Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير
کتاب الأذان
تتعارضَ الرواياتُ وتسقطَ، أو ترجَّح روايةُ الجهرِ ؛ لأن الإثبات مقدَّم على النفي.
فروى الشافعيُّ (١) : نا عبد المجيد بن عبدِ العزيزِ ، عن ابن جريجٍ ، قال :
أخبرني عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بنِ خثيمٍ ، أن أبا بكرٍ بنَ حفصِ بنِ عمرَ أخبره ، أن
أنسَ بنَ مالك قال : صلى معاويةُ بالمدينة صلاةً ، فجهر فيها بالقراءة ، فقرأ :
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لأمِّ القرآن ، ولم يقرأ بها للسورةِ التي بعدها حتى
قضى تلك القراءةَ ، ولم يكِّر حتى قضى تلك ، فلما سلَّم ناداه مَن شهدَ ذلك
مَن المهاجرين من كل مكان : يا معاويةُ : أسرقت الصلاةَ ، أم نسيتَ ؟ فلما
صلَّى بعد ذلك قرأ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) للسورة التي بعد أم القرآن ، وكبر
حین یھوي ساجدًا .
ورواهُ عبدُ الرزاقِ (٢) عن ابن جريجٍ بهذا الإسنادِ ، وقال فيه : فلم يقرأ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِنَ الرَّحِيمِ)) لأم القرآن ، ولم يقرأ بها للسورةِ التي بعدها .
وخرجه الشافعيَّ - أيضًا - ، عن إبراهيمَ بنِ محمدٍ - هو : ابنُ أبي يحيى - :
حدثني عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ بنِ خثيمٍ ، عن إسماعيلَ بنِ عبيد بنِ رفاعةَ ، عن
أبيه، أن معاويةَ قدِم المدينة فصلَّى بهم، ولم يقرأ: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرحيم)) ، ولم يكبر إذا رفع .
ورواه - أيضًا - عن يحيى بن سليم(٣)، عن عبدِ اللهِ بنِ عثمان بن خثيمٍ ،
عن إسماعيلَ بنِ عبيدِ بنِ رفاعةَ ، عن أبيه - فذكر بنحوه .
قال الشافعيَّ : وأحسِب هذا الإسنادَ أحفظَ من الإسناد الأول .
قال البيهقيُّ(٤): ورواه إسماعيلُ بنُ عياشٍ ، عن ابنِ خثيمٍ ، عن إسماعيلَ
(١) في ((مسنده)) (١/ ٨٠) و((الأم)) (١/ ٩٣).
(٢) (٢ / ٩٢) .
(٣) في الأصل: ((خثيم)) خطأ.
(٤) (٢ / ٥٠) .

٣٦٢
حديث : ٧٤٣ - ٧٤٤
كتاب الأذان
ابن عبيدِ بنِ رفاعةَ ، عن أبيه ، عن جدِّه، أن معاويةَ قدم المدينة .
قال : ويحتملُ أن يكون ابنُ خثيمٍ سمعه منهما ، والله أعلم . انتهى .
فعلى طريقةِ الشافعيِّ في ترجيح الإسنادِ الثاني على الحديث ، ليس هذا
الحديثُ من رواية أنسِ بنِ مالك بالكلية ، فلا يكون معارضًا لروايات أنس
الصحيحة الثابتةِ .
وعلى التقدير الآخرِ ، فليس هذا الحديثُ مرفوعًا ، وإنما فيه إنكارُ من كان
حاضرًا تلك الصلاةَ منَ المهاجرين ، وإنما حضر ذلك قليلٌ منهم ؛ فإن أكابرهم
تُوفوا قبل ذلك ، فغايةُ هذا : أن يكون موقوفًا على جماعة من الصحابة ، فكيف
تُردُّ به الروايةُ المرفوعةُ ، وليس فيه تصريحٌ بإنكار ترك الجهرِ بالبسملةِ ، بل
يحتمل أنهم إنما أنكروا قراءتها في الجملة ، وذلك محتمَلٌ بأن يكون معاويةٌ
وصل تكبيرة الإحرام بِقراءة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ من غير سكوت بينهما
يتسع للبسملةِ ، ثم وصلَ الفاتحةَ بقراءة سورةٍ من غيرِ سكوتٍ يتسع للبسملة .
وروايةُ ابنُ جريجٍ صريحةٌ في أن معاوية لم يقرِ البسملةَ مع الفانحةِ -
أيضًا - ، فيدل هذا على اتفاقهم على أن البسملةَ ليست من الفاتحة ، وإلا
لأمروه بإعادة الصلاة ، أوْ لأَعادوا هم صلاتَهم خلفه .
وبكل حال ؛ المضطربُ إسنادُه وألفاظُه لا يجوز أن يكون معارضًا لأحاديث
أنسِ الصحيحةِ الصريحةِ .
وقد تفرَّد بهذا الحديثِ عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ بنِ خثيمٍ ، وليس بالقويِّ ؛ ترك
حديثَه يحيى القطانُ وابنُ مهدِي .
ومن العجب ، قولُ بعضِهم : يكفي أن مسلمًا خرَّج له، مع طعنه في حديثٍ
الأوزاعيِّ الذي خرجه مسلمٌ في ((صحيحه)) من حديث أنس المصرحِ بنفي قراءةٍ
البسملة .

