Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
٧٥ - بَابُ إثم من لم يتم الصفوف
کتاب الأذان
وأما استدلال البخاريِّ به على إثمٍ من لم يتم الصفَّ ففيه نظرٌ ؛ فإن هذا إنما
يدل على أن هذا مما يُنْكَرُ ، وقد ينكر المحرَّمُ والمكروهُ .
وكان الاستدلالُ بحديث : ((لتسوُّن صفوفَكم أو ليخالفنَّ اللَّهُ بين وجوهِكم))
على الإثمٍ أظهر ، كما سبق التنبيهُ عليه .

٢٦٢
حدیث : ٧٢٥
كتاب الأذان
٧٦ - بَابُ
◌ِلْزَاقِ الْمَنْكِبِ بِالْمَنْكِبِ وَالْقَدَمِ بِالْقَدَمِ فِي الصَّفِّ
وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ: رَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْزِقُ كَعْبُهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ .
٧٢٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالد: ثَنَازُهَيْرٌ، عَنْ حُمَّيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النّبِيِّ ◌َِّ،
قَالَ: (أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإِّي أَرَكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي)) . وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ
بِمَنْكِبٍ صَاحِبِهِ ، وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ .
حَديثُ أنسِ هذا : يدلُّ على أن تسوية الصفوفِ : محاذاةُ المناكبِ والأقدامِ.
وحديثُ النعمانِ الذي علَّقْه البخاري ، خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ
خزيمةَ في ((صحيحه))(١) من رواية أبي القاسم الجدليِّ ، قال : سمعت النعمانَ
ابن بشير يقول: أقبلَ رسولُ اللَّه ◌ِ لَّ على الناسِ بوجهه، فقال: ((أقيمُوا
صفوفَكم)) - ثلاثًا - ((واللَّه لتقيمُنَّ صفوفَكم، أو ليخالفَنَّ اللَّهُ بين قلوبكم)) . قال:
فرأيتُ الرجلَ يُلزِقُ مَنْكِبَه بمَنْكِب صاحبِهِ ، ورُكْتَه بركْبَةِ صاحبِهِ ، وكعبَه بكعبِهِ.
١
أبو القاسم الجدلي ، اسمه : الحسينُ بنُ الحارثِ الكوفيُ . قال ابن
المدينيِّ : معروفٌ . ووثقَه ابنُ حبانٍ .
وفي هذا الحديث : دلالةٌ على أن الكعبَ هو العظمُ النَّاتِئُ في أسفل
الساق ، ليس هو في ظهر القدم ، كما قاله قومٌ .
وقد تقدم من حديث النعمان بن بشيرٍ، أن النبيّ وَّ لما رأى رجلاً ناتئًا
صدرُه في الصف غضِب ، وأمرَهم بتسويةِ الصفوف(٣).
(١) أحمد (٢٧٦/٤) وأبو داود (٦٦٢) وابن خزيمة (١٦٠).
(٢) أخرجه أحمد (٢٧٢/٤ - ٢٧٦) ومسلم (٣١/٢) وأبو داود (٦٦٣) وابن ماجه (٩٩٤)
والترمذي (٢٢٧) والنسائي (٨٩/٢).
:
.
:

٢٦٣
٧٦ - بَابُ إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم
كتاب الأذان
وفيه : دليلٌ على أن(١) استواءَ صدورِ القائمين في الصف - أيضًا .
وخرج الإمام أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ وابن خزيمةَ وابنَ حبانَ في
((صحيحيهما))(٢) من حديث أبانَ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، عن النبيِّ بَِّ، قال:
(رُصُّوا صفوفَكم، وقارِبُوا بينها، وحاذُوا بالأعنَاق)) .
وخرج الإمام أحمدُ وأبو داودَ (٣) من حديث أبي الزاهريَّةِ ، عن كثير بن
مُرَّةً، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ بَّهَ، قال: ((أقيموا الصفوفَ، وحاذُوا بينَ
المناکب ، وسَّدوا الخلل ، ولینُوا بأيدي إخوانكم» .
وخرجه أبو داودُ - أيضًا - من وجه آخرَ ، عن أبي الزاهرية ، عن كثير بنِ
مرةً - مرسلاً .
وقيل : عن كثير بن مرة ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، عن النبيُّ ◌َِّ.
ولا يصح .
وخرج الإمام أحمد(٤) من حديث أبي أمامةً، عن النبيِّنَّهِ، قالَ: ((سووا
صفوفَكم ، وحاذوا بين مناكبكم، ولِينوا في أيدي إخوانِكم، وسدَّوا الخلَل)).
وخرج الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُ (٥) من حديث البراءِ بن عازبٍ ،
قالَ: كَانَ رسولُ اللّهِ وَ ◌ّهِ يتخللُ الصفوفَ من ناحيةٍ إلى ناحيةٍ ، يمسحُ مناكبنَا
وصدورَنَا ، يقول : ((لا تختلفُوا فتختلفَ قلوبكم)) .
وروى أبو نعيم في ((كتاب الصلاة)) بإسناده ، عن عمر ، أنه كان يسوِّي
(١) كأن ((أن)) مقحمة .
(٢) أحمد (٢٦٠/٣) وأبو داود (٦٦٧) والنسائي (٩٢/٢) وابن خزيمة (١٥٤٥) وابن حبان
(٢١٦٦) .
(٣) أحمد (٩٧/٢ - ٩٨) وأبو داود (٦٦٦).
(٤) (٢٦٢/٥) .
العديد ٦٥٢
(٥) أحمد (٢٨٥/٤) وأبو داود (٦٦٤) والنسائي (٢/ ٩٠) وابن خزيمة (١٥٥٦).

٢٦٤
حدیث : ٧٢٥
کتاب الأذان
الصفوفَ في الصلاةِ ، يقولُ : سوُّوا مناكِبِكُمْ في الصلاةِ .
وعن عثمانَ ، أنه قام خطيبًا في الناسِ ، فقال : سوُّوا صفوفَكُم والأقدامَ ،
وحاذُوا بالمناكبِ .

٢٦٥
٧٧ - بَابُ إذا قام الرجل عن يسار الإمام وحوله
کتاب الأذان
٧٧ - بَابٌ
إِذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ وَحَوَّلَهُ
الإِمَامُ خَلْفَهِ إِلَى بَمِينِهِ تَمَّتْ صَلاَتُهُ
٧٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد: ثَنَا دَاوُدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَار، عَنْ كُرَيْبِ مَوْلَى
ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عَنْ
يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رسولُ اللَّهِ وَّةِ بِرَأْسِيٍ مِنْ وَرَآئِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِيْنِهِ فَصَلَّى وَرَقَدَ ،
فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ يُصَلِّي (١)، وَلَمْ يَتَوَضَّأَ .
مقصودُ البخاريِّ بهذا الحديثِ في هذا البابِ : أن ابنَ عباسٍ كان قد صفًّ
مع النبيِّ وَّر عن يسارِه، لكنَّ لما كان موقفُه مكروهًا حوَّلَه النبيُّ نَّهِ منه،
فأدارَهَ مِن ورائه إلى يمينه ، فدلَّ على أن إزالَة بعضٍ مَنْ في الصفِّ عن مقامِه
وتحويلَه مِنَ الصفِّ في الصلاة لمصلحة جائزٌ، وصلاتهُ تامةٌ ، وإن كان قد خرج
من الصفِّ وتأخرَ عنه .
ولا يدخلُ هذا في تركِ تسوية الصفوفِ المنهيِّ عنه ، وإن كان فيه تأخرٌ عن
الصفِّ ، إلا أن المقصودَ منه : أن يعود إلى الصفِّ على وجه أكملَ من مقامِهِ ،
فهو شبيه بإبطال الصلاة المكتوبة إذا دخلَ فيها منفردًا ، ثم أقيمتِ الصلاةُ ليؤديَها
في جماعة .
وقريبٌ منه : تخريبُ بناءِ المسجدِ لإعادتِه على وجهِ أكملَ منه .
وفي الحديث - أيضًا - : دليلٌ على أن مصيرَ المأمومِ فَذَا خلفَ الإمامِ - أو
خلف الصف - وقتًا يسيرًا لا تبطُلُ به الصلاةُ ، إذا زالت فُذوذيتُه قبلَ الركوعِ ؛
فإنَّ النبيَّ وَلَّ أخرج ابنَ عباسٍ من جهةِ يسارِه إلى ورائه ، فصار فذًا في تلك
(١) في ((اليونينية)): ((فصلّى)) وفي نسخة: ((وصلى)).

٢٦٦
حديث : ٧٢٦
کتاب الأذان
الحالة ، ثم أعاده إلى يمينه في الحال ، فزالت فذوذيته سريعًا ، ووقف في
موقف هو أكملُ من مقامه الأولِ قبلَ الركوعِ .
وسيأتي القولُ في ذلك في ((بابِ: الركوعِ دونَ الصفِّ» - إن شاءَ اللَّهُ
تعالَى .

٢٦٧
٧٨ - بَابُ المرأة تكون وحدها صفا
كتاب الأذان
٧٨ - بَابُ
الْمَرْأَةُ تَكُونُ وَحْدَهَا صَفًا
٧٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْحَاقَ (١)، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالك، قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَقِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَِّّ ◌َهَ، وأَمِّي خَلْفَنَا: أُمُّ سُلَيْمٍ.
دلَّ هذا الحديثُ على أن المرأةَ إذا صلتْ مع الرجالِ ، ولم تجدِ امرأةً تقفُ
معها قامت وحدَها صفًا خلف الرجالِ .
وهذا لا اختلافَ فيهِ بين العلماءِ ؛ فإنها منهيةٌ أن تصفَّ مع الرجالِ ، وقد
كانت صفوفُ النساءِ خلفَ الرجالِ في عهد النبيِّ وَِّ وخلفَائِه الراشدِين ، ولهذا
قال ابن مسعودٍ : أخِرُوهنَّ مِنْ حيث أخَّرهنَّ اللَّهُ.
خرجهُ وكيعٌ وغيرُهُ .
ولا يُعلمُ في هذا خلاف بين العلماءِ ، إلا أنه رُوي عن أبي الدرداءِ ، أن
الجاريةَ التي لم تحِضْ تقفُ معَ الرِّجالِ في الصفِّ .
فأما إنْ وجدَت امرأةً تقفُ معَها ، ثم وقفت وحدَها ، فهل تصحّ صلاتها
حينئذ ؟ فيه لأصحابنا وجهَان .
أحدُهما : لا تصحُّ ، وهو ظاهرُ كلام أبي بكرِ الأثرمِ ، وقولِ القاضي
أبي يعلَى في ((تعليقه)) وصاحبِ ((المحررِ))، إلحاقًا للمرأةِ بالرجلِ ، مع القدرةِ
على المصافَّةِ .
والثاني : تصحّ ، وهو قول صاحب ((الكافي)) أبي محمد المقدسيِّ، وهو
ظاهر تبويبِ البخَارِيِّ ؛ لأن المرأةَ تكونُ وحدَها صفًا ، ولا تحتاجُ إلى من
يصافّها ، وكذا قال الإمامُ أحمدُ في رواية حربٍ : المرأةُ وحدَها صفٌ .
(١) في الأصل: ((عن أبي إسحاق)) خطأ .

