Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
١٩ - بَابُ هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا؟
کتاب الأذان
وممن قال بالكراهة(١): مجاهدٌ والأوزاعيُّ والشافعيُّ وإسحاقُ .
وممن ذهبَ إلى الرخصةِ : الحسنُ والنخعيُّ وقتادةُ وحمادُ ومالكٌ وسفيانُ
وابنُ المباركِ .
ورخص أحمدُ في الأَذَانِ على غير وضوءٍ ، دون الإقامة .
وكذا قال الحسنُ وقتادة ومالك .
وقال الأوزاعيَّ: إن أحدثَ في أَذَانِهِ أَتَمَّهُ، وإِنْ أَحْدَثَ في إقامتهِ - وكان
وحدُه - قطعها .
واستحبَّ الشافعيُّ لمن أحدثَ في أذانهِ أنْ يتطهرَ ، ويبنى على ما مضى منه.
قال إسحاق : لم يختلفوا في الإقامة أنها أشدُّ .
وقال الزهري : قال أبو هريرةَ : لا يُنادي بالصلاة إلا متوضىءٌ .
ورواه معاويةُ بن يحيى ، عن الزهري ، عن أبي هريرة - مرفوعًا .
خرجه الترمذيُ (٢) من الطريقين ، وذكر أنَّ الموقوفَ أصحُّ .
قال : والزهريُّ لم يسمع من أبي هريرةَ .
وروى عمير بن عمران الحنفي : ثنا الحارث بن عيينة ، عن عبد الجبار بن
وائل ، عن أبيه ، قال : حقٌّ وسنَّة مسنونة أنْ لا يؤذنَ إلا وهو طاهرٌ .
خرجه الدار قطنيُّ في ((الأفراد)(٣)، وزاد : ولا يؤذنُ إلا وهو قائمٌ .
وقال : عبد الجبار ، عن أبيه مرسلٌ .
قلت : والحارث وعمير ، غير مشهورين .
وما ذكره البخاريّ عن عطاء ، هو من رواية ابن جريج ، عنه ، قال : حقّ
(١) في الأصل: ((بالراهة)) خطأ.
(٢) (٢٠٠) .
(٣) (ق ٢٥٤ / ب) .

٥٦٢
حديث : ٦٣٤
کتاب الأذان
وسنّةٌ ألا يؤذن المؤذنُ إلا متوضئًا. قالَ: [ هو ] من الصلاة، هي فاتحةٌ
الصلاةُ، فلا يؤذنُ إلا متوضئًا (١).
وهذا مبنيٌّ على قوله : إن من نسي الإقامة أعادَ الصلاةَ ، وقد سبقَ ذلك
عنه .
وسبق الكلام في ذكر اللَّه تعالى للمُحْدث ، وأنَّ منهم من فرق بين الذكرِ
الواجب كالأذانِ والخطبةِ ، وبين ما ليس بواجبِ .
وأما أذانُ الجنبِ ، فأشدُّ كراهةً من أذان المحدث .
واختلفوا : هل يعتد به ، أم لا ؟
فقال الأكثرون : يعتدَّ به ، منهم : سفيان وأبو حنيفة ومالكٌ والأوزاعيّ
وابن المبارك والشافعيُّ وأحمدُ .
وقال : إسحاق والخرقي من أصحابنا : لا يعتدّ به ، ويعيده .
(١) أخرجه عبد الرزاق (٤٦٥/١).
٠

٥٦٣
٢٠ - بَابُ قول الرجل : فاتتنا الصلاة
كتاب الأذان
٢٠ - بَابُ
قَوْلِ الرِّجُلِ: ((فَتَتْنَا الصَّلاةُ)
وَكَرِهَ ابْنُ سيرينَ أَنْ يَقُولَ : فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ ، وَلَيَقُلْ : لَمْ نُدْرِكْ .
وَقَوْلُ النَّبِّ ◌َّ أَصَحُّ .
٦٣٥ - حَدَّثْنَا أَبُو نُعَيْمِ: حَدَّثْنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْتَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةً،
عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبََِّّ، إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ الرِّجَالِ، فَلَمَّا صَلَّى
قَالَ: ((مَا شَأْنُكُمْ؟)) قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلاة. قَالَ: ((فَلاَ تَفْعَلُوا، إذَا أَتَيْتُمُ
الصَّلاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِيَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأْتِمُوا» .
مقصودُ البخاري بهذا البابِ : أن يردَّ ما حكاه عن ابنِ سيرينَ ، أنه كره أنْ
يقولَ: ((فاتتنا الصلاةُ»، وَيَقُول: ((لم نُدْركها))، من ذلك (١) بِقَوْلِ النبيِّ الَّ:
((وما فاتكم)) فَسَمَّى القَدْرَ المسبوقَ به مع الإمام فَائًا، مع قولِه ◌َِّ: ((من أدْرِكَ
ركعةً منَ الصلاة فقد أدركها)) ، فكيف بمَا لَمْ يُدْرك مع الإِمامِ من صلاَتِه شَيْئًا ،
فإنَّه أَولِى أَنْ يُسمى فائتًا .
والظاهر : أن ابنَ سيرين إنما يكره أنْ يقولَ: ((فاتتنا الصلاةُ))؛ فإنها فاتتهُ
حقيقة .
وقد يفرقُ بينَ أن تفوتَه بعذرٍ كنومٍ ونسيانٍ ، أَوْ بغيرِ عذرٍ ، فإن كانَ بعذر لم
تَفُتْ - أيضًا - ؛ لإمكان التدارك بالقضاء .
وقد تقدمَ قولُ النبيُّ وَِّ: ((الذي تفوته صلاةُ [العَصْر] كأنَّما وتر أهله
(١) كذا فى الأصل، ولعل الصواب: ((وذلك)).
هذا ، وقد وقع تكرار كبير في الأصل ، من قوله : ((فاتتنا الصلاة)) في أول الشرح إلى قوله :
((والظاهر أن ابن سيرين إنما يكره أن يقول: فاتتنا الصلاة».

