Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ ٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير كتاب الأذان يجهرُ بها من أهلِ الأهواءِ ، فإنهم المعروفون بالجهر بها . ونقلَ أبو طالبٍ ، عن أحمدَ ، وسأله : يُجهرَ بـ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) ؟ قال: بالمدينةِ نعمْ ، وهاهنا مَن كان يرىَ أنها آيةٌ من كتاب الله مثلما قال ابنُ عباسٍ وأبو هريرةَ وابنُ الزبيرِ كانوا يجهرون بها ، ويتأولونَها مِن كتاب اللَّه . قال القاضي أبو يعلى : ظاهرُ هذا أنه أجازَ الجهرَ لمن كان بالمدينةِ دونَ غيرِها من البلادِ . قال : ولعلَّه ذهبَ في هذا إلى أن أهل المدينةِ يرونَ الجهرَ بها ، فإذا خافتَ استنكروا فعلَه ، وامتنعوا من الصلاة خلفَه . قلتَ : إنما مرادُ أحمدَ الإخبارُ عن الجهرِ بها أنه سائغٌ لمثل أهلِ المدينةِ ومَن يتأولُ مِن غيرِهم مِن أهل الحديث والعلمٍ ، وليس مراده أنه يرى الجهرَ بها بالمدينةَ . وقد حكى أبو حفصِ العكبريُّ روايةَ أبي طالبٍ عن أحمدَ ، بلفظٍ صريحٍ في هذا المعنى ، وهو أنه قال : سُئُل أحمد : هلْ يصلي الرجلُ خلفَ مَن يجهر بـ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ؟ قال: بالمدينةَ نعم ، وهاهنا مَن كان يتأول - وذكر بقيةَ الروايةِ . وهذا تصريحٌ بالمعنى الذي ذكرناه ، وهو أنه إنما يسوغ الخلافُ في هذه المسألة من مثلِ هؤلاء العلماءِ المجتهدين ، دون أهلِ الأهواءِ الذين كانت هذه المسألةُ مشهورةً عنهم . ولذلك نقل مُهنا عن أحمدَ ، أن عامةَ أهلِ المدينةِ يروْن الجهر بالبسملة . ونقل صالحُ بنُ أحمدَ ، عن أبيه ، قال : نحن لا نرى الجهرَ ولا نقنُت ؛ فإن جهرَ رجل - وليس بصاحب بدعة ، يتبعُ ما رُوي عن ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ - فلا بأسَ بالصلاة خلفه والقنوتُ هكذا . : 1 ٣٨٢ حديث : ٧٤٣ - ٧٤٤ کتاب الأذان ونقل عنه يعقوبُ بنُ بختان ، قال : يصلَّى خلفَ مَن يجهر من الكوفيين ، إلا أن يكونَ رافضیًا. واختلفت الروايةُ عن أحمد في قراءة البسملة بين السورتين في قيام رمضانَ : فِرُوي عنه ، أنه يسرُّ بها ولا يجهر . ورُوي عنه ، أنه قال : أرجو . وظاهرُ هذه الروايةِ: يدل على أنه لا يكره الجهرَ بها في هذا الموطن خاصةً؛ فإن النفلَ يُسامحَ فيه وخصوصًا قيام الليلِ ؛ فإنه لا يُكره الجهرُ بالقراءة فيه للمنفرد . وإلى هذا القولِ ذهبَ أبو عبيدٍ وعليّ بنُ المدينيِّ - : حكاه عنهما الأثرمُ . وذهبت طائفةٌ إلى أنه لا يُقرأ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) في الصلاةِ سرًا ولا جهرًا ، هذا قولُ مالك وأصحابِه ، ورخص فيه في السور بعد الفاتحة في قيام رمضانَ خاصةً . وحُكي عنه إجازتُه في أول الفاتحةِ وغيرِها للمتهجدين ، وفي النوافلِ . ورُويَ عنه ، أنه لا بأسَ بقراءتها في الفرائض والنوافلِ - : ذكره القاضي إسماعيلُ في (مبسوطه)) من طريقِ ابنِ نافعٍ ، عن مالكٍ . قال ابنُ عبد البرِّ : لا يصح هذا عندنَا عن مالك ، إنما هو عن صاحبه عبدِ اللهِ بنِ نافعٍ . وكذلك رُوي عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، أنه لا يقرؤها سرًا ولا جهراً من وجه فيه نظر - : ذكره ابنُ سعد(١) في ((طبقاتِهِ)) . وكذلك قال الأوزاعيَّ: لا يقرأُ بها سرًاً ولا جهرًا - : نقله عنه الوليدُ بنُ مسلمٍ . (١) (٥/ ٢٦٦) . ٣٨٣ ٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير کتاب الأذان قال الوليدُ : فذكرتُ ذلك لخليدٍ ، فأخبرني أن الحسنَ كان لا يقرؤها . فقال الذي سأله : أكان رسولُ اللّهِ وَّهِ يسرُّها؟ فقال الحسنُ: لو أسرَّ قراءَتها فيما يسرُّ بها لجهر بها فيما يجهر ، ولكنها أعرابيةٌ . قال الوليدُ : وأقول أنا : إن قرأتها فحسنٌ ، وذلك لما أخبرنا به عبدُ الله بنُ عمرَ بنِ حفصٍ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، أنه كان لا يدعُ قراءةَ ((بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) حين يستفتحُ الحمدَ والسورةَ التي بعدها . خرجه حربٌ الكرمانيُّ . واختاره ابنُ جرير الطبريُّ ، وهو مذهبُ مالكٍ والأوزاعيِّ . وبهذا المرويِّ عن ابنِ عمرَ استدلَّ أحمدُ على قراءتِها ، وبالمرويِّ عن ابنِ عباسٍ وابنِ الزبيرِ وأبي هريرةَ . ومالكٌ ومَن وافقه تأوَّلُوا ظاهرَ حديثِ أنسٍ ، وعند التحقيقِ في التأمل إنما يدل على نفي الجهرِ لا على قراءتِها سرًا، وبذلك تجتمع ألفاظُ الحديثِ وعامةٌ الأدلةِ في هذه المسألةِ . واللَّهُ أعلم . وأكثرُ من يرى قراءتَها في الصلاة يرى قراءتَها في الفاتحة والسورة التي بعدها . وقالت طائفةٌ قليلةٌ منهم : إنما يُقرأُ بها في ابتداءِ الفاتحة دُون السورة التي بعدَها ، رُوي عن طاوسَ ، وهو قولُ سفيانَ الثوريِّ وسليمانَ بنِ داودَ الهاشميِّ، وهو روايةٌ عن أبي حنيفةً . وروى يوسفُ بنُ أسباطِ ، عن الثوريِّ، قال : مَن قرأ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) في أول القرآنِ أجزأه لكلِّ القرآن . واعلمْ ، أن الجهرَ بقراءة البسملةِ مع الفاتحةِ ليس مبنيًّا على القول بأن البسملةَ آيَةٌ من سورة الفاتحةِ وغيرِها ، كما ظنه طائفةٌ مِن الناس مِن أصحابِنا ٣٨٤ حديث : ٧٤٣ - ٧٤٤ كتاب الأذان وغيرِهم ، وإنما الصحيحُ عند المحققين من أصحابِنا وأصحابِ الشافعيِّ وغيرِهم أنه غيرُ مبنيٌّ على ذلك . ولهذا اختلفت الروايةُ عن أحمدَ : هل البسملةُ آيَةٌ مِن الفاتحةِ ، أو لا ؟ وأكثرُ الرواياتِ عنه على أنها ليستْ مِن الفاتحةِ ، وهو قولُ أكثرِ أصحابِهِ . ولم تختلفْ عنه في أنه لا يُجهَر بها ، وكذا قال الجوزجانيَّ وغيرُه من فقهاء الحديث . واختلف قولُ الشافعيِّ: هل البسملةُ آيَةٌ من كل سورة سوى الفاتحة ، وهو يرى الجهرَ بها في السور - أيضًا . وحينئذٍ ؛ فلا يصحُّ أن يؤخذ الجهرُ بها مِن القولِ بأنها آيةٌ من الفاتحة ، كما ء يفعلُه كثيرٌ من الناس ؛ فإنهم يحكون عمَّنْ قال : هي آيةٌ من الفاتحة : الجهرَ بها ، وليس ذلك بلازمٍ . ومما يُستحبُّ الإتيانُ به قبلِ القراءة في الصلاةِ: التعوذُ، عند جمهور العلماء. واستدلُّوا بقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] والمعنى: إذا أردتَ القراءةَ، هكذا فسرَ الآيةَ الجمهورُ ، وحُكيَ عن بعض المتقدمين ، منهم : أبو هريرةَ وابنُ سيرينَ وعطاءٌ : التعوذُ بعدَ القراءة . والمرويُّ عن ابنِ سيرينِ : قبل قراءةٍ أمِّ القرآنِ وبعدَها ، فلعله كان يستعيذ القراءة السورةِ ، كما يقرأ البسملةَ لها - أيضًا . وقد جاءتِ الأحاديثُ بأن النبيَّ وَل﴿ كان يتعوذُ قبل القراءة في الصلاةِ : فروى عمرُو بنُ مُرَّةً ، عن عاصمِ العنزيِّ ، عن [ابنِ] جبيرِ بنِ مطعمٍ ، عن أبيه، أنه رأَى النبيَّ وَّهِ يصلّي صلاةً، قال: ((اللَّهُ أكبرُ كبيرًا، اللَّهُ أكبرُ كبيرًا، اللَّهُ أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للَّه كثيرًا، سبحانَ الله بكرة وأصيلاً)) - ثلاثًا - ٣٨٥ ٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير کتاب الأذان ((أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم، من نفْخه ونفثه وهَمْزه)). قال: نفتُه الشعر، ونفخه الكِبْر ، وهمزهُ الموتة . خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه وابنُ حبانَ في (صحيحه)) والحاکمُ (١)، وصححه . وابنُ جبيرٍ ، هو : نافعٌ ، وقع مسمّى في روايةٍ كذلك . وعاصمٌ العنزيُّ ، قال أحمد : لا يُعْرف . وقال غيره : روى عنه غيرُ واحد . ذكره ابنُ حبان في ((ثقاته)) . وروى عطاءُ بنُ السائبِ ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السلميِّ ، عن ابنِ مسعودٍ ، عن النبيِّ وَّ، أنه كان إذا دخل في الصلاة يقول: ((اللهمّ إنِّي أعوذُ بك من الشيطان وهمزه ونفْخه ونفثه)). خرجه ابنُ ماجه والحاكمُ (٢)، وهذا لفظه . وقال : صحيحُ الإسنادِ ؛ فقد استشهدَ البخاريُّ بعطاءِ بنِ السائبِ . وروى عليُّ بنُ عليٌّ الرفاعيُّ ، عن أبي المتوكّلِ ، عن أبي سعيد الخدريِّ ، قال: كان رسولُ اللَّهِ بَ ﴿ إذا قامَ إلى الصلاةِ بالليلِ كَبَّرَ، ثم يقولُ: ((أعوذُ بالله السميعِ العليمِ منَ الشيطانِ الرجيمِ ، من همزِه ونفخه ونفْثه)) . خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ (٣). ٠ وقال : كان يحيى بنُ سعيدٍ يتكلم في عليٍّ بنِ عليٍّ . وقال أحمدُ: لا يصحّ هذا الحدیثُ . كذا قالَ ، وإنما تكلم فيه يحيى بنُ سعيد من جهةٍ أنه رماه بالقدر ، وقد وثقه وكيعٌ ويحيى بن مُعينٍ وأبو زُرعةَ . (١) أحمد (٨٥/٤) وأبو داود (٧٦٤) وابن ماجه (٨٠٧) وابن حبان (١٧٨٠) والحاكم (٢٣٥/١). (٢) ابن ماجه (٨٠٨) والحاكم (٢٠٧/١). (٣) أحمد (٣/ ٥٠) وأبو داود (٧٧٥) والترمذي (٢٤٢) . ٣٨٦ حديث : ٧٤٣ - ٧٤٤ کتاب الأذان وقال أحمدُ : لا بأسَ به ، إلا أنه رفع أحاديثَ . وقال أبو حاتمٍ : ليس به بأسٌ ، ولا يُحتجُّ بحديثه . وإنما تكلم أحمدُ في هذا الحديث ؛ لأنه رُوي عن عليٍّ بنِ عليَّ ، عن الحسن - مرسلاً - ، وبذلك أعلَّه أبو داودَ، وخرج في ((مراسيله)) (١) من طريق عمرانَ بنِ مسلمٍ، عنِ الحسنِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّ كان إذا قامَ منَ الليل يريد أن يتهجدَ، يقول - قبل أن يكبّر: ((لا إله إلا اللَّهُ، لا إله إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ كبيراً ، اللهُ أكبر كبيرًا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفْثه))، ثم يقول: ((اللَّهُ أكبر)). وفي الباب أحاديثُ أخر مرفوعةٌ ، فيها ضعفٌ . واعتمادُ الإمامِ أحمدَ على المرويِّ عن الصحابةِ في ذلك ؛ فإنه روي التعوذَ قبل القراءة في الصلاةِ عن عمر بنِ الخطابِ وابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ وأبي هريرةَ ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ كما تقدم . والجمهورُ على أنه غيرُ واجبٍ ، وحُكي وجوُبُه عن عطاءِ والثوريِّ وبعضِ الظاهريةِ ، وهو قولُ ابنِ بطةَ من أصحابِنا . والجمهورُ على أنه يسره في الصلاة الجهريَّة ، وهو قولُ ابنِ عمرَ وابنٍ مسعود والآکثرین. ورُويَ عن أبي هريرةَ الجهرُ به . وللشافعي قولان . وعن ابن أبي ليلى : الإسرارُ والجهرُ سواءٌ . واختلفوا : هل يختصُّ التعوذُ بالركعة الأولَى ، أم يستحبُّ في كل ركعة ؟ على قولين : (١) (٣٢) . ٣٨٧ ٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير كتاب الأذان أحدُهما : يستحب في كلِّ ركعةٍ ، وهو قولُ ابنِ سيرينِ والحسنِ والشافعيِّ وأحمدَ - في رواية . والثاني : أنه يختص بالركعة الأولى ، وهو قولُ عطاء والحسنِ والنخعيِّ والثوريِّ وأبي حنيفةَ وأحمدَ - في رواية عنه . وقال هشامُ بنُ حسان : كان الحسنُ يتعوذُ في كل ركعةٍ ، وكان ابنُ سيرينَ يتعوذُ في كل ركعتينِ . وذهبَ مالكٌ وأصحابُه إلى أنه لا يتُعوَّذُ في الصلاةِ المكتوبةِ ، بل يفتتحُ بعدَ التكبيرِ بقراءة الفاتحة مِن غير استعاذة ولا بسملة ، واستدلوا بظاهر حديث أنسٍ : كان النبيُّ وَّهِ يفتتح الصلاةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهو الحديثُ الذي خرجه البخاريُّ في أولِ هذا البابِ . ويجاب عنه ؛ بأنه إنما أراد أنه يفتتح قراءةَ الصلاةِ بالتكبيرِ والقراءةِ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وافتتاح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للَّهِ﴾ إما أن يراد به افتتاحها بقراءة الفاتحة كما يقول الشافعي ، أو افتتاح قراءة الصلاة الجهرية بكلمة ﴿ الْحَمْدَ﴾ من غير بسملةٍ كما يقولُه الآخرون. ودل عليه : حديثُ أنسِ الذي خرجهُ مسلمٌ (١) صريحًا . وعلى التقديرين ، فلا ينفي ذلك أن يكونَ يقول قبل القراءة ذكرًا، أو دعاءً ، أو استفتاحًا، أو تعوذًا ، أو بسملةً ؛ فإنه لا يخرج بذلك عن أن يكون افتتح القراءةَ بالفاتحةِ ، أو افتتح الجهرَ بالقراءةِ بكلمة ﴿الْحَمْدُ﴾ . ولا يمكن حملُ الحديثِ على أنه كان أولَ ما يفتتحُ به الصلاةَ قراءةُ كلمة ﴿الْحَمْدُ﴾؛ فإنه لو كانَ كذلك لكان لا يفتحُ الصلاةَ بالتكبيرِ ، وهذا باطلٌ غيرُ مراد قطعًا . والله أعلم . (١) (٢ / ١٢) . ٣٨٨ حدیث : ٧٤٥ کتاب الأذان ٩٠ - بَابٌ ٧٤٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ : أنا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْةِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ النََِّّ صَلَّى صَلَةَ الْكُسُوفِ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّرَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوَعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُم رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأْطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَلَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: ((قَدْ دَنَتْ مِنِّي الجَنَّةُ حَتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِنْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا، وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّ، وَأَنَا مَعَهُمْ؟ فَإِذَا امْرَةَ) - حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: تَخْدِشُهَا مِرَّةٌ - «قُلتُ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَ هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ) . قَالَ نَافِعٌ: حَسِتُهُ مِنْ خَشِشٍ (١) الأَرْضِ - أَوْ خَشَاشِ. قال الخطابيُ (٢): خشيشٌ ليس بشيءٍ، إنما هو خَشَاشٌ - مفتوحةٌ الخاءِ -، وهو حشراتُ الأرضِ وهوامُّها ، فأما الخِشَاش - بكسر الخاء - ، فهُو العُودُ الذي يُجعل في أنفِ البعيرِ . وفي ((الفائق)) : خَشاشُ الأرضِ : هوامها . الواحدة : خَشاشةُ ، سُميتْ بذلك لاندسَاسِها في التراب من خشَّ في الشيء إذا دخل فيه ، يخشُّ وَخَشَّه غَيْرُه. فَخَشَّهُ، ومنه الخشَاشُ؛ لأنه يُخَشُّ (٣) في أنفِ البعيرِ ، انتهى . (١) في اليونينية: ((حسبته أنه قال من خشيش ... )). (٢) في ((شرح البخاري)) له (٤٨٩/١) . (٣) في الأصل: ((يخشوا)) كذا. ٣٨٩ ٩٠ - بَابُ كتاب الأذان وفي هذا الحديث فوائدٌ كثيرةٌ : منها : ما يتعلق بصفة صلاة الكسوفِ ، ويأتي الكلامُ عليه في موضعه - إن شاءَ اللَّهُ سبحانَه وتعالى . ومنها: أنه يدلُّ على وجود الجنة والنارِ، كما هو مذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ. ومنها : ما يدلُّ على تحريمٍ قتلِ الحيوانِ غيرِ المؤذِي ، لغير مأْكلَة . ومنها : ما هو مقصودُهُ بإيراد الحديثِ في هذا البابِ : أن المصلِّيَ له النظرُ في صلاته إلى ما بين يديْه ، وما كان قريبًا ، ولا يقدحُ ذلك في صلاته . ولكن المنظورَ إليه نوعان : أحدُهما: ما هو من الدنيا الملهية، فهذا يُكره النظرُ إليه في الصلاة؛ فإنه يُلهي. وقد دل عليه حديثُ الإنبجانية ، وقد سبقَ . والثاني : ما ينظرُ إليه مما يكشفُ من أمور الغيب ، فالنظرُ إليه غيرُ قادحٍ في الصلاة ؛ لأنه كالفكر فيه بالقلبِ ، ولو فكر في الجنة والنار بقلبه في صلاته كان حسناً . وقد كان ذلك حالَ كثيرٍ من السلفِ ، ومنهم مَن كان يُكشفُ لقلبه عن بعضِ ذلك حتى ينظر إليه بقلبه بنور إيمانِه ، وهو من كمالِ مقامِ الإحسانِ . وأما النبيُّ نَّ فإنه كُشفَ ذلك له فرآه عيانًا بعين رأسه ، هذا هو الظاهرُ ، ويحتملُ أن يكون جُلِّيَ ذلك لقلبه . وقوله : ((أي ربّ، وأنا معهم)) يشير إلى قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذَبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِم﴾ [الأنفال: ٣٣]، فخشي أن يكون إدناؤها منه عذابًا أُرْسلَ على الأمة، فاستفهمَ عن ذلك ، وقال : ((أتعذبُهم وأنا معَهُم ؟)) بحذف همزة الاستفهام . وهذا القولُ ، الظاهرُ : أنه كان بقلبه دون لسانه ، وكذلك سؤالُه عن المرأة ؛ فإن عَالَمَ الغيبِ في هذه الدار إنما تدرِكُه الأرواحُ دونَ الأجساد - غالبًا - ، وقد تدرَك بالحواسِّ الظاهرةِ لمن كشف اللَّهُ له ذلك من أنبيائه ٣٩٠ حدیث : ٧٤٥ کتاب الأذان ورسله ، ويحتمل أن يكون قوله: ((وأنا فيهم)) بلسانه ؛ لأن هذا من باب الدعاء ؛ فإنه إشارةٌ منه إلى أنه موعودٌ بأنه لا تعذَّبُ أمتُه وهو فيهم . يدل على ذلك : ما روى عطاءُ بنُ السائبِ ، عن أبيه ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرو بنِ العاصِ، قال: كسفتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ وَ لَه - فذكرَ الحديثَ بطوله ، وفيه : فجعل ينفخُ في آخر سجودِهِ في الركعةِ الثانيةِ ، ويبكي ، ويقولُ : ((لم تعدني