٣٦٣
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير
كتاب الأذان
وقوله : إنه معلولٌ غيرُ ثابت ، بغير حجة ولا برهان ، نعوذُ باللَّهِ من اتباعٍ
ے
الھوَى .
فإن قيلِ : فقد رُوي عن أنسٍ أحاديثُ صريحةٌ في الجهرِ بالبسملةِ :
فروى حاتمُ بنُ إسماعيلَ ، عن شريكِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي نَمِرٍ ، عن أنسٍ ،
قال : سمعتُ النبيَّ بِّهِ يجهُرُ بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
خرجه الحاكمُ في ((المستدركِ» (١) من طريق أصبغِ بنِ الفرجِ ، عن حاتمٍ ،
به .
. وقال : رواتُه ثقاتٌ .
قلت : هذا لا يثبت ؛ فقد خرجه الدارقطنيَّ من طريقٍ آخرَ عن حاتمِ بنِ
إسماعيلَ ، عن شريكِ بنِ عبدِ اللَّهِ ، عن إسماعيلَ المكيِّ، عن قتادةَ، عن أنسٍ -
فذكره .
فتبين بهذه الرواية أنه سقطَ من رواية الحاكم من إسناده رجلان : أحدهما
إسماعيلُ المكيُّ ، وهو : ابنُ مسلمٍ ، متروكُ الحديثِ ، لا يجوزُ الاحتجاجُ به .
وخرَّج الدار قطنيُّ - أيضًا (٢) - من طريق معتمرِ بنِ سليمانَ ، عن أبيه ، عن
أنسٍ، قال: كان النبيُّ وَله يجهر بـ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)).
وفي إسناده مجاهيلُ لا يُعْرَفون .
وخرج - أيضًا - : بإسنادٍ منقطعٍ وجادةً وجدها في كتابٍ عن محمدِ بن
المتوكلٍ بن أبي السري العسقلانيِّ ، أنه صلَّى خلف المعتمرِ بنِ سليمانَ ، فكان
يجهرُ بـ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))، وقال: إني ما آلو أن اقتديَ بصلاة
المعتمرِ، وقال أنسٌ: ما آلو أن اقتديَ بصلاة رسول اللّهِ وَيهِ.
(١) (٢٣٣/١) .
(٢) (٣٠٩/١) .

٣٦٤
حدیث : ٧٤٣ - ٧٤٤
کتاب الأذان
وهذا لا يثبتُ ؛ لوجوهِ :
منها : انقطاعُ أولِ إسناده .
ومنها : أنه ليس فيه تصريحٌ برواية معتمرٍ للجهرِ بالبسملةِ بهذا الإسنادِ ،
وإنما فيه اقتداءٌ كليٌّ في الصلاة ، ومثلُ هذا لا يثبتُ به نقلُ تفاصيلِ أحكامِ
الصلاة الخاصة
ومنها : أن المعتمرَ بنَ سليمانَ إنما كان يروي حديثَ البسملةِ بإسنادٍ آخرَ عن
إسماعيلَ بنِ حمادٍ، عن أبي خالدٍ ، عن ابنِ عباسٍ، أن النبيّ ◌َّ كان يفتتح
1 13
صلاتَه بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
خرجه من طريقه كذلك أبو داودَ (١)، وقال : هذا حديثٌ ضعيفٌ .
والترمذي(٢)، وقال : إسناده ليس بذاك. وقال : إسماعيلُ بنُ حمادٍ،
H
هو : ابنُ أبي سليمانَ ، وأبو خالدٍ ، هو : الوالبيُّ ، كذا قال .
وقال الإمامُ أحمدُ - في رواية حنبلٍ - : إسماعيلُ بنُ حمادٍ : ليس به بأسٌ ،
ولا أعرف أبا خالدٍ - يعني : أنه غيرُ الوالبِيِّ .
كذا قال العقيليُّ (٣)، قال : إسماعيلُ بنُ حمادِ بنِ أبي سليمانَ حديثُه غيرُ
محفوظ - يعني : هذا الحديثَ - ، ويحكيه عن مجهولٍ كوفيٌّ .
وخرجه ابنُ عديٌّ في ((كتابه))(٤) من طريق معتمرٍ، كما خرجه أبو داودَ وغيرُه.
وخرج - أيضًا - من طريقٍ آخرَ عن معتمرٍ ، قال : سمعتُ ابنَ حمادٍ ، عن
عمران بنِ خالدٍ ، عن ابنِ عباسٍ .
ثم قال : هذا الحديثُ لا يرويه غيرُ معتمرٍ ، وهو غيرُ محفوظٍ ، سواءٌ
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)» (٢٦٥/٥) .
(٢) (٢٤٥) .
(٣) (١/ ٨٠) .
(٤) (١/ ٣٠٥) .

٣٦٥
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير
کتاب الأذان
قال : عن أبي خالدٍ ، أو عمرانَ بنِ خالدٍ ؛ جميعًا مجهولان .
وقال ابنُ عبد البِّر: هذا الحديثُ - والله أعلم - إنه رُوي عن ابن عباسٍ من
فعله لا مرفوعًا إلى النبيِّ وَِّ .
ومنها : أن محمدَ بنَ المتوكلِ لم يخرجْ له في ((الصحيح))، وقد تكلّم فيه
أبو حاتم الرازيُّ وغيرُهُ ولَيَّنُوُه ، وهو كثيرُ الوهمِ .
وقد رُويَ عنه هذا الحدیثُ علی وجه آخر :
خرجه الطبرانيُّ (١) عن عبدِ اللَّهِ بنِ وُهَيَبِ الغزيِّ، عن محمدِ بنِ أبي السريِّ،
عن معتمرِ بنِ سُليمانَ، عن أبيه، عن الحسنِ، عن أنسٍ ، أن النبيِّ وَّ كان
يسرُّ(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وأبو بكرٍ وعمرُ .
فهذه الروايةُ المتصلةُ الإسنادِ أولى من تلك المنقطعة .
وأعجبُ من هذا: ما خرجه الحاكمُ (٢) من طريق سيف بنِ عَمْرٍو أبي جابرٍ ،
عن محمدِ بنِ أبي السريِّ ، عن إسماعيلَ بن أبي أويسٍ ، عن مالكٍ، عن حميدٍ،
عن أنسٍ، قال: صليت خلف النبيِّ وَّ وخلفَ أبي بكرٍ وخلف عمرَ وخلف
عثمانَ وخلف عليٍّ، فكلُّهم كانوا يجهرون بقراءة ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)).
وتخريجُ هذا في ((المستدرك)) من المصائب ، ومَن يخفى عليه أن هذا كذبٌ
على مالكٍ، وأنه لم يُحدِّثْ به على هذا الوجه قطُّ (٣)؛ إنما رَوى عن حميدٍ ،
عن أنسٍ، أن أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ كانوا لا يقرأون: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِنَ
الرَّحِيمِ) .
(١) في ((الكبير)) (٢٥٥/١).
(٢) (١/ ٢٣٤) .
(٣) وقال الذهبي في ((تلخيصه)): ((أما استحى المؤلف أن يورد هذا الحديث الموضوع ، فأشهد
باللَّه ولله بأنه كذب !)) .