٥٦٤
حديث : ٦٣٥
كتاب الأذان
وماله)) والكلامُ عليه مستوفَّى ، وهلَ المرادُ به : من تفوته بعذرٍ أو بغيرِ عذرِ ،
وذكرنا هناك من حديث أبي قتادة، عن النبيِّ مِِّ: ((إنما تفوتُ النائمَ، ولا
تفوتُ اليقظانَ)) .
خرجه الإمامُ أحمدُ (١).
وكانَ ابنُ سيرينَ لشدَّةٍ ورعه يتورَّعُ في منطقه، ويتحفظُ فيه ، ويكره أَنْ
يتكلمُ بما فيهِ نوع توسعٍ أو تجوزٍ ، وإن كان سائغًا في لغة العرب .
وقد وجدَ في بعض نسخِ ((صحيح البخاريّ)) في حديث أبي قتادةَ هذَا: ((وما
فاتكمْ فاقْضُوا)) .
وقد خرجه الطبرانيِّ (٢) من طريقِ أبي نعيم الذي خرجه عنه البخاريّ، وقالَ
في حديثه : ((ليصلِّ أحدكم ما أدركَ، وليقض ما فاته)).
وخرجه بقيّ بن مخلدٍ في ((مسنده))، عن ابن أبي شيبةَ ، عن معاويةً بن
هشامٍ ، عن شيبانَ ، وقال في حديثه : ((وما سبقتم فاقضوا)) .
وخرجه الإِسماعيليّ، ولفظه: ((وما فاتكم فاقضُوا)).
ءِ
(١) (٣٠٢/٥) وراجع شرح الحديث رقم (٥٥٢).
(٢) في ((الأوسط)) (٤٥٣).

٥٦٥
٢١ - بَابُ لا يسعى إلى الصلاة ، وليأتها بالسكينة والوقار
کتاب الأذان
٢١ - بَابٌ
لاَ يَسْعَى إِلَى الصَّلاَةِ، وَلَيَأْتِهَا بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ
وَقَالَ: ((مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِّمُوا)) - : وَقَالَهُ أَبُو فَتَادَةَ ، عَنِ النَِّيِّ
حديث أبي قتادة ، تقدم في الباب الماضي .
قال :
٦٣٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: حَدَِّنَ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْن
المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ ◌َهِ، قَالَ: ((إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْئُوا إِلَى الصَّلاةِ،
وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ واْوَقَارُ ، وَلَ تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَتِمُوا)) .
كانَ الزهريُّ يروي هذا الحديثَ ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرةَ .
ويرويه - أيضًا - ، عن أبي سلمةَ ، عن أبي هريرةَ .
وقد رواه جماعةٌ من أصحابه عنه ، عن سعيدٍ وحده . ورواه آخرون منهم ،
عنه ، عن أبي سلمةَ وحده ، وجمع بعضُهم بينهما ، منهم : عبيدُ اللّه بن عمر .
وروي - أَيْضًا - كذلك ، عن ابن أبي ذئب وإبراهيم بن سَعْد ويونس بن
يزيد .
قال الدارقطنيّ (١): هوَ محفوظٌ، كان الزهريُّ ربما أفرده(٢) عن أحدهما ،
وربما جمعه .
قلتُ : وقد خرجه البخاريّ في ((كتاب الجمعة)) من ((صحيحه)) (٢) هذا، عن
(١) في ((العلل)) (٣٢٩/٩ - ٣٣٣).
(٢) في الأصل: ((رفعه)) خطأ.
(٣) (٩٠٨).

٥٦٦
حديث : ٦٣٦
كتاب الأذان
آدم، عن ابن أبي ذئب بالجمع بينهما، ومن طريق شعيبٍ (١)، عن الزهري ، عن
ے
أبي سلمةَ وحده .
وخرجه مسلمٌ" (٢) من روايةِ إبراهيم بن سعد، عن الزهريِّ ، عنهما .
وخرجه أبو داودَ (٣) من طريقٍ يونس كذلك .
وكلام الترمذيِّ في ((جامعه))(٤) يدلُّ على أنَّ الصحيحَ روايةُ من رواه عن
الزهريِّ عن سعيد وحده .
والصحيح : أنه صحيحٌ عن الزهري ، عنهما ، وتصرفُ الشيخين في
((صحيحهما)) يشهدُ لذلك.
قوله وَجّل: ((إِذَا سَمعتمْ الإقامة فامْشُوا إلى الصَّلاة، ولا تسعوا)) أمر بالمشي
ونهيٌ عن الإِسراع إِلى الصلاةِ لمن سمعَ الإِقامةَ ، وليسَ سماعُ الإِقامة شرطًا
للنَّهي ، وإنَّما خرج مخرج الغالبِ ؛ لأن الغالبَ أنَّ الاستعجالَ إنما يقعُ عند
سماعِ الإقامةِ خَوْفَ فَوْتِ إدراك التكبيرة أو الركعة ، فهو كقوله تعالى : ﴿وَإِن
كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، والرَّهْنُ جائزٌ في
السَّفْرِ وغيره .
وكذلك قوله : ﴿وَإِن كُنْتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ
أَوْ لَمَسْتُمُ (٥) النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ﴾ [النساء: ٤٣]، وقد ذكرنا أنَّ التيممَ
يجوزُ عند عدمِ الماءِ في السفرِ والحضرِ .
وكذلك قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لَآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ
فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، ويجوزُ أنْ يُدْعَوْا إخوانًا ومواليَ
(١) في الأصل: ((شعبة)) خطأ .
(٢) (١٠٠/٢) .
(٣) (٢٥٧٢) .
(٤) (٣٢٧) (٣٢٨) .
(٥) كذا ، وهي قراءة .

