Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
٤٢ - بَابُ إذا حضر الطعام وأُقيمت الصلاة
كتاب الأذان
٤٢ - بَابٌ
إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبَدْأَ بِالعَشَاءِ .
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقِْلَ عَلَى صَلَنِهِ
وَقَلُهُ فَارِغٌ .
أما المروي عن ابن عمر ، فقد أسنده البخاريُّ في هذا الباب ، وسيأتي - إن
شاء الله .
.](١) .
وأما المرويُّ عن أبي الدرداءِ [.
وقد روي نحوه عن ابنِ عباسٍ ، قال : لا نقومُ إلى الصلاةِ وفي أنفسنا
شيءٌ .
ذكره الترمذيُّ في («جامعه» (٢) تعليقًا ، وخرجه وكيع في ((كتابه)) عن شريك ،
عن عثمان الثقفي ، عن زياد مولى ابنِ عياش ، أن ابنَ عباسٍ كان ينتظرُ الطَّعامَ ،
فحضرت الصلاةُ ، فقال : انتظروا ، لا يَعْرِضُ لنا في صلاتنا .
:
وهذا يدلُّ على أنه كان يؤخر الصلاةَ إذا كان في انتظارِ الطعامِ وإن لم
يكن حاضراً ، وعلَّله بخشيةِ أَنْ يعرض له في صلاته - يعني : ذكره ، وتحديث
النفس به .
وروى وكيع - أيضًا - عن شريك، عن أبي إسحاق ، قالَ : قالَ الحسنُ :
أذهب للنفسِ اللوامةِ أن يبدأ بالطعامِ .
(١) بياض بالأصل قدر سطرين. وهذا الأثر وصله ابن المبارك في ((الزهد)) (ص ٢٠٤)، وعنه
المروزي في («تعظيم قدر الصلاة» (١٣٤) .
(٢) (١٨٥/٢). وهو عند ابن أبي شيبة (١٨٤/٢) من طريق وكيع، لكن فيه: ((عن رجل يقال
له : زياد» . ومولى ابن عياش إنما يروي عن مولاه ، لا عن ابن عباس . والله أعلم .
١

١٠٢
حديث : ٦٧١ - ٦٧٤
كتاب الأذان
خرَّج البخاريُّ من هذا الباب ثلاثة أحاديث .
الحديث الأول :
٦٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ عَائشَةً،
عَنِ النَّبِّ ◌َِّ، أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ وَأُقيمَتِ الصَّلاةُ فَابْدَءُوا بِالعَشَاء)).
١
الحديث الثاني :
٦٧٢ - حَدَّثْنَا يَحْنَى بْنُ بُكَيْرِ: ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عَقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ
ابْنِ مَالك، أَنَّ رَسُولَ اللَّهُ بَِّ قَالَ: ((إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ فَابْدَهُوا بِه قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا
المَغْرِبَ، وَلاَ تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ)) .
الحديث الثالث :
٦٧٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِع، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَ: «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأَقِيمَتِ الصَّلاَةُ
فَابْدَءُوا بِالعَشَاءِ ، وَلاَ يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ) .
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ ، وَتُقَامُ الصَّلاَةُ، فَلاَ يَأْتِها حَتَّى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ
يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ .
٠
٦٧٤ - وَقَالَ زُهَيْرٌ وَوَهْبُ بْنُ عَثْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلاَ يَعْجَلْ حَتَّى
يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أَقِيمَتَ الصَّلاَةُ» .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: رَوَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ عُثْمَانَ .
وَوَهْبٌ مَدِينِيُّ .
حديث عائشة، قد خرجه - أيضًا - في ((الأطعمة))(١) من رواية وُهَيْب(٢)
(١) (٥٤٦٥) .
(٢) في الأصل: ((وهب)) خطأ في هذا الموضع.
١

١٠٣
٤٢ - بَابُ إذا حضر الطعام وأُقيمت الصلاة
كتاب الأذان
وسفيان الثوري ، عن هشام بن عروة ، به .
وحديث أنس، قدْ خرجه في ((الأطعمة))(١) من طريق أيوبٍ، عن أبي قلابة ،
عَنْ أَنَسٍ، عن النبيِّ ◌َّهِ .
وقال(٢): عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النبيِّ الَّ - نحوه.
وعن(٣) أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه تعشَّى وهو يَسْمِع قراءةَ الإمامِ.
وحديثُ موسى بن عقبة الذي علَّقه البخاريُّ، قد خرَّجه مُسْلِمٌ (٤) من رواية
أبي ضمرة ، عن موسى ، ولم يذكرْ لفظه ، لكنه قال : بنحو رواية عبيد الله بن
عمر .
وخرجه البيهقيّ (6) من طريق سويد بن سعيد ، عن حفصٍ بن ميسرة ، عن
موسى بن عقبة، ولفظُه: إن رسولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: ((إذا كانَ أحدكم على الطّعامِ
فلا يعجلنَّ حتى يقضي حاجته منه ، وإنْ أقيمت الصلاة)) .
ثمَّ قال : وبهذا اللفظ رواه زهير بن معاويةً ووهبُ بنُ عثمانَ ، عن موسى
ابن عقبة ، وأشار البخاريُّ إلى روايتهما .
قلت : وإنما أشارَ البخاريُّ إليه ؛ لأنَّ لفظه صريح في أنَّ من شرع في
عشائه ثم أقيمتِ الصلاة فلا يقم إلى الصلاة حتى يقضي حاجته منه ، بخلاف
سائرِ ألفاظِ الحديث التي خرجها ؛ لأنَّه يحتمل أن يكون الخطابُ بها لمن لم
يتناولْ من عشائه شيئًا .
ووهب بن عثمان ، ذكر البخاريُّ أنه مدينيٌّ ، وأن هذا الحديث رواه عنه
(١) (٥٤٦٣) .
(٢) (٥٤٦٣) .
(٣) (٥٤٦٤) .
(٤) (٧٨/٢). وفي الأصل: ((أبي حمزة)) بدل ((أبي ضمرة)) خطأ.
(٥) (٧٤/٣) .
1