٢٦٨
حديث : ٧٢٧
کتاب الأذان
وقد استدل طائفةٌ من العلماء بصلاة المرأة وحدَها على صحة صلاةِ الرجلِ
النفل ، وهذا جمعُ بين ما فرَّقَت السنةُ بينَه ؛ فإن السنةَ دلّت على صحة صلاة
المرأةِ وحدَها خلف الصفوفِ ، ونهت الرجلَ عن ذلك ، فأمرتْه بالإعادَة ، على
ما يأتي ذكرُه في موضعه - إن شاء اللّه تعالى.
وأقربُ من هذا : قولُ مَن قال : إنَّ صلاةَ الرجلِ خلفَ الصفوفِ وحدَه إذا
تعذّر عليه من يصافُّه تَصِحُّ إلحاقًا لها بصلاةِ المرأة وحدها ، إذا لم تجدْ من
يصافها ، كما قالَه بعضُ المتأخرينَ من أصحابِنَا ، ولكنَّ المذهب خلافُه .
واستدل - أيضًا - بحديث أنسٍ هذا على أن الإمامَ إذا كان خلفَه رجلان أو
صبيان قاما خلفه ، وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ .
وكان ابنُ مسعودٍ يرى أن الاثنين يقومان مع الإمام عن يمينه وشماله .
خرجه مسلمٌ (١) بإسناده عنه .
وخرجه أبو داود والنسائيّ(٢)، عنه - مرفوعًا .
وقال ابنُ عبدِ البرِّ : لا يصحُّ رفعُه .
فمن العلماء من قال : نُسخ ذلك ؛ لأن ابن مسعودٍ قرنه بالتطبيق في حديث
واحد ، والتطبيقُ منسوخٌ ، فكذلك القيام .
ومنهم من تأوَّلَه على أنه فعله لضيقِ المكانِ ، رُوي ذلك عن ابنِ سيرينَ .
وفيه نظرٌ .
ومنهم من تأوَّلَّه على أن ابنَ مسعودٍ فعل ذلك بعلقمةَ والأسودِ حيث فاتتهمُ
الجمعةُ ، وقصدَ إخفاءَ الجماعةِ للظهرِ يومَ الجمعةِ ، وعلى ذلك حملَه الإمام
أحمدُ في رواية إسحاقَ بنِ هانئ ، وفعله - أيضًا - مع صاحبين له في مسجدٍ من
المساجد .
(١) (٢ / ٦٨) .
(٢) أبو داود (٦١٣) والنسائي (٨٤/٢).

٢٦٩
٧٨ - بَابُ المرأة تكون وحدها صفا
کتاب الأذان
ومنهم من تأوَّلَه على أن علقمةَ كان غلامًا ، فلم يرَ ابنُ مسعودٍ للأسود أن
يصافَّه فِي الفريضةِ ، وعلى ذلك حملَه الإمامُ أحمدُ في رواية أخرى عنه ، نقلَها
عنه ابنُهُ عبدُ اللَّه والميمُونِيُّ وغيرُهما .
وحمل أحمدُ حديثَ أنسٍ هذا في مصافته لليتيمٍ على أن الصلاةَ كانت نفلاً ،
والرجلُ يجوز له أن يصافف الصبيَّ في النفلِ خاصة .
وقد خرج هذا الحديث أبو داودَ (١) من حديث ثابت ، عن أنسٍ ، وفيه :
فصلى بنا ركعتين تطوعًا .
وقد سبق الكلامُ عليه مستوفَّى في ((باب: الصلاةِ على الحصيرِ)).
وقال الإمام أحمدُ - مرة أخرى - : قلبي لا يَجْسر على حديث إسحاقَ ، عن
أنسٍ ؛ لأن حديث موسى خلافُه ، ليس فيه ذكرُ اليتيمِ .
قال أبو حفصِ البرمكيُّ من أصحابنا : حديثُ إسحاقَ الذي فيه ذكرُ اليتيمِ .
وحديثُ موسى خرجه مسلمٌ (٢) من طريق شعبةَ، عن عبدِ الله بنِ
المختارِ : سمع موسى بنَ أنسٍ يحدث ، عن أنس بن مالك ، أن رسولَ اللَّه
وَل ◌َه صلّى به وبأمِّه - أو خالتِه - قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأةَ خلفَنا .
وخرج مسلم - أيضًا - من طريق سليمانِ بنِ المغيرَةِ ، عن ثابتٍ ، عن
أنسٍ ، قال: دخل النبي ◌َّ علينا، وما هو إلا أنا وأمِّي وأمَّ حرَامٍ خالتي،
فقال: ((قومُوا فلأُصلِّي بكم)) في غير وقت صلاة ، فصلى بنا ، فقال رجل
الثابت : أين جعل أنسًا منه ؟ قال : جعله عن يمينه .
وخرجه أبو داود(٣) من طريق حمادِ بنِ سلمةَ ، عن ثابتٍ ، وقال فيه :
فأقامني عن يمينه وأمَّ حرامٍ خلفَنَا .
(١) (٠٨ ٦) .
(٢) (١٢٨/٢).
(٣) (٦٠٨) .

