Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ ١٥٦ - بَابٌ يستقبلُ الإمامُ الناسَ إذا سلمَ كتاب الأذان قال : ((قبل أن يتكلمَ)) ، وذكرَ في صلاةِ العصرِ مثلَ ذلك . وخرجه الإمامُ أحمدُ (١) من حديثِ شهرٍ ، عن ابن غنمٍ - مرسلاً ، وعنده : (( مَنْ قالَ مِن قبلِ أن ينصرفَ ويثني رجلَه من صلاة المغرب والصبحِ )) - وذكرَ الحديثَ . وشهرُ بنُ حوشبٍ ، مختلَفٌ فيه ، وهو كثيرُ الاضطرابِ ، وقد اختُلِفَ عليه في إسنادٍ هذا الحديثِ كما ترى . وقيل : عنه ، عن ابنٍ غنمٍ ، عن أبي هريرةَ . وقيل : عن شهرٍ ، عن أبي أمامة . قال الدارقطنيُّ : الاضطرابُ فيه مِن قبل شهرٍ .. وقد رُويَ نحوُهُ عن النبيِّ بَّهِ من وجوهِ أخرَ ، كلُّها ضعيفةٌ . وحكى بعضُ أصحابٍ سفيان الثوريِّ ، عنه، أنه قالَ : يستحبُّ للإمامِ إذا صلَّى أن لا يجلسَ مستقبلَ القبلةِ ، بل يتحولُ من مكانه أو ينحرفُ ، إلا في العصرِ والفجرِ . ولم يأخذِ الإمام أحمدُ بحديثٍ أبي ذرٍّ ؛ فإنه ذُكرَ له هذا الحديثُ ، فقالَ : أعجبُ إليَّ أن لا يجلسَ؛ لأن النبيَّ وَ﴿ه كانَ إذا صلَّى الغداةَ أقبلَ عليهم بوجهه . يعني : أن هذا أصحَّ من حديثِ شهرِ بنِ حوشبٍ هذا ، مع أنه ليس في جميع رواياته : ((قبل أن يثِيَ رجلَه))، بل في بعضِها . (١) ((المسند)) (٢٢٧/٤). ٢٦٢ حديث : ٨٤٨ كتاب الأذان ١٥٧ - بَابُ مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلَّهُ بَعْدَ السَّلاَمِ ٨٤٨ - وَقَالَ لَنَا آدَمُ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ. وَفَعَلَهُ الْقَاسِمُ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيّرَةَ - رَفَعَهُ -: ((لاَ يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِي مَكَانِهِ)) . وَلَمْ يَصِحَّ . هذا الذي ذكرَ أنه لا يصحُّ ، خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه(١) من روايةٍ ليثٍ ، عن حجاجٍ بنِ عُبيدٍ ، عن إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ ، عن أبي هريرةَ ، عنِ النبيِّ وَّهِ، قال: ((أيعجزُ أحدُكم أن يتقدمَ أو يتأخرَ، أو عن يمينه أو شماله في الصلاة)) - يعني : في السِّبْحَةِ . وليس في هذا ذكرُ الإمامِ ، كما أوردَه البخاريُّ . وضعف إسنادِهِ من جهةٍ ليثِ بنِ أبي سُليمٍ ، وفيه ضعفٌ مشهورٌ . ومن جهة إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ ، ويقال فيه : إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ ، وهو حجازيٌّ ، روى عنه عَمرو بنُ دينارٍ وغيرُهُ . قال أبو حاتم الرازيُّ: مجهولٌ . وكذا قال في حجاجٍ بنِ عبيدٍ ، وقد اختُلِفَ في اسمٍ أبيه . واختُلِف في إسنادِ الحديثِ على ليثٍ - أيضًا . وخرج أبو داودَ وابنُ ماجه(٢) - أيضًا - من حديث عطاء الخراسانيِّ ، عن المغيرة بن شعبةَ، أن رسولَ اللهِ نَّه قال: ((لا يصلّي الإمامُ في مقامِه الذي (١) أحمد (٤٢٥/٢) وأبو داود (١٠٠٦) وابن ماجه (١٤٢٧). (٢) أبو داود (٦١٦) وفيه: ((حتى يتحول))، وابن ماجه (١٤٢٨) بهذا اللفظ. ٢٦٣ ١٥٧ - بَابُ مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلَّهُ بَعْدَ السَّلاَمِ کتاب الأذان صلَّی فیه المکتوبةَ حتی یتنحّی عنه )) . وقال أبو داودُ : وعطاءٌ الخراسانيُّ لم يدركِ المغيرةَ . وقد اختلفَ العلماءُ في تطوعِ الإمامِ في مكانٍ صلاتِهِ بعدَ الصلاة ، فأما قبلَها فيجوزُ بالاتفاق - : قاله بعضُ أصحابنا - : فكرهت طائفةٌ تطوعَه في مكانه بعد صلاته ، وبه قال الأوزاعيّ والثوري ءِ وأبو حنيفةً ومالكٌ وأحمدُ وإسحاقُ . ورُوي