١٠٤
حديث : ٦٧١ - ٦٧٤
کتاب الأذان
إبراهيم بن المنذر الحِزَامي ، ولم يذكره في غير هذا الموضع من ((كتابه)) ،
ولاخُرِّج له في بقية ((الكتب الستة))، وذكره ابن حبانَ في ((ثقاته)).
وقد خرجَ ابن حبانَ في ((صحيحه)) (١) من طريق ابن جريج : أخبرني نافع ،
قال : كان ابن عمر إذا غربتِ الشمس وتبين له الليلُ ، فكان أحيانًا يقدِّمُ عشاءَه
وهو صائمٌ، والمؤذنُ يؤذنُ، ثم يقيم [ وهو يسمع](٢) فلا يترك عشاءه ولا يعجل
حتى يقضي عشاءَه، ثم يخرج فيصلِّي، ويقولُ: قالَ رسول اللّهِ وَةِ: ((لا
تعجلوا عن عشائکم إذا قدِّم إلیکمْ)) .
وقد روي ذكر الصيام مرفوعًا .
خرجه ابن حبان - أيضًا (٣)- من طريق موسى بن أَعْيَن ، عن عمرو بن
الحارث، عن ابن شهاب، عن أنسٍ، قال: قال رسول اللَّه وَلّ: ((إذا أقيمت
الصلاة وأحدكم صائمٌ فليبدأ بالعَشاء قبلَ صلاة المغرب ، ولا تعجلوا عن
عَشائكم)) .
وخرجه الدارقطني في كتاب ((الإلزامات)) وصححه .
وخرجه الطبراني(٤)، وقال: لم يقلْ في هذ الحديث: ((وأحدكمْ صائمٌ
فليبدأ بالعشاء قبل صلاة المغرب)) إلا عمرو بن الحارث ، تفرد به موسى بن
أعين .
قلتُ : وإنَّما تفردَ موسى بذكر: ((وأحدُكم صائم))، وأما قوله: ((فليبدأُ
بالعَشَاء قبل صلاة المغرب)) فقد خرّجه مسلم(٥) من طريق ابن وهب ، عن عمرو
(١) (٢٠٦٧) .
(٢) زيادة من ابن حبان .
(٣) (٢٠٦٨) .
(٤) في ((الأوسط)) (٥٠٧٥).
(٥) (٧٨/٢) .
٠
:
:

١٠٥
٤٢ - بَابُ إذا حضر الطعام وأُقيمت الصلاة
كتاب الأذان
ابن الحارث بهذا الإسناد ، ولفظ حديثه : ((إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة
فابدءُوا به قبل أن تصلُّوا صلاة المغرب ، ولا تعجلوا عن عشائكم)) .
فهذه الأحاديثُ كلُّها تدلُّ على أنه إذا أقيمتِ الصَّلاة وحضر العشاء فإنَّه يبدأُ
بالعشاء ، سواءٌ كانَ قد أكل مِنْهُ شيئًا أو لا ، وأنه لا يقومُ حتى يقضي حاجته من
عشائه ، ويفرغ منه .
وممن روي عنه تقديمُ العَشاء على الصَّلاة: أبو بكرٍ وعُمَرُ وابنُ عُمَرَ (١) وابن
عباسٍ وأنسٌ وغيرهم .
وروى معمر ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : إني لمع أبيّ بن كعب
وأبي طلحة وغيرهما من أصحاب النبيِّ وَّ على طعام، إذْ نودي بالصَّلاة،
فَذَهبت أقومُ فأقعدوني ، وأعابوا عليّ حينَ أردت أن أقومَ وأدعَ الطعامَ .
خرجه عبد اللَّه ابن الإمام أحمد في ((مسائله)) (٢).
وإلى هذا القول ذهبَ الثوري وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق وابن
المنذر .
!
وقال أحمدُ : لا يقومُ حتى يفرغَ من جميعِ عشائه ، وإن خاف أن تفوته
الصلاة ما دام في وقت . قال : لأنه إذا تناول منه شيئًا ثم تركه كان في نفسه
شغل من تركه الطعام إذا لم ينل منه حاجته .
وحاصل الأمر ؛ أنه إذا حضرَ الطعامُ كان عذرًا في ترك صلاة الجماعة ،
فيقدم تناول الطعام ، وإن خشيَ فواتَ الجماعة ، ولكن لا بدَّ أن يكونَ له ميلٌ
إلى الطعامِ ، ولو كان ميلاً يسيراً ، صرح بذلك أصحابنا وغيرهم .
وعلى ذلك دلَّ تعليلُ ابن عباسٍ والحسن وغيرهما ، وكذلك ما ذكره البخاري
(١) ابن أبي شيبة (١٨٣/٢ - ١٨٤).
(٢) وعبد الرزاق (١/ ٥٧٥) .
--- -
!

١٠٦
حديث : ٦٧١ - ٦٧٤
کتاب الأذان
عن أبي الدرداءَ .
فأما إذا لم يكن له ميلٌ بالكلية إلى الطعامِ ، فلا معنى لتقديمِ الأكلِ على
الصلاة .
وقالتْ طائفةٌ أخرى : يبدأ بالصلاةِ قبلَ الأكلِ ، إلا أن يكونَ نفسه شديدة
التَّوَقَانِ إلى الطَّعامِ ، وهذا مذهب الشافعيّ : وقولُ ابن حبيبٍ المالكيّ .
واستدلَّ له ابن حبان(١) بالحديثِ الذي فيه التقييد بالصائِمِ ، وألحقَ به كلَّ
مَنْ كان شديد التوقان إلى الطعامِ في الصَّلاةِ ، يمنعُ من كمالِ الخشوعِ ، بخلاف
الميلِ اليسير .
وقالت طائفة أخرى : يبدأُ بالصَّلاة إلا أَنْ يكون الطعامُ خفيفًا - : حكاه ابنُ
المنذرِ ، عن مالكٍ .
وهذا يحتمل أنه أراد أنَّ الخفيف من الطعام يُطمع معه في إدراكِ الجماعة ،
بخلاف الطعامِ الكثيرِ فيختصُّ هذا بالعشاء .
وهذا بناء على أن وقتَ المغربِ وقتٌ واحد ، كما هو قولُ مالك والشافعيِّ
في أحد قوليه .
ونقلَ حرب ، عن إسحاق ، أنه يبدأ بالصَّلاة ، إلا في حَالَيْنِ : أحدهما :
أن يكونَ الطعامُ خفيفًا . والثاني : أن يكون أكلُه مع جماعةٍ ، فيشقُّ عليهم قيامُه
إلى الصلاة .
وهؤلاءَ قالوا: إن النبيَّ وَ﴿ أمر بتقديم العشاء على الصلاة حيث كان
عشاؤهم خفيفًا، كما كانت عادة الصحابة في عهد النبيِّ نَّ، فلمْ يتناولْ أمره
غيرَ ما هو معهودٌ في زمنه .
وروى أبو داود(٢) بإسناده ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، قال: كنتُ مع
(١) في ((صحيحه)) (٤٢١/٥).
(٢) (٣٧٥٩) .

١٠٧
٤٢ - بَابُ إذا حضر الطعام وأُقيمت الصلاة
كتاب الأذان
أبي في زمان ابن الزبيرِ إلى جنب عبد اللَّه بن عمر، فقال عبادُ بن عبد الله بن
الزبير : إنا سمعنَا أَنَّه يبدأُ بالعشاءِ قبلَ الصلاة ، فقال عبد الله بن عمر :
ويحكَ ، ما كان عشاؤهم ، أتراهُ كانَ مثلَ عشاءِ أبيكَ ؟!
وخرَّج البيهقيّ (١) من حديث حميد ، قال : كنَّا عند أنس بن مالك ، فأذَّن
المؤذن بالمغرب وقد حَضَر العشاء ، فقال أنس : ابدءوا بالعشاء ، فتعشينا معه ،
ثم صلَّينا ، فكان عشاؤه خفيفًا .
وقالتْ طائفة : يبدأُ بالصلاة ، إلا أن يكونَ الطعامُ يُخاف فساده لما في
تأخيره من إفساد الطعام ، وهذا قولُ وكيع ، رواه الترمذي في ((جامعه)) (٢) عنه .
وفي هذا القولِ بُعْدٌ ، وهو مخالفٌ ظاهرَ الأحاديثِ الكثيرة .
وللإمامِ أحمد في المسألةِ ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه قالَ في رواية أبي الحارث ، وسئل عن العشاءِ إذا وضعَ
وأقيمت الصَّلاةُ ، فقال : قد جاءتْ أحاديثُ ، وكان القوم في مجاعةٍ ، فأما اليومَ
فلو قام رَجَوْتُ .
وهذه الرواية تدلُّ على أن تقديمَ الأكلِ على الصلاة مختصٌ بحال مجاعة
الناس عمومًا ، وشدَّةً توقائِهِمْ بأجمعهم إلى الطَّعامِ ، وفي هذا نظر .
وقد يستدلُّ له بما روى محمد بن ميمون الزعفراني ، عن جعفر بن محمد ،
عن أبيه، عن جابر، قال: كان رسولُ اللَّهِ وَ لَهُ لا يُؤخرُ الصَّلاة لطعامٍ ولا
غيره(٣) .
وخرجه الطبراني(٤)، ولفظُه: لم يكنْ رسولُ اللَّهِ وَلَه يؤخرُ صلاةَ المغرب
(١) (٣ / ٧٤) .
(٢) (٢/ ١٨٥).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٧٥٨) .
(٤) في ((الأوسط)) (٥٨٨٩).