هذا وأنا فيهم، لم تعدني هذا ونحن نستغفرك)) - وذكر بقية الحديث . خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُ (١). وأما سؤالُهُ عن المرأة فلا يحتملُ أن يكون بلسانه . والله أعلم . وفي الجملة ؛ فإن كان البخاريُّ ذكر هذا البابَ للاستدلال بهذا الحديثِ على أن نظرَ المصلي إلى ما بين يديه غيرُ قادحٍ في صلاته ، فقد ذكرنا أن الحديثَ لا دليل فيه على النظرِ إلى الدنيا ومتعلقاتها ، وإن كان مقصودُه الاستدلالَ به على استحبابِ الفكر للمصلِّي في الآخرة ومتعلقاتِها، وجعلَ نظرَ النبيِّ مَّ فيه إلى الجنة بقلِه كان حسنًا ؛ لأن المصلِّيَ مأمورٌ بأن يعبدَ اللَّهَ كأنه يراه ، فينبغي له أن يستغرقَ فكرُه في قربه من اللَّه، وفيما وعدَ اللَّهُ أولياءَه، وتوعَّد به أعداءَه ، وفي الفكر في معاني ما يتلوه من القرآنِ . وقد كان السلفُ الصالحُ ينجلِي الغيبُ لقلوبهِم في الصلاة ، حتى كأنهم ينظرونَ إليها رأىَ عينٍ ، فمن كان يغلب عليه الخوفُ والخشيةُ ظهر لقلبه في الصلاة صفاتُ الجلالِ من القهرِ والبطشِ والعقابِ والانتقامِ ونحو ذلك ، فيشهدُ النارَ ومتعلقاتِها وموقفَ القيامة ، كما كان سعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ - صاحبُ الأوزاعيُّ - يقول : ما دخلتُ في الصلاةِ قطُّ إلا مثلت لي جهنمُ (٢). (١) أحمد (١٥٩/٢ - ١٨٨) وأبو داود (١١٩٤) والنسائى (١٣٧/٣ - ١٤٩). (٢) ((الحلية)) لأبي نعيم (٢٧٤/٨). ٣٩١ ٩٠ - بَابٌ كتاب الأذان ومَن كان يغلب عليه المحبةُ والرجاءُ ، فإنه مستغرقٌ في مطالعة صفاتٍ الجلالِ والكمالِ والرأفةِ والرحمةِ والودِّ واللطفِ ونحو ذلك، فيشهدُ الجنةَ ومتعلقاتها ، وربما شهدَ يوم المزيدِ وتقريبَ المحبينَ فيه . وقد رُوي عن أبي ريحانةَ - وهُو من الصحابةِ - ، أنه صلَّى ليلةً ، فما انصرف حتى أصبحَ ، وقال : ما زال قلبي يهوي في الجنة وما أعدَّ اللَّهُ فيها لأهلِها حتى أصبحتُ . وعن ابنِ ثوبانَ - وكان من عبادِ أهلِ الشام - ، أنه صلَّى ليلةً ركعةَ الوترِ ، فما انصرفَ إلى الصبح ، وقال : عُرضتْ لي روضةٌ من رياض الجنة ، فجعلتُ أنظرُ إليها حتى أصبحتُ . يعني : ينظرها بعينٍ قلبه . ٣٩٢ حديث : ٧٤٦ كتاب الأذان ٩١ - بَابُ رفعِ البصرِ إِلَى الإِمَامِ فِي الصَّلاَةِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَِّيُّ ◌َ﴾(١): ((رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَخْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَيْتُمَوُنِي تَأَخَّرْتُ) . حديثُ عائشةَ ، يأتي في ((أبوابِ: الكسوفِ)) - إن شاءَ اللَّهُ تعالى - ، وليس فيه رفعُ البصرِ إلى الإمامِ في الصلاةِ ، إنما فيه مدَّ البصرِ إلى ما بينَ يدي المصلِّي ، وقد سبق القولُ في هذا في الباب الماضي ، وأن النظرَ إلى الآخرة ومتعلقاتِها في الصلاة حسنٌ ، سواءٌ كان نظرَ عينٍ أو قلبٍ . وقد خرَّج في هذا الباب أربعةً أحاديث : الأول : ٧٤٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى: ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ: ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عِمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ : قُلْنَا لِخَبَّابِ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ؟ قَالَ نَعَمْ. قُلْنَا: بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْتِهِ. فهذا فيه دليلٌ على أنَّ المأمومَ ينظرُ إلى إمامِه ، ويراعي أقوالَه في قيامِه ؛ لأنهم إنما شاهدُوا اضطرابَ لحيةِ النبيِّ بَّ في صلاتِه بمدِّهِم بصرَهُمْ إليه في قيامه . وهذا قد يُقال: إنه يختصُّ بالصلاة خلفَ النبيِّ بَّه، لما يترتبُ على ذلك من معرفةِ أفعالِه في صلاته فيُقْتدَى به ، فأما غيرُهُ من الأئمةِ فلا يحتاجُ إلى النظرِ إلى لحيته ، فالأولى بالمصلَّى وراءَه أن ينظر إلى محلِّ سجودِه ، كما سبقَ . (١) في ((اليونينية)) زيادة: ((في صلاة الكسوف)). ٣٩٣ ٩١ - بَابٌ رفع البصر إلى الإمام في الصلاة كتاب الأذان الحديثُ الثاني : ٧٤٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ: ثَنَا شُعْبَةُ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبِّدَ اللَّه بْنَ يَزِيدَ يَخْطُبُ: حَدَّثَا الْبَرَاءُ - وَكَانَ غَيْرَ كَذُوبٍ -، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ وَثِّ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَامُوا قِيَامًا حَتَّى يَرَوْهُ قَدْ سَجَدَ . قدْ سبقَ هذا الحديثُ (١) فِي ((بابِ: مَتَى يَسْجُدُ مَنْ وَرَاءَ الإِمَامِ)) من حديثٍ سفيانَ ، عن أبِي إِسْحَاقَ ، وهاهنا خرَّجه من رواية شعبةً : أنبأنا أبو إسحَاقَ . ومراد شعبةً بقوله: ((أنبأنَا)) كقوله: ((أخبَرَنَا)) أو («حدَّثَنَا))، وليس مرادُه - كما يقوله المتأخرونَ - : الإجازةَ . وفي الحديث : دليلٌ على أن المأمومَ يراقبُ حال إمامِه في ركوعه وسجودِه ؛ ليسجدَ بعد سجودِهِ ، وتقعَ أفعالُه بعد أفعالِ إمامِه ، وهذا حكمٌ عامٍّ في جميع الناس ، فإن اقتداءَ المأمومِ بأفعالِ إمامِه التي يشاهدُها أولَى من الاكتفاء بمجرد سماعٍ تكبيره ؛ فإنه قد يُنهي تكبيرَه قبل أن ينهي فعلَه ، فلذلك كانوا يراعون تمامَ سجودِ النبيِّ بِّهِ واستقرارِه على الأرضِ، حتى يسجدُوا بعدَه. قال أصحابنا وغيرُهم : ولهذا المعنى كره أن يكون موقفُ الإمامِ أعلى من المأمومِ ؛ لأن المأمومَ يحتاج إلى رفعٍ بصرِه إلى إمامِه ، فإذا كان عاليًا عليه احتاجَ إلى كثرةِ رفعٍ بصرِه ، وهو مكروهٌ في الصلاة . الحديثُ الثالثُ : ٧٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيّدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسار، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَسَقَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ◌ِ، فَصَلَّى ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ؟ قَالَ : ((إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ (١) (٦٩٠) . ٣٩٤ حديث : ٧٤٨ كتاب الأذان مَا بَقَيَتِ الدُّنْيَا)) .. قال الخطابيُ (١) : التكَعْكعُ التأخرُ، وأصله في الجُبْن. كَعَّ الرجلُ عن الأمرِ إذا جُبُنَ وتأخرَ ، وأصله : تكعَّع ، فأدخلَ الكافَ لئلاً: يجمعَ بينَ حرفينِ . ويقالَ : كاعَ يكيعُ : مثلُه . انتهى . وفي الحديث : دليلٌ على أن رفعَ بصرِ المصلِّى إلى ما بين يدَيْه ، ومدَّ يده لتناولِ شيءٍ قريبٍ منه لا يقدحُ في صلاتِهِ . وليس فيهِ نظرُ المأمومِ إلى إمامِهِ ، إنما فيه نظرُ الإمامِ إلى ما بينَ يديْهِ ، وقد تقدمت الإشارةُ إلى أنَّ هذا النظرَ والتناولَ ليس هو ما يكره في الصلاة ؛ لأنه نظرٌ إلى الآخرةِ لا إلى الدنيا ، ومدُّ يدِهِ إلى العنقودِ كان فيه مصلحةٌ دينيةٌ ، لِيُرِي أصحابَه بعضَ ما وُعُدُوا به عيانًا في الجنَّةِ ، لكنه أُوحِيَ إليه أن لا يفعلَ ؛ فإنه كانَ يصيرُ الغيبُ شهادةً ، فتزولَ فائدةُ التكليفِ بالإيمانِ بالغيبِ . وقولُهُ : ((فتناولتُ منه عنقودًا)». يعني(٢): أنه مدَّ يدَه يريدُ تناولَ العنقود ، ولكنه لم يتناولْه ، ولهذا قال: ((لو أخذتُّه لأكلتم منهُ)) . وقولُهُ : ((لأكلتم منه ما بقيت الدنيا)) إشارةٌ إلى أن ما في الجنة لا ينفدُ ؛ فإنه كلما أكلَ منه استخلفَ في الحال مثلاه(٣). وفي رواية أخرى : ((لأكلَ منه مَنْ بينَ السماء والأرضِ ، لا ينقصونه شيئًا)»(٤). ولهذا يُروى أن الطير يمرُّ بأهل الجنة ، فيشتهونَه ، فيخرّ بين أيدِيهم ، (١) في ((شرح البخاري)) (٤٩٠/١). (٢) في الأصل: ((معنى)). (٣) روي ذلك في حديث ضعيف. انظره مع تخريجه في كتاب ((جامع العلوم والحكم)) للمؤلف (٢٥/٢ - ٢٦) بتحقيقي . (٤) أخرجه أحمد (١٣٧/٥). وانظر ((جامع العلوم)) أيضًا. ٣٩٥ ٩١ - بَابٌ رفع البصر إلى الإمام في الصلاة کتاب الأذان فيأكلونَ منه ما يشاءون ثم يطيرُ ، والكأس يشربون ما فيه ثم يعود ممتلئًا في الحال(١)، لا حَرَمَنَا اللَّه خير ما عنده بشرٍّ ما عندَنَا بمنِّه ورحمته . الحديث الرابعُ : ٧٤٩ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانِ: ثَنَا فُلَيْحٌ: ثَنَا هِلَاَلٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ : صلَّى رَسُولُ اللَّهِوَ ثُمَّ رَفَى الْمِنْبَرَ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ قَالَ : (لَقَدْ رَأَيْتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمْ الصَّلاَةَ الجَنََّ وَالنَّارَ مُمَثَّتَيْنِ فِي قِبْلَةِ هَذَا الْجِدَارِ ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ والشَّرِّ) - ثَلاًا . الظاهرُ : أن هذه الصلاةَ كانتَ غيرَ صلاة الكسوف ، وأن الجنةَ والنارَ مُثِّلِتَا له في هذه الصلاة في جدار القبلةِ تمثيلاً ، وأما إدناءُ الجنة والنارِ في صلاةٍ الكسوفِ فكانَ حقيقةً . واللَّهُ أعلمُ . وفيه : أن رفعَ بصرِ المصلِّي إلى ما مثِّلَ له من أمورِ الآخرةِ إذا ظهرتْ له غيرُ قادحٍ في الصلاةِ . وليس فيه - أيضًا - : نظرُ المأمومِ إلى إمَامِه، كما بوَّب عليه . واللَّهُ سبحانه وتعالى أعلمُ . (١) انظر: ((جامع العلوم)) (٢٧/٢). ٣٩٦ حديث : ٧٥٠ کتاب الأذان ٩٢ - بَابُ رَفْعِ البَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلاَةِ ٧٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ: أَنَا(١) ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ: نَا قَادَةُ، أَنَّأَنَسَ بْنَ مَالِكِ حَدَثَّهُمْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاَتِهِمْ)، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: ((لَنْتَهِينَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَيَخْطَفَنَّ اللَّهُ أَبْصَارَهُمْ))(٢). هذا الإسناد كلُّه مصرحٌ بسماع رواتِهِ بعضِهم من بعضٍ ، وقد أمن بذلك تدليسُ قتادةَ فيه . وفي الحديث : دليلٌ على كراهةِ رفعٍ بصرِه إلى السماءِ في صلاته . وقد رُويَ هذا الحديثُ عن النبيِّ نَّهِ من روايةِ عدَّةٍ من الصحابةِ . ورُويَ النهيُ (٣) عن حذيفةَ وابنِ مسعودٍ . وقال سفيانُ: بلغنا أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَّ كان يرفعُ بصرَه إلى السماءِ في الصلاةِ، حتى نزلِت ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] فرمى ببصره نحوَ مسجده . والمعنى في كراهة ذلك : خشوعُ المصلِّي وخفضُ بصرِه ، ونظره إلى محلٌّ سجوده ؛ فإنه واقفٌ بين يدي الله عزَّ وجلَّ يناجيه ، فينبغي أن يكون خاشعًا منكِّسًا رأسَه ، مطرقًا إلى الأرضِ . (١) في ((اليونينية)): ((حدثنا)). (٢) في ((اليونينية)): ((أو لتُخْطَفَنَّ أبصارُهم)). (٣) ((النهي)) مشتبهة في الأصل . والأثران في ابن أبي شيبة (٤٨/٢). ٣٩٧ ٩٢ - بَابٌ رفع البصر إلى السماء في الصلاة کتاب الأذان وقد تقدمَ في تفسير الخشوعِ أن خشوعَ البصرِ : غضُّه . وإنما يكره رفعُ البصرِ إلى السماء عبثًا ، فأما لحاجة فيجوز . وقد أشارتْ عائشةُ لأختها أسماءَ إلى السماءِ في صلاةِ الكسوفِ . وقد نص أحمدُ على أن مَن تجشَّأَ في صلاته فإنه يرفعُ رأسَه إلى السماءِ ؛ لئلاًّ يتأذَّى من إلى جانبه برائحة جُشائه . ولكن ؛ قد يقال - مع رفعٍ رأسه - : إنه يغضُّ بصره . وقد سبق عن عمرَ وابنِ سابطٍ : رفعُ الوجه إلى السماءِ عندَ تكبيرة الإحرامِ . وزاد ابنُ سابطِ : وإذا رفعَ رأسَه . وأما تغميضُ البصرِ في الصلاة ، فاختلفوا فيه : فكرهَهِ الأكثرونَ ، منهم : أبو حنيفةَ والثوريُّ والليثُ وأحمدُ . قال مجاهدٌ : هو مِن فعل اليهود(١). وفي النهي عنه حديثٌ مرفوعٌ ، خرجه ابنُ عديٍّ (٢)، وإسنادهُ ضعيفٌ . ورخص فيه مالكٌ . وقال ابنُ سيرينَ : كان يُؤْمَر إذا كان يكثرُ الالتفاتَ في الصلاة أن يغمضَ عينيْهِ . خرَّجه عبدُ الرزاقِ(٣). (١) أخرجه عبد الرزاق (٢٧١/٢) . وراجع: ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٦٤/٢). (٢) (٦/ ٢٣٦٢) وكذا أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٣٤/١١) و((الأوسط)) (٢٢١٨) و((الصغير)) (١ / ١٧) . (٣) (٢/ ٢٧١) . ٣٩٨ حدیث : ٧٥١ - ٧٥٢ کتاب الأذان ٩٣ - بَابُ الالْتَفَاتِ فِي الصَّلاةِ فيه حديثان : الأَوَّلُ : ٧٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا أَبُو الأَحْوَص: ثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْم - هُوَ: أَبُو الشَّعْثَاءِ-، عَنْ أَبيه، عَنْ مَسْرُوق، عَنْ عَائشَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّه ◌َِّ عَنِ الالْتِفَاتِ فِي الصََّةُ: فَقَالَ ((هُوَ اخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَةِ الْعَبْدِ» . الثَّانِي : ٧٥٢ - حَدَّثَنَا قُتَّةُ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّالنَّبِيَّ صَلَّى فِي خَمِيصَة لَهَا أَعْلاَمٌ، فَقَالَ: ((شَغَلَتْنِي أَعْلاَمُ هَذه، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أِي جَهْمٍ ، وَأُونِي بَأَنْبِجَانَِّ)). حديثُ عائشةَ في الخميصة ، قد سبق في ((أبوابِ : الصلاةِ في الثيابِ)) في (باب: إذا صلَّى في ثوبٍ وله أعلامٌ ونظرَ إلى علَمِها))(١)، وسبق الكلامُ عليه مستوفّی . وبعده حديثُ أنسٍ (٢)، أنَّ النبيَّ ◌َِّ قَالَ لعائشةَ: ((أَمِيطِي عنا قرامَك ؛ فإنه لا تزالُ تصاويره تعرض في صلاتِي)) . وذكرنا أنّ في الحديثين دليلاً على كراهةٍ أن يصليَ إلى ما يلهي النظرُ إليه ، أو لبسه في الصلاة . (١) رقم (٣٧٣). (٢) رقم (٣٧٤) . ٣٩٩ ٩٣ - بَابٌ الالتفات في الصلاة كتاب الأذان وأما حديثُ عائشةَ الذي خرجَه هاهنا في الالتفاتِ ، فتفرَّدَ به دون مسلمٍ ، وفي إسناده اختلافٌ على أشعثَ بنِ أبي الشعثاء . فالأكثرون رَوَوْهُ عنه ، كما رواه عنه أبو الأحوصِ ، كما أسنده البخاريُّ من طريقه . قال الدارقطنيَّ : وهو الصحيحُ عنه ، عن أبيه ، عن عائشةَ ، لم يذكر : («مسروقًا)) في إسناده . ورواه إسرائيلُ ، عن أشعثَ ، عن أبي عطيةَ الهمدانيِّ ، عن مسروقٍ ، عن عائشةً . ورواه مسْعرٌ ، عن أشعثَ ، عن أبي وائلٍ ، عن مسروقٍ ، عن عائشةَ . وكلُّهم رفعوه . ورواه الأعمشُ موقوفًا ، واختُلِفَ عليه : فرواه الأكثرونَ ، عنه ، عن عمارةَ ، عن أبي عطيةً ، عن عائشةَ موقوفًا . وقال شعبةُ ، عن الأعمشِ ، عن خيثمةَ ، عن أبي عطيةَ ، عن عائشةً موقوفًا . ولهذا الاختلافِ - واللهُ أعلمُ - تركَه مسلمٌ فلم يخرجه . وفي الالتفاتِ أحاديثُ أخرُ متعددةٌ ، لا تخلو أسانيدُها من مقالٍ . ومن أجودِها : ما روى الزُّهريُّ (١)، عن أبي الأحوصِ ، عن أبي ذرٍّ ، قال: قالَ رسولُ اللَّهِ وَله: ((لا يزال اللَّهُ مقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفتْ ، فإذا التفتَ انصرفَ عنه)) . رواه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ وابنُ خزيمةَ في ((صحيحه))(٢). (١) تصحف في الأصل إلى ((الترمذي)). (٢) أحمد (١٧٢/٥) وأبو داود (٩٠٩) والنسائي (٨/٣) وابن خزيمة (٤٨١). ٤٠٠ حديث : ٧٥١ - ٧٥٢ کتاب الأذان وأبو الأحوصِ ، قد قيل : إنه غيرُ معروف . وخرج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ خزيمةَ وابنُ حبانَ والحاكمُ (١) من حديثٍ الحارثِ ، عن النبيِّ وََّ ـ في حديثٍ طويلٍ ذكرَه - : ((إن الله ينصبُ وجهَه لوجه عبده ما لم يلتفتْ ، فإذا صليتمْ فلا تلتفتُوا)) . وصحَّحه الترمذيُّ . وروى عبدُ الرزاقِ(٢)، عن ابن جريجٍ ، عن عطاء : سمعتُ أبا هريرةَ يقولُ : إذا صلَّى أحدُكم فلا يلتفتْ؛ فإنه يناجي [ربَّه]، إن ربَّه أمامَه، وإنَّه يناجيه ، فلا يلتفتْ . قال عطاءٌ: وبلغنا أن الربَّ عزَّ وجلَّ يقولُ : ((يا بن آدمَ ، إلى أينَ تلتفتُ، أنا خيرٌ ممنْ تلتفتُ إليه)) . ورواه إبراهيمُ بنُ يزيدَ الخوزيُّ وعُمرُ (٣) بن قَيسِ المكيُّ سَنْدِلُ - وهما ضعيفانِ -، عن عطاءٍ ، عن أبي هريرةَ - مرفوعًا كلَّه . والموقوفُ أصحُّ - : قاله العقيليُّ (٤) وغيرُه . وكذا رواه طلحةُ بنُ عمرو ، عن عطاء ، عن أبي هريرةَ ، قال : ما التفتَ عبدٌ في صلاته قطُّ إلا قال اللَّهُ: ((أنا خيرٌ لك مما تلتفتُ إليه)) . والأشبه : أن هذا قولُ عطاء ، كما سبق . وقولُهُ : ((هو اختلاسٌ يختلسُه الشيطانُ من صلاة العبد)) يعني: أن الشيطانَ يسترِقُ من العبدِ في صلاته التفاتَه فيها ويختطفُهُ منْهُ اختطافًا حتى يدخلَ عليه (١) أحمد (٤/ ١٣٠ - ٢٠٢) والترمذي (٢٨٦٣) وابن خزيمة (٩٣٠) وابن حبان (٦٢٣٣) والحاكم (١١٧/١ - ١١٨). (٢) (٢٥٧/٢) . (٣) في ((الأصل)): ((عمرو)) خطأ. (٤) (١ / ٠ ٧ - ٧١) .