عن عليٍّ - رضي الله عنه - ، أنه كرِهَه . وقال النَّخَعِيُّ : كانوا يكرهونَه . ورخَّص فيه ابنُ عقيلِ من أصحابنا ، كما رجَّحه البخاريِّ ، ونقلَه عن ابنِ عمرَ والقاسمِ بنِ محمدٍ . فأما المرويَّ عن ابنِ عمرَ ، فإنه لم يفعلْه وهو إمامٌ ، بل كان مأمومًا ، كذلك قال الإمامُ أحمدُ . وأكثرُ العلماءِ لا يكرهونَ للمأمومِ ذلك ، وهو قولُ مالك وأحمدَ . وقد خرَّج أبو داود (١) حديثًا يقتضي كراهته من حديث أبي رِمْثَةَ ، قال : صلَّى بنا رسولُ اللهِ نَّهِ، وكانَ أبو بكرٍ وعمرُ يقومانِ في الصفِّ المقدَّمِ عن يمينه، وكان رجلٌ قد شهدَ التكبيرةَ الأولَى من الصلاةِ، فصلَّى نبيُّ الله وَلِهِ ، ثم سلَّم عن يمينه وعن يساره ، حتى رأيتُ بياضُ خديْه ، ثم انفتلَ ، فقامَ الرجلُ الذي أدركَ التكبيرةَ الأولَى منَ الصلاةِ ليشفعَ ، فوثَبَ إليه عمرُ ، فأخذ بمَنْكِبِيهِ فهزَّه ، ثم قالَ : اجلسْ ؛ فإنه لم يهلكْ أهلُ الكتابِ إلا أنه لم يكنْ بينَ صلاتِهم فصلٌ، فرفعَ النبيُّ نَّهِ بصرَه، فقالَ: ((أصابَ اللهُ بكَ يا بن الخطاب)). وهذا الحديثُ يدلُّ على كراهةٍ أن يَصِلَ المكتوبةَ بالتطوعِ بعدها من غيرِ (١) (١٠٠٧). ٢٦٤ حديث : ٨٤٨ كتاب الأذان فصلٍ ، وإن فصلً بالتسليمِ . ويدلُّ عليه - أيضًا - : ما رَوى السائبُ بنُ يزيدَ ، قال : صليتُ مع معاويةً الجمعة في المقصورةِ ، فلما سلمَ قمتُ في مقامي فصليتُ ، فلما دخلَ أرسلَ إليَّ ، فقالَ : لا تعدْ لما فعلتَ ، إذا صليتَ الجمعة فلا تَصلُها بصلاةٍ حتى تتكلَّمَ أو تخرجَ؛ فإن رسولَ اللهِ وَ لَه أمرَنَا بذلك، أن لا تُوصَلَ صلاةٌ بصلاةٍ حتى نتكلم أو نخرجَ . خرجه مسلمٌ (١) - بمعناه . وروى حربٌ بإسناده ، عن عطاء ، أنه قالَ فيمن صلَّى المكتوبةَ : لا يصلّي مكانَه نافلةً إلا أن يقطعَ بحديثٍ ، أو يتقدَّم أو يتأخرَ . وعن الأوزاعيِّ ، قال: إنما يجبُ ذلك على الإمامِ ، أن يتحولَ من مُصَلاَّهُ. قيل له : فما يجزئُ من ذلك ؟ قال : أدناه أن يُزيلَ قدمَيْه من مكانه . قيل له : ١ فإن ضاقَ مكانُه ؟ قال : فليتربَّع بعدَ سلامه ؛ فإنه يجزئُه . وروى - أيضًا - بإسنادِهِ ، عن ابن مسعودٍ ، أنه كانَ إذا سلَّم قامَ وتحولَ من مكانه غیرَ بعید . قال حربٌ : وثنا محمدُ بنُ آدَمَ : ثنا أبو المليحِ الرقيُّ ، عن حبيبٍ ، قالَ : كان ابنُ عمرَ يكرهُ أن يصلِّيَ النافلةَ في المكانِ الذي يصلّي فيه المكتوبةَ ، حتى يتقدمَ أو يتأخرَ أو يتكلمَ . وهذه الروايةُ تخالفُ روايةَ نافعٍ التي خرجها البخاريِّ . وقد ذكر قتادةُ ، عن ابنِ عمرَ ، أنه رأى رجلاً صلى في مقامِه الذي صلَّى فيه الجمعة ، فنهاه عنه ، وقال : لا أراكَ تصلّ في مقامِك . (١) ((الصحيح)) (١٧/٣). ٢٦٥ ١٥٧ - بَابُ مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلاَهُ بَعْدَ السَّلَامِ كتاب الأذان قال سعيدٌ : فذكرتُه لابنِ المسيبِ ، فَقال : إنما يُكرَه ذلك للإمامِ يومَ الجمعة . وعن عكرمةَ ، قال : إذا صليتَ الجمعةَ فلا تَصِلْها بركعتينٍ حتى تفصلَ بينهما بتحولٍ أو كلامٍ . خرَّجهما عبدُ الرزاقِ(١) . ومذهبُ مالك : أنه يُكرَه في الجمعة أن يتنفَّلَ في مكانِه من المسجد ، ولا ينتقلُ منه وإن كان مأمومًا، وأما الإمامُ فيكرَه أن يصلَّيَ بعدَ الجمعةِ في المسجدِ بكلِّ حالٍ . وقد قالَ الشافعيُّ في ((سننِ حرملةَ)) : حديثُ السائبِ بنِ يزيدَ ، عن معاويةَ في هذا ثابتٌ عندنا ، وبه نأخذُ . قالَ : وهذا مثلُ قوله لمن صلَّى وقد أقيمتِ الصلاةُ: ((أصلاتَان معًا؟!)) كأنه أحبَّ أن يفصلَها منها حتى تكونَ المكتوباتُ منفرداتٍ مع السلامِ بفصلٍ بعد السلامِ . وقد رُوَيَّ أن النبيَّ ◌َِّ اضطجعَ بعدَ ركعتِي الفجرِ (٣). وروى الشافعيَّ ، عن ابنٍ عيينةَ ، عن عَمْرٍو ، عن عطاءٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، أنه كان يأمرُ إذا صلى المكتوبةَ ، فأرادَ أن يتنفلَ بعدها أن لا يتنفلَ حتى يتكلمَ أو يتقدمَ . (١) ((المصنف)) (٢٤٩/٣ - ٢٥٠). (٢) روى من طريقين عن عائشة . الأول : من حديث عروة ، عن عائشة . أخرجه أحمد (٤٨/٦، ٨٥، ١١٧، ١٢١، ١٣٢، ٢٠٤، ٢٥٤). والبخاري (٦٢٦) ومسلم (١٥٩/٢) وليس فيه ذكر: ((الضجعة)). الثاني : من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة . أخرجه أحمد (٣٥/٦) والبخاري (١١٦١) ومسلم (١٦٨/٢). ٢٦٦ حديث : ٨٤٩ - ٨٥٠ كتاب الأذان قال ابنُ عبد البرِّ : هذا حديثٌ صحيحٌ . قال: وقال الشعبيَّ: إذا صليتَ المكتوبةَ ، ثم أردتَ أن تتطوعَ ، فاخطُ خطوةً . وخالف ابنُ عمرَ ابنَ عباسٍ في هذا، وقالَ : وأي فَصْلِ أفصَلُ منَ السلام ؟ وقد ذكر الفقهاءُ من أصحابنا والشافعية : أن هذا كلَّه خلافُ الأولَى من غيرِ كراهة فيه ، وحديثُ معاويةَ يدلُّ على الكراهةِ قال البخاريُّ - رحمه الله - : ٨٤٩ - حَدَّثنا أبو الوليد: ثنا إبْرَاهيمُ بْنُ سَعْد: ثَنَا الزَّهْرِيَّ، عَنْ هنْدَ بَنْت الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ كَانَ إِذَا سَلَّمَ مَكَثَ (١) فِي مَكَانِهِ يَسِيراً . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَنُرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِكِيْ يَتْفُدَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنَ النِّسَاءِ . ٨٥٠ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ : أَنَّا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ : حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَتَبَ إِلَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنْنِي هِنْهُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْفِرَاسِيَّةُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَِّّ ◌َ - وَكَانَتْ مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا - ، قَالَتْ: كَانَ يُسَلِّمُ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ، وو فَيَدْخُلْنَ فِي (٢) بُيُوتِهِنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّه ◌ِله . ثم ذكرَ رواياتٍ أخرَ عن الزهريِّ ، حاصلُها يرجعُ إلى قولينٍ في نسبةِ هندَ بنت الحارثِ : منهم مَن قال: ((الفراسيَّةُ)). (١) في ((اليونينية)): ((يمكث)). (٢) ((في)) ليست في ((اليونينية)). ٢٦٧ ١٥٧ - بَابُ مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلَّهُ بَعْدَ السَّلاَمِ كتاب الأذان ومنهم مَن قال: ((القُرَشِيَّةُ)). وقيل : إنها فراسيَّةٌ بالنسب ، قرشيَّةُ بالحلف ، كانت تحت معبدِ بنِ المقدادِ بنِ الأسودِ . وفي الحديثِ: دليلٌ على أن النبيَّ وَّ كان يمكثُ في المسجد بعد تسليمه منَ الصلاةِ يسيراً ، وإنما كان يمكثُ بعدَ إقباله على الناس بوجهِه ، لا يمكثُ مستقبلاً للقبلة ، وبهذا يجمعُ بين هذا الحديثِ والأحاديثِ المذكورةِ في البابِ الماضي . ويدلُّ على أنه كان يجلسُ قبلَ انصرافِه يسيرًا: ما خرَّجه مسلمٌ (١) من حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ، قال: رمقتُ الصلاةَ معَ النبيِّ بِّهِ، فوجدتُ قيامَه ، فركْعتَه ، فاعتدالَه بعدَ ركوعِه ، فسجدَتَه ، فجلستَه بينَ السجدتَين ، فسجدتَه ، فجلستَه (٢) ما بينَ التسليمِ والانصرافِ قريبًا مِنَ السواءِ . فهذا الحديثُ : صريحٌ في أنه كان يجلسُ بعدَ تسليمِه قريبًا من قدرِ ركوعِه أو سجودِه أو جلوسِهِ بينَ السجدتينِ ، ثم ينصرِفُ بعدَ ذلك . وخرج مسلمٌ - أيضًا (٣) - من حديث عائشةَ، قالتْ: كانَ النبيُّ وَّ إذا سلَّم لم يقعدْ إلا مقدارَ ما يقولُ: ((اللهمَّ، أنتَ السلامُ، ومنكَ السلامُ، تباركتَ ذَا الجلال والإكرامِ». وقد سألَ أبو داودَ الإمامَ أحمدَ عن تفسيرِ حديث عائشةَ ، وهلِ المعنَى : أنه يجلِسُ في مقعدِه حتى ينحرفَ ؟ قال : لا أدري . فتوقَّف : هل المرادُ جلوسُهُ مستقبلَ القبلةِ يسيرًاً ؟ (١) (٢ / ٤٤ -٤٥) . (٢) في الأصلين: ((فجلسته وجلسته))، وهو تكرار خطأ . (٣) (٩٥/٢) . ٢٦٨ حديث : ٨٤٩ - ٨٥٠ كتاب الأذان قال: وقال أبو يحيى الناقدُ: صليتُ خلفَ أبي عبدِ اللهِ - يعني: أحمدَ - ، فكانَ إذا سلَّم منَ الصلاةِ لبثَ هُنَّةً ، ثم ينحرفُ . قال : فظننتُه يقولُ ما رُوي عَنِ النبيِّ ◌َّدِ . فحكى القاضي في كراهةِ جلوسِ الإمامِ مستقبل القبلةِ بعدَ سلامه يسيرًاً روايتين عن أحمدَ . والمنصوصُ عن أحمدَ في تكبير أيام التشريقِ : أن الإمامَ يكبِّرُ مستقبل القبلة قبل أن ينحرفَ ، وحكاه عن النخَعيِّ . قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرِ : والعملُ على ذلكَ . وهذا يدلُّ على أنه يستحبُّ الذكرُ اليسيرُ للإمام قبل انحرافه . ومن المتأخرين من أصحابنا مَن قال: إنما يكبِّرُ الإمامُ بعد استقبالِه للناسِ ، واستدلُّوا فيه بحديثٍ مرفوعٍ ، لا يصحُّ إسنادُه . والمنقولُ عن السلفِ يدلُّ على أن الإمامَ ينحرِفُ عقبَ سلامه ، ثم يجلسُ إن شاءَ . روى عبدُ الرزاقِ في (( كتابه »(١) عن معمرٍ ، عن أبي إسحاقَ ، عن أبي الأحوصِ، عنِ ابنِ مسعودٍ، قال: إذا سلَّم الإمامُ فليقمْ ولينحرِفْ (٢) عن مجلسه . قلتُ : يجزتُه ينحرفُ عن مجلسه ويستقبلُ القبلةَ ؟ قال : الانحرافُ يغرِّب أو يشرِّقُ ، عن غيرِ واحدٍ . وكأن المسئولُ معمرًا . واللهُ أعلمُ . وروى - أيضًا (٣) - بإسناده ، عن مجاهد، قال: ليس من السنة أن يقعدَ (١) (٢/ ٢٤٢) . (٢) في ((المصنف)): ((وإلا فلينحرف)). (٣) (٢٤٣/٢) . ٢٦٩ ١٥٧ - بَابُ مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلاَّهُ بَعْدَ السَّلاَمِ کتاب الأذان حتى يقومَ ، ثم يقعدُ بعدُ إن شاءَ . وعن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، أنه كان يفعلُه . وعن عطاءِ (١)، قال : قد كان يجلسُ الإمامُ بعدَ ما يسلُمُ - وأقولُ أنا : [ التسليمُ: الانصراف ] (٢) - قدر ما ينتعل نَعْليه . وعن عَبيدة ، أنه قال لما سمع مصعبًا يكبِّر ويهلِّلُ بعد صلاتِه مستقبل القبلة: مالَه ، قاتَلَه اللهُ، نعار بالبدع (٣). ويستثنى من ذلك : الجلوسُ بعدَ الفجرِ ؛ فإنه لو جلسَ الإمامُ بعدَ استقباله الناسَ إلى أن تطلعَ الشمسُ كان حسنًا . ففي ((صحيح مسلمٍ))(٤) عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ، أن النبيَّ وَّ كان لا يقومُ مِن مصلاّهُ الذي يصلّي فيه الصبحَ أو الغداةَ حتى تطلُعَ الشمسُ ، فإذا طلعتْ قامَ . وروى وكيعٌ بإسنادِهِ ، عن النخعيِّ، أنه كان إذا سلَّم قامَ ، إلا الفجرَ والعصرَ . فقيل له في ذلك ؟ فقال : ليس بعدَهما صلاةٌ . قال أحمدُ - في الإمامِ إِذا صلَّى يقومُ الفجرَ أو العصرَ - : أعجبُ إليَّ أن ينحرفَ ، ولا يقومُ من موضعِهِ . وكان أحمدُ إذا صلَّى بالناسِ الصبحَ جلسَ حتى تطلع الشمسُ . فأما جلوسُهُ بعدَ الظهرِ ، فقال أحمدُ : لا يعجبني . قال القاضي أبو يعلى : ظاهرُ كلامِه : أنه يستحبُّ بعد الصلاةِ التي لا يتطوَّع بعدَها ، ولا يستحبُّ بعد غيرِها . (١) (٢٤٦/٢) . (٢) زيادة من ((المصنَّف)). (٣) ابن أبي شيبة (١/ ٢٧٠) وقد تقدم . (٤) (١٣٢/٢) . ٢٧٠ حديث : ٨٤٩ - ٨٥٠ کتاب الأذان قال : وروى الخلالُ بإسناده ، عن عابدِ الطائيِّ ، قال : كانوا يكرهونَ جلوسَ الإمامِ في مصلاهُ بعد صلاةٍ يصلَّى بعدها ، فإذا كانتْ صلاةٌ لا يصلَّى بعدَها فإن شاءَ قامَ ، وإن شاءَ جلسَ . وَحكي عن أصحابِ الشافعيِّ: أن المستحبُ للإمامِ أن يقومَ ولا يجلسَ في كلِّ الصلواتِ . وقد نصَّ الشافعيِّ في ((المختصر)) على أنه يستحبُّ للإمامِ أن يقومَ عقبَ سلامِه إذا لم يكن خلفه نساءٌ . فأما المأمومُ فلا يُكرَه له الجلوسُ بعدَ الصلاة في مكانه ، يذكرُ اللهَ ، خصوصًا بعد الصبحِ والعصرِ ، ولا نعلمُ في ذلك خلافًا . وقد صحَّ الحديثُ في أن الملائكةَ تصلِّي على العبدِ ما دامَ في مصلاه ، ما لم يحدثْ، وقد سبقَ ذكرُهُ ، ووردت أحاديثُ في الجلوسِ بعدِ الصبحِ والعصرِ ، وكان السلفُ الصالحُ يحافظونَ عليه . ومتى أَطالَ الإمامُ الجلوسَ في مصلاهُ ، فإن للمأمومِ أن ينصرفَ ويترُكَه ، وسواءٌ كان جلوسُه مكروهًا أو غيرَ مكروه . قال ابنُ مسعودٍ : إذا فرغَ الإمامُ ولم يقمْ ولم ينحرِفْ، وكانت لك حاجةٌ فاذهبْ ودَعْهُ ، فقد تمَّت صلاتُك . خرَّجه عبدُ الرزاقِ (١) . وذكر(٢) بإسناده (٣) عن عطاء ، قال : كلامُهُ بمنزلة قيامه ، فإن تكلَّم فليقمٍ المأمومُ إن شاءَ . (١) (٢٤٣/٢-٢٤٤) . (٢) (٢٤٦/٢) . (٣) في (( م)): ((بإسناد)). ٢٧١ ١٥٧ - بَابُ مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلَهُ بَعْدَ السَّلاَمِ کتاب الأذان وإن لم يطلِ الإمامُ الجلوسَ ، فالسنةُ أن لا يقومَ المأمومُ حتَّى يقومَ الإمامُ ، كذا قال الزهريُّ والحسنُ وقتادةُ وغيرُهم . وقال الزهريُّ (١): إنما جُعلَ الإمامُ ليؤتمَّ به. يشير إلى أن مشروعيةَ الاقتداءِ به لا تنقطعُ إلا بانصرافِه . وفي «صحيحٍ مسلمٍ))(٢) عن أنسٍ، عنِ النبيِّ وَّ، قال: ((أيها الناسُ، إني إمامكم ، فلا تسبقوني بالركوعٍ ولا بالسجودِ ولا بالقيامِ ولا بالانصراف » . وحديثُ أمِّ سلمةَ المخرجُ في هذا البابِ يدلُّ عليه؛ فإنَّ النبيَّ وَّ كان يجلسُ يسيرًا حتى ينصرفَ النساءُ ، فلا يختلطُ بهنَّ الرجالُ ، وهذا يدلُّ على أن الرجال كانوا يجلسونَ معه ، فلا ينصرفونَ إلا مع انصرافِه . وقد رُوي ذلك صريحًا في هذا الحديث : خرَّجه البخاريُّ(٣) فيما بعدُ من رواية يونُسَ ، عن ابنٍ شهابٍ ، ولفظُه : إن النساءَ كنَّ إذا سلَّمن منَ الصلاة قُمْنَ وثبتَ رسولُ اللهِ إِ لّهِ وَمَنْ معَه(٤) من الرجالِ ما شاءَ اللهُ، فإذا قامَ رسولُ اللهِوَّ قَامَ الرجالُ. وفي هذا الحديث : دليلٌ على أن النبيَّ وَّ لم يكن يدعُو بعد فراغٍ صلاتِه دعاءً عامًّا للمأمومينَ ؛ فإنه لو كان كذلك لاشتركَ في حضورِه الرجالُ والنساءُ ، كما أمرَ بشهودِ النساءِ العيدينِ حتَّى الحُيَّضِ، وقال: ((يشهدنَ الخيرَ ودعوة المسلمينَ))، فلو كان عقبَ الصلاةِ دعاءٌ عامٌّ لشهده النساءُ مع الرجالِ - أيضًا . وقال الشافعيُّ في ((الأم))(٥) : فإنْ قامَ الإمامُ قبلَ ذلك ، أو جلسَ أطولَ من (١) عبد الرزاق (٢٤٤/٢) . (٢) (٢٨/٢) . (٣) (٨٦٦) . (٤) في البخاري: ((ومن صلى)). (٥) (١١١/١). ٢٧٢ حديث : ٨٤٩ - ٨٥٠ کتاب الأذان ذلك ، فلا شيءَ عليه . قال : وللمأمومِ أن ينصرفَ إذا قضى الإمامُ السلامَ قبلَ قيامِ الإمامِ ، وتأخيرُه حتى ينصرفَ بعدَ انصرافِ الإمامِ أو معه أحبُّ إليَّ . وظاهرُ كلامٍ كثيرٍ منَ السلفِ : كراهةُ ذلك ، كما تقدَّمَ . وفي ((تهذيب المدونة )) للمالكيةِ : ولا يقيمُ الإمامُ في مصلاه إذا سلَّم ، إلا أن يكون في سفرٍ أو فنائه ، وإن شاء تنحِّى وأقام . ٢٧٣ ١٥٨ - بَابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَذَكَرَ حَاجَةٌ فَتَخَطَّهُمْ کتاب الأذان ١٥٨ - بَابٌ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَذَكَرَ حَاجَةً فَتَخَطَّاهُمْ ٨٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ: ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ : أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللهِوَهَ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَغَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجٍ عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، فَقَالَ: (( ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرِ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ)). فيه : دليلٌ على أن الإسراعَ بالقيامِ عقبَ السلامِ من غير تمهُّلٍ لم يكن من عادة النبيِّ ◌َّهِ، ولهذا تعجّبُوا من سرعتِه في هذه المرةِ ، وعِلِمَ منهم ذلك ، فلذلك أعلمهم بعذرِه . وفيه : دليلٌ على أن التخطّيَ للإمامِ لحاجةٍ جائزٌ ، وإن كان بعد فراغِه من الصلاة ، كما له أن يتخطَّى الصفوفَ في حال دخوله - أيضًا - ، وأما غيره ، فيگره له ذلك . وظاهرُ كلامِ أحمدَ أنه يُكرَه للإمام - أيضًا : قال إسحاقُ بنُ هانئٍ : سألتُ أبا عبدِ اللهِ عنِ الرجلِ يصلّي بالقوم ، فإذا فرغَ من الصلاةِ خرجَ من بينِ رَجُلَيْن ، أفهو مُتَخَطُّ ؟ قال : نعم ، وأحبُّ إلىُّ أن يتنحَّى عن القبلةِ قليلاً حتى ينصرفَ النساءُ ، فإنْ خرجَ معَ الحائطِ فهذا ليس بمُتَخَطِّ . وظاهرُ هذا : كراهةُ تخطّيهم للإمامِ ، وقد يكون مرادُه : إذا لم يكن له حاجةٌ تدعوه إلى ذلك . ٢٧٤ حديث : ٨٥١ كتاب الأذان والتِبْر : هو قِطَعُ الذهبِ قبل أن يُضْرَب . والظاهرُ : أنه كان مِن مال الصدقةِ أو غيرِها من الأموالِ التي يجبُ قسمتها على المساكينِ ونحوِهم . وقد خرَّجه البخاريُّ في موضعٍ آخر (١)، وذكر فيه : أنه كانَ تِبرًا من الصدقة، وقال : ((كرهتُ أن أبيته، فقسمتُهُ )). (١) (١٢٢١) (١٤٣٠) (٦٢٧٥) . ٢٧٥ ١٥٩ - بَابُ الانْفِتَالِ وَ الانْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَالِ كتاب الأذان ١٥٩ - بَابُ الانْتَالِ وَ الانْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالسِّمَالِ وَكَانَ أَنَسٌ يَتْفَتِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ ، وَيَعِيِبُ عَلَى مَنْ يَتَوَخَّى - أَوْ يَعْمَدُ - الانْفَالَ عَنْ يَمِينِهِ . الانفتالُ : هو الانحراف عن جهة القبلةِ إلى الجهةِ التي يجلسُ إليها الإمامُ بعد انحرافه ، كما سبق ذكره . وحكمُهُ : حكمُ الانصرافِ بالقيامِ من محلِّ الصلاةِ . وقد نصَّ عليه إسحاقُ وغيرُه . وقد ذكرَ البخاريُّ ، عن أنسٍ ، أنه كان ينفتِلُ عن يمينه ويَسارِهِ ، ويعيبُ على من يتوخَّى الانفتالَ عن يمينِهِ - يعني : يتحرََّه ويقصدُه . وفي ((مسند الإمامِ أحمدَ )) (١) من روايةٍ أبي الأوبرِ الحارثيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: كانَ النبيُّ وَِّ ينفتلُ عن يمينِه [ وشماله . وخرج الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجه(٢) من حديث عمرو بنِ شعيبٍ ، عن أبيه ، عن جدِّه، قال: رأيتُ النبيَّ وَهِ ينفتلُ عن يمينِهِ ](٣) وعن يسارِه في