٢٧٠
حديث : ٧٢٧
کتاب الأذان
وفي رواية له : قال ثابت : لا أعلمه إلا قال : أقامني عن يمينه .
وقد رجَّح الدار قطنيُّ وغيرُهُ وقفَ الحديثِ على أنسٍ ، وأنه هو الذي أقام
ثابتًا عن يمينه .
وفي الجملة ؛ فالعلماء في هذه الأحاديثِ ، عن أنس مسلكان :
أحدُهما : تعارُضُهُما ، وترجيحُ رواية موسى بنِ أنسٍ عنه ؛ لموافقته لحديث
ابنِ عباسٍ وغيرِه .
والثاني : أنهما قضيَتَان متغايرتانِ ، وهو مسلكُ ابنِ حبانَ وغيرِهِ .
وأجاز أحمدُ مصافةَ الرجلِ للصبيِّ في النفل دون الفرض ، كما قالَ ذلك في
إمامته بالرجالِ في إحدى الروايتين عنه .
ومن أصحابنا من قال : يصحّ مصافته في الفرض والنفلِ .
ومنهم من قال : لا يصحُّ فيهما ، وحمل كلامَ أحمدَ على أن النفل يصحُّ فيه
صلاةُ الفذّ خلفَ الصفوفِ . وهذا بعيدٌ .
واستدل بعضُ من يرى صحةَ صلاةِ الفذِّ بمصافة أنسٍ لليتيم ، ذكره الترمذي
في ((جامعه))، ثم ردّه: بأنه لو كان الصبيُّ لا صلاةً له لأقام أنسًا عن يمينه .
ويحتمل - أيضًا - أن يكون أنسٌ حينئذٍ كان صبيًا لم يبلغ الحلمَ ، أو أن الذي
صلى معه كان بالغًا ، وسمى يتيمًا تعريفًا له بما كان عليه ، كما يقال: أبو الأسود
يتيمُ عروةَ .
وأكثر العلماءِ على أن الرجلَ يصحُّ أن يصافَّ الصبيَّ ، وهو قولُ الثوريِّ .
وقال الأوزاعي : إن كان الصِّبيان ممن نَبَتَ صف الرجلُ والصبيانُ خلفَ
الإمامِ ، وإن كان ممن لا نبت قامَ الرجلُ عن يمين إمامِه .
وقال حرب : سألتُ إسحاقَ عن رجلٍ صلَّى وحضره رجلٌ وغلامٌ ابنُ ستٍّ

٢٧١
٧٨ - بَابُ المرأة تكون وحدها صفا
کتاب الأذان
سنين ، كيف يقيمهما ؟ قال : يقيمهما خلفَه . قلت : يقيمُهما جميعًا عن يمينه ؟
فلم يرخص فيه، وذكر حديث أنسٍ: صليت أنَا ويتيمٌ لنا خلفَ النبيِّ وَهِ .
وقد تقدم عن الحسن ، أن من صلَّى معه رجلٌ وامرأةٌ قام الرجلُ خلفَه
والمرأةُ خلفَهما .
وهو مخالفٌ لرواية موسى بن أنسٍ وثابتٍ ، عن أنسٍ .
وجمهورُ أهلِ العلمِ على أنَّ الرجلَ يقوم عن يمينِ الإمامِ ، والمرأةَ خلفَه ،
فعلى قولِ الحسنِ إذا كان مع الرجل صبيٌّ ، فلا إشكالَ عنده في مصافةِ الرجل .
واستدل - أيضًا - بحديثِ أنسٍ هذا على أنَّ الصبيَّ يقوم في صفِّ الرجالِ من
غير كراهة ، وقد رُويت كراهتُهُ عن عُمرَ بنِ الخطابِ وأبيِّ بنِ كعبٍ ، وكانا
يُخرجانِ الصِبيان من صفوفِ الرجالِ ، وهو قولُ الثوريِّ وأحمدَ .
وأجابَ أحمدٌ عن حديث أنسٍ هذا في إقامة اليتيمِ مع أنسٍ ، بأنه كان في
التطوع .
ويجابُ عنه - أيضاً - بأنَّ الكراهة إنما هي حيث كان هناك رجالٌ يملؤنَ
الصفَّ، فيمنعُ الصبيُّ ، ويخرج منه ليقوم مقامَه رجلٌ ، فهو أولى بالصفِّ منه ،
فأمَّا في حديث أنسٍ ، فإنما هو ويتيمٌ واحدٌ في بيت ، فلم يكن مقام اليتيمِ مانعًا
للرجالِ من الصلاةِ في الصفِّ مكانَه .
وعلى تقدير أن يكون أنسٌ صبيًا إذ ذاكَ لم يبلغ الحلمَ ، فقد كانا جميعًا
صبيين . والله سبحانه وتعالى أعلم .
:

٢٧٢
حدیث : ٧٢٨
كتاب الأذان
٧٩ - بَابُ
مَيْمَنَةِ الْمَسْجِدِ وَالإِمَامِ
٧٢٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى : ثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ : ثَنَا عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاس، قَالَ: قُمْتُ لَيْلَةً أُصَلِّي عَنْ يَسَارِ النَِّّ ◌ِ﴿، فَأَخَذَ بِيَدِي - أَوْ بَعَضُدِي - حَتَّى
أَقَامَتِي عَنْ يَمِينِهِ ، وَقَالَ بِيَدِه مِنْ وَرَائِي .
مرادُ البخاريِّ بهذا الحديث في هذا الباب: أنَّ النبيَّ وَّ لما حوَّلَ ابنَ عباسٍ
من عن يسارِهِ إلى يمينه دلَّ على أن موقفَ المأمومِ عن يمينِ الإمامِ ، وأن جهةَ
اليمينِ أشرفُ وأفضلُ فلذلك يكون موقفُ المأمومِ الواحدِ منها ، فيُستدلُّ بذلك
على أنَّ جهةَ يمين الإمامِ للمأمومينَ الذين يقومونَ خلفَ الإمامِ أشرفُ وأفضلُ من
جهة يساره .
وقد ورد في هذا أحاديثٌ مصرِّحةٌ بذلك :
فخرج ابنُ ماجه(١) من رواية أسامةَ بنِ زيدٍ ، عن عثمانَ بنِ عروةَ ، عن
عروةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ نَّهِ، قال: ((إنَّ اللَّهَ وملائكتَه يصلُّون(٢) على
ميامن الصفُوف)) .
خرجه من رواية معاوية بنِ هشامٍ ، عن سفيانَ ، عن أسامةَ ، به .
وذكر البيهقي(٣): أنه تفرد به معاويةُ عن سفيانَ . قال: ولا أُراه محفوظًا ،
إنما المحفوظ بهذا الإسناد: ((إنَّ اللَّهَ وملائكته يصلُّون على الذين يصلُون
الصفوف)) .
(١) (١٠٠٥) .
(٢) في الأصل: ((إن اللَّه ورسوله يصلي على ... )) خطأ.
(٣) ((السنن الكبرى)) (١٠٣/٣).

٢٧٣
٧٩ - بَابُ ميمنة المسجد والإمام
كتاب الأذان
وخرج النسائيًّ وابن ماجه (١) من حديثِ ثابتِ بن عُبيدٍ ، عن ابن البراءِ بن
عازبٍ، عن البراءِ، قال: كنَّا إذا صليْنَا خلفَ النبيِّ وَِّ مما نحب - أو أحب -
93
أن نقومَ عن يمينه .
وخرج ابنُ ماجه (٢) من رواية ليث بن أبي سُلَيمٍ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ،
قال: قيلَ للنبيِّ وَّه: إن ميسرةَ المسجد تعطّلت. فقال النبيِّ نََّ: ((من عمَّر
ميسرة المسجد كُتب له كفلان من الأجرِ)) .
وخرج البيهقيُّ (٣) بإسناد فيه جهالةٌ ، عن أبي برزة ، قال: قال لي رسولُ اللَّه
وَّه: ((إن استطعتَ أن تكونَ خلفَ الإمام، وإلا فعن يمينه)). وقال: هكذا كان
أبو بكرٍ وعمرُ خلفَ النبيِّ وَِِّّ .
وخرجه الطبرانيُ (٤)- أيضًا .
وخرج الطبرانيَّ (٥) والعقيليُّ وابنُ عديٍّ من حديث ابن عباسٍ مرفوعًا في
فضل الوقوفِ بِإِزاء الإمامِ .
وخرجه أبو بكرِ بنُ أبي داودَ - أيضًا - من حديث أنسٍ مرفوعًا .
وكلا الإسنادين لا يصحُ .
وروي مرسلاً؛ رواه هشيمٌ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، أرسلَه إلى النبيِّ بِّهِ.
وروى وكيع في ((كتابه)) عن إسرائيلَ ، عن الحجاجِ بنِ دينارٍ ، يرفعه إلى
النبيِّ وََّ، قال: ((فضلُ أهلِ ميمنةِ المسجد على أهلِ المسجدِ بضعٌ وعشرون
درجةً)) .
(١) النسائي (٢/ ٩٤) وابن ماجه (١٠٠٦).
(٢) (١٠٠٧) .
(٣) (١٠٤/٣).
(٤) في ((الأوسط)) (٦٠٧٨) .
(٥) الطبراني في ((الكبير)) (٣٥٧/١١) و((الأوسط)) (٣٣٣٨).
:

٢٧٤
حدیث : ٧٢٨
کتاب الأذان
وعن سفيان ، عن ابن جريجٍ ، عن عطاءٍ ، عن عبد اللَّهِ بن عمرو ، قال :
أفضلُ المسجدِ ناحيةُ المقامِ ، ثم ميامنُه .
وعن الربيعِ ، عن الحسنِ ، قال : أفضلُ الصفوف الصف المقدمُ ، وأفضلُه
مما يلي الإمامَ .
وكأنه يريد : مقامَ الإمامِ . والله أعلم .
وأكثرُ العلماءِ على تفضيلِ ميمنةِ الصفوفِ وخلفِ الإمامِ .
وأنكره مالكٌ .
ففي (تهذيب المدوَّنَةِ)): ومَن دخل المسجدَ وقد قامتِ الصفوفُ قامَ حيث
شاءَ، إن شاء خلفَ الإمامِ ، وإن شاءَ عن يمينه أو عن يساره . وتعجب مالك
ممن قال : يمشى حتى يقف حذوَ الإمامِ .