٥٦٧
٢١ - بَابُ لا يسعى إلى الصلاة ، وليأتها بالسكينة والوقار
كتاب الأذان
وإن عُلم آباؤهم؛ فقد قالَ النبيُّ ◌َهْ لِزَيْدِ: ((أنتَ أخونَا ومَوْلانا))(١) مع علمه بأبيه.
وقد سبقَ حديثُ أبي قتادةَ : ((إِذَا أَتَيْتم الصَّلاةَ فعليكمْ بالسّكينة)»، من غيرِ
اشتراطِ سماعِ الإقامَةِ .
وقد أجمعَ العلماءُ عَلَى اسْتحبابِ المشي بالسكينةِ إلى الصَّلاةِ ، وترك
الإسراعِ والهْرَوَلَةِ في المَشْي، لما في ذَلِكَ من كثرة الخُطَا إِلى المَسَاجِدِ .
وسيأتي أحاديث فضلُ المشي فيما بعد - إِن شاءَ اللَّه تعالى .
وهذا ما لم يخشَ فواتَ التكبيرةِ الأُولى والركعةِ ، فإن خَشِيَ فَوَاتَها ، ورجا
بالإِسراعِ إدراكَها ، فاختلفوا : هل يُسرع حينئذٍ ، أم لا ؟ وفيه قولان .
أحدهما : أنه يسْعى لإِدراكهما .
وروي عن ابن مسعودٍ (٢)، أنه سعى لإدراك التكبيرة .
ونحوه عن ابن عمر ، والأسود ، وعبد الرحمن بن يزيد ، وسعيد بن جبير.
وعن أبي مجلز : الإسراعُ إذا خافَ من فوتِ الركعةِ .
وقال إسحاقُ : لا بأسَ بالإسراعِ لإدراكِ التكبيرة(٣).
ورخص فيه مالكٌ .
وقال أحمدُ - في رواية مهنَّا - : ولا بأسَ - إذا طمعَ أن يدرك التكبيرة
الأولى - أن يُسرع شيئًا، ما لم يكن عجلة تقبح ؛ جاء عن أصحابِ النبيِّ أَ
وَسَة
= صَلَى ﴾
أنهم كانوا يعجلون شيئًا إذا تخوفوا فوتَ التكبيرةِ الأَولى ، وطمعوا في إدراكِها .
وبوبَ النسائي في ((سننه))(٤) عَلى ((الإسراع إلى الصلاة من غير سعي))،
(١) أخرجه البخاري (٤٢٥١).
(٢) هذه وما بعده عند عبد الرزاق (٢/ ٢٩٠) وابن أبي شيبة (١٣٧/٢ - ١٣٨).
(٣) في الأصل ((التكبير))، وهو في ((التمهيد)) (٢٣٣/٢٠) وفيه: ((التكبيرة الأولى.
(٤) (٢ / ١١٥) .

٥٦٨
حديث : ٦٣٦
کتاب الأذان
وخرّج فيه حديثَ أبي رافعٍ، قال: كانَ رسولُ اللَّهِ وَجِّهِ إِذَا صَلَّى العصرَ ذهبَ
إِلى بَنَي عبدِ الأَشْهَلِ ، يتحدثُ عندهم حتى ينحدرَ للمغربِ . قال أبو رافع :
فبينما النبيَّ نَّهِ يسرع إلى المغربِ مررنا بالبقيعِ - وذكر الحديث .
وهذا إنَّما يدلُّ على إسراع الإمامِ إذا خافَ الإِبطاءَ على الجماعةِ ، وقد قربَ
الوقتُ .
والقولُ الثاني : أَنَّه لا يسرعُ بكل حالٍ .
وروي عن أبي ذرِّ ، وزيدِ بن ثابت ، وأنس بن مالكٍ ، وأبي هريرة ،
وعطاء ، وحكاه ابن عبد البرِّ عن جمهورِ العلماءِ، وهو قول الثوريِّ.
ونقله ابن منصور وغيره عن أحمد ، وقال : العملُ على حديث أبي هريرة .
وحديثُ أبي هريرةَ : دليلٌ ظاهر على أنه لا يسرع لخوف فوتِ التكبيرةِ
الأولى ، ولا الركعة ؛ فإنه قال : ((فإذا سمعتمُ الإقامةَ فامشوا إلى الصلاة ، ولا
تسرعوا))، فدلَّ على أنَّه يُنْهى عن الإسراع مع خوفِ فواتِ التكبيرةِ أو الركعةِ .
وفي «مسند الإمام أحمدَ)(١) من حديث أبي بكرةَ، أَنَّه جاء والنبيُّ بَلِّ رَاكِعٌ،
فسمع النبي ◌ِّه صوتَ نَعْلَيْ أبي بكرةَ وَهو يَحْفِزُ، يريدُ أنْ يدرك الركعة ، فلما
انصرف قال : ((من الساعي؟)) قال أبو بكرةَ: أنا، قال: ((زَادَكَ اللَّه حرصًا ،
ولا تَعُدْ) .
وفي إِسناده من يجهل حاله .
وخرجه البخاريّ في ((كتاب القراءة خلف الإِمام)) (٢) بإسناد آخر فيه ضعفٌ -
أيضًا - عن أبي بكرة - بمعناه، وفي حديثه: قال: إن أبا بكرة قال: يا رسولَ اللَّه،
خشيتُ أن تفوتني ركعةٌ معكَ، فأسرعتُ المشْيَ ، فقال له : ((زَادَكَ اللَّه حرصًا،
(١) (٣٩/٥ - ٤٥ - ٤٦) .
(٢) (١٩٥) .