٣٦٦
حديث : ٧٤٣ - ٧٤٤
كتاب الأذان
هكذا خرجه في ((الموطإ))(١)، ورواه عنه جماعةٌ، وذكروا فيه النبيِّ وَله -
أيضًا - ، وقد سبق ذكرُ ذلك .
فمن اتقى وأنصفَ علم أن حديثَ أنسِ الصحيحَ الثابتَ لا يُدْفَعُ بمثل هذهِ
المناكيرِ والغرائبِ والشواذِّ التي لم يرض بتخريجها أصحابُ الصحاحِ ، ولا أهلُ
السننِ مع تساهلِ بعضِهِم فيما يخرجه ، ولا أهلُ المسانيدِ المشهورَةِ مع تساهِلهم
فيما يخرجونَه .
وإنما جَمَعْتُ هذه الطرقَ الكثيرةَ الغريبةَ والمنكرةَ لما اعتنى بهذه المسألةِ مَنِ
اعتنى بها ، ودخل في ذلك نوعٌ من الهوى والتعصبِ، فإن أئمةَ الإسلامِ المجتمعَ
عليهم إنما قصدوا اتباعَ ما ظهر لَهمْ من الحقِّ وسنةِ رسولِ اللهِ بَّه، لم يكن
لهم قصدٌ في غيرِ ذلك - رضي الله عنهم - ، ثم حدث بعدَهم مَنْ كان قصدُه أن
تكون كلمةُ فلان وفلانٍ هي العليا ، ولم يكن ذلك قصدَ أُولئِك المتقدمين ،
فجمعوا وكثَّروا الطرقَ والرواياتِ الضعيفةَ والشاذةَ والمنكرةَ والغريبةَ ، وعامتُها
موقوفاتٌ رفعَها مَنْ ليس بحافظِ ، أو مَنْ هو ضعيفٌ لا يُحتجُّ به ، أو مرسلاتٌ
وصلَها مَنْ لا يُحتجُّ به ، مثلما وصل بعضُهم مرسلَ الزهريِّ في هذا ، فجعله
عنه ، عن ابنِ المسيبِ ، عن أبي هريرةَ ، ووصْلُه باطلٌ قطعًا .
والعجبُ ممَّن يُعللُ الأحاديثَ الصحيحةَ المخرَّجةَ في ((الصحيح)) بعللٍ لا
تساوي شيئًا، إنما هي تعنَّتُ محضٌ ، ثم يحتج بمثل هذهِ الغرائبِ الشاذةِ
المنكرة ، ويزعم أنها صحيحةٌ لا علَّ لها .
وقد اعتنى بهذه المسألة وأفردَها بالتصنيف كثيرٌ من المحدثين ، منهم :
محمدُ بنُ نصرٍ وابنُ خزيمةَ وابنُ حبانَ والدارقطنيُّ وأبو بكرِ الخطيبُ والبيهقيّ
وابنُ عبدِ البِرِّ وغيرُهم من المتأخرين .
ولولا خشيةُ الإطالة لذكرنا كلَّ حديث احتجُّوا به ، وبيانَ أنه لا حجةَ فيه
. (١) (ص ٧٢) .

٣٦٧
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير
کتاب الأذان
على الجهرِ ؛ فإنها دائرةٌ بين أمرين: إما حديثٌ صحيحٌ غيرُ صريحٍ ، أو حديثٌ
صريحٌ غيرُ صحيحٍ .
ومِنْ أقوى ما احتجُوا به : حديثُ خالدِ بن يزيدَ ، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ ،
عن نعيمِ المجمرِ، أنه صلَّى وراء أبي هريرة، فقرأ: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)،
ثم قرأ بأُمِّ القرآن، ثم قال لما سلَّم: إني لأشبهُكم صلاةً برسولِ اللَّهِ وَلِه.
خرجه النسائيُّ وابنُ خزيمةَ والحاكمُ وغيرُهم (١).
وسعيدٌ وخالدٌ ، وإن كانا ثقتين ، لكن قال أبو عثمانَ البرذعيَّ في ((علله عن
أبي زُرعة الرازيِّ)(٢)، أنه قال فيهما : ربما وقعَ في قلبي من حُسنِ حديثهما .
قال : وقال أبو حاتم : أخاف أن يكون بعضُها مراسيلَ ، عن ابن أبي فروةَ
وابنٍ سمعانَ .
يعني : مدَّسةً عنهما .
ثم هذا الحديثُ ليس بصريحٍ في الجهر ، إنما فيه أنه قرأَ البسملةَ ، وهذا
يصْدُق بقراءتها سرًّاً .
وقد خرجه النسائيَّ في ((باب: تركِ الجهرِ بالبسملةِ)).
وعلى تقديرِ أن يكون جهرَ بها ، فيحتملُ أن يكون جهرَ بها ليعلمَ الناس
استحبابَ قراءتها في الصلاة ، كما جهرَ عمرُ بالتعوذ لذلك .
وأيضًا؛ فإنه قال: قرأ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) ثم قرأ بأُمِّ القرآن ، وهذا
دليلٌ على أنها ليست من أمِّ القرآنِ ، وإنما تُقرأ قبل أمِّ القرآن تبركًا بقراءتها .
وأيضًا ؛ فليس في الحديث تصريحٌ بأن جميعَ ما فعلَه أبو هريرةَ في هذه
(١) النسائي (١٣٤/٢) وابن خزيمة (٤٩٩) والحاكم (٢٣٢/١) والبيهقي (٥٨/٢) وابن حبان
(١٧٩٧) .
(٢) (٣٦١/١).