١٠٨
حديث : ٦٧١ - ٦٧٤
کتاب الأذان
العشاء ولا غيرهِ .
وهذا حديثٌ ضعيفٌ لا يثبتُ .
ومحمد بن ميمون هذا ، وثقه ابن معين وغيره . وقالَ البخاريّ والنسائي :
منكر الحديث .
وروى سلام بن سليمان المدائني : ثنا ورقاء بن عمر، عن ليثٍ بن
أبي سليم، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهُ: ((إذا حضَر
العشاءُ والصلاةُ فابدءُوا بالصَّلاة)».
خرجه تمام الرازي في ((فوائده)) ، وقال : هكذا وقع في كتابي ، وهو خطأ.
وليث بن أبي سليم ليس بالحافظ ، فلا تقبل مخالفته الثقات أصحاب نافع ؛
فإنهم رَوَوْا : ((فابدءوا بالعشاء)) كما تقدَّم . وسلام المدائني ضعيف جدًا .
والقولُ الثَّاني : نقل حنبل ، عن أحمد ، قال : إنْ كانَ أخذَ من طعامه
لقمةً أو نحو ذلكَ فلا بأسَ أن يقومَ إلى الصَّلاة فيصلِّي ، ثم يرجع إلى العشاء ؛
لأن النبيَّ ◌َلّ كان يَحْزُّ من كتف الشاة، فألقى السكينَ وقام.
وكذا نقل عنه ابنه عبد اللَّه والأثرم .
وحاصلُ هذا القول : إن كان أكل شيئًا من الطعامِ ، ثم أقيمتِ الصَّلاة قامَ
إليها ، وتركَ الأكلَ ، وإنْ لم يكن أكلَ شيئًا أكلَ ما تسكنُ به نفْسُهُ ثم قامَ إلى
الصلاة ، ثم عاد إلى تَتَمَّةِ طعامِهِ .
وصرَّح بذلك الأثرمُ في ((كتاب الناسخ والمنسوخ)) ، واستدلَّ بحديث عمرو
ابن أمية الضمري ، وقد خرجه البخاريُّ في الباب الذي يلي هذا .
وروي نحوه من حديث المغيرة بن شعبة وجابر بن عبد اللَّه .
وفي هذه الأحاديثِ: أنَّ النبيَّ وَ لَ﴿ كان يَحْتَزُّ من كتف شاة، فأتاه بلال
يؤذنه بالصلاة ، فألقى السكينَ ثم قامَ إلى الصَّلاةِ .

١٠٩
٤٢ - بَابُ إذا حضر الطعام وأُقيمت الصلاة
کتاب الأذان
وقد ذهبَ طائفةٌ من الفقهاءِ من الشافعية وغيرهم إلى أنَّه إذا سمعَ الإِقامة لم
يشبَعْ من طعامِهِ ، بل يأكل ما يكسر به سوْرَة جوعه .
وحديث ابن عمر صريحٌ في ردِّ ذلكَ ، وأنه لا يعجلُ حتى يفرغَ من عشائه .
والقول الثالث : عكس الثاني ، نقله حرب عن أحمد ، قال : إن كانَ قد
أكلَ بعضَ طعامه ، فأقيمت الصلاةُ ، فإنه يتمُّ أكله ، وإن كانَ لم يأكلْ شيئًا
فأحبُّ أن يصلّي .
وقد يعلَّلُ هذا بأنَّه إذا تناولَ شيئًا من طعامِهِ فإن نفسَه تتوقُ إلى تمامه ،
بخلافٍ من لم يذقْ منه شيئًا ؛ فإنَّ توقانَ نفسه إليه أيسر .
وفي المسألةِ قولٌ آخر ، وهو الجمعُ بین أحادیث هذا الباب ، وبین حدیث
عمرو بن أمية، وما في معناه مِن طرحِ النبيّ وَّرِ السكينَ من يَده، وقيامه إلى
الصَّلاة بالفرق بين الإِمام والمأمومين ، فإذا دعي الإِمام إلى الصَّلاة قامَ وتركَ بقية
طعامه ؛ لأنه يُنْتَظر ، ويشقُّ على الناسِ عند اجتماعهم تأخره عنْهُمْ ، بخلاف
آحاد المأمومين(١)، وهذا مسلكُ البخاريِّ، كما سيأتي ذلك في الباب الذي يلي
هذا .
وبكل حالٍ ؛ فلا يرخص معَ حضورِ الطعامِ في غير ترْكِ الجماعةِ ، فأما
الوقتُ فلا يرخصُ بذلكَ في تفويته عند جمهورِ العلماءِ ، ونصَّ عليه أحمدُ
وغيره .
وشدَّتْ طائفة، فرخَّصَتْ في تأخيرِ الصَّلاةِ عنِ الوقت بحضورِ الطَّعامِ -
أيضًا - ، وهو قولُ بعض الظاهريةِ ، ووجهٌ ضعيفٌ للشافعية ، حكاه المتولى
وغيره .
وقد روى المرُّوذي أنَّ أحمدَ احتجمَ بالعسكرِ ، فما فرغ إلا والنجوم قد
(١) في الأصل: (المؤمنين)).

١١٠
حديث : ٦٧١ - ٦٧٤
کتاب الأذان
بدَتْ ، فبدأ بالعَشَاء قبل الصَّلاةِ ، فما فرغَ حتى دخلَ وقتُ العشاءِ ، فتوضَّاً
وصلَّى المغرب والعشاءَ .
قال القاضي في ((خلافه)) : يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون مسافرًا ؛ لأن المراد بالعسكر سامراء ، وكان قد طلبه
المتوكل إليها .
والثاني: أنه خافَ على نفسه من تأخيرِ العَشَاء المرضَ (١)؛ لضعفه بالحجامة.
وقال ابن عقيل: يحتملُ أنَّه كانَ مريضًا أو نَاسِيًا. قال: ومع هذه الاحتمالات
لا يؤخذ من ذلكَ مذهبٌ يخالفُ مذْهبَ النَّاسِ .
ومتى خالفَ، وصلَّى بحضرة طعامٍ تتوق نفسه إليه فصلاته مجزئةَ (٢) عنْد
جميعِ العُلماءِ المعتبرين ، وقدْ حكَى الإجماعَ على ذلك ابنُ عبد البرِّ وغيره ،
وإنَّما خالفَ فيه شذوذٌ من متأخري الظَّاهرية ، لا يعبأُ بخلافهم الإجماعَ القديمَ .
وفي أَحْاديث هذا البابِ : دليلٌ على أنَّ وقتَ المغربِ مَتَّسعٌ ، وأَنَّه لا يفوتُ
بتأخيرِ الصلاةِ فيه عن أوَّل الوقتِ ، ولولا ذلك لم يأمر بتقديمِ العَشَاء على صلاةٍ
المغربِ من غير بيانِ لحدِّ التأخيرِ ؛ فإنَّ هذا وقتُ حاجةٍ إلى البيانِ ، فلا يجوزُ
و
تأخيرُهُ عنه . والله أعلم .
(١) في الأصل: ((لمرض)).
(٢) في الأصل: ((محرمة)) خطأ.