٥٦٩
٢١ - بَابُ لا يسعى إلى الصلاة، وليأتها بالسكينة والوقار
کتاب الأذان
ولاَ تَعُدْ، صلِّ ما أدركتَ، وأقض ما سُبُقْتَ)).
ولو سمِعَ الإقامة وهو مشتغلٌ ببعضِ أسباب الصلاةِ كالوضوء والغسل أو
غيرهما ، فقالَ عطاءٌ : لا يعجل عن ذلك - يعني : أنه يتمَّه من غير استعجال .
وسيأتي حديثُ: ((لا تعجلْ عن عشائك)) في موضعه من الكتاب - إن شاء الله
تعالى .
وقولُهُ وَّهِ: ((عليكمُ السكينةُ والوقارُ))، هو بالرفع على أنَّ الجملة مبتدأ
وخبر ، ويُروى بالنصب على الإغراءِ - : ذكره أبو موسى المديني .
وقوله وَّهُ: ((فَمَا أدْركتمْ فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا))، هذه الروايةُ المشهورةُ
عن الزهريِّ ، التي رواها عنه عامَّة أصحابِهِ الحفاظِ .
ورواهُ ابن عيينةَ ، عن الزُّهريِّ ، وقالَ في روايته : ((وما فاتكم فاقْضُوا)) .
خرج حديثه الإمام أحمد والنسائي(١) .
وذكرَ أبو داود (٢) أنَّ ابن عيينة تفردَ بهذه اللفظةِ - يعني : عن الزهريِّ.
وذكر البيهقي(٣) بإسنادِهِ، عن مسلمٍ، أَنَّه قالَ : أخطأ ابن عيينةَ في هذه
اللفظة .
قلتُ : قد توبعَ عليها .
وخرجَه الإمامُ أَحمد(٤)، عن عبد الرزاق ، عن معمرٍ ، عن الزهريِّ ، وقال
في حديثه: ((فاقضوا)). قال معمر: ولم يذكر سُجودًا (٥).
(١) أحمد (٢٣٨/٢) والنسائي (١١٤/٢ - ١١٥).
(٢) (٥٧٢) .
(٣) (٢٩٧/٢) .
(٤) (٢ / ٢٧٠) .
(٥) لكن رواه أحمد قبله ، عن عبد الرزاق ، عن معمر بإسناده ، وفيه: ((فأتموا)) وكذا هو في
((المصنف)) لعبد الرزاق (٢٨٨/٢).

٥٧٠
حديث : ٦٣٦
كتاب الأذان
وكذا رواها بحر السقاء، عن الزهريِّ ، وقالَ في حديثه: ((وليقض ما سَبَقَه)).
وبحر ، فيه ضعف .
ورواها - أيضًا - بنحو رواية بحر : سليمان بن كثير ، عن الزهريِّ ، عن
أبي سلمةَ ، عن أبي هريرةَ .
خرجه البخاريّ في ((كتاب القراءة خلفَ الإِمام))(١).
ورويت لفظهُ ((القضاء)) من غير روايةِ الزهريِّ :
وروى شعبة ، عن سَعْدِ بن إبراهيم ، عن أبي سلمةَ ، عن أبي هريرةَ ، عن
النَّبِّ وَّهِ، قال: ((ائتوا [الصلاةَ] وعليكم السيكنةُ، فصلَّوا ما أدْركتمْ، واقْضُوا
ما سبقكُم»
خرَّجه أبو داود(٢) .
وخرجه الإمام أحمدُ (٣) من رواية عُمَر بن أبي سلمة(٣)، عن أبيه ، عن
أبي هريرةَ، عن النَِّيِّ بَّ - بمعناه.
ورويتْ عن أبي هريرةَ من وجوه أخَر :
فخرجَ مسلمٌ (٥) طريق ابن سيرين، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ بَّهِ، قال:
((إِذَا تُوِّبَ بالصلاة فلا يَسْعَى إليها أحدُكم، ولكنْ ليمش ؛ وعليه بالسكينة والوقار،
صلِّ ما أدركتَ، واقضٍ ما سبقك)) .
قال أبو داود : وكذا قال أبو رافعٍ ، عن أبي هريرةَ .
(١) (١٧٥) .
(٢) (٥٧٣) .
(٣) (٢٨٢/٢ - ٣٨٧ - ٤٧٢) .
(٤) في الأصل : ((عمرو بن أبي عمرو بن أبي سلمة)) خطأ.
(٥) (١٠٠/٢) .

٥٧١
٢١ - بَابُ لا يسعى إلى الصلاة، وليأتها بالسكينة والوقار
کتاب الأذان
وخرج الإمامُ أحمدُ وأبو داود(١) من حديث حميد ، عن أنس ، عن النبيُّ
وَّةٍ، قال: ((إذا جاء أحدكم فليمشِ نحوًا مما كان يمشي، فليصلِّ ما أَدْرَكه،
٥٠٠٠
وليقضِ ما سَبَقَهُ) .
وخرج البزار من حديث سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن
الزهريِّ، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرةَ، عن النبي ◌ِّ، قال: ((منْ
أدركَ ركعةً من الصلاة فقد أدركَ الصلاةَ كلَّها ، إلا أنه يقضي ما فاته)) .
وهذا حديث آخرُ غير الذي قبله .
وبالجملة ؛ فرواية من روى ((فأتموا)) أكثر .
وقد استدلَّ الإمامُ أحمدُ بروايةٍ من روى : ((فاقضوا)) ، ورجحها .
قالَ الأثرمَ : قلتُ لأبي عبد اللَّه - يعني: أحمدَ - : أرأيتَ قولَ من قالَ :
يجعلُ من (٢) أدركَ مع الإِمامِ أولَ صلاته ، ومن قال : يجعلُه آخرَ صلاته ، أيُّ
شيء الفرقُ بينهما ؟ قال : من أجل القراءة فيما يقضي . قلت له : فحديثُ النبي
وَلَهُ: على أي القولين يدلُ عندكَ؟ قالَ على أنَّه يقضي مَا فَاتَه؛ قال النَّبِيُّ ◌َِّ
((صلُّوا ما أدركتمْ واقضُوا ما سبقَكُمْ)).
وقال في رواية ابنه صالح (٣): يروى عن أنس وأبي هريرة ، أنَّ النبي
وشة
صَلَى لله
قَال: ((صلِّ ما أدركتَ واقض ما سبقَك)). قال : ويروي غيره على أنه قال :
يقرأُ فيما أدركَ . وقال غيره : يقرأُ فيما يقضي . قال ابن مسعود : ما أدركتَ من
الصلاةِ فهو آخر صلاتِكَ . انتهى .
وروى عبد الرزاق في ((كتابه))(٤) ، عن معمر ، عن قتادة ، أن عليًا قال :
(١) أحمد (١٨٨/٣) وأبو داود (٧٦٣) .
(٢) لعل الأشبه: ((ما)).
(٣) (٨٦٧) .
(٤) (٢٢٦/٢ - ٢٢٧) .