٣٦٨
حديث : ٧٤٣ - ٧٤٤
کتاب الأذان
الصلاة نقله صريحًا عن النبيِّ وَّله، وإنما فيه أن صلاتَه أشبهُ بصلاة النبيِّ وَل
من غيره .
وخرج الدار قطنيُّ (١) من حديث أبي أويسٍ ، عن العلاءِ ، عن أبيه ، عن
أبي هريرة، عن النبيِّ بَّهِ، كان إذا أمَّ الناسَ قرأ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)).
وهذا مما تفرَّد به أبو أويسٍ ، وقد تُكُلِّمَ فيه ، وإنْ خرَّجَ له مسلمٌ ، ووثقه
غيرُ واحد .
وليس - أيضًا - بصريحٍ في الجهر ، بل يحتملُ أنه كان يقرأها سرًا .
وقد روي بهذا الإسناد بعينه، أن النبيَّ وَّهِ كان لا يجهرُ بها، وسنذكره .
وخرج ابنُ عبدِ البرِّ بهذا الإسناد : التصريحَ بالجهرِ بها ، بإسناد فيه النضرُ
ابنُ سلمةَ شاذانُ ، وهو متَّهمٌ بالكذب .
وخرج الدار قطنيُّ - أيضًا (٢) - من رواية أبي بكر الحنفيِّ ، عن عبدِ الحميدِ بنِ
جعفرَ ، عن نوحِ بنِ أبي بلال ، عن سعيد المقبريِّ ، عن أبي هريرةَ ، عن النبيِّ
مَّ، قال: ((إذَا قرأتُم ﴿الْحُّمْدُ﴾ فاقرءوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ إنها أحدُ
آياتها)»، وذكر فيه فضل الفاتحةِ . قال الحنفيّ: لقيت نوحًا ، فحدثني عن
سعيد ، عن أبي هريرةَ - بمثله ، ولم يرفعُه .
وذكر الدارقطنيُّ في ((علله)): أن وقفه أشبهُ بالصواب .
قلت : ويدل على صحة قوله : أن ابنَ أبي ذئبٍ روى الحديثَ في فضل
الفاتحة ، عن المقبريِّ ، عن أبي هريرة مرفوعًا ، ولم يذكر فيه : البسملة .
وروى إبراهيمُ بن إسحاقَ السراجُ ، عن عقبةَ بنِ مكرمٍ ، عن يونسَ بنِ
بكيرِ : ثنا مسعرٌ ، عن محمدِ بنِ قيسٍ ، عن أبي هريرةَ ، قال : كانَ رسولُ اللَّه
(١) (٣٠٦/١) .
(٢) (٣١٢/١) .

٣٦٩
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير
كتاب الأذان
إنَّهِ يجهرُ بـ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
خرجه الدارقطنيُّ والحاکمُ (١).
وظن بعضُهم أنه إسنادٌ صحيحٌ ، وليس كذلك ؛ فإن السراج وهمَ في قوله
ءُ
في إسناده : ((حدثنا مسعرٌ))، إنما هو ((أبو معشرٍ))، كذا قال الدار قطني
والخطيبُ، وقبلَهما أبو بكرِ الإسماعيليّ في ((مسند مسعرِ))، وحكاه عن
أبي بكرٍ ابن عميرٍ الحافظ .
وقال البيهقيُّ : الصوابُ أبو معشرٍ .
وأبو معشرٍ ، هو نجيحٌ السنديُّ، ضعيفٌ جدًا .
وخرج الدارقطنيُّ (٢) وغيرُهُ من حديث حميد ، عن الحسنِ ، عن سمرةً ،
قال: كانتْ لرسول اللّهِ وَله سكتتانِ: سكتةٌ إذا قرأ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ))، وسكتةٌ إذا فرغ من القراءة ، فأنكر ذلك عمرانُ بنُ حصينٍ ، فكتبوا
إلى أُبيِّ بنِ كعبٍ ، فكتب : أنْ صدقَ سمُرَةٌ .
ورواةُ هذا الحديث كلُّهم ثقاتٌ ، كما ذكره غيرُ واحد ، لكنَّ سماعَ الحسنِ
من سمرةَ مختلَفٌ فيه .
وإن ثبتَ فهو دليلٌ على الإسرار بالبسملة ، لا على الجهرِ ؛ لأنه صرَّح بأن
سكتته الأولى كانت إذا قرأ البسملة ، ومراده : إذا أرادَ قراءتَها ، فدل على أنه
كان يقرأُها في السكتة الأولى ، وإلا فلا يقول أحدٌ: إن السنةَ أن يقرأ ((بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) جهراً، ثم يسكت بعد ذلك سكتةً ، ثم يقرأ الفاتحة ، ولا نقلَ
هذا أحدٌ عنِ النبيِّ وَِّ، ولا عنْ أحدٍ من أصحابِهِ ، ولا قال به قائلٌ .
وقد روى هذا الحديث قتادةُ ، عن الحسن ، عن سمرةً ، وفسَّر قتادةُ
(١) الدار قطني (٣٠٧/١) والحاكم (٢٣٢/١).
(٢) (٣٣٦/١).

٣٧٠
حديث : ٧٤٣ - ٧٤٤
کتاب الأذان
السكنتين : إذا دخلَ في الصلاةِ ، وإذا فرغَ من القراءةِ .
وفي روايةٍ قال : سكتةٌ إذا كبر ، وسكتةٌ إذا فرغ .
خرجه أبو داودَ وغیرُ(١) .
وخرج - أيضًا(٢)- من حديث يونسَ ، عن الحسنِ ، عن سمرةً ، قال :
حفظت سكتتينٍ في الصلاة : سكتةٌ إذا كَبَّر الإمامُ حتى يقرأَ ، وسكتةٌ إذا فرغ .
ففي هذه الروايات كلِّها : تصريحٌ بأن السكتةَ كانت بين التكبيرِ والقراءة ، كما
في حديث أبي هريرةَ .
وخرج الحاكمُ (٣) من طريق عبدِ اللَّهِ بنِ عمروِ بنِ حسانٍ ، عن شريك، عن
سالمِ الأفطسِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : كانَ رسولُ اللَّه
﴿َُّ يجهر بـ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)).
وقال : صحيحٌ ، ليس له علةٌ .
وهذه زلةٌ عظيمةٌ ؛ فإن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرو بنِ حسانِ هذا هو الواقعيّ ، نسبه
ابنُ المدينيِّ إلى الوضعِ . وقال الدارقطنيَّ : كان يكذبُ . وقال أبو حاتم
الرازيُّ : كان لا يصدق .
وخرج الدارقطنيَّ (٤) هذا الحديثَ من طريق أبي الصلتِ الهرويِّ ، عن عبادِ
ابنِ العوامِ ، عن شريكٍ ، وقال فيه : يجهر في الصلاة .
وأبو الصلت هذا ، متروكٌ .
وخرجه الطبراني في «أوسطه)»(٥) من طريق يحيى بنِ طلحةَ اليربوعيِّ ، عن
(١) أبو داود (٧٨٠) وأحمد (٧/٥) والترمذي (٢٥١) وابن ماجه (٨٤٤) وابن خزيمة (١٥٧٨).
(٢) (٧٧٧) .
(٣) (٢٠٨/١) .
(٤) (٣٠٣/١) .
(٥) (٤٧٥٦) وكذا في ((الكبير)) (٤٤٠/١١) .