١١١
٤٣ - بَابُ إذا دعي الإمام إلى الصلاة وبيده ما يأكل
کتاب الأذان
٤٣ - بَابٌ
إِذَا دُعِيَ الإِمَامُ إِلَى الصَّلاةِ وَبِيَدِهِ مَا يَلَكُلُ
٦٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ
شَهَبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، أَنَّ أَبَهُ قَالَ: رَأَيْتُ
رَسُولَ اللَّهِوَ يَأْكُلُ ذِرَاعًا يَحْتَرُّ مِنَهَا، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاَةِ، فَقَامَ فَطَرَحَ السَّكِينَ
فَصَلَّىَ وَلَمْ يَتَوَضَّأ.
وقد سبقَ في ((كتابِ الوضوء))(١) من حديث عقيل ، عن ابن شهاب - بمعناه.
وقد حملَ البخاريُّ هذا على أَنَّ الإمامَ خاصة إذا دعي إلى الصَّلاةِ وهو يأكلُ
فإنَّه يقومُ إلى الصَّلاة ولا يتم أكلَه ؛ لما في تأخيره من المشقَّةِ علَى المأمومينَ
بانتظاره ، فيكونُ دعاءُ الإمام إِلى الصلاة بمنزلَةِ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ فِي حَقِّ المَأْمُومِينَ .
وقد حمله غيره - كما تقدم - على أنَّه إذا أقيمتِ الصلاة وقد أكلَ بعضَ
طعامه أنه يقومُ ولا يتمه .
والبخاريُّ قد بَيَّنَ في الباب السابق أن بعضَ ألفاظِ حديث ابن عمر صريح في
خلاف هذا، فلذلك حملَه على الإمام خاصة، ولو أنَّه حملَ على أنَّه ◌ِوَلِ كانَ
قد أَتَمَّ أكلَه لكانَ محتملاً مع بعده ؛ فإنَّ ظاهرَ اللفظِ يقتضي أنَّه لم يكنْ أتمَّ
أكْله .
وقد حَمَلَه بعضُهم على أنَّه كانَ قد أخذ من طَعَامِهِ مَا يحتاجُ إليه بحيثُ لا
تتوقُ نفسه بعدَهُ إلى شيءٍ منْه ، فاكتفي بذلك .
١٠٠
وخرج أبو داود(٢) من حديث المغيرة بن شعبة، قال: ضفْتُ النبيَّ وَلـ
(١) (٢٠٨) .
(٢) (١٨٨) .
----

١١٢
حدیث : ٦٧٥
كتاب الأذان
ذاتَ ليلة، فأمر بَجْنب فشوى، وأخذ الشَّفْرة فجعلَ يحتزُّ لي بها منه . قال :
فجاء بلالٌ فآذنه بالصَّلاة . قال: فألقى الشَّفْرة، وقال: ((ماله؟ تربتْ يداه))،
وقامَ .
ويروى من حديث جابرٍ، أنَّ النبيَّ ◌َّهِ دعي إلى الصَّلاة وهو يأكلُ، فقامَ
ثم رجعَ ، فأتى ببقية الطعام .
ذكره الأثرم تعليقًا .
وخرجه [.
(١)
سـ
:
(١) بياض بالأصل قدر سطرين .

١١٣
٤٤ - بَابُ من كان في حاجة أهله فأقيمت الصلاة فخرج
كتاب الأذان
٤٤ - بَابٌ
مَنْ كَانَ فِي حَاجَةٍ أَهْلِهِ فَأَقِيمَتِ الصَّلاةُ فَخَرَجَ
٦٧٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ: ثَنَا شُعْبَةُ: ثَنَا الحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ ، قَالَ :
سَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَِّيُّ: ﴿ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مَهْنَةِ أَهْلِهِ -
تَعْنِي: خِدْمَةَ أَهْلِه ◌ِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ خَرَجَ إِلى الصِّلاة .
((المهنة)) - بكسر الميم وفتحها - الخدمة .
ومنهم من أنكرَ الكسرَ ، قال الأصعمي : هو خطأ .
قال الزمخشري : هو عند الأثبات خطأُ . قال : وكان القياسُ لو قيل مثل
جِلْسة وخِدْمة .
وقد فسرت عائشةُ هذه الخدمة في رواية عنْها، فروى المقدامُ بن شريحٍ، عن
أبيه ، عن عائشةَ، أنَّه سألَها: كيفَ كانَ النبيّ وَِّ يصنعُ إذا كانَ في بيتِهِ ؟
قالت: مثلَ أحدكم في مهنة أهله ، يخصف نعله ، ويرقع ثوبه ، ويضعُ الشيّءَ.
وروى معاوية بن صالح ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، قالت : سئلت
عائشة: ما كان النبيُّ وَِّ يصنعُ في بيته؟ قالت: بشرٌ من البشر ، يخدمُ نفسه ،
ويحلبُ شاتَه ، ويرقع ثوبه ، ويخصف نعله(١).
(١) أخرجه ابن حبان (٥٦٧٥) والبخاري في ((الأدب المفرد)» (ص ١٥٩) والترمذي في ((الشمائل))
(٣٣٥) والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٤٣/١٣).
وأبو نعيم في ((الحلية)) (٨/ ٣٣١) وأبو يعلى في ((مسنده» (٤٨٧٣). من طرق ، عنه .
وخالفهم ابن جريج فرواه ، عن يحيى بن سعيد عن مجاهد عن عائشة به . أخرجه أبو يعلى
(٤٨٤٧) .
ورواه يحيى بن أيوب ، عن يحيى بن سعيد ، عن حميد بن قيس ، عن مجاهد ، عن عائشة
به .