٥٧٢
حديث : ٦٣٦
كتاب الأذان
ما أدركتَ مع الإمامِ فهو أوَّلُ صلاتِكَ ، واقضٍ فيما سبقكَ به من القراءة . وأنَّ
ابنَ مسعود قالَ : اقْرأْ فيما فاتَكَ .
وعن مالك ، عن نافع ، أن ابنَ عمر كان إذَا فاته شَيْءٍ من الصلاةِ معَ
الإمامِ التي يعلن فيها بالقراءة، فإِذَا سَلَّم الإمام قامَ عبد اللَّه فقرأَ لنفسه (١).
وروى الإِمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد : حدثنا عبيد اللّه ، عن نافع ،
أنَّ ابن عمرَ كان إذا سبقَ بالأولتَين قرأ في الأُخرتينِ بفاتحةِ الكتابِ وسورةٍ .
قلت : أما القراءة فيما يقضي فمتفقٌ عليها ؛ لأنَّ حكمَ متابعة الإمامِ قد
انقطعتْ عنْه بسلامٍ إمامِهِ قبل فراغٍ صلاتِهِ ، فَهُوَ فيما بقي من الصلاة منفردٌ ،
يقرأُ كما يقرأُ المنفردُ بصلاته ، لا يقول أحد من العلماء : إنه لا يقرأُ فيها
لاستمرارِ حكم ائتمامه بالإمام .
ولكن من يقولُ من السلفِ: إنَّ المصلِّي يقرأُ في ركعتينٍ ويسبِّحُ في ركعتين،
كما يقوله الكوفيونَ وغيرهم ، يقول : إذا أَدْرك الإمام في ركعتين من الرباعية أنَّه
لا يقرأ معهم ؛ لأنهم لا يرونَ قراءةَ المأمومِ وراءَ إمامه بحالٍ ، ويقولون : إذا قامَ
يقضي ما فاته من الركعتينِ ، فإنه يَقْرأ، ولا يجزِئُهُ أن يسبحَ ؛ فإنه قد صار
منفردًاً في بقية صلاتِهِ ، فلا بد [له] من القراءَة ، سواءٌ فاته ركعة أو ركعتان،
فإن فاته ثلاثُ ركعاتٍ قرأ في ركعتين ، وله أن يسبِّح في الثالثة .
وهذا كله قولُ سفيان الثوريِّ .
وحكى سفيانُ وأصحابه وابن عمر (٢)، أنه إِذَا أَدْرَكَ ركعتينِ مع الإِمَامِ لم يَقْرَأْ
فيما أَدْرَكَه مَعَه ، وقرأَ في الركعتينِ إِذَا قَضَاهُمَا .
وعن عليٍّ، أنَّ ما أدركه فهو أوَّلُ صلاته ، فيقرأ فيه ما سبقه به الإمامُ من
القراءة .
(١) عبد الرزاق (٢٢٨/٢) .
(٢) كذا، ولعل الصواب: ((عن ابن عمر)).

٥٧٣
كتاب الأذان ٢١ - بَابُ لا يسعى إلى الصلاة، وليأتها بالسكينة والوقار
ظاهر هذا : أن عليًا لم يرَ القراءة فيما يقضيه ، وأنهم أرادوا (١) أنه لا يقرأُ فيه
ما زاد على الفاتحة .
وممن قال : يقرأُ فيما يقضي : عَبيدة السلماني ، وابن سيرين ، وأبو قلابة،
والنخعيِّ .
وروى عبد الرزاق(٢)، عن الثوريِّ، عن جابرٍ ، عن الشعبيِّ، أن جندبًا
ومسروقًا أدركا ركعةً من المغربِ، فقرأ جندبٌ ولم يقرأ مسروقٌ خلف الإمام ،
فلما سلم الإمامُ قامَا يَقْضيانِ ، فجلَس مسروقٌ في الثانية والثالثة ، وقام جندبٌ
إلى الثالثةِ ولم يجلسْ ، فلما انصرفًا أتيا ابنَ مسعود ، فقال : كلٌّ قد أصابَ ،
ونفعل كما فعل مسروقٌ .
وعن معمرٍ ، عن جعفر الجزري ، عن الحكم ، أن جندبًا ومسروقًا أدركَا
ركعةً من المغربِ ، فقرأ أحدهما في الركعتين الأخرتين ما فاته من القراءة ، ولم
يقرإِ الآخر في ركعةٍ ، فسئل ابنُ مسعود ، فقال كلاهما محسنٌ ، وأنا أصنع كما
صنع هذا الذي قرأ في الركعتين .
وأكثر العلماء على أنه يقرأ في ركعات الصلاة كلها ، يقرأ في الركعتين
الأولتين بالحمدِ وسورةٍ وفي الآخرتين بالحمدِ وحدها .
وعلى هذا (٣)؛ إذا أَدرك المسبوقُ من الرباعية أو المغرب ركعتينِ ، يقرأ فيما
يقضي من الركعتين بالحمدِ وحدها، أو بالحمد وسورةٍ ؟ على قولين ، أشهرهما:
أنه يقضي بالحمد وسورة .
وهذا هو المنصوصُ عن مالكِ ، والشافعيِّ ، وأحمدَ .
(١) كذا .
(٢) (٢٢٧/٢) .
(٣) في الأصل : ((وحكى هذا)) خطأ.

