزوجِ علَى
زوجته لا تخرجُ من بيتِها إلا بإذنه ، فإن فعلتْ لعنّتْها ملائكةُ الله ، وملائكةُ
(١) أحمد (٤٣١/٢ - ٤٧٥) وأبو داود (٥٦٥).
(٢) (٦٩/٦).
(٣) انظر ((المصنف)) (٥٥٧/٣).

٣١٨
حديث : ٨٧٣
كتاب الأذان
الرحمة ، وملائكةُ الغضب ، حتى تتوبَ أو تراجعَ )) .
وفي إسناده : ليثُ بنُ أبي سليمٍ ، وقد اختُلِفَ عليه في إسنادِه .
وخرَّج البزارُ (١) نحوَهَ من حديثِ ابنِ عباسٍ .
وفي إسنادِهِ: حسينُ بنُ عليٍّ الرحبيُّ (٢)، ويقالُ له : حنشٌ ، وهو ضعيفُ
الحديث .
وخرَّج الترمذيُّ وابنُ حبانَ في ((صحيحه)) (٣) من حديث قتادةَ ، عن مُوَرَّق،
عن أبي الأحوصِ، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ نَِّ، قالَ: ((المرأةُ عورةٌ ،
فإذا خرجت استشرَفَها الشيطانُ )) .
زادَ ابنُ حبانَ : (( وأقربُ ما تكونُ من ربِّها إذا هي في قعر بيتها)) .
وصحَّحه الترمذيُّ .
وإسنادُه كلُّهم ثقاتٌ .
قال الدارقطنيُّ (٤): رفعُه صحيحٌ من حديثِ قتادةَ ، والصحيحُ عن أبي
إسحاقَ وحميدِ بنِ هلالِ ، أنهما روياه عن أبي الأحوصِ ، عن عبدِ اللهِ
موقوفًا(٥) .
ولا نعلَمُ خلافًا بينَ العلماءِ : أن المرأةَ لا تخرُجُ إلى المسجدِ إلا بإذنِ
زوجِها، وهو قولُ ابنِ المباركِ والشافعيِّ ومالك وأحمدَ وغيرِهم .
لكنْ منَ المتقدمينَ مَن كان يكتفِي في إذن الزوجِ بعلمِهِ بخروجٍ المرأة من
(١) (١٤٦٤ - كشف ).
(٢) كذا؛ والصواب: ((أبو علي الرحبي)). والله أعلم.
(٣) الترمذي (١١٧٣) وابن حبان (٥٥٩٨) (٥٥٩٩).
(٥) في " العلل)) (٣١٤/٥ - ٣١٥).
(٥) ووقفه هو الراجح، وقد بينت ذلك تفصيلاً في بحث خاص ، لعله ينشر قريبًا - إن شاء الله
تعالى .

٣١٩
١٦٦ - بَبُ اسْتِثْذَاَنِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا بِالخُرُوجِ
كتاب الأذان
غير منعٍ ؛ كما قال بعضُ الفقهاء : إن العبدَ يصيرُ مأذونًا له في التجارةِ بعلمِ السيدِ
بتصرفِه في ماله من غيرِ منعٍ .
فروى مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيدٍ ، أن عاتكة بنتَ زيدٍ كانت تستأذنُ
زوجَها عمرَ بنَ الخطابِ إلي المسجدِ ، فيسكتُ ، فتقولُ: والله، لأخرُجَنَّ،
إلا أن تمنعنِي ، فلا يمنعُها .
ورُوي عن ابنِ عمرَ ، قال : كانت امرأةٌ لعمرَ تشهدُ صلاةَ الصبحِ والعشاءِ
في جماعةٍ ، فقيل لها : لِمَ تخرجينَ وقد تعلَمين أن عمرَ يكرَهَ ذلكَ ويغارُ ؟
فقالت: ما يمنعُه أن ينهاني؟ قالوا: يمنعُه قولُ رسولِ اللهِ وَ لَهُ: ((لا تمنعُوا
إماء الله مساجد الله )) .
خرجه البخاري(٢) من حديث عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ .
وخرجَه الإمامُ أحمدُ (٣) من رواية سالم ، عن عمرَ - منقطعًا .
والأمرُ الثاني :
أن الزوجَ منهيٌّ عن منعها إذا استأذنَتْه ، وهذا لابدَّ من تقييده بما إذا لم
يخفْ فتنةٌ أو ضررًاً .
وقد أنكرَ ابنُ عمرَ على ابنه لما قالَ له : والله ، لنمنَعُهُنَّ، أشدَّ الإنكار ،
وسبَّه، وقال له: تسمعُنِي أقولُ: قالَ رسولُ اللهِ له، وتقول: لنمنَعُهُنَّ؟!(٤)
وقد تقدَّم عن عمرَ عدَمُ المنعِ .
وممن قال: لا يُمنَعْنَ : ابنُ المبارك ومالكٌ وغيرُ واحد .
(١) ((الموطأ)) (ص ١٤٠).
(٢) (٩٠٠).
(٣) (١/ ٤٠).
(٤) مسلم (٢/ ٣٣) وأحمد (٣٦/٢) وأبو داود (٥٦٨).

٣٢٠
حديث : ٨٧٣
کتاب الأذان
وحُكي عن الشافعيِّ ، أن له المنعَ من ذلك وقالَه القاضي أبو يعلَى وغيرُهُ
من أصحابِنا .
ورَوى سعيدُ بنُ أبي هلالٍ ، عن محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قيسٍ ، أن رجالاً مِنْ
أصحابِ النبيِّ وََّ أَتَوْاْ رَسولَ اللهِ وَلَ، فقالُوا: إن نساءَنَا استأذنونَا في
المسجد ، فقال: ((احْبسُوهُنَّ))، ثم إنهن عُدْنَ إلى أزواجِهِنَّ، فعاد أزواجُهُنَّ
إلى النبيِّ وَّ، فقال: ((احْبسُوهُنَّ))، ثم إنهنَّ عُدْنَ إلى أزواجهنَّ، فقالوا:
يا رسولَ الله، قد استأذَنَنَاَ حتَّى إنا لنخرج. قال: «فإذا أرسلتموُهُنَّ، فأرسلُوهُنَّ
تَفلات)» .
وهذا مرسلٌ غريبٌ .
ومن هؤلاءِ مَن حملَ قولَه: ((لا تمنعُوا إماءَ الله مساجد الله)) على النهي
عن منعهِنَّ من حجةِ الإسلامِ ، وهو في غاية البعدِ ، وروايةُ من رَوى تقييدَه
بالليلِ تبطلُ ذلك .
ومنهم مَن حمله على الخروجِ للعيدينِ ، وهو بعيدٌ - أيضًا -؛ فإن النبىّ
وَّ لم يكنْ من عادته صلاةُ العيدينِ في المسجدِ .
ومِن أصحابِنا مَن قال : يُكرَه منعُهُنَّ إذا لم يكن في خروجهن ضررٌ ولا
فتنةٌ ، فحملُوا النهيَ على الكراهةِ .
وقال صاحبُ ((المغنِي )) منهم : ظاهرُ الحديثِ يمنعُهُ مِنْ منِعِها .
قلتُ : وهو ظاهرُ ما رُوي عن عمرَ وابنِ عمرَ ، كما تقدَّمَ .
وكذلك مذهبُ مالكٍ : لا يمنعُ النساءَ من الخروجِ إلى المسجدِ .
وبكلِّ حالٍ ؛ فصلاتُها في بيتها أفضلُ من صلاتِها في(١) المسجدِ .
(١) من هنا تعود (( م)) مرة أخرى.