١١٤
حديث : ٦٧٦
كتاب الأذان
وروى هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قيل لعائشة: ما كان النبيّ وَليه
يصنعُ في بيته ؟ قالت : يخيط ثوبه ، ويخصف نعله ، ويعمل ما يعمله الرجال
في بيوتهم .
خرجه ابن حبانَ في ((صحيحه))(١).
ومقصودُ البخاريِّ بهذا الباب : أنَّ الصلاة إذا أقيمتْ والإنسانُ في شغل
بعمل شيءٍ من مصالحٍ دنياه ، فإنه يدَعُهُ ويقومُ إلى الصلاة ، إمامًا كان أو
مأمومًا .
وقد روي حديث الأسود ، عن عائشة ، الذي خرجه البخاريُّ بزيادة في
آخره .
خرجه الحافظُ أبو الحسين ابن المظفر في ((غرائب شعبة)) من طريق الحسن
ابن مدرك : ثنا يحيى بن حماد : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن
الأسودِ، عن عائشة، قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ وَ لِّ إذا كان عندي كان في مَهِنِةِ
أهله ، فإذا نودي بالصَّلاة كأنه لم يعرفْنَا .
وقد روي من وجه آخر معنى هذه الزيادة .
روى أبو زرعةَ الدمشقي في ((تاريخه)»(٢): حدثنا محمد بن أبي أسامة : ثنا
مبشرُ بن إسماعيل : ثنا عبد اللَّه بن الزبرقان : حدثني أسامةُ بن أبي عطاء ، أنه
كان عنْد النُّعْمانِ بن بشير ، فقالَ له سويد بن غفلةَ : ألَمْ يبلغني أنَّك صلَّيت مع
النبيِّ وََّ؟ قال: ومرة، لا بل مرارًاً، كان رسولُ اللّهِ وَّه إذا سَمِعَ النِّداءَ كأَنَّه
لا يعرفُ أحدًا من الناس .
(١) (٥٦٧٧) .
(٢) (١٩٧٥) .
-
---

١١٥
٤٥ - بَابُ من صلى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم
کتاب الأذان
٤٥ _ بَابُ
مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ لاَ يُرِيدُ إِلاَّ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ
صَلَةَ الَِّّنَّهِ وَسْتَهُ
٦٧٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: أَنَا(١) وُهَيْبٌ، [نَا أَيْوبُ]، عَنْ أَبِي قلابَةَ،
قَالَ : جَاءَنَا مَالكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ فِي مَسْجِدْنَا هَذَا، فَقَالَ : إِنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ ، وَمَا
أُريدُ الصَّلاةَ، أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِوَ يُصَلِّي. فَقِيلَ (٢) لِأَبِي قِلَابَةَ: كَفَ
كَانَ يُصَلِّي؟ قَالَ: مِثْلَ شَيْخِنَا هَذَاَ. وَكَانَ الشَّيْخُ يَجْلِسُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مَنَ السَّجُودِ
قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى .
وقدْ خَرَّجَهَ البُخَارِيُّ (٣) فِيمَا بَعْدُ عنْ معلى بن أسد ، عن وهيبٌ ، ولفظ
حديثه : جاءنا مالكُ بن الحويرث فصلَّى بنا في مسجدنا هذا ، فقال : إني
الأُصلِّي بكم وما أريدُ الصَّلاة. لكنِّي أريدُ أن أريكم كيفَ رأيتُ رسولَ اللَّهُ وَّ
يصلّي - وذكر بقية الحديث .
قول مالكُ بن الحويرثِ : ((إِنِّي لأصلِّي بكمْ وما أُريدُ الصلاة)) يحتمل أنه
أرادَ : أني لا أريد الصلاة إمامًا وأنَّه لا غرضَ لي في إمامتكم سوى تعليمِكم
صلاةَ النبيِّ وَّهِ، والإمام إذا نوى الصلاة بالناسِ وتعليمهم الصلاةَ صحَّت
صلاته، كما حجَّ النبيُّ وََّ، وقال لهم: ((خذوا عني مناسككم)) (٤). وقال ۔
أيضًا - في الصَّلاةِ: ((صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي)(٥) .
(١) في ((اليونينية)): ((حدثنا)).
(٢) في ((اليونينة)): ((فقلت)).
(٣) (٨٢٤) .
(٤) مسلم (٧٩/٤) وأبو داود (١٩٧٠) والنسائى (٢٧٠/٥) وابن ماجه (٣٠٢٣) ..
(٥) البخاري (٦٣٢) والدامي (٢٨٦/١) وابن خزيمة (٣٩٧)، (٥٨٦) والدار قطني (٢٧٢/١ - =
1