٢٧٥
٨٠ - بَأَبُ إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة
كتاب الأذان
٨٠ - بَابُ
إِذَا كَانَ بَيْنَ الإِمَامِ وَبَيْنَ الْقَوْمِ حَاتِطٌ أَوْ سُتْرَةٌ
وَقَالَ الْحَسَنُ : لاَ بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ نَهْرٌ .
وَقَالَ أَبُو مِجْلَزِ: يَأْثَمُّ بِالإِمَامِ - وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَوْ جِدَارٌ - إِذَا سَمِعَ تَكْبِيرَ
الإمَامِ .
مرادُ البخاريِّ بهذا البابِ : أنه يجوزُ اقتداءُ المأمومِ بالإِمامِ ، وإنْ كان بينهما
طريقٌ أو نهرٌ ، أو كان بينهما جدارٌ يمنعَ المأمومَ من رؤيةِ إمامِه إذا سمعَ تكبيرَه .
فهاهنا مسألتان :
إحداهما :
إذا كان بين الإمامِ والمأمومٍ طريقٌ أو نهرٌ ، وقد حكَى جوازَه في صورة النهر
عن الحسن ، وفي صورة الطريقِ عن أبي مِجْلَزٍ .
وقال الأوزاعيَّ في السفينتين ، يأتمَّ مَنْ في إحداهما بإمام الأخرى : الصلاةُ
يُّ (١): نقله
جائزةٌ، وإن كان بينهما فرجةٌ ، إذا كان أمامَ الأخرى - وبه قال الثوريّ (
ابنُ المنذرِ .
وروى الأثرمُ بإسنادهِ ، عن هشام بن عروةً ، قال : رأيت أبي وحميدَ بنَ
عبد الرحمنِ يصليان الجمعة بصلاةِ الإمامٍ في دار حميد ، وبينها وبين المسجد
جدارٌ .
وكره آخرون ذلك :
روى ليثُ بنُ أبي سليمٍ ، عن نُعيمٍ بن أبي هندٍ ، قال : قال عمرُ بنُ
الخطابِ : مَن صلى وبينَه وبين الإمامِ نهرٌ أو جدارٌ أو طريقٌ لم يصلٌّ مع الإمام .
(١) كذا بالأصل، والذي في ((الأوسط)) لابن المنذر (١٢١/٤) بعد أن حكاه عن الأوزاعي، قال:
((وهذا قول أبي ثور)). فلعل ذكر الثوري هاهنا تصحيف من ((أبي ثور)». والله أعلم.
1

٢٧٦
٨٠ - بَابُ إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة
كتاب الأذان
خرجه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرَ في كتاب ((الشافي)).
وكره أبو حنيفة وأحمدُ أن يصليَ المأمومُ وبينه وبين إمامِه طريقٌ لا تتصل فيه
الصفوفُ، فإن فعلَ ، فقال أبو حنيفة: لا تجرئه صلاتُه. وفيه عن أحمد روايتان.
والنهرُ الذي تجري فيه السفنُ كالطريق عند أحمدَ . وعن أحمد جوازه .
واحتج بصلاة أنسٍ في غرفةِ يومَ الجمعةِ .
فمن أصحابِهِ من خصه بالجمعة عند الزحامِ. والأكثرون لم يخصّوه بالجمعة.
وكذلك مذهبُ إسحاقَ :
قال حربٌ : قلت لإسحاقَ : الرجلُ يصلي في دارٍ ، وبينه وبين المسجد
طريقٌ يمرُّ فيه الناسُ ؟ قال : لا يعجبني ، ولم يرخِّصْ فيه . قلت : صلاتُه
جائزةٌ ؟ قال : لو كانت جائزةً كنت لا أقول : لا يعجبني . قال : إلا أن يكون
طريق يقوم فيه الناس ، ويصفونَ فيه للصلاة . قلت : فإنَّا حين صلينا لم يمرَّ فيه
أحدٌ ، فذهبَ إلى أن الصلاة جائزةٌ .
قلت لإسحاقَ : فرجل صلى وبين يديه نهرٌ يجري فيه الماءُ ؟ قال : إن كان
نهرًا تجري فيه السفنُ فلا يصلِّ ، وإن لم يكن تجري فيه السفن فهو أسهلُ .
وكره آخرون الصلاة خلفَ الإمامِ خارجَ المسجدِ :
روي عن أبي هريرة وقيس بنِ عُبَادةَ، قالا: لا جمعةَ لمن لم يصلِّ في
المسجد .
ورخصت طائفةٌ في الصلاة في الرحاب المتصلة بالمسجد ، منهم : النخعيّ
والشافعيُّ .
وكذلك قال مالكٌ ، وزاد: أنه يصلي فيما اتصلَ بالمسجدِ من غيرِه .
ذكر في ((الموطأ) عن الثقة عنده، أن الناسَ كانوا يدخلونَ حُجَرَ أزواجِ النبيُّ
رَله بعد وفاة النبيِّ وَّه، يصلُّون فيها الجمعةَ. قال: وكان المسجدُ يضيقُ على
أهله .