٣٧١
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير
كتاب الأذان
عبادِ بنِ العوامِ بهذا الإسناد، ولفظُ حديثه: كانَ رسولُ اللَّهِ وَلّه إذا قرأ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) هزأ منه المشركون، وقالُوا : محمدٌ يذكر إلَه
اليمامة، وكان مسيلمةُ يتسمَّى الرحمنَ، فلما نزلت هذه الآيةُ أمر النبيِّ وَلِّ أن لا
يجهرَ بها .
وهذا لو صحُّ لدلَّ على نسخ الجهرِ بها ، ولكنَّ الصحيحَ أنه مرسلٌّ ، كذلك
رواه يحيى بنُ معينٍ ، عن عبادِ بن العوامِ : ثنا شريكُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سنان ،
عن سالمٍ الأفطسِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، في قوله تعالى : ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ
وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قال: نزلت في ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) -
وذكر الحديث بمعناه مرسلاً .
كذا خرجه عنه المفضلُ الغلابيُّ في ((تاريخه)).
وكذا خرجه أبو داودَ في ((المراسيلِ)) (١) عن عبادِ بنِ موسى ، عن عبادِ بنِ
العوامِ ، وعنده : فأمرَ رسولُ اللَّهِ وَلَه بإخفائها، فما جهرَ بها حتى مات .
وكذا رواه يحيى بنُ آدَمَ ، عن شريكِ ، عن سالمٍ ، عن سعيدٍ - مرسلاً .
وهو أصحُ .
وقد روي عن إسحاقَ بنِ راهويه ، [عن إسحاق](٢) - موصولاً، ولا يصحّ .
ذكره البيهقيَّ في «المعرفةِ» .
وروى عبيدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو الرقيُّ، عن عبدِ الكَريمِ الجزريِّ ، عن أبي الزبيرِ ،
عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَّل، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، فأراد أن يقرأ قال:
(ِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
قال ابنُ عبد البرِّ : قد رفعه غيرُه - أيضاً - ، عن ابن عمرَ ، ولا يصحُّ ؛ لأنه
(١) (٣٤) .
(٢) كذا، والصوابُ: ((عن غير يحيى)) كما في ((المعرفة)) (٣٦٩/٢ - ٣٧٠). والله أعلم .

٣٧٢
حدیث : ٧٤٣ - ٧٤٤
کتاب الأذان
موقوفٌ على ابنِ عمرَ من فعله ، كذلك رواه سالمٌ ونافعٌ ويزيدُ الفقيرُ ، عن ابنِ
عمر .
وقال البيهقيُّ (١): الصوابُ موقوفٌ .
وقد قال العقيليّ في ((كتابه)): لا يصح في الجهرِ بالبسملة حديثٌ مسندٌ .
يعني: مرفوعًا إلى النبيِّ وَّرِ.
وحُكِيَ مثلُه عن الدار قطنيٌّ .
وما ينقلُ عنه في ((سننه)) من تصحيحِ أحاديثَ في هذا البابِ ، فلا توجدُ في
جميع النسخِ ، بل في بعضِها ، ولعله من زيادة بعضِ الرواة .
وفي تركِ الجهرِ بها : حديثُ عبدِ اللَّهِ بن مغفلٍ ، وهو شاهدٌ لحديث أنسٍ
الذي خرجه مسلمٌ (٢)، وهو من رواية أبي نعامةَ الحنفيِّ، عن ابنِ عبدِ اللهِ بن
مغفلٍ ، قال : سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)).
فقال : أي بنيَّ، مُحدثٌ، إيَّكَ والحَدَثَ . قال : ولم أر أحداً من أصحابٍ
النبيِّنََّ كان أبغضَ إليه الحدثُ في الإسلام - يعني: منه - قال: وقد صليتُ مع
النبيِّ ◌ٌَّ، ومع أبي بكر ومع عمرَ ومع عثمانَ، فلم أسمعْ أحدًا منهم يقولُها ،
إذا أنت صليتَ فقل: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
خرجه الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجه والترمذيُّ (٣)، وقال : حديث حسنٌ .
وخرجه النسائي(٤) مختصراً .
وأبو نعامة هذا ، بصريٌّ ، قال ابنُ معينٍ : ثقةٌ
قال ابنُ عبدِ البِّر : هو ثقةٌ عند جميعِهم .
(١) (٤٨/٢) .
(٢) (١٢/٢) .
(٣) أحمد (٨٥/٤) وابن ماجه (٨١٥) والترمذي (٢٤٤).
(٤) (٢ /١٣٥) .