١١٦
حديث : ٦٧٧
كتاب الأذان
وإنْ حملَ على أن مرادَ ابن الحويرث : أني لا أُريد أنْ أصلِّي هذه الصلاة
لأني قد صلَّتها ، وإنَّما أُعيدُها لتعليمكم الصلاة دلَّ ذلكَ علَى أَنَّه كانَ يَرَى جوازَ
اقتداءِ المفترضينَ بالمتنفلِ ، إن كان أمَّهم في وقت صلاة مفروضة ، فإن كانَ
أمَّهم في تطوعٍ فلا دلالة فيه على ذلك .
وقد وردَ ذلكَ مصرحًا به في روايةٍ خرجها البخاريُّ في ((باب: الطمأنينة))(١)
من روايةٍ حماد بن زيدٍ ، عن أيوبَ ، عن أبي قلابة ، قال : قامَ مالكُ بن
الحويرثِ يرينا كيف كانَ صلاةُ النبيِّ بَّهِ، وذلك في غير وقت الصَّلاة - وذكر
صفة صلاته .
فعلمَ بهذا أنهم كانوا مُتَفِّلِينَ بهذهِ الصَّلاةِ كلُّهم .
ولا يصحُّ حمل كلامه على ظاهره ، وأَنَّه لم يُنوِ الصلاةَ بالكلية ، بل كانَ
يقومُ ويقعد ويركع ويسجد ، وهو لا يريدُ الصلاة ، فإنَّ هذا لا يجوزُ ، وإنما
يجوزُ مثل ذلك في الحجِّ ، يجوز أن يكونَ الذي يقفُ بالناسِ ويدفعُ بهم غيرَ
محرم ، ولا مريدًا للحج بالكلية ، لكنه يُكْرَه .
قال أصحابُنَا وغيرُهم من الفقهاءِ في الأحكامِ السلطانية : لأن الوقوفَ والدفعَ
يجوز للمحرم وغيره ، بخلاف القيامِ والركوعِ والسجودِ ، فإنه لا يجوزُ إلا في
الصلاة بشروطها .
وبقية فوائدِ الحديثِ يأتي الكلامُ عليه في مواضعه - إن شاء اللَّه - ؛ فإنَّ
البخاريًّ خرجه في مواضعَ متعددة .
= ٢٧٣) والشافعي (١٠٨/١).
(١) (٨٠٢) .
أ

١١٧
٤٦ - بَابُ أهل العلم والفضل أحق بالإمامة
کتاب الأذان
٤٦ - بَابُ
أَهْلِ العِلْمِ وَلفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ
فيه خمسة أحاديث :
الحديث الأول :
٦٧٨ - حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ نَصْر: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْد المَلَك
ابْنِ عُمَّيْرٍ ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: مَرِضَ النَّبِيُّ ◌َِّ فَاشْتَكَّ
مَرَضُهُ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ). قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا
قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. قَالَ: ((مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلَّ بِالنَّاسِ»،
فَعَادَتْ ، فَقَالَ: ((مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ؛ فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَُ) ، فَأَتَهُ
الرَّسُولُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَِّّ ◌ِ.
استدلَّ البخاري بهذا الحديث على أنَّ أهل الفضلِ والعلم أحق بالإمامة من
غيرهم؛ فإنَّ النبيَّ وَّ أمرَ أبا بكرٍ من بين الصحابة كلِّهم بالصلاةِ بالناسِ ،
وروجع في ذلك مرارًا وهو يأبى إلا تقديمه في الصَّلاة علَى غيره من الصحابة ،
وإنَّما قَدَّمه لعلمه وفضله ؛ فأما فضلُه على سائر الصحابة فهو مما اجتمعَ عليه
أهلُ السنة والجماعة ، وأما علمُه فكذلك .
وقد حكى أبو بكر ابن السمعاني وغيره إجماعَ أهلِ السَّنَّةِ عليه - أيضًا .
وهذا مما يستدلُّ به من قال : إن الأفْقَه والأعلم مقدَّم على الأقرإِ ؛ فإن
أُبَيَّ بن كعبٍ كانَ أقرأَ الصَّحابةِ، كما قالَ عمرُ: ((أُبَيَّ أقرؤنَا)(١).
وروي عن النبي بَّجلّ من وجوه، أنه قال: ((أقرأُ أمتي لكتاب اللَّه أبيّ بن
کعب)) .
(١) البخاري (٤٤٨١) (٥٠٠٥).

١١٨
حديث : ٦٧٨
کتاب الأذان
خرجه الإمام أحمدُ والنسائي والترمذيُّ وابن ماجه(١) - وصححه الترمذيّ - من
حديث أبي قلابة ، عن أنس .
وقد روي عن أبي قلابة مرسلاً من غيرِ ذكر ((أنسٍ))(٢)، وهو أصحّ عند كثير
من الحفاظ .
فلما قدَّم النبيُّ وَّ أبا بكر على أبيّ بن كعب في الصلاة بالنَّاس دلَّ على أن
الأعلَم والأفْقَه والأفضلَ مقدَّم على الأقر !.
وقد اختلف العلماءُ : هلْ يقدمُ الأقرأُ على الأفقهِ ، أم الأفقهُ على الأقر!؟
فقالتْ طائفَةٌ: يقدَّم الأفقه ، وهو قولُ عطاءِ والثوريِّ ومالكِ والأوزاعيّ
والشافعيّ وأبي ثور .
وقال الليث : يؤمهم أفضلُهم وخيرهم ، ثم أقرؤهم ، ثمَّ أسنُهم .
وقالت طائفة : يقدمُ الأقرأُ على الأفقه ، وحكي عن الأشعثِ بن قيس وابن
سيرينَ والثوريّ وأحمدَ وإسحاق وأصحاب الرأي ، حكاه عنهم ابنُ المنذرِ
واختاره .
وما حكيناهُ عن الثوريِّ ، حكاه أصحابه عنه في كتبهم المصنّفة على مذهبه .
ونصَّ أحمدُ على أنَّه يقدم الأقرأُ إذا كان يعرفُ ما تحتاجُ إليه الصلاةُ من
الفقه ، وكذلكَ قال كثير من المحققينَ من أصحابه ، وحكوا مذهبه على هذا
الوجه .
واستدلَّ من قدم الأقرأ بما خرجه مسلم في ((صحيحه))(٢) من حديث أوس بن
(١) أحمد (١٨٤/٣ - ٢٨١) والنسائي في ((فضائل الصحابة)) (١٣٨) (١٨٢) والترمذي (٣٧٩١)
وابن ماجه (١٤٥) .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٢٥/١١).
(٣) (١٣٣/٢).