٢٧٧
٨٠ - بَابُ إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة
کتاب الأذان
وحجرُ أزواج النبيِّ وَّ ليست من المسجدِ، ولكن أبوابَها شارعةٌ في
المسجد .
قال مالك : فمن صلى في شيء من المسجدِ أو في رحابه التي تليه ، فإن
ذلك مجزئٌ عنه ، ولم يزلْ ذلك من أمرِ الناس ، لم يعبه أحدٌ من أهلِ الفقه .
قال مالكٌ : فأما دارٌ مغلقةٌ لا تُدْخَلُ إلا بإذنٍ ، فإنه لا ينبغي لأحدٍ أن يصلِّي
فيها بصلاةِ الإمامِ يومَ الجمعةِ ، وإن قرَّبَتْ ، فإنها ليست من المسجدِ .
وفي ((تهذيب المدونة)): أن ضابطَ ذلك : أن ما يُسْتطرَقُ بغير إذنٍ من الدورِ
والحوانيتِ تجوزُ الصلاةُ فيه، وما لا يُدْخَلُ إليه إلا بإذن لا يجوزُ ، وأن سائر
الصلواتِ في ذلك كالجمعة .
وروى الأثرمُ بإسناده ، عن محمدِ بنِ عمرو بنِ عطاءٍ ، قال : صليت مع ابنِ
عباسٍ في حجرة ميمونةَ زوجِ النبيِّ نَّهِ بصلاة الإمامِ يوم الجمعةِ.
وبإسناده ، عن عطاء بن أبي ميمونةَ ، قال : كنت مع أنسِ بنِ مالكٍ يوم
جمعةٍ ، فلم يستطع أن يزاحمَ على أبوابِ المسجدِ ، فقال : اذهب إلى عبد ربِّه
ابنِ مخارقٍ ، فقل له : إن أبا حمزةَ يقول لك : أتأذن لنا أن نصليَ في دارِك ؟
فقال : نعم . فدخل فصلَّى بصلاة الإمامِ ، والدارُ عن يمين الإمامِ .
فهذا أنسٌ قد صلَّى في دار لا تُدخلَ بغيرِ إذنٍ، وحُجَرُ أزواج النبيِّ ◌َّ قبل
هدمِها وإدخالِها في المسجد لم تكن تُدخلُ بغيرِ إذنٍ - أيضًا .
وقد استدل أحمدُ بالمرويِّ عن أنسٍ في هذا في رواية حربٍ ، ورخص في
الصلاة في الدار خارجَ المسجدِ ، وإن كان بينها وبينَ المسجدِ طريقٌ ، ولم
يشترط الإمام أحمدُ لذلك رؤيةَ الإمامِ ، ولا مَنْ خلفَه ، والظاهرُ : أنه اكتفى
بسماعِ التكبيرِ .
واشترطَ طائفةٌ من أصحابه الرؤيةَ . واشترط كثيرٌ من متقدمِيهم اتصالَ

٢٧٨
٨٠ - بابُ إذا كان بین الإمام وبین القوم حائط أو سترة
كتاب الأذان
الصفوفِ في الطريق .
وشرطَه الشافعيّ - أيضًا - قال في رواية الربيعِ فيمن كان في دارِ قربَ
المسجدِ ، أو بعيدًا منه : لم يجز له أن يصلي فيها ، إلا أن تتصلَ الصفوفُ
به ، وهو في أسفل الدار ، لا حائلَ بينه وبين الصفوفِ .
واستدلَّ بقول عائشةَ - من غير إسنادٍ - ، وتوقف في صحته عنها .
وذكره بإسناده في رواية الزعفرانيِّ ، فقال : حدثنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ ، عن
ليث ، عن عطاء ، عن عائشةَ ، أن نسوةً صليْن في حجرتها ، فقالت : لا تصلِين
بصلاة الإمامِ ؛ فإنكنَّ في حجابٍ .
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ ؛ ولذلك توقف الشافعيُّ في صحته .
المسألة الثانيةُ :
إذا كان بين المأمومِ والإمامِ حائلٌ يمنع الرؤيةَ ، فقد حكى البخاريُّ عن أبي
مِجْلَزِ أنه يجوز الاقتداءُ به إذا سمع تكبيرَ الإمامِ .
وأجازه أبو حنيفةَ وإسحاقُ . قال إسحاقُ : إذا سمع قراءته واقتدى به .
وقد تقدمَ كلامُ الشافعيِّ في منعه ، واستدلالُه بحديث عائشةَ .
قال الشافعيُّ : هذا مخالفٌ للمقصورة ، المقصورةٌ شيءٌ من المسجدِ ، فهو
وإن كان حائلاً بينه وبين ما وراءَها، فإنما هو كحول الأصطوانِ أو أقلَّ ، وكحول
صندوقِ المصاحفِ وما أشبَهَه .
وحاصلُه : إنْ صلَّى في المسجد وراءَ الإمامِ لم يشترطْ أن يرى فيه الإمامَ ،
بخلاف مَنْ صلَّى خارجَ المسجدِ .
وحكى أصحابُنا روايتين عن أحمدَ فيمن صلَّى في المسجد بسماعِ التكبيرِ ،
ولم يرَ الإمامَ ولا مَنْ خلْفَه : هل يصحُ اقتداؤُه به ، أو لا ؟

٢٧٩
٨٠ - بَابُ إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة
كتاب الأذان
وحكوا روايةً ثالثةً : أنه يصحّ اقتداؤه به ، سواءٌ صلى معه في المسجدِ ، أو
صلى خارجًا من المسجدِ .
قال أحمدُ في رواية حنبلٍ : إذا صلَّى الرجلُ وهو يسمع قراءةَ الإمامِ في دار
أو في سطح بيتِه كان ذلك مجزئًا عنه ، وفي الرحبة .
قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرَ في كتاب ((الشافي)) : ذلك جائزٌ إذا
اتصلتِ الصفوفُ، وعَلَمَ التكبيرَ والركوعَ والسجودَ ، وأن لا يكون الدارُ والسطحُ
مقدمَ القبلةِ ، ولا فوقَ الإمام ؛ فإنهم لا يمكنُهُم الاقتداءُ به ولا اتباعُه ، ولا
يعرفون ركوعَه ولا سجودَه، وكذلك في الرحابِ والطرقِ تجوزُ الصلاةُ في ذلك
إذا اتصلتِ الصفوفُ ، ورأى بعضُهم بعضًا ، ولو أغلقت دونَهُم الأبوابُ ،
وارتفعتِ الشبابيكُ بينهم ، أو كان عليها أبوابٌ تُغلقُ ، فلا يلحظونَ الصفوفَ ،
ولا يرى بعضُهم بعضًا - يعني : أنه لا يصح اقتداؤهم بالإمامِ - قال : وهو مذهب
أبي عبدِ اللَّهِ. انتهى ما ذكره .
وهو مبنيٌّ على اشتراطِ الرؤيةِ خارجَ المسجدِ ، وفيه خلافٌ سبق ذكرُه .
وحُكيَ عن أحمدَ روايةٌ : أن الحائلَ المانعَ للرؤيةِ ، والطريقَ الذي لا تتصل
فيه الصفوفُ يَمنع الاقتداءَ في الفرضِ دون النفلِ .
وحُكيَ عنه : أنه لا يَمنعُ في الجمعة في حال الحاجة إليه خاصةً .
وحُكيَ عنه : إن كان الحائلُ حائطَ المسجدِ لم يمنعْ ، وإلا منعَ .
وإن كان الحائلُ يمنع الاستطراقَ دون الرؤيةِ لم يمنعْ ..
وفيه وجهٌ : يمنع ، وحكاه بعضُهم روايةً .
خرج البخاريُّ في هذا الباب ثلاثةَ أحاديثَ :
الحديثُ الأولُ :
٧٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: ثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ ،

٢٨٠
حدیث : ٧٢٩ - ٧٣٠
كتاب الأذان
عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَِّيُّ بِعَلَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ
قَصِيرٌ ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِّ ◌َ، فَقَامٌ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ ، فَأَصْبَحُوا
فَتَحَدَُّوا بِذَلِكَ، فَقَامَ لَيْلَتَهُ الثَّانِيَةَ، فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاته ، صَنَعُوا ذَلِكَ
لَيْلَيْنِ - أَوْ ثَلاَثً -، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِّهِ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَلَمَّا
أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ، فَقَالَ : ((إنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ)) .
لَيَسَ في هذه الروايةِ : دليلٌ على جوازِ الائتمامِ من وراءِ جدارٍ يحولُ بينَ
المأمومِ وبين رؤيةِ إمامهِ ؛ فإنَّ في هذه التصريحَ بأنَّ جدارَ الحجرةِ كان قصيرًا ،
وأنهم كانوا يروْنَ منه شخصَ النبيِّ وََّ، ومثلُ هذا الجدارِ لا يمنعُ الاقتداءَ.
لكن ؛ روى هذا الحديثَ هُشيمٌ ، عن يحيى بن سعيدٍ ، فاختصرَ الحديثَ ،
وقال فيه: صلَّى النبيُّ نَّه في حجرتِه، والناسُ يأتمونَ به مِن وراءِ الحجرةِ .
وهذا مختصرٌ .
وقد أتم الحديثَ عَبدةُ بنُ سليمان وعيسَى بنُ يونُسَ وغيرُهما ، عن يحيى بنِ
سعيد ، وذكروا فيه : أن جدارَ الحجرةِ قصيرٌ ، وأن الناسَ كانوا يرونَ شخصَ
النبيِّ وَّ .
الحديث الثاني(١):
٧٣٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ: ثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيّكِ: ثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عن
الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّالنَِّيَّ ◌َ كَانَ لَهُ حَصِيرٌ
يَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ ، وَيَحْتَجِرُهُ بِاللَّْلِ ، فَشَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ فَصَفُوا وَرَاءَهُ .
(١) قبل هذا الحديث في بعض النسخ : باب جديد ، وهو :
((٨١ - باب : صلاة الليل))
قال ابن حجر: ((كذا وقع في رواية المستملي وحده ، ولم يعرج عليه أكثر الشراح ، ولا ذكره
الإسماعيلي ، وهو وجه السياق ؛ لأن التراجم متعلقة بأبواب الصفوف وإقامتها)).