٣٧٣
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير
کتاب الأذان
وله روايةٌ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مغفلٍ في الاعتداء في الدعاء والطهورِ .
وأما هذا الحديثُ ، فقد رواه عن ابن عبدِ اللَّهِ بن مغفل ، عن أبيه .
وابنُ عبدِ اللَّهِ بن مغفل ، يقال : اسمه: يزيدُ .
وقد روى هذا الحديثَ أبو حنيفةَ ، عن أبي سفيان ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللَّهِ
ابنِ مغفلٍ ، عن أبيه .
وكذلك خرجه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرَ في ((كتاب الشافي)) له من طريق
حمزةَ الزياتِ ، عن أبي سفيانَ ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ مغفلٍ ، قال : صلى
بنا إمامٌ فجهر بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))، فقال له أبي: تأخَّر عن مُصَلاَّنًا ،
تجنبْ عنا هذا الحرفَ الذي أراك تجهرُ به ؛ فإني صليت خلفَ النبيِّ وَّ
وأبي بكرٍ وعمرَ فلم يجهروا بها. قال له رجلٌ: وعثمانَ؟ فسكت.
ويزيد هذا، لم نعلم فيه جرحًا، وقد حسَّن حديثَه الترمذيُّ .
وما قاله طائفةُ من المتأخرين: إنه مجهولٌ ، كابنِ خزيمةَ وابنِ عبدِ البِّر ،
فقد علَّله ابنُ عبد البِّر ، بأنه لم يرو عنه إلا واحدٌ فيكون مجهولاً ؛ يجاب عنه :
بأنه قد روى عنه اثنان ، فخرج بذلك عن الجهالة عند كثير من أهل الحديث .
وقد روى سفيانُ الثوريُّ ، عن خالد الحذاءِ ، عن أبي نعامة ، عن أنسٍ ،
أنَّ النبيَّ وَّهِ لم يكن ولا أبو بكرٍ ولا عمرُ يجهرون بـ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ) .
كذا رواه غيرُ واحد عن سفيانَ .
وخالفَهم يحيى بنُ آدَم ، فرواه عن سفيانَ ، عن خالدٍ ، عن أبي قلابةَ ،
عن أنسٍ .
ووهم فيه ، إنما هو أبو نعامة - : قاله الإمامُ أحمدُ .
ثم اختلف الحفاظُ :
:

٣٧٤
حديث : ٧٤٣ - ٧٤٤
کتاب الأذان
فمنهم من قال : الأشبهُ بالصواب روايةُ من رواه عن أبي نعامة ، عن ابن
مغفلٍ ، عن أبيه ، ومنهم : الدارقطنيُّ ، وكلامُ أحمدَ يدل عليه - أيضًا - ،
قالوا : لأنه رواه ثلاثةٌ عن أبي نعامة بهذا الإسنادِ ، وهم : الجريريُّ وعثمانُ بنُ
غياثٍ وراشدٌ الحرانيُّ ، فقولُهم أولى من قول خالد الحذاءِ وحدَه .
ومنهم مَن قال : يجوز أن يكون القولان عن أبي نعامة صحيحين .
ومن العجائب تأويلُ بعضِهم لحديث ابن مغفلٍ على مثل تأويله لحديث
أنسٍ ، وأن المراد افتتاحُهم بالفاتحةِ .
وهذا إسقاطٌ لفائدة أولِ الحديثِ وآخرِه ، والسببُ الذي لأجله رواه ابن
مغفلٍ ، وإنما الصوابُ عكسُ هذا، وهو حملُ حديثِ أنسٍ على مثلِ ما رواه ابنُ
مغفلٍ .
وروى عبيدُ اللَّهِ بنُ عمرِو الرقيُّ ، عن زيدِ بن أبي أنيسةَ ، عن عمرو بن
مرةً، عن نافعٍ بنِ جبيرِ بنِ مطعمٍ ، عن أبيه ، أن النبيّ بَّ لم يجهر في صلاته
بـ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) .
ذكره الدارقطنيّ، في ((علله)).
وهذا الإسنادُ ، رجالُه كلُّهم ثقاتٌ مشهورون ، ولكن له علةٌ ، وهي : أن
هذا الحديثَ قطعةٌ من حديث جبيرِ بنِ مطعمٍ في صفة تكبيرِ النبيِّ بِّهِ وتعوذِه في
الصلاة ، وقد رواه الثقاتُ عن عمرو بنِ مرةً ، عن عاصمٍ العنزيِّ ، عن نافعٍ بن
جبيرٍ ، عن أبيه بدون هذه الزيادة ؛ فإنه تفرد بها الرقيَّ عن زيد .
وروى الحافظ أبو أحمد العسالُ : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ العباسِ الطيالسيِّ : ثنا
عبد الرحيم بنُ زيادِ السكريُّ: ثنا عبدُ اللَّهِ بنِ إدريسَ ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عَمَر ،
عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: صليتُ خلفَ رسولِ اللَّهِ وَلَّ وأبي بكرٍ وعمرَ
وعثمانَ ، فلم يقنتوا ولم يجهروا .

٣٧٥
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير
کتاب الأذان
وهذا الإسناد - أيضًا - كلُّهم ثقاتٌ مشهورون .
a
وهذا والذي قبله خيرٌ من كثير من أحاديثِ الجهرِ التي يصححها الحاكم
وأمثالُه ، ويحتجون بها ، ولكن لا نستحل كتمانَ ما ذُكر في تعليلهِ .
فذكر الدارقطنيُّ في ((العلل)) أنه تفرد به السكريُّ ، عن ابنِ إدريسَ مرفوعًا .
قال : ورواه زائدةٌ والقطانُ ومحمدُ بن بشرِ وابنُ نميرٍ ، عن عبيدِ اللَّهِ ، عن
نافعٍ ، عن ابنِ عمَر - موقوفًا .
قال : وكذلك رواه مالكٌ في ((الموطٍ)» عن نافعٍ ، عن ابنِ عمر - موقوفًا .
قال : وهو الصوابُ .
وفي ((صحيح مسلمٍ))(١) عن عائشةَ، أن النبيَّ وَّهِ كان يستفتحُ الصلاةَ
بالتكبير ، والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
وفيه: عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ وَّهَ كان إذا نهضَ في الثانية استفتح
بـ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِ الْعَالَمِينَ﴾، ولم يسكت .
وروى منصورُ بنُ مزاحمٍ - وهو صدوقٌ - : ثنا أبو أويسٍ ، عن العلاءِ
ابنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبيه ، عن أبي هريرةَ، أن النبيِّ وَّ كان لا يجهر
بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
ذكره ابنُ عبدِ البِّر وغيرُه .
وهذا إسنادُ جيدٌ .
وقد عضده: أن مسلمًا(٢) خرج بهذا الإسناد بعينه حديثَ: ((قسَمْتُ الصلاةَ
بيني وبين عبدي نصفين))، وذكر سورةَ الفاتحة بكمالها ، فلم يذكر فيها
البسملة .
(١) (٢ / ٩٩) .
(٢) (٢ / ١٠) .