٥٧٤
حديث : ٦٣٦
كتاب الأذان
ونصَّ الشافعي على أنَّ ما أدركه مع الإِمام فهو أولُ صلاته .
٠٠
وعن مالك في ذلك روايتان منصوصتان : إحداهما : هو أولُ صلاته .
والثانية : هو آخرها .
وكذلك عن أحمد ، ولكن أكثر الروايات عنه ، أنه آخر صلاته .
وأما مذهب أبي حنيفة وأصحابه ، فهو أنَّ ما أدركه مع الإمام آخر صلاته ،
وما يقضيه أولها .
وهو قول الحسنِ بن حَيَّ وسفيان الثوريّ (١
وعلى قولِ هؤلاء لا إشكالَ في أَنَّه يقرأُ فيما يقضي [بالحَمْدِ)(٣) وسورةٍ.
قال ابنُ المنذرِ : واختلفوا في الذي يدْركه المأمومُ من صلاةِ الإِمامِ .
فقالتْ طائفةٌ : يجعله أولَ صلاته ، رُوي هذا القولُ عن عُمَرَ وعليٍّ
وأبي الدرداء، ولا يثبت ذلك عنهم ، وبه قال سعيد بن المسيَّب والحسنُ وعمرُ
ابن عبد العزيز (٣) ومكحولٌ وعطاءٌ والزهريُّ والأوزاعيُّ وسعيدُ بن عبد العزيز
وإسحاقُ والمزنيُّ .
وقالت طائفة : يجعلُ ما أدرك مع الإمام آخرَ صلاته(٤)، كذلك قال ابنُ
عمر(٥). وبه قال مجاهدٌ وابنُ سيرين ومالكٌ والثوريُّ والشافعيُّ وأحمدُ .
قال ابنُ المنذرِ : وبالأول نقولُ . انتهى .
وأنكر ابن عبد البر(٦) نقلَ ابنِ المنذر ذلك عن مالك والشافعيِّ والثوريِّ
(١) في الأصل: ((والثوري)).
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) في الأصل: ((عبد الرحمن)) خطأ كما سيأتي .
(٤) في الأصل: ((آخر صلاة)).
(٥) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (١١٣/١ - ١١٤) وكذا بعض ما سبق ذكره .
(٦) (٢٠ /٢٣٥ - ٢٣٦) .

٥٧٥
٢١ - بَابُ لا يسعى إلى الصلاة ، وليأتها بالسكينة والوقار
كتاب الأذان
وأحمدَ ، وقال : إنما أخذه من قولهم في القراءة [في القضاء](١).
قالَ : وثبتَ عن ابنِ المسيبِ والحسنِ وعمر بن عبد العزيز(٢) ومكحول
وعطاء (٣) والزهريِّ والأوزاعيِّ وسعيد بن عبد العزيز : ما أدركت فاجعله أول
صلاتك .
قال : والذي يجيء على أصولِهِم - إنْ لم يثبتْ عنهم نصٌّ في ذلك - ما قاله
المزنيّ وإسحاقُ وداودُ وعبدُ العزيز بن الماجشون .
يعني : أنه يقرأ فيما يقضي بالحمْدِ وحدها ؛ لأنه آخر صلاته .
قال : وهذا أطردُ في القياس .
قال : فأمَّا مَنْ يقولُ : ما أدركه فهو أوَّل صلاته ، وما يقضيه آخرها ، ثم
يقولُ : يقرأ فيه بالحمدِ وسورة ، فكيف يصحُّ هذا على قوله ؟!
وروى حرب الكرماني بإسناده عن مكحول ، قال : ما أدركتَ فاجعلْه أولَ
صلاتك ، تقرأ في أولها بأمِّ القرآن وسورةٍ بينك وبين نفسك .
قلتُ : وهذا ظاهرٌ في أنَّه لا يقرأ فيما يقضي بسورةٍ مع الحمدِ .
وروى بإسناده - أيضًا - عن بقية، عن الزُّبَيْدِيِّ، قال : يقرأ فيما يقضي بأمِّ
القرآنِ وسورةٍ بقدرِ الذي فاته مع الإِمامِ . قال : وأما الأوزاعيّ فكان يقول :
يقرأ بأمِّ القرآن . قال بقية : وبه نأخذُ .
وروى - أيضًا - بإسناده ، عن ثابت بن عجلان ، عن سعيد بن جبيرٍ ، عن
ابن عباسٍ ، قال : ما أدركتَ مع الإمام فهو أولُ صلاتك ، واقرأْ فيه بفاتحة
الكتاب وسورة .
وهذا يدلّ - أيضًا - على أنه لا يقرأُ فيما يقضي زيادةً على الحمد .
(١) زيادة من ((التمهيد)).
(٢) انظر ابن أبي شيبة (١١٣/٢) عبد الرزاق (٢٢٦/٢).
(٣) انظر عبد الرزاق (٢٢٦/٢، ٢٢٩).