الصلاةِ. وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ: ((ينصرِفُ)) بدلَ: ((ينفتِلُ)). وخرَّج مسلمٌ (6) في هذا الباب حديثَ البراءِ بنِ عازبٍ ، قال : كنَّا إذا صليْنَا خلفَ رسولِ اللهِ وََّ أحْبَيْنا أن نكونَ عن يمينه فيقبلُ علينا بوجهِهِ. (١) (٢/ ٢٤٨) . (٢) أحمد (١٧٤/٢ -١٧٨ - ١٧٩ -١٩٠-٢٠٦-١٢٥) وابن ماجه (٩٣١). (٣) سقط من (( هـ)). (٤) (٢ / ١٥٣) وتقدم. ٢٧٦ ١٥٩ - بَابُ الانْتَالِ وَ الانْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَالِ كتاب الأذان وخرَّجه من رواية أخرى ليس فيها : ((ثم يقبل علينا بوجهه)) . ولكن رُوي تفسيرُ هذه اللفظةِ بالبداءةِ بالتفاتِه إلى جهةِ اليمينِ بالسلامِ . خرجه الإسماعيليُّ في ((حديث مسعرٍ من جَمْعِه))، ولفظُه : كان يعجبُنَا أن نُصليَ مما يلي يمينَ رسولِ اللهِ وَّهِ، لأنَّه كان يبدأُ بالسلامِ عن يمينه . وفي روايةٍ أخرَى له : أنه كانَ يبدأُ بمَنْ على يمينِهِ ، فيسلِّمُ عليه . قال أبو داودَ : كان أبو عبدِ اللهِ - يعنى: أحمدَ - ينحرفُ عن يمينه . وقال ابنُ منصورٍ : كان أحمدُ يقعدُ ناحيةَ اليسرَى ، ويتساندُ . قال القاضي أبو يعلَى: وهما متفقان ؛ لأنه إذا انحرفَ عن يمينِه حصلَ جلوسُهُ ناحيةَ يسارِهِ . قال : وقال ابنُ أبي حاتم: سمعتُ يقولُ(١): تدَبَّرتُ الأحاديثَ التي رُويتْ في استقبالِ النبيِّ وَِّ الناسَ بوجهِه، فوجدتُ انحرافَه عن يمينه أثبتَ . وقال ابنُ بطةَ من أصحابِنا : يجلسُ عن يسرةٍ (٢) القبلةِ . ونقل حربٌ ، عن إسحاقَ ، أنه كان يُخَيِّرُ في ذلك كالانصرافِ . والشافعيةِ وجهانِ : أحدُهما : التخييرُ كقولِ إسحاقَ . والثاني : أن الانفتالَ عن يمينه أفضلُ . ثم لهم في كيفيَّتَه وجهانِ : أحدهما - وحكَوْه عن أبي حنيفةَ - : أنه يدخل يمينَه في المحرابِ ويسارَه إلى الناسِ ، ويجلسُ على يمينِ المحرابِ . والثاني - وهو أصحُّ عند البغويِّ وغيرِه - : بالعكسِ . (١) كذا، ولعل الصواب: ((سمعت أبي يقول)). (٢) في الأصلين: ((سيرة)). ٢٧٧ ١٥٩ - بَابُ الانْفِتَالِ وَ الانْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَالِ كتاب الأذان واستدلُّوا له بحديث البراءِ بنِ عازبِ الَّذي خرجه مسلمٌ (١). وأما الانصرافُ : فهو قيامُ المصلِّي وذَهابُهُ من موضعٍ صلاتِه إلى حاجتِه ، فيذهبُ حيثُ كانت حاجتُهُ ، سواءٌ كانت من جهة اليمين أو اليسارِ ، ولا يستحبّ له أن يقصدَ جهةَ اليمينِ مع حاجتِهِ إلى غيرِها ، هذا قولُ جمهورِ العلماءِ ، ورُوي عن عليٌّ وابنٍ مسعودٍ وابنِ عمرٍ(٢) والنخَعيِّ وعطاءٍ والشافعيِّ وأحمد وإسحاقَ . وإنما كان أكثرُ انصرافِ النبيِّ وَِّ عن يسارِهِ ؛ لأن بيوتَه كانتْ مِن جهة اليسارِ . وقد خرَّجه الإمامُ أحمدُ (٣) مصرحًا بذلك من رواية [ ابن ] إسحاقَ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ ، عن أبيه، أن ابنَ مسعودٍ حدثَه، أن النبيِّ وَّ كان عامةَ ما ينصرفُ من الصلاةِ على يسارِهِ إلى الحجراتِ . فإن لم يكن له حاجةٌ في جهةٍ من الجهاتِ ، فقال الشافعي وكثيرٌ من أصحابنا : انصرافُه إلى اليمينِ أفضلُ؛ فإن النبيَّ وَّ كان يعجبُه التيمنُ في شأنه كلّه . وحمل بعضُهم على ذلك حديثَ السُّدِيِّ ، قال : سألتُ أنسًا : كيف أَنْصَرِفُ إذا صليتُ عن يميني أو عن يساري؟ فقال: أمَّا أنا فأكثرُ ما رأيتُ النبيَّ وَله ينصرفُ عن يمينه . خرجه مسلمٌ (٤). * (٤) والسدِّيُّ ، هو : إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، وقد تكلّم فيه غيرُ واحدٍ ، (١) (٢ / ١٥٣) . (٢) أخرجه عنهم عبد الرزاق (٢٤١/٢) . (٣) (٤٠٨/١ - ٤٥٩) . (٤) (٢ / ١٥٣) . ٢٧٨ ١٥٩ - بَابُ الانْفَتَالِ وَ الانْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَالِ کتاب الأذان ووثَّقه أحمدُ وغيرُه . وعن يحيى فيه روايتانِ . ولم يخرجْ له البخاريُّ ، وأظنه ذكرَ هاهنا الأثرَ الذي علَّقه عن أنسٍ ليعلِّل به هذَا الذي رواه عنه السدِّيُّ . واللهُ أعلمُ . وحكى ابنُ عبدِ البرِّ ، عن الحسنِ وطائفة من العلماءِ : أن الانصرافَ عن اليمينِ أفضلُ . وقد حكاه ابنُ عمرَ عن فلان ، وأنكرَه عليه ، ولعلَّه يريدُ به ابنَ عباسٍ - ے رضي الله عنهما . وسئل عطاءٌ (١): أيهما يستحبُّ ؟ قال : سواءٌ ، ولم يفرِّق بينَ أن يكونَ له حاجةٌ ، أوْ لاَ . وخرَّج الإمامُ أحمدُ والنسائي(٢) من حديث عائشةَ، أن النبيَّ وَِّ كانَ ينصرفُ عن يمينه وشماله . وهوَ من روايةٍ بقيةً، عن الزبيديِّ ، أن مكحولاً حدَّثْه ، أن مسروقَ بنَ الأجدعِ حدَّثْه ، عن عائشةَ . وهذا إسنادٌ جيدٌ . لكن رواه عبدُ اللهِ بنُ سالمِ الحمصيُّ - وهوثقةٌ ثبتٌ - ، عن الزبيديِّ ، عن سليمانَ بنِ موسَى ، عن محكولٍ بهذا الإسنادِ . قال الدار قطنيُّ : وقولُه أشبهُ بالصوابِ . وسليمانُ بنُ موسى ، مختلَفٌ في أمرِه . وروى قبيصةُ بنُ الهُلْبِ(٣)، عن أبيه، قال: كان رسولُ اللهِ وَهِ يَؤُمُّنَا، (١) عبد الرزاق (٢٤١/٢). (٢) أحمد (٨٧/٦) والنسائي (٨١/٣-٨٢). (٣) في الأصلين: ((المهلب)) خطأ. ٢٧٩ ١٥٩ - بَبُ الانْفِتَالِ وَ الانْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَالِ کتاب الأذان فينصرفُ على جانبيه جميعًا ، عن يمينه وشماله . خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه والترمذيُّ (١). وقال : حديثٌ حسنٌ ، وعليه العملُ عندَ أهلِ العلمِ . قال: وصحَّ الأمرانِ عنِ النبيِّ وَّهِ . ، (١) أحمد (٢٢٦/٥-٢٢٧) وأبو داود (١٠٤١) وابن ماجه (٩٢٩) والترمذي (٣٠١). ٢٨٠ حديث : ٨٥٣ كتاب الأذان ١٦٠ - بَابٌ : مَا جَاءَ فِي الُّومِ النَّيِّءٍ وَالْبَصَلِ وَالْكُرََّثِ وَقَوْلِ النَّبِّنَِّ: (( مَنْ أَكَلَ الثَّوْمَ وَالْبَصَلَ، مِنَ الْجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ، فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا )) . خرَّج فيه : عن ابنِ عُمر ، وجابرٍ ، وأنسٍ : فأما حدیثُ ابن عُمر : فقالَ : ٨٥٣ - ثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللّه: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ الَِّيَّ ◌ِ﴿ قَالَ - فِي غَزْوَةٍ خَيْيَرَ - : ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يَعْنِي : الثُّمَ - قَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا )) . وخرَّجه مسلمٌ(١)، ولفظُهُ: ((فلا يقربنَّ المساجدَ ». وهذا صريحٌ بعمومِ المساجدِ ، والسياقُ [ يدلُّ ] (٢) عليه ؛ فإنه لم يكنْ بخييرَ مسجدٌ بُنِي للنبيِّ ◌َِّ، إنما كانَ يصلِّي بالناسِ في موضعٍ نزولِهِ منْها . وقد رُوي ، أنه اتخذَ بها مسجدًا ، والظاهرُ : أنه نصبَ أحجارًا في مكانٍ ، فكان يصلّي بالناسِ فيه ، ثم قد نهَى مَن أكل الثومَ عن قربانِ موضعٍ صلاتِهم . يدل عليه: ما خرَّجه مسلمٌ (٣) من حديث أبي نضرةَ ، عن أبي سعيدٍ ، قال: لم نعدُ أن فُتحتْ خيبرُ، فوقعنا أصحابَ رسولِ اللهِ بَّه في تلكَ البقلةِ الثُّومِ ، (١) ((الصحيح)) (٧٩/٢) بغير هذا اللفظ، وفيه: ((فلا يأتينَّ المساجد ». وفيه أيضاً: ((فلا يقربنَّ مساجدنا))، وفيه من حديث أبي هريرة (( فلا يقربنَّ مسجدنا)). (٢) زيادة مني . (٣) (٢/ ٨٠).