٣٧٦
حديث : ٧٤٣ - ٧٤٤
کتاب الأذان
وروى عمارُ بنُ زربي ، عن المعتمرِ بنِ سليمانَ ، عن أبيه ، عن أبي عثمانَ
النهديِّ، عن عمر بنِ الخطابِ، قال: كان قراءةُ رسولِ اللهِ وَ لِّ مِدًا ﴿الْحَمْدُ
اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى يختم السورة.
عمارٌ هذا ، تُكُلِّم فيه .
وليست هذه الأحاديثُ بدون الأحاديثِ التي يستدلُّ بها الحاكمُ وأمثالُه على
الجهر ، بلْ إما أن تكون مساويةً لها ، أو أقوى مع اعتضادها بالأحاديث
الصحيحةِ والحسنة المخرَّجَةِ في الصحاح والسننِ ، وتلك لا تعتضدُ بشيء من
ذلك .
وفي الباب : أحاديثُ أُخر ، تركناها اختصارًاً ، وبعضُها مخرجٌ في بعض
السنن - أيضًا .
وأما الآثار الموقوفةُ في المسألة فكثيرة جدًا .
وإلى ذلك(١) ذهبَ أكثرُ أهلِ العلمِ من أصحابِ النبيِّ ◌َِّ ، منهم : أبو بكرِ
٠
وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ وغيرُهم ، ومَن بعدَهم من التابعين ، وبه يقول سفيانٌ
الثوريُ وابنُ المباركِ وأحمدُ وإسحاقُ ، لا يَرَوْنَ أن يجهر بـ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ)) . قالوا : ويقولُها في نفسه . انتهى .
وحكى ابنُ المنذرِ (٢) هذا القولَ عن سفيانَ وأهلِ الرأي وأحمدَ وأبي عبيدٍ ،
قال : وروِّيَناه عن عمرَ وعليٌّ وابنِ مسعودٍ وعمارِ بنِ ياسرٍ وابنِ الزبيرِ والحكمِ
وحمادٍ .
قال : وقال الأوزاعيُّ : الإمام يخفيها .
وحكاه ابنُ شاهينَ عن عامةِ أهلِ السنة ، قال : وهُم السوادُ الأعظمُ .
(١) لعل هنا سقطًا، وأن هذا القول حكاه المؤلف عن ابن عبد البر أو غيره ؛ لما سيأتي.
(٢) (١٢٧/٣) .

٣٧٧
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبـ
کتاب الأذان
وروى شعبةُ ، عن حصينٍ ، عن أبي وائلٍ ، قال : كانوا لا يجهرون
بـ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)).
وروى الأثرمُ بإسناده ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ ، قال : أدركتُ الأئمةَ وما
يستفتحونَ القراءةَ إلا بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
وعن الأعرج - مثلُه .
وعن النخعيِّ ، قال: ما أدركتُ أحدًا يجهر بـ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
وعنه ، قال : الجهرُ بها بدعةٌ (١).
وعن عكرمة، قال: أنا أعرابيٌّ إِنْ جهرتُ بـ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
وروى وكيعٌ في ((كتابه)) عن همامٍ ، عن قتادةَ ، قال : الجهرِ بــ ((بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) أعرابيةٌ .
وعن سفيانَ ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي بشيرٍ ، عن عكرمة ، عن ابنِ عباسٍ ،
قال: الجهر بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قراءةُ الأعرابِ .
وعن إسرائيلَ ، عن جابرٍ ، عن أبي جعفرَ محمدِ بنِ عليٍّ ، قال : لا يُجْهرَ
بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)).
وهذه الرواية تدل على أنَّه لا يصحُّ ما حُكي عن أبي جعفرَ وأهلِ البيتِ من
الجهرِ بها ، ولعل الشيعةَ تفتري ذلك عليهم .
وممن رُويَ عنه أنه كان لا يجهرُ بها : بكرٌ المزنيُّ والحسنُ وابنُ سيرينَ
والشعبيُّ وأبو إسحاق السبيعيُّ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ - في رواية عنه ، رواها الوليدُ
ابنُ مسلمٍ ، عن عبد اللَّهِ بنِ العَلَاءِ ، عنه - ، وقتادةُ وابنُ أبي ليلَى وابنُ شبرمة
والحسنُ بن حيٍّ .
وقال الحسنُ : الجهرُ بها أعرابيةٌ .
(١) ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٠ - ٣٦١) وعبد الرزاق (٨٩/٢) وكذا أغلب الآثار التي بعده فيهما .

٣٧٨
حديث : ٧٤٣ - ٧٤٤
کتاب الأذان
خرَّجه حربٌ الكرمانيُّ .
ورُويَ عنه من وجهِ آخر ، قال : الجهرُ بها قراءةُ الأعرابِ .
وأكثرُ هؤلاء يكرهونَ الجهرَ ، كما أنكره عبدُ اللهِ بنُ مغفلٍ ، وكما أنكره مَن
قال : ذلك قراءةُ الأعراب ، ومَن قال: هو بدعةٌ ، ونص أحمدُ على كراهته .
ورُويَ عن طائفةٍ ، أنه يخيَّر بين الجهرِ والإسرارِ ، ولا يكره الجهرُ وإن كان
الإسرارُ أفضلَ ، وحُكي هذا عن ابن أبي ليلى وإسحاقَ ، ورجَّحه طائفةٌ من أهل
الحديث .
ومنهم مَن قال : الجهرُ أفضلُ .
وقالت طائفةٌ : يُجهر بها وهو السنةُ ، وهو قولُ الشافعيِّ وأصحابِهِ
وأبي ثورٍ ، ورُوي عن الليثِ بنِ سعدٍ .
قال ابنُ المنذرِ: وروِّينا عن عمرَ وابنِ عباسٍ أنهما كانا يستفتحانِ بـ ((بِسْم الله
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)). انتهى .
وليس عن ابنِ عمرَ تصريحٌ بالجهرِ ، بل بقراءة البسملةِ .
وأما المرويُّ عن عمرَ ، فقد ثبت عنه في ((صحيح مسلمٍ)) (١) من حديث
أنسٍ ، أنه لم يكن يجهرُ بها ، فلعلَّه جهرَ بها مرةً لیبین جواز ذلك .
وخرج ابن أبي شيبةً (٢) بإسناد جيدٍ ، عن الأسودِ ، قال : صليت خلفَ عمرَ
سبعينَ صلاةً ، فلم يجهرُ فيها بـ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
قال ابنُ عبدِ البرِّ : روي عن عمرَ وعليٍّ وعمارِ بنِ ياسرٍ ، أنهم كانوا
يجهرون بـ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))، والطرقُ ليست بالقوية، وقد قدمنا
الاختلافَ عنهم في ذلك .
(١) (٢ / ١٢) .
(٢) (٣٦١/١).