٥٧٦
حديث : ٦٣٦
کتاب الأذان
وروى عبد الرزاق(١)، عن معمر (٢)، عن قتادة - مثلَ (٣) قولِ ابن عباس.
وقد اتفقت النصوصُ عن أحمدَ على أنَّه يقرأُ فيما يقضي بالحمدِ وسورةٍ .
واختلف قوله في مأخذ ذلك :
فَنَقَل عنه هارونُ الحمالُ ، أنَّ مأخذ ذلك أنَّ ما أدركه آخرُ صلاته وما يقضيه
أولها . قال : فقيل له : قد حُكي عنْكَ أنَّك قلتَ : يقرأ بفاتحة الكتاب ويجعلُ
ءُ
ما أدرك أولَ صلاته . فأنكر ذلك(٤).
وهذا يحتمل أن يكون إنكارهُ للقول بأنه يقتصر على الحمد فيما يقضي تفريعًا
على ذلك ؛ فإن القولَ بأن ما أدركَه أول صلاته مشهورٌ عنه ، قد نقله عنه غيرُ
واحد ، فإنْ كان مرادهُ الأوَّل كان قوله بأنَّ القراءةَ فيما يقضي بالحمد وسورة لا
يختلف قوله فيه مع قوله : إنَّ ما يقضيه أولُ صلاته أو آخرها ، وهذا هو
المذهبُ عند ابن أبي موسى وغيره من متقدمي الأصحاب .
وقد نقلَ عبد الله (٥) والأثرمُ وغيرهما(٦) أنه يقرأُ فيما يقضي بالحمدِ وسورةٍ ،
مع قوله : آخر صلاته .
وإنْ كان مراده الثاني كان القولُ: يقرأ(٧) الحمد وسورة فيما يقضيه ، مبنيًّا
على الاختلاف فيما (٨) يقضيه : هلْ هو أولُ صلاته ، أو آخرها .
وهذا هو قولُ القاضي أبي يعلى ومَن بعده من أصحابِنا .
(١) (٢٢٦/٢) .
(٢) في الأصل: ((مغيرة)) خطأ . وسيأتي قريبًا على الصواب.
(٣) في الأصل: ((مثله)).
(٤) الأصل: ((فأنكره ذلك)) ولعل ما أثبت الصواب .
(٥) في ((المسائل)) (ص ١٠٧ - ١٠٨).
(٦) في الأصل : ((وغيرهم)) ولا يناسب.
(٧) الأشبه: ((بقراءة)).
(٨) في الأصل: ((وفيما)).

٥٧٧
٢١ - بَابُ لا يسعى إلى الصلاة، وليأتها بالسكينة والوقار
كتاب الأذان
وأنكر بعض المتأخرين منهم أنْ يصحَّ القولُ بقراءةِ الحمدِ وسورةٍ فيما يقضيه
على كلا القولينِ ، إلا على قولِ مَنْ يرى استحبابَ القراءةِ بالحمدِ وسورة في كل
ركعة من الصلاة كلها ، أو على أن مَن نَسِيَ قراءةَ السورةِ في الأُولَيَين قَرَأَها في
الأُخْرَبَين .
وهذا المأخذُ الثاني لا يصحُّ ؛ فإنه لا نسيانَ هاهنا .
وللمسألة مأخذانِ لم يذكرهما هذا القائلُ :
أحدهما : الاحتياطُ، ونصَّ عليه أحمدُ في رواية صالح(١) وعبد الله
وغيرهما ، قال : يكونُ جلوسُه على أول صلاته وفي القراءة يحتاطُ فيقرأُ فيما
يقضي .
يعني : أنه إنْ أدركَ ركعة من الرباعية تشهَّد عَقِيب قضاء ركعة ، فيجعل ما
أدركَ أولَ صلاته في الجلوس للتشهدِ ؛ ويقرأ في ركعتين فيما يقضي بالحمد
وسورة احتياطاً لقراءة السورة ؛ فإنها سنَّة مؤكدة ، فيحتاطُ لها ، ويأتي بها في
الركعات كلها ؛ للاختلاف في أول صلاتِه وآخِرِها .
والمأخذُ الثاني : أنه إذا أَدركَ مع الإمامِ ركعتين من الرباعية ، فإنَّه لا يتمكنُ
من قراءة السورة مع الحمد معه غالبًا ، فإذا صلَّى معه ركعتين قرأَ فيهما بالحمد
وحدها ، ثم قضى ركعتين ؛ فإنَّه ينبغي أن يقرأ فيهما سورةً مع الفاتحة ؛ لئلاً
تخلوا هذه الصلاةُ من قراءة سورةٍ مع الفاتحةِ ، مع حصولِ الاختلافِ في
استحبابِ قراءة السورةِ فيما يقضيه، فالاحتياطُ أن يقرأ فيما يقضي بالحمدِ وسورةٍ.
أما لو كانَ قد قرأَ فيما أدْرك مع الإِمام سورةً مع الفاتحةِ ؛ فإنَّه لا يعيدُ
السورة فيما يقضيه ، لا سيما عند مَنْ يقول : إنَّ ما أدْرَكَهُ هو أوَّلُ صلاته .
ولهذا قال قتادة : إذا أمكنكَ الإمامُ فاقرأْ في الركعتين اللتين بقيتا سورةً
(١) (٣٤٢) (٤٦١) .

٥٧٨
حديث : ٦٣٦
كتاب الأذان
سورةً ، تجعلُهما أولَ صلاتكَ .
ذكره عبد الرزاق(١)، عن معمر ، عنه .
ولم أجدْ لأحمدَ ولا لغيره من الأئمة نصًّا صريحًا أنَّه يقرأ بالحمد وسورة فيما
أدركَه خلفَ الإِمامِ ، ثم يعيدُ ذلكَ فيما يقضيه ، بل نصَّ على أنَّ مَن أدركَ ركعةً
من الوتر وقضى ما فاته أنه لا يعيد القنوت .
وعلَّله أبو حفصٍ البرمكي بأنه قد قنتَ مع الإِمامِ فلا يعيد كما لو سجد معه
للسهو . قال : ويحتمل أنه لم يُعدْه لأنَّه أدركَ آخر الصلاة .
ونصَّ الشافعي(٢) على أنَّ المسبوقَ بركعتينِ من الرباعيةِ يقرأُ فيما يقضي
بالفاتحةِ وسورتينِ .
فاختلفَ أصحابه(٣) على طريقين :
أحدهما : أن في استحبابِ السورةِ له القولانِ في استحبابِ قراءة السورةِ في
الركعتين الأخريينِ ، وأنَّ الشافعي إنَّما فرَّع نصَّه هذا على قوله باستحبابِ قراءةِ
السورةِ في كل الركعاتِ ، وهذا قاله أبو عليٌّ الطبري .
والطريق الثاني : قاله أبو إسحاقَ ، أَنَّه يستحبُّ للمسبوق قراءةُ السورة قولاً
واحدًا ، وإنْ قيلَ : لا يستحبُّ لغيره قراءةٌ في الأخريين ؛ لأن المسبوقَ لم يقرإِ
السورة في الأُوْلَيَين، ولا أدركَ قراءةَ الإمامِ السورةَ ، فاستحبَّ له ؛ لئلا تَخْلو
صَلاَّتُه من سُورَتين .
وهذا الطريقُ هو الصحيحُ عندهم ، وعليه أكثرُ أصحابِهِمْ .
وأما الجهرُ بالقراءَةِ في العِشاءِ وثالثةِ المغربِ ، فأكثرهم على أنَّه لا يجهر .
(١) (٢٢٦/٢) .
(٢) ((الأم)) (١٥٨/١).
(٣) فى الأصل: ((أصحابنا)) كذا ، ولا يستقيم.

٥٧٩
٢١ - بَابُ لا يسعى إلى الصلاة ، وليأتها بالسكينة والوقار
كتاب الأذان
وحكَوْا فِي جَهْرُه قولينٍ للشافعي .
ومنهم منْ قالَ : نصَّ في ((الإملاء)) على أنه يجهرُ ؛ لأن الجهرَ فاته
فَيُتَداركُ، ونصَّ في غيره على أنَّه لا يجهرُ ؛ لأنَّ سنةَ آخر الصلاة الإسرارُ
بالقراءة ، فلا تفوتُه . وبهذا يفرقُ بينه وبين السورةِ .
وصرَّح بعضهم بأنه لو كانَ الإمام بطيءَ القراءةِ فأمكن المسبوقُ أن يقرأ معه
السورةَ فيما أدْركَ فقرأها ، لم يُعِدْها في الأخريين ، إلا على قولهم : يقرأُ
بالسورةِ في الركعات كلها ، وهو حسنٌ موافق لما ذكره .
وهاهنا مأخذٌ ثالثٌ ؛ وقد صرَّح به غير واحد من السلفِ ، وقد روي عن
عليٌّ ما يدلُّ عليه، وصرَّح به الترمذيُّ وغيره ، وهو : أنَّ من أدركَ مع الإمام
ركعتين فقدْ فاتَه معه ركعتانِ بسورتيهما ، فيشرعُ له قضاءُ ما فاتَه على وجهه .
لكن ؛ هلْ يقضيه فيما أدرك مع الإمامِ ، أو فيما يقضيه بعد قراءَتَه ؟
فالمروي عن عليٌّ أنه يقضيه فيما أدركه مع الإِمام ، وقال : هو أولُ صلاته.
وقال ابن مسعودٍ وغيره : فيما يقضي لنفسه وحده منفردًا .
فإمَّا أن يكونَ مأخذُهم أنَّه أولُ صلاته، وإمَّا أن يكون مأخذُهم أنَّ القضاءَ
إنما يكونُ بعد مفارقةِ الإمامِ ما أدركَ ، ويقضي ما سبقَ ، ولا يكونُ في حال
متابعته ، وإن كان آخر صلاتهِ .
وروى عبد الرزاق(١)، عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين وأبي قلابة ،
قالا : يصلي مع الإِمام ما أدرك ، ويقضي ما سُبْقَ به مع الإمامِ من القراءةِ . مثل
قولِ ابن مسعودٍ .
وقال عمرو بن دينار(٢): ما فاتَك فاقضه كما فاتَك .
(١) (٢/ ٢٢٧) .
(٢) ابن أبي شيبة (١١٤/٢).

٥٨٠
حديث : ٦٣٦
كتاب الأذان
وروى ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن المغيرَةِ ، عن جهمٍ بنِ الأسودِ ، عن
أبي سعيد الخدريِّ ، قال : اقرأ فيما تقضي بما قرأ به الإمامُ .
خرجه عبدُ اللَّه ابن الإمامِ أحمدَ .
وروى الأعمشُ، عن إبراهيم ، قال : إنَّما القراءة في القضاء . قال : وقال
لي سعيد بن جبير : تقرأْ فيما تدركُ (١).
والمروي عن أبي سعيد يدل على أنه يستحبُّ أن يقرأ فيما يقضيه بالسورتين
اللتينِ قرأ بهما الإمامُ ؛ لتكون قراءته لهما قضاءً بما فاتَه مع الإِمام حقيقةً .
وأيضًا ؛ فإنَّ [عامة] (٢) الكوفيين لا يرونَ القراءة خلف الإمام ، وقد اختلفوا
في القراءةِ هاهنا خلفَه فيما أدركَهُ ؛ لأنه قضاءٌ للقراءة الثانية ، فرأى القراءةَ عليّ
وسعيدُ بن جبير ، ولم يره ابنُ مسعود وعلقمةُ والنخعيُّ والأكثرونَ منهم .
وأما إذا أدرك ركعةً من الرباعيةِ أو المغربِ ، فإنه يجلسُ للتَّشْهُّدِ عَقب قضاء
ركعة، كما قاله ابنُ مسعود وعلقمةُ، وقاله سعيد بن المسيَّب . وهو المشهورُ
عن أحمدَ (٣) .
وأخذ أحمدُ في هذه المسألةِ بما روي عن ابن مسعودٍ ، وفي الأولى بما روي
عن ابن عمر ، وقاله ابن مسعودٍ - أيضًا .
ومن أصحابِنا من بنى هذا على قولِ أحمدَ: إنَّ ما يقضيه آخر صلاته. قال :
فإنْ قلنا : هو أولُ صلاته ، تَشَهَّد عقب قضاء ركعتين .
وقال الأكثرون : بل في المسأَلَةِ روايتانِ غير مبنيتين على هذا الأصلِ .
وهذا هو الذي يدلُّ عليه كلامُ الإمام أحمدَ صريحًا ؛ فإنَّه أخذ في القراءة
(١) ابن أبي شيبة (١١٣/٢ - ١١٤).
(٢) في الأصل: ((علمًا)) هكذا رسمت بالتنوين ، ولعل ما أثبته أشبه.
(٣) انظر: ((مسائل عبد اللَّه)) (ص ١٠٧).