١١٩
٤٦ - بَابُ أهل العلم والفضل أحق بالإمامة
کتاب الأذان
ضَمْعَج، عن أبي مسعود الأنصاري ، عن النبيِ وَّ، قال: ((يؤمّ القوم أقرؤُهم
لكتاب الله ، فإنْ كانوا في القراءة سواءً فأعلمُهُم بالسنة ، فإن كانوا في السنة سواءً
فأقدمُهم هجرةً» .
وفي رواية لمسلم : ((يؤمّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله وأقدمُهم قراءةً» .
وخرَّجه الحاكم(١)، وعنده يؤمّ القومَ أكثرهم قرآنًا)) - وذكرَ الحديثَ.
وخرَّج مسلم - أيضًا - من حديث أبي نَضْرة ، عن أبي سعيد الخدريِّ ،
قالَ: قال رسولُ اللَّهِ وَّل: ((إذا كانوا ثلاثة فليؤمَّهمْ أحدُهم، وأحقّهم بالإمامة
أقرؤهم)) .
وخرج البخاريُّ في ((كتابه)» (٢) هذا من حديث عمرو بن سلمة الجرمي ، عن
أبيه، أن النبيَّ وَّ قال: ((إذا حضرت الصَّلاة فليؤذنْ أحدكم، وليؤمكم أكثركمْ
قرآنًا)» .
وخرَّج - أيضًا (٣)_ فيه من حديث ابن عمر ، قال : لما قَدِمَ المهاجرونَ
الأوَّلُونَ قبل مقدمِ النَّبِي وَلَوَ كان يؤمُّهم سالمٌ مولى أبي حذيفةَ ، وكان أكثرهم
قرآنًا .
وخرجَ الإمام أحمد (٤) من حديث أبي موسى الأشعري ، عن النَّبِيِّ
قال : ((يؤمُّكم أقرؤُكم)) .
١
-
وخرجه أبو داود وابن ماجه(٥) من حديث ابن عباسٍ، عن النبيِّ وَلّ،
قال : ((ليؤمكم قُرَاؤُكُم)).
(١) (١/ ٢٤٣) .
(٢) (٤٣٠٢) .
(٣) (٦٩٢) .
(٤) (٤٠٩/٤) .
(٥) أبو داود (٥٩٠) وابن ماجه (٧٢٦) .
--

١٢٠
حديث : ٦٧٨
كتاب الأذان
وفي البابِ أحاديث أخر .
وقد تأوَّل الشافعيُّ وغيره هذه الأحاديثَ على أنَّ النبيَّ وََّ إِنَّما خاطَب
أصْحَابَه، وكان أكثرُهم قرآنًا أكثرَهم فقهًا؛ فإن قراءَتهم كانتْ علماً وعملاً
بخلاف مَن بعدهم .
وأجيبَ عن هذا بوجهين :
أحدهما : أنَّ هذا خطاب عامٌّ للأمة كلهم ، فلا يختصُّ بالصحابة .
والثاني : أنَّه فرق بين الأقرإ والأعلم بالسنَّةِ ، وقدم الأقرأ عليه .
وأجابَ الإمامُ أحمد عن تقديمِ النبيّ وَُّ(١) أبا بكر على أبيّ بن كَعْبِ
وغيره ، بأنَّه أرَادَ بذَلكَ التنبيه على خلافته ، فلهذا المعنى قدَّمه في الصَّلاة على
الناس كلهم .
وقد منعَ بعضُهمْ أن يكونَ أبيُّ بنُ كَعْبٍ أقرأ من أبي بكرٍ ، لأنَّ المرادَ بالأقر!
في الإمامَةِ الأكثر قرآنًا. وقال: كانَ أبو بكرٍ يقرأُ القرآنَ كلَّه، فلا مَزِيَّةً لأبيِّ بن
كعبٍ عليه في ذلك ، وامتازَ أبو بكرٍ بالعلمِ والفضلِ .
وهذه المسألةُ لأصحابنا فيها وجهانِ : إذا اجتمعَ قارئان ، أحدهما أكثر
قرآنًا، والآخر أجود قراءةً ، فهل يقدمُ الأكثر قرآنًا على الأجودِ قراءة ، أم
بالعكس ؟
وأكثر الأحاديثِ تدلُّ على اعتبارِ كثرةِ القرآن .
وإن اجتمعَ فقيهانٍ قارئان ، أحدُهما أفقهُ ، والآخرُ أجودُ قراءةً ، ففي أيهما
يقدّم وجهانِ - أيضًا .
وقيلَ : إن المنصوصَ عن أحمدَ ، أَنَّه يقدم الأقرأ .
(٤) وقع في الأصل قلب أفسد المعنى، فوقع: ((وأجاب الإمام أحمد عن النبي ◌َّ تقديم أبا بكر
على أبيِّ بن كعب)).