٣٧٩
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير
كتاب الأذان
قال : وروي عن عمر فيها ثلاثُ روايات : أحدُها : أنه كان لا يقرؤها .
والثانيةُ : أنه كان يقرؤها سرًّاً . والثالثةُ : أنه جهر بها .
وكذلك اختلف عن أبي هريرة في الجهر والإسرارِ ، وعن ابنِ عباسٍ -
أيضًا - ، والأكثرُ عنه الجهرُ بها ، وعليه جماعةُ أصحابه .
وذكر ابنُ عبدِ البرِّ جماعةٌ ممن كان يرى الجهرَ بها ، منهم : مكحولٌ وعمرُ
ابنُ عبدِ العزيزِ ومحمدُ بنُ كعبِ القرظيُّ ، قال : وهو أحد قولي ابنِ وهبٍ ، إلا
أنه رجع عنه إلى الإسرارِ بها .
وعن عطاء الخراسانيِّ ، قال : الجهرُ بها حسنٌ .
وقال الزهريُّ: من سنةِ الصلاةِ أن يقرأ: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) ثم
فاتحة الكتابِ، ثم يقرأَ ((بِسْمِ اللَّهِ الرِّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) ثم يقرأً بسورة . وكان
يقولُ: أولُ مَن قرأ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) سرًاً بالمدينةِ عمرُو بنُ سعيدِ بنِ
العاصِ .
خرجه البيهقي(١).
ومراسيلُ الزهريِّ من أردإ المراسيل .
وإنما عنى أوَّل مَن أسر بها ممن أدركه ، فقد ثبت عن أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ
الإسرارُ بها ، فلا عبرةَ بمَن حدث بعدهم وبعد انتقالِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ من
المدينة ؛ فإن هؤلاء هم الخلفاءُ الراشدونَ الذين أمرنا رسولُ اللَّهِ بِله باتباع
سنتهم ، وهم كانوا لا يجهرون بها .
قال البيهقي : وروِّنا الجهر بها عن فقهاء مكة : عطاءَ وطاوسَ ومجاهد
وسعیدِ بنِ جبیرٍ .
وقال الإمامُ أحمدُ - في روايةٍ مهنا - : عامةُ أهلِ المدينةِ يجهرُ بها : الزهريُ
(١) (٢ / ٠ ٥) .

٣٨٠
حديث : ٧٤٣ - ٧٤٤
کتاب الأذان
وربيعةُ ، وذكرَ ابنَ عباسٍ وابنَ الزبيرِ .
وأما ما ذكره الخطيبُ في كتابه في الجهر بالبسملةِ من الآثارِ الكثيرةِ في
المسألة حتى اعتقد بعضُ مَن وقف عليه أنه قولُ الجمهور ، فغالب آثارِه أو كثيرٌ
منها معلولٌ لا يصح عند التحقيقِ .
وكثيرٌ منهم يروي الجهرَ والإسرارَ ، وقد حُكي عن الدارقطنيِّ ، أنه قال في
المنقول عن الصحابة [ ... ] (١) منهم: عمرُو بنُ دينارِ وابنُ جريجٍ ومسلمُ بنُ
خالدٍ ، وعن بعضِ أهلِ المدينةِ دون سائرِ الأمصارِ ، ولقلَّة مَن كان يجهر بها
اعتقد بعضُهم أن الجهر بها بدعةٌ ، وأنه مِن شعارِ أهلِ الأهواءِ كالشيعة ، حتى
تركَه بعضُ أئمةِ الشافعيةِ ، منهُم : ابنُ أبي هريرةَ لهذا المعنى .
وكان سفيانُ الثوريُّ وغيرُهُ من أئمةِ الأمصار يعدونَ الإسرارَ بالبسملةِ من
جملةِ مسائِل أصولِ الدين التي يتميزُ بها أهلُ السنةِ عن غيرِهم ، كالمسح على
الخفَّينِ ونحوِهِ ، حتى قال سفيانُ لشعيبِ بنِ حربٍ : لا ينفعُك ما كتبتَ حتى
ترى أن إخفاءَ: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) أفضلُ مِن الجهرِ بها .
وقال وكيعٌ : لا يصلَّى خلفَ مَن يجهرُ بها .
وقال أحمدُ في الصلاة خلفَ مَن يجهرُ بها : إن كان يتأوَّلُ فلا بأسَ به ، وإن
كان غيرَ ذلك فلا يصلَّى خلفَه .
يشير إلى أنه يصلَّى خلفَ مَن جهر بها من أهل العلمِ والحديثِ ، دون مَن
(١) وضعت هذه النقط، لاستظهاري أن سقطًا وقع، وإلا فأين كلام الدارقطني المتعلق بالمنقول
عن الصحابة ؟
وفي ((الفتاوى لابن تيمية)) (٤١٦/٢٢):
((قال الدارقطني لما دخل مصر ، وسئل أن يجمع أحاديث الجهر بها ، فجمعها ، فقيل له :
هل فيها شيء صحيح ؟ فقال: أمّا عن النبي وَ له فلا، وأما عن الصحابة ، فمنه صحيح ،
ومنه ضعيف)» .